أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الصفحة الرئيسة > مكانة البوذية في العالم > المعلمون الروحيون > صورة لتسينشاب سيركونغ رينبوتشي > الجزءُ السَّابعُ: نصائحُ رينبوتشي الخاصة بممارسي التانترا

صورة لتسينشاب سيركونغ رينبوتشي

ألكسندر بيرزين، ١٩٨٨ م

الجزءُ السَّابعُ: نصائحُ رينبوتشي الخاصة بممارسي التانترا

على الرغم من أن استمرار خلوات التأمل التانترية عبر فتراتٍ طويلة أمرٌ مفيدٌ، فإن معظم الناس ليس لديهم من الترف ما يُمكِّنهم من مباشرتها، ولهذا فقد شعر رينبوتشي أنه من ضِيق الأفق أن نظن أننا لا نستطيع فعل هذا النوع من الخلوات إلا إذا تفرَّغنا ثلاثة أشهر أو أكثر.

إن الخلوة لا تعني فترة من انقطاع أنفسنا بالكليةٍ عن الآخرين، لكنها فترةٌ من الممارسة المكثَّفة لجعل عقولنا مرنةً بالممارسة، فأداء جلسةٍ واحدةٍ صباحَ مساءَ، بينما نعيش حياةً عاديةً بقيةَ اليوم، هو أمرٌ مقبولٌ تمامًا، فرينبوتشي نفسه أدَّى معظم خلواته بهذه الطريقة، دون أن يعرفَ أحدٌ أبدًا أنه يؤدي جلسةً واحدةً.

القيود الوحيدة مع طريقة الممارسة هذه هي أن تنام في نفس السرير، وتتأمل على المقعد نفسه في المكان نفسه طوال الخلوة، وإلَّا فإن زخم الطاقة الروحية ينكسر. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تشمل كل جلسة على الأقل عددًا من المانترات والسجدات، أو بعض الممارسات المتكررة الأخرى، كما حدَّدها العدد الذي كررتَه أثناء الجلسة الأولى من الممارسة، ولهذا فقد كان رينبوتشي ينصح بالتكرار ثلاث مرات فقط في الجلسة الأولى من الممارسة المختارة، وبهذه الطريقة فإن مرضًا شديدًا لن يُحتِّم قَطْع تواصل الخلوة، ووجوب البدء من جديد.

ومع هذا، فهي مثل أشكال النظام البوذي كله، تطبق قاعدة: "الضرورة أحيانًا تبيح المحظور"، لكن في حالات خاصة جدًّا. وذات مرةٍ في دارامسالا، ووسط خلوة تأمل، تلقيتُ طلبًا لترجمة تفويض وتعاليم سيعطيها قداسة الدالاي لاما في مانالي، وهي مدينة هندية أخرى على الهيمالايا، فاستشرتُ رينبوتشي، فأخبرني أن أذهبَ دون ترددٍ أو ريبةٍ، فمساعدة قداسته سيكون أمرًا أكثر إفادةً من أي شيءٍ آخر يمكنني فعلُهُ، ولن ينكسر زخمُ ممارستي طالما أني أؤدي جلسةَ تأملٍ يوميًّا، أكرر العدد الأدنى من المانترات التي حددتُها، فاتبعتُ هذا الإجراء، وبعد عشرة أيامٍ مع قداسته عدتُ إلى دارامسالا، وأكملتُ خلوتي.

دائمًا ما كان رينبوتشي يُؤكِّد على أن الإجراءات الطقوسية هادفة وجادة، وهي بحاجةٍ إلى أن تؤدى بطريقةٍ صائبةٍ. فعلى سبيل المثال تتطلب الخلوات التانترية تَكرار مانترات معينة عددًا معينًا من المرات، وعندئذٍ تأدية "بوجا نارية" بعد ذلك.

والبوجا النارية هي طقسٌ مُعقَّد لتقديم مواد خاصة في نار، يكون هدفه هو التعويض عن أي قصور في الممارسة، وتنقية الأخطاء التي عملناها.

