أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الحقائق الأربع المُستمدة من الحقيقتين؛ والجواهر الثلاثة المُستمدة من الحقائق الأربع

ألكسندر بيرزين
كييف، أوكرانيا، مايو ٢٠١٢
تفريغ صوتي غير منقح
ترجمة: أرجُنَ برَنَذي
مراجعة: إنجي بدران

الجلسة الثالثة: الجواهر الثلاث الثمينة من الأربع حقائق

عرض للجلسات السابقة

نستكمل الآن مناقشتنا لهذه الأبيات الاستثنائية التي كتبها قداسة الدالاي لاما والتي تشرح كيف يمكن لنا أن ننتقل من فهم الحقيقتين إلى فهم الحقائق الأربع النبيلة حتى يصبح لدينا ثقة في جواهر الملجأ الثلاث. وقد رأينا أن ما تتحدث عنه الحقيقتين هو كيف توجد وتعمل الأشياء حقًا (بعبارة أخرى، الواقع)، وهذا يشير إلى:

  • فيما يتعلق بالحقيقة النسبية أو المألوفة، ما يظهر لنا بالفعل أن كل الأشياء تنشأ من أسباب ونتائج. بعبارة أخرى، إذا رأينا الواقع، فهذا ما سنراه. لكن للأسف غالبًا لا نرى الأشياء بهذه الطريقة.

  • أما فيما يتعلق بالحقيقة الأعمق، الأشياء لا توجد بهذه الطرق المستحيلة التي يُسقطها ارتباكنا على الأشياء. على سبيل المثال، إن الأشياء تنشأ بأنفسها دون اعتماد على أي أسباب، شروط، أجزاء، أو أي شيء آخر.

وهذا هو الأساس.

والأربع حقائق النبيلة تتحدث عننا عندما نكون مرتبكين بخصوص الواقع وعندما نستطيع حقًا أن نرى ونفهم الواقع بشكل صحيح. لذا فعندما نكون مرتبكين بشأن الواقع، فعندها يصبح هذا سببًا للمعاناة (السبب هو الحقيقة النبيلة الثانية؛ المعاناة الفعلية التي نختبرها هي الحقيقة النبيلة الأولى). وعلى الجانب الآخر، إذا استطعنا رؤية الواقع وفهمه والمحافظة على تركيزنا عليه طوال الوقت، فعندها سنحظى بالحقيقة الثالثة – وهي الإيقاف الفعلي للمعاناة لأننا تخلصنا من أسبابها – وهذا الفهم هو المسار الفعلي الذي سيحقق لنا الإيقاف الفعلي. على العكس من ذلك فعندما لا نفهم الواقع، ونتصرف على أساس من عدم الوعي والارتباك، فعندها نستمر في إعادة الميلاد المتكرر غير المتحكم فيها للأبد؛ بينما إذا تخلصنا من عدم الوعي والارتباك، عندها يمكننا أن نعكس (بمعنى التخلص أو الإيقاف) إعادة الميلاد بالسامسارا.

الجواهر الثلاث الثمينة

الآن البيت الثالث:

استنادًا على الاستدلال المنطقي تُصبح لدينا قناعة راسخة بأن الملاجئ الثلاثة حقيقة

الملاجئ الثلاثة تُشير إلى – كما ذكرت في المحاضرة التمهيدية – بوذا، الدارما، والسانجا. هذه كلمات سنسكريتية. ومن الواضح أن بوذا والبوذات هم من وصلوا للاستنارة ويعلموننا كيف نصل لذلك. الدارما هي تعاليمهم. والسانجا هو المجتمع سامي الإدراك. هذا مستوى لفهمهم ، لكن هناك معاني أخرى أكثر عمقًا.

