أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

التعامل مع العواطف: كيفية التعامل مع الغضب

لكسندر بيرزين
بينانغ، ماليزيا، يوليو ١٩٨٧ م
محاضرة ألقيت على جمهور من الصين

مشكلات الحياة

إن الموضوع الذي نحن بصدد مناقشته اليوم هو: "التعامل مع العواطف: كيفية التعامل مع الغضب"، وأفترض أن السبب في مجيئنا لمناقشة هذا الموضوع هو أن جميعنا – تقريبًا – نشعر بوجود مشكلات معينة في حياتنا؛ فنحن نريد أن نكون سعداء، ولا نريد أن يكون لدينا أية مشكلات، ولكننا دائمًا ما نضطر إلى أن نواجه العديد من العقبات الصعبة.

عندما نصطدم بتلك العقبات فقد نصاب بالاكتئاب أحيانًا. وقد نشعر بالإحباط في عملنا؛ إما بسبب أوضاعنا الاجتماعية، أو ظروفنا المعيشية، أو المواقف العائلية. وقد تواجهنا المشكلات بسبب عدم الحصول على ما نريد، فنحن نريد أن نكون ناجحين، نريد أن يصيب الخير وحده عائلاتِنا وأعمالَنا، ولكن هذا لا يكون دائمًا.

إذن فعندما نواجه هذه المشكلات نصبح تعساء، فأحيانًا تصيبنا أمور لا نريدها، مثل المرض أو الضعف الناتج عن كبر السن، أو فَقْد البصر أو السمع، فلا يوجد منا من يريد أن تحدث له مثل هذه الأمور.

فالمشكلات تواجهنا في أعمالنا، فأحيانا تسوء أوضاعه، أو يتدهور، أو حتى يفشل، وبالتأكيد نحن لا نريد ذلك، ولكنه يحدث على أية حال. وأحيانًا أخرى نصاب بالأذى؛ فقد نؤذي أنفسنا، أو نصاب بحادث، أو نمرض. كل هذه مشكلات تعرض لنا في حياتنا.

وإضافة إلى ما سبق فإننا نواجه العديد من المشكلات العاطفية، والانفعالية أيضًا، وربما يكون هذا من الأشياء التي لا نحب أن نناقشها، أو نُظهِرها للآخرين، ولكن بداخلنا نجد أن هناك أشياء معينة تزعجنا فيما له علاقة بتوقعاتنا مع أطفالنا ومخاوفنا وقلقنا. كل هذه الأشياء تخلق لنا الكثير من الصعوبات، وهذا ما نطلق عليه "المشكلات المتكررة بطريقة لا يمكن التحكم فيها" أو "السامسارا".

المشكلات المتكررة بطريقة لا يمكن التحكم فيها هي السامسارا

تلقيت تدريبي وتكونت خلفيتي الثقافية خلال عملي مترجمًا، وبحكم طبيعة عملي سافرت حول العالم إلى بلدان مختلفة، أمارس فيها عملي مترجمًا ومحاضرًا عن البوذية، وأثناء ذلك اكتشفت أن هناك سوء فهم كبير للبوذية، وكان واضحًا أن سوء الفهم هذا يعود – في الجزء الأكبر منه – إلى الكلمات الإنجليزية المنتقاة لترجمة المصطلحات الأصلية، وكذا الأفكار. وقد اختار مبشرو العصر الفيكتوري العديد من هذه الكلمات في القرن الماضي، وتحوي هذه الكلمات دلالات أكثر قوة لا تحويها دلالات أو معاني الكلمات الأصلية في اللغات الآسيوية.

فعلى سبيل المثال: كنا قد تحدثنا عن "المشكلات"، التي عادة ما تُترجَم بـ"المعاناة"، وإذا تحدثنا عن المعاناة فإن كثيرًا من الناس سيفهمون أن البوذية دين يغلب عليه التشاؤم الشديد؛ لأنه يقول بأن حياة الفرد مليئة بالمعاناة، فبدا الأمر كما لو أن البوذية تنفي حقنا في أن نكون سعداء. وإذا تحدثنا مع شخص في رَغَدٍ من العيش، فهو في أحسن أحواله وذو ثروة، وقلنا له: "إن حياتك مليئة بالمعاناة". فسوف نجد هذا الشخص مندفعًا ومجادلاً وهو يقول: "ماذا تقصد بهذا؟ أنا أملك مسجل فيديو وسيارة جيدة وأسرة لطيفة، وأنا لا أعاني من شيء".

وإجابته هذه لها تبرير؛ فكلمة "معاناة" لها وقع ثقيل. ولكننا إذا ترجمنا ذلك المصطلح البوذي نفسه بكلمة: "مشكلات"، ثم واجهنا شخصًا ما بهذه الكلمات: "يا لثرائك! ومهما يكن عدد أطفالك فإن لكل شخص مشكلات ما في حياته". فسوف يتقبل هذا الكلام ويتقبله كذلك كل إنسان. وبناءً على ذلك يجب عليَّ أن أناقش هذه التفاسير البوذية من خلال العُرف التبتي، بمصطلحات تختلف قليلاً عن تلك المستخدمة عادة.

إن المشكلات المتكررة بطريقة لا يمكن السيطرة عليها هي "السامسارا"، وهذه مواقف لا سيطرة لنا عليها، وتستمر في التكرار، مثل: الشعور الدائم بالإحباط، أو الشعور الدائم بالقلق والمخاوف.

والآن نستعرض: ما الأسباب الحقيقية وراء ذلك؟ تحدث بوذا عن كيفية وجود المشكلات التي تواجهنا، وكذلك تحدث عن الأسباب الحقيقية لها، وأنه من الممكن أن نمنع هذه الأسباب أيضًا، ولكي نمنعها بصورة حقيقية يجب إتباع "مسار صحيح"، وهو الذي يعني تنمية طرق فهم "العقول ذات المسارات الصحيحة"، ونستأصل هذه الأسباب من جذورها. وحينما نتخلص من الأسباب فسوف نكون قد تخلصنا من المشكلة.

أصل المشكلات: مشددا على وجود هوية راسخة

إن السبب الحقيقي لهذه المشكلات المتكررة بطريقة لا يمكن التحكم فيها، التي نواجهها في الحياة، هو أننا لا نعرف الحقيقة، فلسنا مدركين لكينونتنا الحقيقية، ومن يكون الآخرون حقًّا، وما معنى الحياة، وما الذي يحد ث في العالم. إنني استخدم هنا كلمة عدم الإدراك بدلاً من الجهل؛ فكلمة الجهل تبدو كما لو أن شخصا يقول لك: "إنك غبي، ولا تفهم". بدلاً من ذلك فإننا ببساطة نكون غير مدركين، ولذلك فإننا نسعى وراء نوعٍ ما من الشخصية القوية أو الثابتة، نوعٍ من "الأنا"، كقولك مثلاً: "إنني لا أعرف من أكون، وكيف أُوجَد، ولهذا أتشبث بشيء؛ إما أن يكون حقيقيًّا، أو ربما مجرد خيال عن نفسي، وسأقول إن هذا الشيء هو أنا، وإن هذا هو ما أنا عليه في الواقع".

من الممكن أن تتعلق بهوية، فكونك أبًا – على سبيل المثال – سيجعلك تقول: "هذا ما أنا عليه، أنا الأب، ويجب أن أحظى بالاحترام في أسرتي، وعلى الأطفال أن يكون لديهم ميل للاحترام والطاعة تجاهي". وإذا كان توجهنا الكلي في الحياة على طريقة كونك أبًا فمن الواضح أنه هذا يصنع الصعوبات، وكون أطفالنا لا يحترمون هذا فستكون هناك مشكلة. فإذا كنا في المكتب فلن ينظر الناس إلينا بوصفنا آباء، أو أشخاصًا نستحق مثل هذا النوع من الاحترام، وهذا يمكن أن يكون مزعجًا جدًّا مرة أخرى. ماذا سيحدث إذا كنتُ صاحب الكلمة العليا في أسرتي، ثم عندما أذهب إلى عملي يعاملني الآخرون باحتقار، وكأني أقل منهم، ويجب أن أظهر الاحترام لهم؟ إذا مشددا نا بشدة بهوية الأب، وضرورة أن نحظى بالاحترام. فقد نصبح تعساء جدا إذا وجدنا الآخرين لا يعاملوننا بالطريقة نفسها.

يستطيع أي واحد منا أن تكون له هوية تشبه شخصية رجال الأعمال الناجحين، ويستطيع أن يقول: "أنا رجل أعمال ناجح، وهذا ما أنا عليه، وهذه هي الطريقة التي يجب أن أكون عليها". ولكن إذا فشلنا في العمل، أو ساءت أحواله، فإن ذلك سيقضي علينا تمامًا، أو يدفع بعضنا إلى الانتحار، أو ارتكاب أي شيء مريع؛ لأنهم لا يستطيعون رؤية الحياة تستمر بدون هذه الهوية القوية التي تعلقوا بها.

أو نؤسس هويتنا على القوة والحزم، ولسان حالنا يقول: "هذا ما أنا عليه، أنا رجل حازم وقوي وجذاب". ولكن عندما نتقدَّم في السن، ونفقد قوتنا، فإن هذا قد يدفعنا إلى الجنون. إن البعض قد يتحطمون كليًّا إذا كانت هذه هي هويتهم الذاتية، فهم لا يريدون أن يدركوا أن كل شيء يتغير في الحياة، وأن هذه الهوية ليست دائمة.