بعض الخلوات ذات صعوبةٍ خاصةٍ. فعلى سبيل المثال، فإن إحدى هذه الخلوات التي أديتُها تتطلَّب تَكرار مانترا مليون مرة، وأثناء طقس البوجا النارية المُفصَّل تتطلب تقديم عشرة آلاف زوج من عيدان الحشائش الطويلة أثناء تلاوة مانترا مع كل زوجٍ، ويجب أن يلقى بالعشرة آلاف إلى النار في جَلسةٍ واحدةٍ، ودون توقف.

وحينما أديتُ طقسَ البوجا النارية الخاص بي في جلسة واحدة دون فاصلٍ، وحينما أديتُ طقس البوجا النارية الخاص بي في نهاية خلوتي هذه، نَفِدَ ما عندي من العيدان قبل أن أُكمِل العدد المطلوب، وبعد انتهاء بقية الطقس أخبرتُ رينبوتشي بالأمر، فجعلني أعيد البوجا النارية كاملة بعد ذلك ببضعة أيام، وهذه المرة تأكدتُ أن لدي عشرة آلاف من العيدان جاهزة!

كان رينبوتشي يؤكد على الحاجة إلى الاعتماد على النفس؛ لأن خبراء الطقوس ليسوا موجودون دومًا، ولذا فقد علَّم تلاميذَه الغربيين المتقدِّمين كيف يؤدون البوجات النارية بأنفسهم. وقد شمل هذا كيفية إعداد حفرة النار، وكيفية رسم تصميم نموذج الماندالا المطلوب على أرضية الحفرة بالمساحيق الملونة.

حتى لو طلب الغربيون شخصًا آخر ليتلو الطقسَ إذا لم يكن موجودًا بالفعل في لغاتهم، فقد وضح لهم رينبوتشي بأنه يتوجَّب عليهم أن يُقدِّموا المواد المختلفة في النار بأنفسهم، ويصدق هذا حتى لو كانوا يؤدون خلوة جماعية.

ومع ذلك فإن اتباع الإجراءات بطريقةٍ صائبةٍ لا يتناقض مع النهج العملي. فعلى سبيل المثال تبدأ الخلوات التانترية بإعداد قَرابينَ خاصة عند مذبح البيت، ثم تقديمها كل يوم تالٍ لصد العقبات، وتتمثل العقبات في شكل الأرواح المتداخلة، وتُدعَى يوميًّا لتناول القربان. وقد نصح رينبوتشي بأن علب أو جِرار الحلوى هي بديلٌ مقبولٌ تمامًا للتورما التقليدية المزخرفة المستخدَمة لهذا الغرض.

ولم يكن رينبوتشي سعيدًا بالذين يمارسون ممارساتٍ متقدمةً وهم غير مؤهلين، فبعض الناس - على سبيل المثال – يحاولون ممارسات مرحلة كاملة، في حين أنهم غير راغبين، أو حتى مهتمين، بعمل سادانا طويلة، فضلاً عن الإجادة فيها.

أعلى درجات التانترا هي الأنوتارايوغا، ولها مرحلة من جيل واحد، ثم ممارسات مرحلة كاملة. والمرحلة السابقة تُدرِّب على قُوَى التخيل والتركيز من خلال ممارسة السادانا، أما المرحلة اللاحقة فتستخدِم قوى العقل المتطورة للعمل مع نظام الطاقة الخفية للجسم لإحداث تحول ذاتي حقيقي. وبدون المهارات المكتسبة من خلال مممارسة السادانا فإن العمل بالتشاكرا والقنوات ورياح الطاقة لهذا النظام اللطيف هو مهزلة.

لقد حذَّر رينبوتشي من أن ممارسات التانترا المتقدمة قد تكون مُضرةً جدًّا لو أداها شخص غير مؤهل بطريقة خاطئةٍ. فعلى سبيل المثال نَقْلُ الوعي (بُوا)، الذي ينطوي على تخيل إطلاق الرصاص على الوعي والإدراك، إلى أعلى رأس الإنسان متوقعًا الموت، يمكن أن يُقَصِّرَ عمرَ الإنسان! وتناول جوهر الأقراص (تشولين)، التي يصومُ المرءُ خلالها أسابيع، ويحيا على بقايا أقراص مقدسة، إذا كان في مجموعاتٍ على وجه الخصوص فإنها قد تُسبِّب مجاعةً في المنطقةِ. وبالإضافة إلى ذلك، فالشخص الذي يُؤدِّي مثل هذه الممارسة قد يمرضُ مرضًا خطيرًا نتيجةً لنقص الغذاء والماء، بل قد يموت.