بالنسبة للمعنى الأكثر عمقًا، الدارما تُشير إلى التحقق الفعلي، وهذا هو التحقق الفعلي للحقيقة النبيلة الثالثة والرابعة، الحقيقة النبيلة الثالثة – كما تتذكرون – هي الخاصة بالإيقاف الفعلي للمعاناة وأسبابها. ولذا عندما نُحقق ذلك، نحصل على تحررنا من السامسارا، ومن إعادة الميلاد المتكرر غير المتحكم بها. والحقيقة النبيلة الرابعة هي الخاصة بالفهم الذي سيُمكننا من تحقيق هذا الإيقاف الفعلي وهذا الفهم هو الذي سينتُج عنه الإيقاف الفعلي. الآن، هذا ما يطلق عليه الملجأ. لذا ما المقصود حقًا بالملجأ؟ الملجأ هو شيء يحمينا، فهو يحمينا من المعاناة. وإذا كان لنا أن نُحقق هذه الدراما الأعمق – إذا كان لنا أن نُحقق هذا الإيقاف الفعلي وهذا الفهم الفعلي، مسار الفهم الحقيقي – فعندها سنحمي أنفسنا من اختبار المعاناة. لذا فالأمر لا يعني أنه بما أن شخص آخر قد حققها وأودعنا أنفسنا لديه، فعندها سنكون أمنين.

فيما يُطلق عليه الديانات الإبراهيمية – في إشارة إلى اليهودية ثم المسيحية ثم الإسلام – والتي تُعرف بأنها الديانات الموجهة تاريخياً. بعبارة أخرى، في كل من هذه الديانات الثلاث هناك شخصية تاريخية والتي في واقعة تاريخية أتى لها وحي من إله بشكل ما – سواء كان موسى أو المسيح أو محمد – وقد قاموا بعد ذلك بكشف الحقيقة، وكلمتهم النهائية. وبالتالي لا نستطيع القيام بما قاموا به. ما نحتاجه هو الإيمان بهم. هذا بالضبط تم وصفه بطرق مختلفة في الديانات الإبراهيمية المختلفة، لكن من خلال الإيمان بهم، سنُحقق خلاصنا من معاناتنا. وذلك بغض النظر إذا كان الإيمان فيهم شخصيًا أو فيما علموه، أو فيما كشفوه لنا. لذا فهذا الحدث التاريخي لله يعطي الوصايا العشر لموسى، أو المسيح كاشفًا عن العهد الجديد، أو محمد كاشفًا عن القرآن – هذه لحظة تاريخية هامة جدا وهي مركز تلك الديانات الإبراهيمية.

عندما نتحدث عن الديانات الهندية – الهندوسية والبوذية والجينية – فيُمكن التحدث عنهم على أنهم ديانات الدارما. وهذا شيء مختلف تمامًا. الحقيقة التاريخية المتعلقة بأن بوذا أو كريشنا أو ماهافيرا (مؤسس الجينية) ليست حدثًا محوريًا، ولكن نحن بأنفسنا – كل فرد – يمكن أن نُحقق الاستنارة، الحالة الخاصة بالكائنات العظيمة. نحن بأنفسنا نستطيع أن نُحقق التحرر والاستنارة، إذا قصرنا حديثنا فقط في سياق البوذية. لأن الديانات الأخرى الدارما الأخرى تتحدث عن التحرر أيضًا. هذه أحد الفروق الأساسية بين الديانات الإبراهيمية (دياناتنا الغربية، بما فيها الإسلام) والديانات الهندية، المختلفة جوهريًا.

لذا فعندنا ننظر لتلك الملاجئ، من الهام جدا ألا ننظر لهم من خلال إسقاط دياناتنا الإبراهيمية الغربية. فالأمر ليس كأن "بوذا هو الوحيد الذي حقّق الاستنارة. وإذا آمنت ببوذا فسيُنقذني" ونحن نتبع ما قاله بوذا. فالأمر ليس كذلك. لذا حتى نتجنب هذا فإنني أرغب في تجنُب استخدام كلمة ملجأ كترجمة لهذا المصطلح، لأن هذا المصطلح يعطي الأمر نكهة سلبية، إنك فقط تلجأ لهذا الملجأ بمعنى "أنقذني يا بوذا" فيتم إنقاذك. في الحقيقة هذه ليست نكهة البوذية التي نتحدث عنها عندما يصبح لدينا فهم صحيح للبوذية. لذا عوضًا عن ذلك سأستخدم التوجه الآمن. بعبارة أخرى، بوذا، الدارما، والسانجا يشيرون لنا على الاتجاه الذي نسيره لنحصل بأنفسنا على ما حققه بوذا. وعلى الرغم من أن بوذا قام بتعليمنا طرق لنكون بها قادرين على حماية أنفسنا، فعلينا نحن أن نضعها موضع التدرب، إن الأمر في الحقيقة مُعتمد على جهودنا وعلى ما سنحققه ليحمينا من المعاناة، المساعدة على تجنب المعاناة.