ربما نشعر أيضًا بأننا أشخاص تقليديون، ولذلك يجب أن يعمل كل شيء طِبقًا لطرق تقليدية. وعندما يتغير المجتمع، ولم يعد الصغار يتبعون تقاليدنا التي نؤسس عليها هوياتنا، فمن الممكن أن يغضبنا هذا جدًّا، ويضايقنا ويؤذينا. ونحن لا نستطيع أن نتخيل حقًّا كيف يحتمل أن نعيش في عالم لا يسير وفقًا لعاداتنا الصينية القديمة، والطريقة التي تربينا عليها.

من ناحية أخرى فكونك شابًّا فهذا يتبعه أن تؤسس حياتك بناء على أنه شخص عصري، وكأنك تقول: أنا شخص عصري في هذا العالم، ولا أحتاج إلى هذه القيم البالية". ولكننا في حال تمسكنا بهذا، وإصرار آبائنا على أن نتبع القيم التقليدية، وعلى معاملتنا بهذه الطرق القديمة، فقد نشعر – نحن الشباب العصري – بالعداء والغضب الشديدين، وقد لا نعبر عن هذا علنًا، ولكننا نضمر هذا في صدورنا؛ لأن هويتنا هي هوية الشخص العصري، فلا حاجة لنا في زيارة آبائنا في عيد رأس السنة الصينية، ولسنا مضطرين لفعل هذه الأشياء التقليدية، وسيكون لدينا الكثير من المشكلات مرة أخرى.

من الممكن أيضًا أن نحدد هويتنا بناء على طبيعة عملنا، وحينئذٍ فإذا باء عملنا بالفشل، أو رأينا أنفسنا في إطار هذه المهنة الوحيدة التي لدينا، فلن نتمتع بالمرونة. فأحيانًا إذا لم نستطع أداء عملنا الذي كنا نعمله من قبل فسوف نشعر أن العالم قد انتهى، ولن نستطيع أن نمارس مهنة مختلفة، ولا يجب علينا أن نمارس دائمًا نوعًا واحدًا من المهن. نحن نستمسك بمثل هذه الأنواع المختلفة من الصعوبات؛ لأنها وسيلة تشعرنا بالأمان. ونحن نتمسك ببعض الأفكار عمَّن نكون، وأي نوع من القوانين نتبع، وما نوع الأشياء التي نريدها في الحياة، ونميل إلى الاعتقاد بأن هذا شيء دائم، وأن كل هذا من الواقع، وأن هذا هو أنا حقًّا.

ما يحدث هو أننا – بناء على هذا التخيل لأنفسنا وهذه الصورة الذاتية – يكون لدينا كل أنواع العواطف المزعجة، التي تنشأ لتكون طرقًا لدعم هذه الهوية؛ وهذا لأننا ما زلنا نشعر بعدم الأمان بشأن هذه الهوية، ولذلك نشعر بأنه يجب علينا أن نثبت هذه الهوية ونؤكدها.

فمثلاً: إذا شعرتُ بأنني "أنا الأب في هذه العائلة، ولا يكفي هذا الشعور، بل يجب علينا أيضًا أن نؤكد هذه السلطة، ونؤكد قوتنا بين أفراد العائلة، ونتأكد من طاعة كل فرد فيها لنا؛ لأنني يجب أن أثبت للجميع أنني ما زلت أبًا لهذه العائلة، ولا يكفيني مجرد معرفة ذلك.

وإذا شعرنا بأن هناك ما يهدد هذه المكانة تصرفنا بعدائية شديدة جدًّا هجومًا ودفاعًا؛ فنحن نريد أن نثبت شيئًا مهمًّا، وهو: "من واجبي أن أثبت من أنا، وأنني ما زلتُ قويًّا، لذا يجب علي أن أخرج، وأتخذ زوجة أخرى، أو أن أمارس الحب مع شابة لكي أثبت أن هذا ما أكونه، وهذه هي الطريقة التي أوجد بها".

العواطف المزعجة والميول

الانجذاب والرغبة الجامحة

إن العواطف المزعجة والميول هي حالات عقلية تنشأ، ونحاول عن طريقها أن نثبت – أو نحافظ على – هوية ثابتة. ويمكن لهذه العواطف المزعجة أن يكون لها أنواع متعددة، مثل: الانجذاب، والرغبة الجامحة.

فإن الرغبة الجامحة تظهر عندما نحتاج أن نحصل على شيء ما لأنفسنا من حولنا لكي نُؤمِّن هذه الهوية. فمثلاً إذا كانت هويتي أبًا لعائلتي فربما أفكر قائلاً: "يجب أن أحظى بالاحترام، يجب أن يأتي الأطفال في رأس السنة، ويجب عليهم أن يطيعوا كل شيء أقوله". أنا أشعر – بطريقة ما – أنني أستطيع أن أحظى بالقدر الكافي من الاحترام، وهذا سيجعلني أشعر بأمان أكثر، وإن لم يحدث هذا فسوف أشعر بالألم والغضب الشديد أيضًا.

من الممكن أيضًا أن أعتقد أن هويتي هي كوني شخصا محظوظا جدًّا، فيجب أن أفكر قائلاً: "يجب أن يكون لدي حظ ونصيب جيدين ويجب أن أفوز دائمًا في لعبة (الماجونغ)، ودائمًا ما أربح في أنواع القمار المختلفة، وهذا يشعرني بالأمان. أو ربما يجب عليَّ أن أذهب إلى العَرَّاف، وأن أرمي بعصيّ الحظ في المعبد البوذي الصيني، لكي أجد إجابات صحيحة، ويؤكد لي هذا الفعل أنني ناجح، وأنني على ما يرام، وأكون في قمة القلق بشأن قدراتي في العمل، لدرجة شعوري بأنني لن أكون ناجحًا. ويجب أن أحصل على المزيد من الإشارات، والمزيد من البشارات من الآلهة، أو المزيد من البشارات من أيٍّ ممن يجعلوني أشعر بالاطمئنان، ولذلك أضطر دائمًا إلى أن أُجرِّب هذا بطريقة قهرية، ويمكن أيضًا أن أشعر بأنني صاحب السلطة في عملي، وأنني منجذب للسلطة، وأن هذه السلطة ستجعلني أشعر بالاطمئنان.

وقد ينشأ هذا الميل من خلال عدة إطارات سيكولوجية مختلفة، فقد يكون مبنيًّا علي الشعور بأنني رجل قوي، أو على الشعور بالعكس، ولكنني أحتاج إلى هذه القوة لتدعمني، وعندئذ أقول: "إذا استطعتُ أن أجعل كل فرد في المكتب يطيع أمري، وأن يتصرف بالطريقة التي تعجبني، فهذا سيجعلني أشعر بالاطمئنان". أو إذا كان لدينا خَدم في المنزل، وحتى أثبت أنني صاحب السلطة فهناك فكرة تسيطر عليَّ دائمًا؛ وهي أن هؤلاء الخدم يجب أن ينفذوا أوامري كما أريد، وقد آمرُهم بأشياء غير ضرورية لا لشيء إلا أنني أريد أن أُبيِّن لهم من الآمِر الناهي.

ويمكن أن يكون المرء مفتونًا بأن يستحوذ على اهتمام الآخرين، فنحن الشباب ربما نشعر بأن هويتنا في الملابس الأنيقة العصرية، وإذا استطعت أن أساير أحدث الموضات والفيديوهات والأسطوانات فهذا سيجعل هويتي مطمئنة.

إن هناك الكثير من الطرق المختلفة والأشياء المختلفة التي يمكننا أن نهتم بها، فنحن إذا استطعنا أن نحصل على كل ما حولنا، ويكون لدي القدر الكافي منها، مثل المال أو الممتلكات أو السلطة، وكذلك قدر كافٍ من اهتمام الآخرين وحبهم، فإن ذلك سيجعلني أشعر بالأمان. ولا يفلح هذا في الواقع بالطبع، وإذا نجح مرة فعند حدٍّ معين سنشعر أن لدينا ما يكفي، وسنكون راضين جدًّا، ولكننا على العكس لا نشعر أبدًا بأن لدينا ما يكفي، ودائمًا ما نريد المزيد، وعندما لا نحصل عليه يتملكنا الغضب الذي يظهر في العديد من الطرق المختلفة.