الخلوات التانترية هي نفسها ممارسة متقدمة، وقد حذر رينبوتشي من الدخول فيها قبل الأوان. فأحيانًا – على سبيل المثال – يَشْرَع الناس في خلوة يتلوَّن فيها مئة ألف مانترا، لكنهم غير معتادين على هذه الممارسة سلفًا، فهم يتخيلون أنه في أثناء الخلوة سيكتسبون الخبرة.

وعلى الرغم من أن قضاء فترة مكثفة في الدراسة، والتعود على ممارسة معينة، هو أمرٌ مفيدٌ، فليس هذا هو العمل الذي يُؤدَّى أثناء خلوة تانترية رسمية، فالشخص الذي لا يعرف السباحة لا يبدأ التدريب بالممارسة في حمام السباحة اثنتي عشرة ساعة في اليوم، فمثل هذا الحمق يقود إلى التشنجات والإنهاك، والتدريب المُرَكَّز يقتصر على السباحين المتمرسين ليكونوا من كبار الرياضيين. الشيء نفسه ينطبق على خلوات التأمل التانترية.

وعلاوة على ذلك، فالممارسة التانترية بحاجة إلى أن تظلَّ أمرًا خاصًّا. وإلَّا فقد ينشأ كثيرٌ من التداخل. فقد رأى رينبوتشي أن العديد من الغربيين لا يحافظون على سرية ممارساتهم وإنجازاتهم، بل إنهم يتباهون بها، فقال: إنه من العبث المباهاة بكون المرء ممارسًا مُتمكِّنًا لليوغي لشكل معين من أشكال بوذا، في حين أن كل ما يفعله المرء – أو فَعَله – هو خلوتها القصيرة بتلاوة المانترا المتعلقة بها مئتي ألف مرة، وكَوْنُ المرء مُتظاهرًا ومتغطرسًا، في حين أنه لا يمارس يوميًّا السادانا الطويلة للشكل، أمرٌ يثير الشفقة.

كان رينبوتشي دائمًا يوضِّح أن الساداناتِ الطويلة إنما هي للمبتدئين، وغالبًا ما تحتوي هذه السادانات على أكثر من مئة صفحةٍ، وهي تشبه نصوصَ الأوبرا الطويلة لعمليات التخيل. والسادانات المختصرة القصيرة هي للممارسين المتقدمين، الذين اعتادوا على الممارسة الكاملة، التي يمكنهم ملؤها في كل التخيلات والإجراءات، بينما يتلوَّن فقط بضع كلماتٍ.

لقد علَّمنا رينبوتشي أننا – نحن الغربيين – بحاجةٍ إلى كبح جماح ميولنا للرغبة في تقديم كل التعليمات والتعاليم كما هي من البداية، خاصة فيما يتعلق بالتانترا. فالأساتذة التبتيون والهنود العظام كانوا قادرين تمامًا على كتابة نصوصٍ واضحةٍ، ورغم ذلك فقد كتبوا بأسلوبٍ غامضٍ متعمدين؛ إذ إن جَعْل المادة التانترية واضحةً وسلسة قد يُسبِّب التداخل وتدهور الممارسة. فعلى سبيل المثال قد يُسلِّم الناس جدلاً بالتعاليم، ولا يبذلون أي جهدٍ جادٍّ في تحصيلها.

جزء مهم من الأسلوب التعليمي البوذي هو جَعل الآخرين يسألون عن المعنى؛ فلو أن الطلاب كانوا مهتمين في الحقيقة فسوف يبحثون عن مزيدٍ من التوضيح، وهذا يستبعد بطريقة آلية هؤلاء الذين يُعتبَرون "سائحين روحيين"، ولا يرغبون في بذل الجهد الضروري لنيل التنوير.