جوهرة الدارما

لذا عندما نتحدث عن جوهرة أو ماسه الدارما الأعمق، بأي طريقة ترغب في تسميتها – هي شيء نادر ونفيس وهي الطريقة التبتية في ترجمة جوهرة، – ما نتحدث عنه هي الحالة الحقيقية للإيقاف الفعلي للمعاناة وبلوغ المسار الذهني الفعلي الذي سيؤدي بنا للحصول على نتائجه. لذا فهذا شيء نحن نحصل عليه بأنفسنا، وهذا يعني أن علينا أن نكون واثقين أنه حقًا يُمكننا الحصول عليه. لذا تحدثنا عن الحقيقتين والحقائق الأربع النبيلة لتساعدنا على فهم أن ذلك ليس من المستحيل تحقيقه، أن هناك شيء مثل التحرر، وكيف يمكن تحقيقه.

جوهرة بوذا

البوذات هم هؤلاء من حققوا ذلك بشكل كامل – فليس الأمر قاصرًا فقط على شاكياموني بوذا ولكن هناك العديد من البوذات – وقد قاموا بتعليمنا والإشارة لنا على طرق ستُمكننا من تحقيق ذلك بأنفسنا، وقد أشاروا لنا بطريقتين : الأولى بتعاليمهم، والأخرى بالكيفية التي كانوا عليها، بُناء على فهمهم. وبالمناسبة هذا أمرًا غاية في الأهمية. يمكننا أن نوضح ونساعد الآخرين ليتعلموا بكلٍ من التعاليم المنطوقة وأيضًا بالمثال الحي الذي نقدمه كمثال على ما نُعَلمه. لذا هذه إشارة أخرى عما نتحدث عنه بأنها ليست فقط تعاليم مجردة ولكن الأشخاص يجسدونها عند تعليمهم إياها، ويلهموننا لنتبع مثالهم.

جوهرة السانجا

وسانجا الآريا – الجوهرة الثالثة – بعض الناس يتساءلون، "لماذا نحتاج جوهرة ثالثة؟ أليس بوذا والدارما كافيين؟" وعلى الرغم من أن المجتمع الرهباني، الرهبان والراهبات، يمثلون السانجا، ولكن هذه ليست جوهرة السانجا الحقيقية، مثلما أن التماثيل والرسومات تُمثِّل البوذات والكتب تُمثِّل الدارما. هذه ليست الشيء الأعمق. إنها مجرد شيء يمثلهم. كرمز لشيء يمثل بوذا، الدارما ،السانجا، هذه التماثيل، الرسومات، الكتب، والرهبان والراهبات يساعدوننا لنظل محتفظين بتركيزنا على إظهار الاحترام، لأنه ليس من السهل إظهار الاحترام لشيء مجرد بعض الشيء. ولكن هناك معنى أكثر عمقًا للبوذا، الدارما، والسانجا.

لماذا،جوهرة السانجا مهمة؟ السانجا تشير للآريات، هؤلاء من رأوا الحقائق النبيلة الأربعة بشكل غير نظري بُناء على الحقيقتين (الحقيقة النسبية والأعمق). لقد أدركوا هذا أو وعوا به بشكل غير نظري، وكنتيجة لذلك أحرزوا بعض التقدم في الإيقاف الفعلي وفي المسار الذهني الفعلي، ليس بالكامل بعد، لكن البعض منه. هذه النقطة هامة جدًا – لأننا إذا نظرنا لتعريف الحقائق النبيلة، كيف يتم تعريفهم؟ إنها تُعرَّف بأنها الحقائق النبيلة، حقائق الآريا. إنها ما يراه الآريا كواقع، هؤلاء الذي لديهم إدراكًا غير نظري للواقع. إذًا ما الذي نستنتجه من هذا؟ نستنتج من هذا:

  • قبل كل شيء، ليس فقط البوذات هم من يعون كل شيء ويحققون الإيقاف الفعلي ومسار الذهن الفعلي. بل هي عملية متدرجة.