العدوانية والتنافر

هناك آلية أخرى نستخدمها لمحاولة بناء هوية تبدو ثابتة قوية؛ ألا وهي العدوانية والتنافر والغضب، فإذا كنت أستطيع أن أتخلص من أشياء معينة لا أحبها، وهي تهدد هويتي، فهذا سوف يجعلني أشعر بالاطمئنان، "لذا إذا أسستُ شخصيتي على آرائي السياسية، أو جنسي أو ثقافتي"، وإذا استطعت أن أصل إلى أي إنسان لديه رؤية مختلفة، أو لون بشرة مختلف، أو ديانة مختلفة، فهذا يجعلني أشعر بالاطمئنان، أو "إذا كان خدمي يؤدون أعمالهم بطريقة تختلف قليلاً عما أريد، وكذلك من يعمل معي في مكتبي، ويتصرفون بصورة تخالف قليلاً الصورة التي أريدها، فسوف أشعر وأقول بلسان الحال: " أوه، لو أستطيع أن أُغيِّر هذا فقط لَشعرت بالاطمئنان". أحب ترتيب أوراقي على مكتبي بطريقة معينة، ولكن هذا الشخص الآخر يرتبهم بطريقة مختلفة، وبشكل ما أشعر بأن هذا يهددني. "إذا كنتُ أستطيع أن أجعلهم يفعلون ذلك بطريقتي فهذا يشعرني بالاطمئنان". ما الاختلاف الذي يحدثه هذا؟ بهذه الطريقة فنحن نوجه عدوانيتنا إلى الجميع؛ سعيًا إلى تجنب كل شيء يهددنا، أو أنه عندما نبني قاعدتنا على كَونك دائمًا تقول الصواب، وحينئذ – عندما يرفضنا أو يستنكرنا أحد – فإننا نصبح أكثر دفاعية وعدائية وغضبًا، وبدلاً من أن نتقبل انتقاد هذا الشخص بأمتنا لكي نستطيع تنمية وتطوير أنفسنا، أو حتى إذا كان انتقادهم لنا غير عادل، ونستغل الفرصة لمراجعة أنفسنا، والتأكد من أننا لسنا منحلين أو مخطئين، فإننا سنمطر ذلك الشخص بوابل من الكلمات القاسية، أو نتصرف بأسلوب عدواني بطريقة سلبية؛ بتجاهل هذا الشخص، وعدم التحدث معه. إننا نتصرف بهذه الطريقة لأننا نشعر بشيء من عدم الاطمئنان أو التهديد. إننا نعتقد أن هذا الشخص لا يتفق مع "الأنا" الذي هو على حق دائمًا وأبدًا، ولهذا لكي نحمي هذا "الأنا" الثابت، فإننا نعارض هذا الشخص.

سذاجة الفكر المنغلق

هناك آلية أخرى، ألا وهي سذاجة الفكر المنغلق، التي تبني بصورة أساسية الحوائط من حولنا. فهي تجعلني أفكر قائلاً: "إذا كان هناك من يهددني ويهدد شخصيتي فما علي إلا أن أتظاهر بعدم وجوده". إن لكل منا مشكلاته مع أسرته، ومشكلاته في العمل، ثم نعود إلى بيوتنا بوجه متحجر، كما لو لم يكن هناك ما يزعجنا، ونحن لا نريد أن نتناقش في هذا، ثم نشغِّل جهاز التلفاز، ونتظاهر بأنه لا توجد مشكلة، وهذا تصرف ناتج عن فكر منغلق. أطفالنا يريدون أن يناقشوا معنا ما يعانونه من مشكلات، فلا يجدون منا إلا طردهم. "إن هويتي هي أن عائلتي لا تعاني من أي مشكلة، إنها عائلة ممتازة، إنها تتبع كل القيم العرفية، فكيف لك أن تقول بأن هناك مشكلة، وتخل بهذا التوازن، وتزعج هذا الانسجام؟" إننا نشعر بأن الطريقة الوحيدة للتعامل مع هذه المشكلة هي أن نتظاهر بأنه لا يوجد مثل هذه المشكلة، وهذا النوع من المواقف يطلق عليه: "سذاجة الفكر المنغلق".

الدوافع الآتية إلى عقولنا هي تعبيرات الكارما

عندما يكون لدينا هذا النوع من العواطف المزعجة فإن ما يتبعه هو أن تأتي دوافع عديدة إلى عقولنا، وهذا هو ما تشير إليه الكارما. فالكارما لا تعني القدر أو النصيب. بكل أسف يبدو أن الكثيرين يعتقدون أنها تعني هذا، فإذا باء عمل أحدهم بالفشل، أو أصيب أحد ما بحادث سيارة، نجده يقول: "حسنًا، حظ عاثر، إنها الكارما الخاصة بي". وهذا هو تقريبًا نفس المعنى لقولك: "هذه هي إرادة الله".

إننا لا نتحدث هنا عن إرادة الله، أو القضاء والقدر، في مناقشتنا للكارما، إنما نتحدث عن الدوافع، تلكم الدوافع المتنوعة التي تأتي إلى عقولنا لفعل الأشياء. فعلى سبيل المثال: الدافع الذي يتوارد إلى عقولنا لاتخاذ قرار معين في عملنا، وقد تحول هذا القرار إلى قرار غير صحيح، أو الدافع الذي به آمُر أطفالي أن يُظهِروا لي الاحترام، أو الدافع إلى أن أصرخ في وجوه عمال مكتبي؛ لأنهم يجب أن يؤدوا أعمالهم كما أريد أنا، لا كما يريدون هم. وهناك دافع آخر ربما يتوارد إلى ذهني، وهو أن أظهر وجهًا لا ترتسم عليه أي انفعالات، وأن أشغل التلفاز، ولا أسمع لأي شخص آخر. مثل هذه الأنواع من الدوافع - الكارما – تأتي إلى عقولنا، ونعمل تبعًا لهذه الدوافع، وهذا ينتج عنه ما نعانيه من مشكلات تتكرر بطريقة لا يمكن السيطرة عليها، وتلك هي الآلية.

ربما يكون لدينا مشكلة؛ لأننا دائما ما نكون قلقين ومتخوفين بشأن مناصبنا في العمل، أو بشأن مشكلاتنا العائلية. وبناءً على سعيي إلى الهوية الثابتة، وأنني "يجب أن أكون ناجحًا، وأن أُسعِد أبوي والمجتمع بنجاحي"، فأنا أحاول أن أدافع عن هذه الهوية بإنكار وجود مشكلة القلق والخوف هذه. ونصبح منغلقي العقول والقلوب. عندئذ، وعلى الرغم من أنه ربما تستمر كل أنواع الصعوبات التي نواجهها في الأسرة والعمل، فإن هذه الصعوبات تظل راكدة تحت السطح لا تظهر، ويرتدي الجميع منا قناعًا لطيفًا.

أما بداخلنا فإنه – برغم ذلك – توجد كل هذه المشكلات والضغوط، التي قد تنفجر فيما بعد متحولةً إلى دافع يؤدي إلى مشهد عنف، غالبًا ما يُوجَّه إلى شخص ما في العائلة أو العمل، ولا يكون لهذا الشخص ناقة ولا جمل في هذا الموضوع، ويؤدي هذا حينئذٍ إلى مشكلات كبيرة.

هذه هي الآليات المختلفة التي تنتج عنها مشكلاتنا المتكررة بطريقة لا يمكن السيطرة عليها، ونستطيع أن نفهم أن هذا يتناول شتى انفعالاتنا، وبالطبع يطل علينا سؤال، وهو: هل كل عواطفنا مثيرة للمشكلات؟ وهل كل هذه العواطف عبارة عن أشياء تخلق لنا المشكلات؟

العواطف البناءة

علينا أن نفرق بين انفعالات معينة؛ وهي العواطف الإيجابية جدًّا والبناءة – مثل الحب والدفء والعطف والتسامح والصبر والطيبة – والعواطف السلبية أو الهدامة – مثل الرغبة الجامحة والعدوان وانغلاق العقل والتكبر والغَيرة الخ – وليس هناك أي مرادف للانفعالات في اللغة الباليه القديمة، أو السنسكريتية، أو التبتية. ويمكننا أن نتحدث عن العواطف الإيجابية أو العواطف السلبية، ولكن ليس هناك كلمة عامة تعبر عنهما، كما لدينا في الإنجليزية.

عندما نتحدث عن انفعالات معينة أو ميول، وهي التي عندما تتولَّد تجعلنا نشعر بعدم الارتياح أو الاضطراب، فإننا نقصد هنا العواطف المزعجة أو الميول المزعجة. فمثلاً: قد يكون لدينا افتتان أو حب تملك لشخص أو شيء ما، وهذا يجعلنا نشعر بعدم الارتياح. وربما نكون في غاية القلق لنحظى بالاحترام، أو نطمح إلى الحب، أو الاهتمام، أو الاستحسان من شخص ما، وما إلى ذلك؛ لأننا نكون متعلقين بهذا الشخص، ونسعى إلى نيل إعجابه، وما إلى ذلك؛ ليجعلنا نشعر بالاستحقاق والاطمئنان. وهذه كلها صعوبات تنشأ تبعًا للانفعال المزعج للرغبة الجامحة. وحينما نكون عدائيين نشعر بالكثير من عدم الارتياح، أو إذا كنا أصحاب عقول غير متفتحة فهذا أيضًا إحساس غير مريح.كل هذه الميول تسبب المشكلات، ولهذا يجب علينا أن نفرق بين العواطف السلبية والعواطف الإيجابية مثل الحب.

يُعرَف الحب – في التقليد البوذي – بأنه ذلك الانفعال الإيجابي، الذي بمقتضاه نتمنى للآخرين أن ينعموا بالسعادة، وأسباب السعادة. وهذا يبني نفسه على استنتاج أننا كلنا سواسية، وأن كل واحد منا يريد أن يكون سعيدًا بالقدر نفسه، ولا يريد أيٌّ منا أن يكون لديه أي مشكلات، وللجميع الحق نفسه في أن يكونوا سعداء.