ومع ذلك فلو أن الغرض من توضيح التانترا هو استبعاد انطباعات الناس المشوَّهة والسلبية عنها، فقد أيَّد قداسة الدالاي لاما الرابع عشر طباعة شروحٍ واضحة. ومع ذلك فإن هذه الشروح تهتم بالنظرية فقط، لا بالممارسات الخاصة بأشكال بوذا الفردية. إن كتابةَ دليلٍ واضحٍ عن كيفية الممارسة قد يُشجِّع الناس على تجربة الممارسات المتقدمة دون إشراف معلم، وهو ما يمكن أن يكون خطيرًا جدًّا.

والأخطر من ذلك كله – كما يقول رينبوتشي – هو معاملة حماة الدارما باستخفافٍ؛ فحماة الدارما هم قُوًى قوية، وهي غالبًا أرواح، رَوَّضَهم الأساتذة العظام، فجعلوا هذه الكائنات العنيفة في العادة يقسمون أن يحموا تعاليمَ بوذا (الدارما) وممارسيها المخلصين من الأذى والعقبات، واليوغيون العظام وحدهم هم الذين يمكنهم أن يجعلوهم تحت السيطرة.

غالبًا ما كان رينبوتشي يروي قصة أحد الحماة الذين أعطوا العهد على حماية ممارسة الدير المكرَّس للمناظرة، فيجب أن يحدث تشويشًا، مثل المرض والحوادث، لأي شخصٍ يحاول ممارسة التانترا داخل أراضيه، حينما ينبغي أن يكون مناظِرًا.

والرهبان الذين أنهوا تدريباتِهم في الجدليات، الذين درسوا أكثر من ذلك في إحدى الكُليتينِ التانتريتين هم وحدهم المسموحُ لهم بممارسة التانترا، وحتى هؤلاء فإنهم يمارسونها خارج جدران هذا الدير.

أحد الغيشيات – وهو لا يزال طالبًا – اعتاد أن يُقدِّم قربانًا محروقًا من أوراق شجر العرعر المرتبط بالتانترا داخل أراضي الدير، فابتُلي باستمرارٍ بالعقبات، ثم التحق بإحدى الكليات التانترية، وبعد التخرج استأنف عمل هذا القربان، لكن خارج جدران الدير على سفح جبلٍ قريب.

وبعد ذلك بأعوام، وبعدما حاز هذا الغيشي إدراكًا مباشرًا غير مفاهيمي للخواء، ظهر له القرين في رؤية، وقد اعتذر له الروح الذي يبدو على محياهِ الشراسةُ قائلاً: "أنا آسف أني اضطررتُ إلى إيذائك سَلَفًا، لكن هذا كان جزءًا من تَعهُّدي لمؤسس الدير، أمَّا الآن، وقد حققتَ الإدراكَ الواضحَ للخواء، فحتى لو رغبتُ فلن أستطيع أن أسببَ لك أيَّ أذًى."

لقد أكَّد رينبوتشي على أهمية هذا المثال، فإن اللعب مع قُوًى وراء قدراتنا على التحكم يمكن أن يؤدي إلى كارثة، وغالبًا ما كان يقتبسُ مقولةَ قداسَتِه حينما كان يرددُ دومًا: إن علينا أن نتذكر أن حماة الدارما هم خدم لأشكال بوذا. هؤلاء وحدهم ذوو الكفاءة العالية في مرحلة جيل الأنوتارايوغا تانترا، ومعهم قوة التحكم بوصفها شكل بوذا، هم الذين ينبغي عليهم الانخراط، وإلَّا فإن الانخراطَ قبل الأوان سيكون مثل طفل صغير ينادي على أسدٍ عملاق لحمايته، فالأسد قد يلتهم الطفل بكل بساطة. وقد نصح قداستُه بأن الكارما، التي تُوجِدُها أفعالُنا، هي حامينا الأفضل، وعلاوة على ذلك فماذا حدث لأخذ اللجوء في الجوهرة الثلاثية: أشكال بوذا، والدارما، والمجتمع الروحي المتحقَّق بنسبة عالية؟