  • وحتى قبل تحقيق التحرر أو الاستنارة، نحن نبدأ في التحرر قليلًا والتخلص من العديد من جوانب المعاناة الفعلية، لأننا نتخلص من الأسباب الفعلية.

إذا فهو مسار متدرج، ويبدأ قبل أن نصبح بوذا أو نصبح آرهات – كائنات محررة – بوقتٍ طويل،. هذا يعطينا مثالًا أسهل من مثال بوذا لنستطيع أن نضعه نُصب أعيننا. سانجا الآريا لا يزال لديها بعض المشاكل، لديها بعض المعاناة – هم ليسوا أحرارًا من إعادة الميلاد المتكرر غير المتحكم بها، لكنهم أحرارًا من بعض أجزاءه – لذا من الأسهل أن نضع هذا الهدف أمامنا. فيعطينا التشجيع والإلهام بأننا تدريجيًا، خطوة بخطوة، إذا سرنا في التوجه الآمن لتحقيق الإيقاف الفعلي ومسار الذهن الفعلي، فسيُمكننا الوصول لهدفنا النهائي، وهو التحرر والاستنارة. فحتى إذا كنا الآن غير قادرين بعد على السير كامل الطريق للتحرر والاستنارة، فسنُحرِر أنفسنا من بعض درجات المعاناة، لأننا سنُحرِر أنفسنا من بعض درجات عدم الوعي المُسبِبة للمعاناة. الأمر متعلق بـ لأي درجة يمكنك الاحتفاظ بكامل تركيزك على الواقع. إذا كنت لا تزال آريا، فلن تستطيع أن تحتفظ بتركيزك طوال الوقت. إذا كنت بوذا، فسيمكنك المحافظة على تركيزك طوال الوقت.

الآن، في هذا العرض، لم أوضح الاختلاف بين التحرر والاستنارة. هم ليسوا نفس الشيء. التحرر هو تحرر من إعادة الميلاد المتكرر غير المتحكم بها، وبتحقيق ذلك نُصبح آرهات، كائنات مُحررة. لكن الاستنارة هي شيء أكثر من ذلك. فلن نكون عندها أحرارًا فقط مما يُدعى الالتباسات الشعورية – هذه المشاعر المُربكة وعدم الوعي بالكيفية التي نوجد بها وتوجد عليها الأشياء – بل أيضًا سنكون أحرار مما يطلق عليه التباسات الإدراك.

بعبارة أخرى، بسبب عاداتنا في تصديق إسقاطاتنا لما هو مستحيل – الطريقة المستحيلة للمعرفة – فإن أنشطتنا الذهنية تستمر في صنع تلك الإسقاطات، ونصدق إنهم يتوافقون مع الواقع، وعندها نحصل على مشاعرنا المُربكة. عندما نحقق التحرر، نحقق ذلك بإيقاف تصديق أن هذه المظاهر، -والتي يُطلق عليها المظاهر الخادعة- تتوافق مع الواقع. لذا نتوقف عن تصديقها. “هذه قمامة. إنها تظهر بهذه الطريقة، لكن هذه ليست الطريقة التي عليها الأشياء في الحقيقة.” لذا يظل إدراكنا لما يظهر أمامنا محدود، ولا تزال الأشياء توجد في صناديق، بمعنى أن كل شيء معزول قائم بذاته في غلاف بلاستيكي خاص به، ولكننا نعرف أن هذه ليست الطريقة التي توجد بها الأشياء. حتى على مستوى بسيط للغاية، إذا كنا نفكر في سياق الفيزياء الذرية، لدينا الذرة، ثم لدينا حقول من القوى والطاقة وأشياء مثل ذلك. لا يوجد خط صلب حول أي شيء يقول، "على هذا الجانب من الخط، هناك الشيء. وعلى الجانب الآخر من الخط، لا يوجد هذا الشيء.” فالأشياء ليست صلبة كما تظهر لنا.