إن الحب هو الاهتمام بالآخرين، والمحافظة عليهم كما نفعل مع أنفسنا. إنه اهتمام بالآخرين ليكونوا سعداء، ولا يعتمد هذا على ما يفعلونه من أجلنا، فهو مثل حب الأم التي تظل على حبها لطفلها، حتى عندما تتسخ ثيابها، أو يقيء عليها، فهي لا تهتم بهذا، ولا تتوقف الأم عن حبها لطفلها لمجرد أنه منزعج، ويرمي بملابسها في كل مكان. لا يزال لدى الأم الاهتمام نفسه والأمنية ذاتها لطفلها في أن يكون سعيدًا.

في حين أن ما نطلق عليه الحب غالبًا ما يكون تعبيرًا عن التبعية أو الحاجة. فكلمة "أحبك" تعني: "أنني أحتاجك، فلا تتركني أبدًا، لا أستطيع أن أعيش بدونك". ومن الأفضل أن تفعل هذا وذاك، كن زوجًا صالحًا، أو كوني زوجة صالحة، أحضر لي الورد دائمًا في عيد الحب، وافعل ما يسعدني فقط. وإن لم تفعل فإني أكرهك الآن؛ لأنك لم تفعل ما أريد، ولم تكن موجودًا عندما احتجت إليك".

مثل هذا الموقف هو انفعال مزعج، وليست هذه هي فكرة البوذية عن الحب.

إن الحب هو اهتمام تجاه شخص، سواء أرسل إلينا الورد، أم لم يرسل، سواء أكان ينصت إلينا أم لا، سواء أكان طيبًا ومبهجًا معنا أم أنه يتصرف معنا بطريقة فظيعة، أو حتى يعارضنا، فهو الاهتمام بهذا الشخص ليكون سعيدًا. وينبغي أن ندرك أنه عندما نتحدث عن الحب والعواطف المشابهة فإنه يمكن أن يكون من النوع الإيجابي، أو النوع المزعج أيضًا. دائما ما يكون الغضب انفعالاً مزعجًا.

والآن وصلنا أخيرًا إلى تناول "الغضب" بالمناقشة، دائمًا ما يكون الغضب شيئًا مزعجًا، ولا يجعلنا الغضب أكثر سعادة. إن الغضب لا يشعرنا بأننا نكون أفضل عندما نغضب، ولا يجعل طعامنا أفضل طعمًا. عندما نغضب ونتضايق لا نعرف للراحة طعمًا، ولا نستطيع النوم، ولا نضطر إلى الصياح والصراخ، ولكننا نغلي غضبًا من داخلنا بشأن ما يحدث في مكتبنا، أو أسرتنا، ويمكن أن يكون هذا بداية لحدوث سوء الهضم، أو القرحة، أو يجعلنا لا نستطيع النوم ليلاً. إننا نمر بصعوبات عديدة، وتنشأ هذه الصعوبات من كبح هذا الغضب، وإذا عبرنا عن هذا الغضب فإننا ننظر بنظرات عدوانية للآخرين ونعنفهم، وحتى القطط والكلاب لن تبقى معنا، سيتسللون ببطء إلى الخارج؛ لأن حضورنا وغضبنا جعلهم مضطربين.

ليس للغضب أي نفعٍ حقيقي إذا أصبح غضبنا قويًّا جدًّا ومحبطًا جدًّا، لدرجة أننا نضطر إلى تنفيس هذا الغضب وتفجيره، وصب اللعنات على شخص ما، أو أن نلقي ببعض تعاويذ الشر على أحد ما، فهل سيشعرنا هذا بأي تحسن حقًّا؟ هل ستجعلنا رؤيتنا للشخص الآخر منزعجًا وهو يتألم نشعر بأننا أفضل؟ هل غضبنا الشديد لدرجة أننا نضرب الحائط يجعلنا نشعر بأي تحسن؟ لا، من الواضح أن الإجابة هي "لا".

إن هذا الغضب يؤلمنا، ولكنه في الحقيقة لا ينفع في أي حال من الأحوال. إذا عَلِقْنا في المرور، وكنا على وشك أن نستشيط غضبًا، لدرجة أننا نبدأ في استعمال الأبواق والصراخ والشتائم للجميع، فما الخير في ذلك؟ هل يجعلنا هذا نشعر بأي تحسن؟ هل يجعل هذا السيارات الواقفة تسير بسرعة أكبر؟ لا، إنه يجعلنا نفقد احترامنا أمام الجميع؛ لأنهم سيقولون: "من ذلك الأحمق الذي يستخدم بوق سيارته؟" من الواضح أن هذا لن يجدي نفعًا في مثل هذا الموقف.

هل علينا أن نغضب دائمًا؟

إذا كانت العواطف المزعجة مثل الغضب، وأنواع السلوك المتهور المبنية عليها، مثل الصياح والصراخ في وجه أحد ما، أو أن تقاطع شخصًا ما بطريقة عدائية، أو تعارضه، إذا كانت هذه هي أسباب مشكلاتنا فهل سيكون لدينا مشكلات معهم؟ هل علينا أن نمر بهذا الشيء دائمًا؟ الإجابة هي: لا، ليست هذه هي القضية هنا؛ لأن العواطف المزعجة ليست جزءًا من طبيعة العقل. فإذا كانت كذلك فسوف تضطر عقولنا لأن تكون منزعجة دائمًا، حتى في حالة هؤلاء الذين يعانون أصعب الحالات، فهناك لحظات لا يزعجهم الغضب فيها.

فعلى سبيل المثال: في حالة النوم لا يغضبون، ولهذا من المحتمل أن يكون هناك لحظات معينة لا تكون فيها العواطف المزعجة – مثل الغضب أو العدوان أو الاستياء – حاضرة، وهذا يبرهن على أن هذه العواطف الهدامة ليست دائمة الثبات. وهي ليست جزءًا من طبيعة عقولنا، ولهذا فهي أشياء يمكن التخلص منها. إذا أوقفنا الأسباب المؤدية للغضب – ليس بطريقة سطحية ظاهرية فقط، ولكن أعمق مستوى – فإن من المحتمل أن نتغلب على الاستياء، ونحظى بالسلام العقلي بالتأكيد.

ولا يعني هذا أن نتخلص من كل العواطف والمشاعر، ونصبح مثل دكتور سبوك في الحلقات التلفزيونية "ستار تريك"، وأن نصبح كالآلات بلا أي انفعالات. فبدلاً من ذلك إن ما نريده هو أن نتخلص من انفعالاتنا المزعجة، ومواقفنا المزعجة القائمة على الحيرة، ونقص الوعي لدينا عن حقيقة من نحن. والتعاليم البوذية غنية بالطرائق لكيفية عمل هذا.

التغلب على الغضب: تغيير نوعية الحياة التي نحياها

بداية نحتاج إلى أن يكون لدينا دافعية معينة، أو قاعدة تحفزنا للعمل على تخليص أنفسنا من الغضب، وكل العواطف المزعجة، وكذلك المواقف، وإذا لم يكن لدينا سببٌ لفعله فلمَ يجب علينا ذلك؟ لهذا السبب فإنه من المهم أن يكون لدينا دافع.

ويمكن أن نبدأ في تنمية هذا الدافع من خلال ذلك التفكير: "أريد أن أكون سعيدًا، وألاَّ يكون لدي أية مشكلات، وأريد أن أُطوِّر من حياتي. إن حياتي ليست مبهجة؛ لأنني دائمًا ما أشعر بالاستياء والعدوان من داخلي، غالبًا ما أغضب، ولكنني لا أعبر عن هذا الغضب، ولكنه موجود، ويجعلني أشعر بأنني تعيس ومنزعج جدًّا طوال الوقت، وليس هذا بالحياة الجيدة. إضافة إلى هذا فهو يسبب لي سوء الهضم، ويجعلني أمرض. إني لا أكاد أستطيع أن أستمتع بالطعام الذي أحبه".

نتيجة لذلك فإن نوع الحياة التي نحياها هو شيء في متناول أيدينا، رغم كل هذا. فمن أعظم الرسائل التي يعلمها بوذا هي: "نستطيع أن نفعل شيئًا تجاه نوع الحياة التي نحياها، وليس محكومًا علينا بأن نقضي حياتنا في تعاسة دائمة. يمكننا أن نفعل شيئًا ما حيال هذا، حينئذ سنفكر قائلين: "إنني لا أريد أن أُطوِّر من نوع حياتي الآن، أو في هذه اللحظة على المدى القصير فقط، ولكن أيضًا على المدى الطويل. إنني لا أريد أن أدع الأشياء تسوء حتى تصبح أسوأ مما هي عليه الآن؛ لأنه – على سبيل المثال – إذا لم أتخلص من عُدواني واستيائي الآن، وإذا احتفظت بهما بداخلي، فإن الأمر سيصبح أسوأ، وربما يتسبب لي هذا في قرحة. ربما أثور وأفعل شيئًا فظيعًا، مثل أن أصب بعض اللعنات أو السحر على شخص ما، وأحاول أن أدمره حقًّا. ومن الممكن أن يؤدي هذا إلى أن ينتقم الشخص الآخر؛ بأن يصب اللعنة عليَّ وعلى أسرتي في المقابل، وفجأة يكون لدينا النص الكامل لسيناريو جديد".