لكن إذا تخلصنا من التباسات الإدراك – والتي تتسبب في أن نصنع هذا المظهر الخادع، أنشطتنا الذهنية التي تصنع المظاهر الخادعة – فعندها سيتوقف الذهن عن صنع تلك الإسقاطات، ونُحقِّق الاستنارة. عندما نحقق الاستنارة، نرى التواصل المتبادل المُطلق لكل شيء في ذات اللحظة. وأكثر من ذلك أننا سنكون قادرين على رؤية الأسباب والشروط الخاصة بكل شخص والتي تؤثر على الطريقة التي هو عليها الآن. وسنرى نتيجة أي شيء سنقوم بتعليمه لهم، ولذا سنرى ما هي الطريقة الأكثر مهارة للمساعدة في إرشادهم للتحرر والاستنارة بأنفسهم.

عندما نتحدث عن الآريا، نحن لا نتحدث فقط عن الآريا بوديساتفا – الآريا بوديساتفا هم هؤلاء من يستهدفون الاستنارة – نحن نتحدث أيضًا عن هؤلاء الآريا الذي يستهدفون فقط التحرر. لذا فعندما نتحدث عن الجواهر الثلاث في سياق التوجه الآمن، أو الملجأ، نحن نتحدث عن هؤلاء الذي يستهدفون التحرر فقط أو كلًا من التحرر والاستنارة، ليس فقط البوديساتفات الذين يهدفون للاستنارة.

تنمية اقتناع راسخ في الجواهر الثلاث

على أي حال، إذا َفِهمنا الحقيقتين، وعلى أساس من هذا، فَهِمنا الحقائق الأربعة – كيف ندخل بالسامسارا، إعادة الميلاد المتكرر غير المتحكم بها، وكيف يُمكننا التخلص من ذلك – إذا فهمنا كل ذلك، فعندها يمكن أن نكون راسخي الاقتناع بأن جوهرة الدارما الأعمق، موجودة فعلًا: وأنها حقيقة؛ وأن هناك شيء كهذا بالفعل. نفهم بوضوح أن هذا الارتباك الذي يُنشئ هذه المظاهر الخادعة لما هو مستحيل – إن هذا الارتباك ليس خاصية فطرية أصيلة أو من مواصفات أنشطتنا الذهنية. لماذا؟ لأننا يمكننا التخلص منه. إذا قمنا بالتركيز على ما هو المُعاكس تمامًا لعدم الوعي هذا – بعبارة أخرى، نحن نركز بوعي الحقيقتين الخاصتين بكيفية وجود الأشياء – وعندها لن يكون لدينا هذه المظاهر الخادعة، وبالتأكيد لن نصدق تلك المظاهر. لذا إذا احتفظنا بتركيزنا على هذا الوعي، هذا المسار الفعلي – إذا ظللت محافظًا على تركيزك على ذلك طوال الوقت، فعندها ستحصل على الإيقاف الفعلي لعدم الوعي أو الجهل. وهذا أمرًا مدعومًا بالمنطق. يمكنكم تعزيزه، بأن هذا يتوافق مع الواقع، وسيحقق النتائج: لن يكون لديك بعد الآن ذلك الصعود والهبوط للمعاناة والتعاسة والسعادة العادية، ولن يكون لك ذلك الوجود المتكرر غير المتحكم به.

الآن يمكنك أن تعترض وتقول "حسنًا، إذا حافظنا على تركيزنا على عدم الوعي طوال الوقت، فلن يكون لدينا الفهم أو الوعي. لكن أيهما أقوى، أن نحتفظ بتركيزنا طوال الوقت على أن عدم الوعي لا يتوافق مع الواقع أم على الوعي والذي يتوافق مع الواقع؟ من منظور تحليلي، عندما نتحرى الأمر، ليس هناك شيء ملموس يدعم عدم الوعي هذا, هذه الإسقاطات الخادعة، وحيث أن المنطق يدعم الفهم الصحيح: الأشياء تنشأ من أسباب وشروط؛ غير موجودين منعزلين بأنفسهم، يظهرون من اللا مكان. بالإضافة إلى أننا إذا حافظنا على تركيزنا بوعي، وبالفهم الصحيح، طوال الوقت، فسيؤدي ذلك لنتائجه: لن نختبر بعد ذلك المعاناة أو إعادة الميلاد بالسامسارا. على الجانب الآخر، إذا احتفظنا بتركيزنا على عدم الوعي، الارتباك، طوال الوقت، هذا أيضًا سيؤدي لنتائجه، وهي المعاناة. وهنا نعود للحقائق الأربع النبيلة مرة أخرى. ما الذي نستهدفه؟ هل نريد المعاناة للأبد طوال الوقت؟ إذا رغبنا في ذلك، احتفظوا بالتركيز على عدم الوعي، وستعانون طوال الوقت. أنتم مرحب بكم هناك. لكن إذا أردتم التحرر من تلك المعاناة، والذي هو الهدف من المسار الروحاني، إذا فمن الواضح تمامًا أن عليكم أن تحتفظوا بتركيزكم على الوعي، مع الفهم، طوال الوقت، استنادًا على الواقع.

لذا مع هذه الطريقة في تناول موضوع الملجأ – كما يقال، عبر الاستدلال المنطقي، فعندها ستُصبح قناعاتنا بهذه الملاجئ الثلاثة راسخة. لذا لسنا بحاجة لمزيد من الافتراض بـ "إذا ذهبت في هذا الاتجاه سأتحرر من المعاناة.” فنحن لا نؤسس لملجئنا، لمسارنا الروحي، على افتراض أن هذا صحيح، والذي هو ليس أكثر من مجرد تخمين جيد – وهذا التخمين سيكون مستند على الإيمان (لأن معلمي قال ذلك، أو خلافه)- ولكننا نؤسسه على الاستدلال المنطقي. نحن نعمل على أساس من الاستدلال المنطقي المُستمَد في الأساس من الفهم الاستنتاجي، من المنطق.

هناك طريقتان لبناء الاستدلال المنطقي. عبر الاستنتاج أو المنطق، وهناك الإدراك المباشر، والذي سيكون مثل رؤية أو سماع أو اختبار ذلك بأنفسنا. الآن، المشكلة في الطريقة الثانية أنها تتطلب أن نكون متقدمين جدا جدا قبل أن نكون قادرين على أختبار هذا بأنفسنا. إذا، أين نبدأ قبل أن نكون بتلك المرحلة؟ لهذا نبدأ بالاستنتاج كأساس للاستدلال المنطقي.

النمو بالمسار الروحي

لدينا الآن البيت الرابع

ألهموني كي أغرز جذور المسار الذهني التي تقود للتحرر.

عندما نتحدث عن المسار الذهني للتحرر، يمكن تقديمه بالعديد والعديد من الطرق. أحد طرق العرض هي مجالات الدوافع الثلاثة، والتي تُعرف بالاسم التبتي "لام-ريم" (المسار المُتدَرج) لأنها تسعى لثلاثة أهداف تصاعدية:

  • الهدف الأول هو تفادي إعادة ميلاد أسوأ والحصول على إعادة ميلاد أفضل. نحن نرغب في الحصول على إعادة ميلاد أفضل والتي بها قدر أقل من المعاناة، لأنه عندها ستكون الظروف أمثل لنستمر على المسار الروحاني. تخيلوا إذا ولدنا كصراصير، لن يكون هناك الكثير لنقوم به بما له علاقة بنمونا الروحاني أثناء حياتنا كصراصير. لذا فقد رأينا بالفعل أنها لأجل تجنب إعادة ميلاد أسوأ، علينا أن نتخلص من عدم الوعي أو الارتباك بشأن الحقيقة النسبية، والمتعلقة بقانون الأسباب والنتائج. السبب الرئيسي لإعادة ميلاد أسوأ هو السلوك الهدام، ونتصرف بشكل هدام لأننا غير واعيين بعواقب هذا السلوك، أو نتخيل أن لهذا نتائج معاكسة (هذا سيجعلني سعيد).