إذا فكرنا سابقًا في أننا لا نريد لهذا أن يحدث فإننا سنعمل على هذا، وسنحاول أن نتخلص من غضبنا؛ لكي لا تتفاقم المشكلات. وإضافة إلى هذا فربما نطمح إلى تقليل حجم مشكلاتنا، وكذلك إلى ما هو أفضل من ذلك أيضًا؛ وهو التخلص من كل مشكلاتنا معًا؛ لأن مجرد الشعور – ولو بقدر ضئيل من العدوانية والاستياء - ليس بالشيء الممتع، ويجب علي أن يكون لدي تصميم شديد على أن أتحرر من كل المشكلات".

التصميم على أن تكون حرًّا

إن ما أسميه عادة: "التصميم على أن تكون حرا" يترجم بـ "نكران الذات"، وهو ترجمة مُضلِّلة بعض الشيء؛ فهي تميل إلى إعطاء انطباعٍ بأننا يجب أن نتخلى عن كل شيء، وأن نذهب للعيش في كهف، وليس هذا هو المراد أبدًا. فإن ما نناقشه هو أن ننظر إلى مشكلاتنا بصدق وبشجاعة، ونرى مدى سخافة أن نستمر في العيش بهذه المشكلات؛ لكي نقرر أننا "لا نريد أن نستمر في هذه الحياة على هذا الشكل، لقد كان لدينا ما يكفي، وقد مللناه، ونحن في ضجر منها، ويجب علينا أن نخرج".

إن الموقف الذي يتطور هنا هو: "التصميم على أن تكون حرًّا"، بالإضافة إلى الرغبة في أن تتخلى عن أنماط تفكيرنا المزعجة القديمة، وكذلك أقوالنا وسلوكنا. إن هذا هو أهم شيء، وإذا لم نتخذ قرارًا بقوة فلن نضع فيه كل طاقاتنا. وحتى نضع كل طاقتنا في هذا القرار فإن جهودنا في التحرر ستكون ضعيفة، ولن نحرز أي تقدم.

سوف نريد أن نحظى بالسعادة، ولكن بدون التخلي عن أي شيء – مثل عاداتنا السيئة وانفعالاتنا – فهذا لا ينجح أبدًا. لهذا السبب من المهم جدًّا أن يكون لديك هذا التصميم القوي جدًّا لتتخذ قرارك بأنك "يجب عليك أن توقف المشكلات، ويكون لديك الرغبة في أن تتخلي عن هذه المشكلات، وعن أسبابها."

أما على المستوى الأعلى التالي، فنحن نحتاج إلى التفكير في أننا "يجب علينا أن نتخلص من غضبنا، لا لمجرد أن نحصل على السعادة لأنفسنا، ولكن من أجل الجميع من حولنا أيضًا ومن أجل عائلتنا وأصدقائنا، والعاملين معي والمجتمع. ويجب علينا أن نتخلص من غضبنا، ويجب أن نتغلب على هذا نتيجةً لاعتبارنا للآخرين، فنحن لا نريد أن نسبب لهم المتاعب، ونجعلهم يشعرون بالتعاسة. إن تعبيرنا عن الغضب لن يتسبب في أن نفقد احترامنا فقط، ولكنه سيجلب العار لعائلتنا وأصدقائنا أيضًا وكل زملائنا وهكذا. لذلك، ونتيجة لاحترامنا لهم، يجب علينا أن نتعلم أن نكون قادرين على التحكم في حالتنا المزاجية، والتعامل معها، وأن نتخلص منها." وينتج دافع أقوى عن التفكير، وأنه "يجب علينا أن نتخلص من هذا الغضب؛ لأنه يعيقنا عن مساعدة الآخرين، وإذا كان الآخرون في حاجة إلى مساعدتنا – مثل أطفالنا أو والدينا أو زملائنا في العمل - وإذا كان الغضب والعدوان يجعلاننا منزعجين أو مضطربين تمامًا، فكيف يمكن أن نساعدهم." هذه عقبة رئيسة، ولذلك فمن المهم أن نعمل على أنفسنا؛ لكي ننمي – وبصدق – هذه المستويات المتنوعة من الدافعية.

ولا يهم مدى تعقيد الطريقة التي نتعامل بها مع الغضب، وإذا لم يكن هناك دافع قوي لدينا في تطبيق هذه الطريقة فلن نطبقها. وإذا لم نطبق هذه الطرق التي نتعلمها فما الفائدة إذن؟ وبناءً على هذا فإن الخطوة الأولى هي أن نفكر بلغة الدافع.

طرق التغلب على الغضب

ما الطرق الفعلية التي يمكن لنا أن نستخدمها في التغلب على الغضب؟ يمكن تعريف الغضب على أنه: حالة هياج عقلي تبعث على توليد العنف تجاه شيء ما، سواء أكان هذا الشيء حيًّا أم غير حي. إذا وجهنا اهتمامنا لشخص ما، أو حيوان، أو موقف ما لا نحبه، وإذا أردنا أن نعبر عن العنف والهياج تجاهه – لكي نغير منه بطريقة عنيفة – فإن هذا هو الغضب.

لذلك فالغضب هو حالة من عدم الاحتمال، وفقدان الصبر، مصحوبةً بالرغبة في إيذاء أي شيء لا نستطيع احتماله. ويقابله الصبر – من جانب – الذي هو عكس عدم الاحتمال، والحب – من جانب آخر – لأن الحب هو تمني السعادة لشخص ما، وهو عكس تمني الأذى للآخرين.

غالبًا ما نغضب عندما نكون في مواقف نتعرض فيها لأشياء لا نحبها، كأن يتعامل معنا الناس بطريقة لا نريدهم أن يتعاملوا بها معنا. مثل: كونهم لا يظهرون لنا الاحترام، أو أنهم لا يطيعون أوامرنا في العمل، أو أنهم قد وَعَدوا بفعل شيء لنا في العمل، ولم يَفُوا بهذا الوعد، ولأنهم لم يفعلوا ما كنا نتوقع منهم فإننا نغضب منهم.

ومثال آخر: ربما يدوس أحد على إصبع قدمك، وتغضب منه؛ لأننا لا نحب أن يحدث شيء كهذا. ولكن هناك طرق مختلفة يمكننا من خلالها أن نتعامل مع مثل هذه الظروف بدون أن نغضب.

نصائح شانتيديفا لتنمية الصبر

قدم شانتيديفا – وهو السيد البوذي الهندي العظيم الذي عاش في القرن الثامن عشر – العديد من أنماط التفكير للمساعدة في ذلك. وسأعيد صياغة ما كتبه، فقد قال: "إذا كان هناك شيء ما يمكننا تغييره فلماذا الغضب والقلق إذًا؟ فما علينا إلا أن نغيره. وإذا لم يكن هناك ما نستطيع أن نفعله فلمَ الغضب والقلق إذًا؟ فما لا نستطيع تغييره فإن الغضب لن يساعد في هذا".

فمثلاً: نريد أن نأخذ رحلة جوية من هذا المكان (بينانغ) إلى سنغافورة، ولكن عندما نصل إلى المطار نجد أن تذاكر الرحلة قد نفدت كلها، ساعتها لن ينفعنا الغضب في شيء، ولن يساعدنا في ركوب الطائرة، ومع هذا فهناك شيء نستطيع فعله لتغيير الموقف؛ نستطيع أن نحجز مكانا في الرحلة التالية، فلماذا الغضب؟ احجز تذكرتك في الرحلة القادمة، واتصل بأصدقائك هناك، وأخبرهم أنك ستأتي في وقت لاحق. عندئذ سينتهي الموضوع، وهذا شيء نستطيع أن نفعله للتعامل مع المشكلة.

إذا تعطل التلفاز فلماذا نغضب ونضربه بأرجلنا ونلعنه؟ ولكن علينا أن نصلحه، وهذا شيء واضح جدًّا. فما كان من موقف لا نستطيع تغييره فلا داعي للغضب، فما علينا إلا أن نغيِّره فحسب.

وإذا لم يكن هناك شيء نستطيع أن نفعله – مثل وقوفنا زحام المرور الشديد – فما علينا أن نتقبل هذا. إننا لا نمتلك بندقية ليزر في مقدمة سياراتنا لكي نمحو كل السيارات التي أمامنا، ونطير فوق المرور، كما يحدث في بعض أفلام الكارتون اليابانية، لهذا علينا أن نتقبل هذا عن طيب خاطر، وذلك بالتفكير بهذه الطريقة: "حسنًا، أنا متوقف بسبب زحام المرور، سأشغل المذياع، أو جهاز الكاسيت، وأستمع إلى بعض تعاليم البوذية، أو بعض الموسيقى الجميلة." في أغلب الأحيان نكون على علم بساعة الذروة في زحام المرور، فيجب أن نكون مستعدين لذلك؛ فنأخذ معنا شريط كاسيت لكي نستمع إليه. فإذا كنا نعلم بأننا مضطرون للقيادة في مثل هذا الزحام فنحن نستطيع أن نستفيد بأقصى درجة من هذا الوقت؛ فيمكننا أن نفكر في بعض المشكلات في عملنا، أو مع عائلتنا، أو أي إنسان كان، وأن نحاول أن نتوصل إلى حل جيد لها.