  • والمجال الأوسط هو استهداف التحرر من أنواع المعاناة الثلاثة (سعادتنا العادية، التعاسة، والأساس لكل هذا إعادة الميلاد المتكرر غير المتحكم به). من أجل ذلك نحن بحاجة للتخلص من – بمعنى الإيقاف الفعلي – عدم الوعي بالحقيقة الأعمق، الواقع الأعمق، الخلو. ولكن ليس فقط اكتساب الوعي بالخلو – نحن نحتاج لأن نكتسب فهم الحقائق الأربع النبيلة طوال الوقت. لكن من الصعب جدًا أن نحتفظ بتركيزنا عليهم جميعًا في نفس الوقت وطوال الوقت، لذا نحتاج لآن نذهب لما هو أبعد.

  • المجال المتقدم هو تحقيق حالة الاستنارة لبوذا لنستطيع مساعدة الجميع أيضًا. لذا فبينما نحتفظ بتركيزنا على الحقيقة الأعمق، لنفهم بشكل كامل الحقيقة النسبية. فقط بوذا يستطيع أن يحتفظ بتركيزه على الحقيقتين معًا في نفس الوقت وطوال الوقت.

لذا فمن المثير للاهتمام جدًا إذا نظرنا بشكل أعمق لهذه الجملة – من الحقيقتين تأتي الحقائق الأربع؛ ومن الحقائق الأربع تأتي الملاجئ الثلاثة – سنجدها تتحدث عن جذر هذه المجالات الثلاثة (مجالات الدوافع الثلاثة، المبدئي، المتوسط، المتقدم) والتدريبات والرؤى التي ستقود لتحقيق هذه الأهداف. إنها تتحدث عن أن هذا هو الجذر. أليس كذلك؟ الجذر ليس البذرة. الجذر هو ما يُعطي الثبات والقوة للنبته. لذا إذا كنت مقتنعًا استنادًا على المنطق بأن هذه الأهداف الثلاثة قابلة للتحقُق، وأنها موجودة بالفعل، وأنها ليست شيء غير واقعي وإنما على العكس من ذلك هي شيء واقعي جدًا ويمكننا تحقيقها، عندها بالطبع هذا سيعطينا الثبات الذي سيدعم كامل مسارنا الروحي لهدفنا.

بطريقة أخرى للعرض، سنجد أن – ولربما الطرق الأخري هي الأكثر شيوعًا عن تلك الطريقة – جذر هذه المجالات الثلاثة هو العلاقة الصحية مع المعلم الروحاني. هذا ما نجده على ما أعتقد في كل نصوص اللام-ريم، على الأقل النصوص التي أعرفها. وهذه العلاقة الصحية مع المعلم الروحاني هي جذر المسار الروحاني بأكمله بمعنى أنك تحصل على الإلهام من المُعلم، وهذا الإلهام هو ما سيعطيك القوة والطاقة لتكون قادرًا على الاستمرار نحو تلك الأهداف.

مرة أخرى سنجد شكلين لكيف يمكن لنا أن نتقدم في المسار الروحاني بطريقة ثابتة:

  • الطريقة الأولى هي أن تكون العلاقة مع معلم روحاني كجذر لنا، أو مصدرًا للقوة، والإلهام وخلافه. وعلى هذا الأساس، نستخدم المنطق التالي "معلمي مصدر صالح للمعلومات. لذا ما يقوله المعلم – إنه من الممكن تحقيق الاستنارة – صحيح. لإنه لا سبب لأن يُلفق المعلم شيء كهذا.” لذا هناك نوع من المنطق المستخدم هنا. لكن إذا نظرت للأمر من وجهة النظر كيف يختبر معظم الناس هذا الأمر، هم يختبرونه أكثر على المستوى الشعوري . يتم إلهامك بشكل عاطفي جدا من مُعلمك الذي يعطيك القوة لتستمر على المسار الروحاني. كما في طريقتّي تنمية البوديتشيتا المذكورَين من قبل، الأولى – البوديتشيتا النسبية – أنت مدفوعًا بالكامل برغبتك في مساعدة الآخرين وبالتالي فأنت مدفوعًا لتحقيق الاستنارة، وبعد هذا تصبح مقتنعًا بالكامل أنه من الممكن تحقيق ذلك.