إذا كان هناك موقف صعب ولا يوجد شيء نستطيع تغييره فحاول أن تستفيد منه بأكبر قدر ممكن. إذا أصيب إصبع قدمنا في الظلام، وإذا قفزنا عاليًا، وصرخنا وصِحنا، فهل سيجعلنا هذا نشعر بأي تحسن؟ إننا نطلق على هذا في العامية الأمريكية: " أداء رقصة الألم".

أنت تتألم كثيرًا لدرجة أنك تتراقص أعلى وأسفل، وتقفز أعلى وأسفل، ولكن لن يشعرك هذا بأي تحسن. لا تستطيع أن تفعل الكثير حيال هذا. إن الشيء الوحيد الذي نفعله هو أن نواصل ما كنا نفعله، فالألم ليس بالشيء الدائم، بل هو شيء سيمر، ولن يستمر للأبد، ولن يجعلنا القفز عاليا أو أسفل نشعر بأي تحسن. ما الذي نريده بفعلنا هذا؟ هل تريد أن يأتي الجميع ويقولوا: " آه، يا مسكين، لقد آذيت إصبعك". إذا آذى الطفل أو الرضيع نفسه فسوف تأتي الأم وتُقبِّله، وتجعله يشعر بتحسن، لذلك هل نتوقع أن يعاملنا الناس بطريقة مماثلة، كأطفال رُضَّع؟

عندما ننتظر أدوارنا في طابور، أو الأتوبيس، فإذا كنا نفكر في عدم دوام هذا الشيء، فإنني لن أكون دائمًا رقم اثنين وثلاثين، أو رقم تسعة في الطابور، ولكن دوري حتمًا سيأتي، فسوف يساعدنا هذا في أن نكون قادرين على تحمل الموقف، ويمكننا استخدام هذا الوقت بطريقة مختلفة. يوجد في الهند مَثلٌ يقول: "للانتظار متعة معينة في حد ذاته". وهذا صحيح؛ لأننا إذا انتظرنا أدوارنا في طابور، أو في محطة الأتوبيس، أو الأشياء التي تحدث في العمل، أو أيًّا ما يكون، فكل هذا يساعدنا في تنمية حاسة الاهتمام بالآخرين، والرحمة عليهم. فإذا كنا هناك فربما نقضي الوقت بطريقة بناءة، بدلاً من أن نقضيه في السب واللعن.

وترشدنا نصيحة أخرى من نصائح شانتيديفا إلى أنه: "إذا ضربنا أحد ما بعصا، فمِمَّن نغضب؟ هل نغضب من العصا أم من الشخص؟ إذا فكَّرنا في هذا بطريقة منطقية فستكون العصا هي التي يجب أن نغضب منها؛ لأنها هي التي آذتني، ولكن هذا حمق؛ فلا يغضب أحد من عصا. بل يجب أن نغضب من الشخص؛ لأنه قد استخدم هذه العصا. وبالمثل: إذا فكرنا فيما هو أبعد من ذلك فقد تلاعبت انفعالات هذا الشخص المزعجة به، لذلك، إذا كنا سنغضب وجب علينا أن نغضب من انفعالات الشخص المزعجة، التي جعلته يضربنا بعصا.

بعد ذلك نفكر في السؤال التالي: "من أين يأتي هذا الانفعال المزعج؟" لم ينشأ هذا الانفعال من فراغ، ولا بد أنني فعلت شيئًا ما حفز هذا الانفعال؛ لا بد أنني فعلت شيئًا أغضب الشخص الآخر مني، ولهذا ضربني بالعصا.

بالمثل: ربما أكون قد طلبتُ من شخص ما أن يقدم لي خدمة، وعندما يرفض أغضب وأتألم بسبب هذا. لو فكرتَ في هذا وقلت: قد كان هذا خطئي في الحقيقة، فقد كنت كسولاً جدًّا، ولم أؤدي هذا العمل بنفسي. ولولا ذلك لما طلبت من هذا الشخص أن يفعله، ولما ظهرت المشكلة من أساسها. فإذا أردت أن تغضب فاغضب من نفسك؛ لكونك شديد الغباء والكسل، حتى تطلب منه أن يقدم لك خدمة ما.

حتى إذا لم يكن هذا خطأك بصورة جزئية فأنت بحاجة إلى أن ترى: هل نفسك خالية من هذا الانفعال المزعج الذي يتلاعب بالشخص الآخر، مثل الأنانية على سبيل المثال، وتقول: "لقد رفض أن يقدم لي خدمة، ولكن هل دائمًا ما أقدم أنا خدمات للآخرين؟ هل أنا شخص دائمًا ما أوافق على مساعدة الآخرين، وأفعل هذا في الحال؟ إذا لم أكن هكذا فلماذا أتوقع إذًا من الآخرين أن يبذلوا جهودهم من أجلي. وهذه طريقة أخرى من طرق التعامل مع الغضب.

ذكرتُ آنفًا أنه ليس من الضروري دائمًا أن يكون الغضب عبارة عن صياح وصراخ أو ضرب شخص آخر، بل هو انفعال مزعج، وعندما يظهر – من خلال تعريفه – نشعر بالاضطراب؛ ولذلك عندما نكظم غضبنا، ولا نظهره، فسوف يدمرنا هذا الغضب.

إننا بحاجة إلى تطبيق الطرق نفسها التي شرحتها من قبلُ لكي يكون بمقدورنا أيضًا أن نتعامل مع الغضب، الذي يظل مكبوتا بداخلنا، وعلينا أن نغير من مواقفنا، وعلينا أن ننمي الصبر فينا.

أنواع مختلفة من الصبر

النوع المستهدف من الصبر

هناك أنواع عديدة مختلفة من الصبر، وأول هذه الأنواع هو النوع المستهدف من الصبر. والفكرة هي أنك إن لم تضع هدفًا فلن يصوب أحدٌ عليه. في أمريكا يلعب الأطفال لعبة صغيرة؛ يلصقون فيها قطعة من الورق على مؤخرة بنطال أحد أصدقائهم، ويكتبون على الورقة "اركلني". ويسمون هذا "لافتة اركلني"، وبعد ذلك مَن يرى هذه اللافتة الصغيرة على مؤخرة هذا الطفل سيركله.

هذا النوع من الصبر يشبه هذه اللعبة، نفكر في الكيفية التي لصقنا بها مثل هذه اللافتة للركل على مؤخراتنا، من خلال تصرفاتنا السلبية والهدامة في الماضي، وهذا هو ما يسبب حدوث كل أنواع المشكلات التي تحدث لنا الآن.

على سبيل المثال: افترض أن أحدًا ما هاجمك في الشارع، فسوف تفكر قائلاً: "إذا لم أضع الهدف بشأن طريقة التصرف بطريقة سلبية وهدامة في الماضي، أو في حياتنا الماضية، فربما كان لهذا الدافع أن ينشأ في عقلي، وهو: "أن أسير في هذا الشارع المظلم في مثل هذا الوقت، الذي كان يوجد فيه قاطع الطريق ينتظر ليسرقني ويضربني. إنني لا أذهب عادة إلى هناك، ولكنني فكرتُ في الذهاب إلى هذا الشارع المظلم في تلك الليلة. عادة ما أذهب إلى البيت مبكرًا، ولكن في هذه الليلة جاءني دافع في أن أبقى مع أصدقائي وقتًا أطول قليلاً. بالإضافة إلى ذلك نزلتُ إلى هذا الشارع، في الوقت الذي كان فيه اللص منتظرًا لأَنْ يأتي أحد ما ليسرقه، لماذا أتى هذا الدافع إلى رأسي؟ لا بد أنني قد فعلتُ شيئًا في الماضي آذى هذا الشخص، وهذا ينضج الآن بلغة السبب ونتيجته.

تأتي الدوافع إلى عقولنا تعبيرًا عن الكارما، لذلك يمكن أن تفكر قائلاً: "إنني أستنفذ الكارما السلبية الماضية لي، وينبغي أن أكون سعيدًا لكوني أتخلص من ذلك في سهولة ويسر؛ لأنه كان من الممكن أن يسوء الأمر أكثر من ذلك. لقد سرقني هذا الشخص، ولكن كان من الممكن أن يطلق النار عليَّ أيضًا، ولهذا ينبغي أن أشعر بارتياح كبير؛ لأن هذه الكارما السلبية قد نضجت بسهولة ويسر كبيرين، وقد انتهيتُ منها، ولم تكن سيئة جدًّا بعد كل هذا، ومن الجيد أن أتخلص منها، وأن أرمي بها وراء ظهري، ولم يعد لدي هذا الدين الكارمي".

مثل هذا النوع من التفكير يكون نافعًا جدًّا. أتذكر أنني كنتُ ذاهبًا ذات مرة في إجازة نهاية الأسبوع إلى الشاطئ مع صديق لي، وقد قُدْنا ساعاتٍ عديدة، وكانت رحلة القيادة من المدينة طويلة. وبعدما قُدْنا حوالي ساعة ونصف سمعنا صوت ضوضاء مضحكة من السيارة، فاتجهنا مسرعين إلى ميكانيكي على جانب الطريق، فألقى نظرة على السيارة، وقال بعدها: هناك شرخ في محور العجلات، ولن تستطيعوا أن تكملوا. فكان من الضروري أن نحضر قاطرة لسحب السيارة لنعود إلى المدينة الكبيرة. كان من الممكن لي ولصديقي أن نستشيط غضبًا وانزعاجًا؛ لأننا أردنا الذهاب إلى هذا المنتجع الشاطئي الجميل من أجل راحة نهاية الأسبوع، ولكننا بميل مختلف نظرنا إلى الموضوع بطريقة مختلفة تمامًا، قائلين: "أوه، هذا رائع، يا لروعة ما حدث! لأننا لو أكملنا القيادة لانكسر محور العجلات أثناء القيادة، وربما أصابنا حادث مريع، وأصبحنا في عداد القتلى. لذلك فهو شيء رائع لأن الأمور قد نضجت بهذه الطريقة، لقد تخلصنا منها بسهولة كبيرة، "ولذلك، وبعقول مستريحة، استعرنا سيارة أخرى، وذهبنا بخطة أخرى."

يمكنك أن ترى أن هناك طرقًا مختلفة كان من الممكن أن نمر من خلالها بهذا الموقف، ولكن الغضب والانزعاج الشديدان لن يجديا نفعًا على الإطلاق إذا فكرنا فيه بهذه الطريقة: "إن هذا يستنفذ الكارما السلبية الماضية لي، لقد نضج هذا الدين الكارمي الآن. رائع، ها قد انتهى، كان من الممكن أن يصبح الأمر أكثر سوءًا". وهذه طريقة أكثر عقلانية لمعالجة الموضوع.

النوع القائم على الحب والرحمة

يوجد أيضًا نوع من الصبر يسمى: "صبر الحب والرحمة". وبمثل هذا النوع من الصبر ننظر إلى أي إنسان يصبح غاضبًا منا، أو يصرخ في وجوهنا ويصيح، على أنه شخص مختل عقليًّا. مثل هذا النوع من الصبر يمكن تطبيقه على شخص يحرجنا، أو ينتقدنا على مرأى ومسمع من الآخرين، مما يؤدي إلى أن نفقد احترام الناس لنا، ونغضب منه.

فعلى سبيل المثال: إذا نادى ببغاء أسماءنا أمام الآخرين فلن يقلل هذا من احترامنا، أليس كذلك؟ وليس هناك سبب لنغضب من طائر، سيكون هذا رد فعل أحمق. وبطريقة مماثلة: إذا بدأ شخص مجنون في الصياح والصراخ في وجوهنا، فإننا في الواقع لا نفقد احترام الناس لنا بسبب هذا، فالجميع يعلم أن الأطفال أحيانًا ما يُصابون بنوبات غضب معتادة. وأيضًا لا يغضب الطبيب النفسي من المريض عندما يثور المريض، ولكنه بدلا من ذلك يشعر بالرحمة على المريض.

وبالطريقة نفسها نحاول أن نشعر بالشفقة تجاه من يزعجنا، أو من يغضب منا، أو يحرجنا. إننا بحاجة إلى أن ندرك أنهم هم الذين يفقدون احترام الناس لهم في الحقيقة. فالجميع يقولون: إن هذا الشخص هو الذي يجعل من نفسه أحمق، بكل ما تحمله الكلمة من معني، وينبغي علينا أن نشعر بالرحمة تجاهه حينئذ بدلاً من أن نغضب منه.

لكن لا يعني هذا أن شخصًا ما إذا حاول أن يضربنا فإنَّا لا نحاول مَنْعه. فإذا كان هناك طفل يصرخ فسوف نحاول تهدئته، إننا نريد أن نمنعه من أن يسبب الأذى لنا، وللآخرين، ولنفسه أيضًا. والمقصود هنا هو ألاَّ نفعل ذلك بدافع الغضب، ولكن من أجل صالح الطفل نفسه. إننا نحاول أن نساعد الطفل في ألاَّ يفقد احترام الناس، ولا نريد للآخرين أن يفكروا في طفلنا بطريقة سيئة، ونريد أن نعاقب الطفل نتيجة للاهتمام، وليس نتيجة للغضب.

النوع القائم على (التابع – الغورو)

هناك أيضًا نوع من الصبر يسمى صبر: (التابع – الغورو). وهذا النوع قائم على حقيقة أن التابع لا يمكن أن يتعلم بدون معلم، فإذا لم يوجد من يختبرنا فلن يوجد عندنا صبر. في القرن العاشر تلقى (أتيشا) – وهو السيد الهندي العظيم – دعوة لزيارة التبت ليساعد في إحياء البوذية هناك، وقد أحضر معه طباخًا هنديًّا، وكان هذا الطباخ لا يجيد عمل أي شيء بطريقة صحيحة أبدًا، وكان رجلاً ممقوتًا بغيضًا، وكان أهل التبت يكنون لـ(أتيشا ) وافر الاحترام، ولذلك سألوه: "يا أستاذنا، لماذا أحضرتَ معك هذا الطباخ البغيض من الهند؟ لماذا لا تُعيده؟ يمكننا أن نطبخ لك، ونطهو بطريقة جيدة جدًّا." رد (أتيشا) قائلاً: "إنه ليس طباخي فقط، ولكنه من يعلمني الصبر أيضًا".

وبطريقة مماثلة: إذا كان في مكتبنا شخص ممقوت، ودائمًا ما يفعل أشياء تضايقنا، فعلينا أن نرى فيه الشخص الذي يعلمنا الصبر. هناك بعض الناس يكون لديهم بعض العادات المزعجة، مثل الطَّرْق الدائم بالأصابع. إذا لم نخضع للاختبار فكيف يمكن لنا أن ننمي من أنفسنا. إذا واجهتنا مواقف حرجة، مثل التأخير الطويل في المطار، أو في محطة الأتوبيس، فنحن يمكن أن نستغل هذه الفرصة الذهبية لكي نمارس الصبر: " أوه، لقد تدربتُ على هذا، لقد تدربت على تنمية الصبر، وها هي الفرصة سانحة لأرى إن كنتُ سأستطيع فعل هذا حقًّا، أو إذا كنا نعاني بعض الصعوبات بسبب بعض الأشكال البيروقراطية في العمل، فإننا نأخذ هذا على محمل التحدي لنا، كما نقول: " هذا يشبه ما كنت فيه؛ عندما كنتُ أتدرب على بعض الفنون العسكرية فترةً من الوقت، وعندما حصلت في النهاية على فرصة لكي أستخدم مهاراتي، فأنا مبتهج."

بالمثل، إذا كنا ندرب أنفسنا على الصبر والتحمل فعند مواجهة موقف بغيض كهذا فسوف ننظر إليه فرحين، ونقول: "أوه، ها هو التحدي، سأنظر هل أستطيع أن أعالجه دون أن أفقد مزاجي، ودون أن أغضب، وأشعر بالسوء حتى في داخلي؟"

ويُمثِّل التحلي بالصبر وعدم فقدانه تحديًا أكبر كثيرًا من المواجهة في الفنون العسكرية؛ وهذا لأنه يجب علينا أن نقابل هذا التحدي بعقولنا وبمشاعرنا، وليس بأجسادنا فقط، أو بالتحكم الجسماني. فإذا انتقدنا الآخرون فنحن بحاجة إلى أن ننظر على هذا الانتقاد على أنه فرصة كي نرى أين نحن من تطوير أنفسنا، وبدلاً من أن نشعر بالغضب منه علينا أن نفكر: "إن هذا الشخص الذي ينتقدني ربما يشير إلى صفات معينة في نفسي، وربما أتعلم منها".

بهذا الفهم يجب أن نتحمل النقد، ونتعلم كيف نعالجه، وذلك عن طريق تغيير ميولنا إذا أصبحنا منزعجين جدًّا، فربما جعلنا هذا نفقد احترام الناس بدرجة أكبر من مجرد انتقاد شخص مجنون وصياح وصراخ في وجوهنا.

الصبر على طبيعة الأشياء

وهناك طريقة أخرى للتعامل مع الغضب وتنمية الصبر؛ ألا وهي: "الصبر على طبيعة الأشياء". إن طبيعة الناس الصبيانية أن يتصرفوا بطريقة سيئة ووقحة. إذا كانت هناك نار فمن طبيعة النار أن تكون ساخنة، ولهذا فهي تحرق. إذا قُدْنا السيارة في المدينة أثناء وقت الغداء فماذا نتوقع؟ سيكون هناك مرور كثيف. هذه هي طبيعة الأشياء.

إذا طلبنا من طفل أن يحمل صينية أو ملء فنجان من الشاي، ثم يسكبه، فماذا نتوقع ؟ إنه طفل، ولا يمكن أن نتوقع أن الطفل لن يسكب أي شيء. وبالمثل: إذا طلبنا من الآخرين أن يقدموا لنا خدمة، أو أن يؤدوا لنا شيئًا في عملنا، وبعد اتفاقنا معًا على ذلك نجدهم يخذلوننا، فما الذي نتوقعه؟ إن للناس طبيعة صبيانية، ولا يمكننا أن نعتمد على الآخرين.

قال السيد الهندي العظيم شانتيديفا: "إذا كنتَ تريد أن تفعل شيئًا إيجابيا وبناءً فافعله بنفسك، ولا تعتمد على أي شخص آخر؛ لأنك إذا اعتمدتَ على شخص آخر فليس هناك يقين بأنه لن يخذلك، ويخيب آمالك. وهذه هي الطريقة التي يمكن أن ننظر بها إلى مثل هذه الأشياء، ففكر قائلاً: "حسنًا، ماذا أتوقع؟ إذا كانت طبيعة الناس هي خذلان الآخرين فليس هناك سبب لدي لكي أغضب".

نطاق صبر الواقع

تسمى آخر الطرق المستخدمة ضد الغضب: "نطاق صبر الواقع" عندما نرى ما يحدث في الواقع فإننا نميل إلى أن نلوم أنفسنا والآخرين والأشياء ببعض الهويات الثابتة. فهو شيء أشبه بأن نرسم في خيالنا خطًّا ثابتًا كبيرًا حول بعض جوانب أنفسنا، ونتصور أن هذا الجانب هو شخصيتنا الثابتة: "هذا أنا، وهذا هو ما يجب أن أكون عليه دائمًا.

على سبيل المثال: "أنا هدية الله للعالم" أو: "أنا شخص فاشل". أو: "إننا نضع خطًّا ثابتًا كبيرًا حول شخص آخر، معتقدين أنه شخص بغيض، فهو ليس طيبًا، إنه مثير للمشكلات". ومع هذا فعلينا أن نفكر أن هذا الشخص قد تكون هذه هويته الثابتة الحقيقية، وهذا يسلتزم أن يوجد بهذه الطريقة دائمًا، وكان لزامًا عليه أن يوجد بها وهو طفل، ويجب أن يكون بغيضًا للجميع؛ لوالديه ولزوجته، وكلبه وقطته؛ لأنه حقًّا شخص بغيض.

إذا استطعنا أن نرى أن الناس لا يوجدون بخط ثابت كبير من حولهم، يحدد بدقةٍ طبيعتهم أو هويتهم الحقيقية الملموسة، فسوف يسمح لنا مرة أخرى أن نهدأ، وألاَّ نغضب منهم. إننا نرى أن تصرُّف هذا الشخص بطريقة مكروهة ما كان إلا حدثًا عارضًا – حتى وإن كان متكررًا – ولا يشكل الطريقة التي لا بد أن يكون عليها دائمًا.

تنمية العادات النافعة

قد لا يكون من السهل تطبيق كل هذه النقاط، وتعرف كل هذه الطرق المتنوعة من التفكير باسم: "الإجراءات الوقائية". وهذه هي الطريقة التي أترجم بها مصطلح: "دارما". هذه الدارما هي إجراء نتخذه لمنع حدوث المشكلات. فنحن نريد ضمانات ضد الغضب، عن طريق محاولة بناء هذه الأنواع المختلفة من الصبر لتكون عادات نافعة، وهذا هو ما يكون عليه: "التأمل". ينشأ مرادف الكلمة التبتية من العبارة: "أن تجعل شيئًا ما عادة". لنعود أنفسنا على شيء نافع.

أولاً: نريد أن ننصت إلى هذه الشروح المتنوعة للأنواع المختلفة للصبر، بعد ذلك نحتاج إلى التفكير فيها لكي نفهم ونرى لها معنى. فإذا كان لها معنى، ونستطيع فهمها، فسيكون لدينا الدافعية لتطبيقها. وحينئذ سنحاول أن نبنيها عادةً نافعة، عن طريق تكرارهم والتمرن عليهم.

وهذا يكون عن طريق مراجعة هذه النقاط أولاً، وبعد مراجعتها يجب علينا أن نرى الأشياء ونشعر بها بهذه الطريقة. وعلينا أن نرسم هذه المواقف في عقولنا، مستخدمين خيالنا في ذلك، يمكننا أن نتخيل موقفًا نغضب فيه عادة، ونكون منزعجين.

فعلى سبيل المثال: ربما يؤدي شخص ما في العمل الأشياء بطريقة لا نحبها. في البداية حاولْ أن ترى هذا الشخص على أنه بشر، يريد أن يكون سعيدًا، ولا يريد أن يكون تعيسًا. وعلى الرغم من أنه يبذل قصارى جهده إلا أنه ما زال كالطفل، ولا يعرف ما الذي يفعله حقًّا. إذا حاولنا أن نرى ونشعر بهذه الطريقة تجاهه، ونكرر هذا في عقولنا عندما نجلس بهدوء في البيت، فسوف يكون من السهل أن نستجيب بصورة أكثر إيجابية عندما نكون في المكتب، ويبدأ هذا الشخص في التصرف بطريقة بغيضة. فبدلاً من دافع الغضب منه فإن دافعًا جديدًا سيأتي إلى عقولنا؛ وهو الدافع إلى أن نكون أكثر احتمالاً، وبعد التدرُّب على أن تراه طفلاً لكي ننمي الصبر تجاه هذا السلوك الشقي، فحينئذ يمكننا أن نتخذ خطوة أبعد من هذا؛ يمكننا أن نعلم أنه عندما يتصرف بهذه الطريقة الممقوتة فهو من سيفقد الاحترام، وبالتالي فإننا نشعر بالشفقة تجاهه.

يمكننا أن نُكوِّن عادة الشعور والرؤية بهذه الكيفية من خلال التأمل. وعندما يصبح النظر والإحساس بصبر عادة نافعة يصبح جزءًا منا، ويتزايد أكثر وأكثر. وسوف يصبح طريقتنا الطبيعية في الاستجابة للمواقف الصعبة التي يجب علينا مواجهتها. فعندما ينشأ دافع الغضب في عقولنا فسوف يكون هناك حيز من الفراغ؛ حيث إننا لا نعمل وَفقًا لهذا الدافع في الحال، وستنشأ أكثر الدوافع إيجابية لنتصرف بطريقة أكثر نفعًا.

في المحاضرات عن البوذية عادة ما نصوب اهتمامنا على الإحساس بالتنفس، ونعد أنفاسنا حتى نصل إلى العدد ٢١ في بداية كل محادثة. وهذا التمرين نافع جدًّا عندما نلاحظ بدايةً أننا على وشك أن نغضب. فهو يخلق حيزًا، ولا نعمل خلال هذا الحيز تبعًا لطريقة الدافع السلبي، فنقول شيئًا قاسيًا، على سبيل المثال.

وهذا يعطينا منطقة للتفكير في كَوْننا نريد أن نصبح غاضبين ومنزعجين. إننا نفكر قائلين: "هل أريد حقًّا أن أشارك في هذا؟ أو هل هناك طريقة أفضل لمعالجة هذا الموقف؟" ونتيجةً للتأمل، وبناء عادات أكثر نفعًا، سنرى المواقف بصبر أكبر، وسنشعر بأننا أكثر تحملاً تجاههم، وستدور بأذهاننا بدائل أكثر إيجابية، ونختار منها بطريقة طبيعية؛ حيث إننا نريد أن نكون سعداء، ونعلم أن هذه الطرق البديلة سوف تؤدي بنا إلى هذه النتيجة.

ولكي نفعل هذا فإننا بحاجة إلى التركيز، ولهذا السبب يوجد في البوذية الكثير من طرق التأمل المختلفة لتنمية التركيز. ولا تُعلَّم هذه الطرق لتكون تدريبًا نظريًّا، بل لكي نستخدمها ونطبقها.

ولكن متى نطبق هذه الطرق؟ ذلك يكون في مواقف صعبة، عندما نتعامل مع أشخاص بغيضين، أو ظروف ممقوتة. وهذه الطرق تساعدنا على التركيز في أن نُبقِي عقولنا صابرةً. ومع هذا فإننا لا نكبح أنفسنا عن السلوك الهدام السلبي، بمجرد استخدام التحكم بالذات والانضباط. وإذا كان بإمكاننا أن نفعل ذلك ببساطة، عن طريق التحكم بالذات والانضباط، فسوف يبقى الغضب بداخلنا. إننا سنضع قناعًا قويًّا جدًّا في الظاهر فقط، أما بداخلنا فإن الغضب يحترق، ويتسبب لنا في حدوث القرحة.

ولكن – وعلى العكس – عندما نستخدم هذه الطرق بصورة صحيحة، فلن يوجد أي غضب. والأمر ليس مجرد التحكم في الغضب، والإبقاء عليه بداخلنا ، إنما هي مسألة استبدال الدوافع التي تدور بأذهاننا. فبدلاً من ظهور دوافع سلبية – ربما نضطر إلى أن نتعامل معها بأن نبقيها كلها بداخلنا – ستنشأ دوافع إيجابية.

وفي الوقت الذي نتمكن فيه من فعل هذا يمكننا – بالاعتماد على دافعيتنا – أن نخلص أنفسنا من المشكلات الآن، ولن تسوء الأمور في المستقبل، أو أننا لن نعاني من أي مشكلات، أيًّا كانت. أو أنه بالدافعية الأكثر تقدمًا وقوةً فإننا لن نتسبب في المشكلات لعائلتنا، أو أصدقائنا أو للناس من حولنا، وسنكون قادرين على مساعدة الآخرين بالطريقة المثلي، وسنكون قادرين على أن نفعل هذا؛ لأننا لن نكون مقيدين بانفعالاتنا المزعجة ومشكلاتنا، وبالتالي سنكون قادرين على أن ندرك كل إمكانياتنا الكامنة.

وفي النهاية أشكركم.