  • وعلى الجانب الآخر – عكس طريقة التدرب وبها أولًا نُنمي البوديتشيتا الأعمق – نحن نُنمي أقتناعنا بالخلو بالطريقة التي تم وصفها في الأبيات هنا (اكتساب الثقة بأن الهدف ممكن تحقيقه)، وعلى هذا الأساس، نُنمي الجانب الشعوري للعمل تجاه الاستنارة، نفتح قلبنا، إلخ.

لذا فكلا الطريقتين صالحتين كمدخل للمسار الروحاني، وكل هذا يعتمد على ما هو مجالنا الأساسي أو قدراتنا. الطريقة التي وُصِفَت في النصوص سيجدها هؤلاء ذوي الملكات العقلية والذكاء الحاد أكثر ملائمة لشخصيتهم أن يعتمدوا على هذا العرض المنطقي؛ وهؤلاء الأقل في حده الذكاء (بعبارة أخرى، يعملون أكثر على المستوى الشعوري)، ما سينجح معهم أفضل هو الاعتماد على الإلهام من المُعلم والاعتماد على المشاعر التي ستنمو فيما له علاقة بالحب والشفقة، فهذا هو الأساس.

في الكثير من النواحي أعتقد أننا بحاجة لنوع من التوازن بين المدخلين. لديّ مقالة كتبتها بموقعي الإلكتروني والتي تتناول الدارما عن طريق المداخل الثلاثة الفكري، والعاطفي، والتعبدي. لذا هناك ثلاثة طرق إذا أضفنا الجانب التعبدي لهم. وأعتقد أنه من الهام ألا نتجاهل الطرق الأخرى لتناول المسار البوذي فقط لأنه أكثر راحة لنا أن نتناوله بأسلوب بعينه، بأسلوب واحد، لأنه إذا كنا نقوم بتنمية أنفسنا بالكامل بمعنى كامل إمكانياتنا وخلافه، نحتاج للتوازن بين هذه المداخل الثلاثة.

وهذا هو العرض الأساسي لهذه الأبيات في تلك الصلاة الخاصة بقداسة الدالاي لاما. الكثير من المعاني يمكن أن نستخلصها منها، كما اعتاد مُعلمي أن يقول؛ يمكنك أن تستخلص الكثير من المعاني من كل الكلمات (كما تُحلب البقرة).

الأسئلة والأجوبة

الآن لدينا وقت للأسئلة.

تطبيق عملي للحقائق الأربعة النبيلة

مشارك: إذا كان لي صديق قلق أو لديه مشاكل، أو شيء مشابه، قد أستطيع أن أعطيه نصيحة من نوع: “خذ الأمور ببساطة. أسترخي. لا تأخذ الأمور بجدية أكثر من اللازم.” وهذا النوع من التذكير يُمكن أن أقدمه للآخرين أو لنفسي. لكن ما الوضع بالنسبة للأنانية؟ إذا كان هناك موقف لديّ به مشاعر، أنانية، وأنا بحاجة الآن للتعامل مع الآخرين، هل هناك شيء لأٌذكِّر نفسي به، مانترًا مثلًا أو بعض العبارات أو الكلمات، حتى لا أنسى؟ أستطيع أن أحتفظ بهذه التَذْكِرة في ذهني ولا أنسى أنني بحاجة لأن أعرف أين إسقاطي الذهني الأناني وأين الواقع.

ألكس: بُناء على ما قاله المُعلم التبتي العظيم تسونغكابا، توقع أنه في كل الأوقات يقوم نشاطنا الذهني بإسقاط الطريقة المستحيلة للوجود – المظاهر الخادعة – بإستثناء الوقت الذي نقوم بالتركيز بشكل غير نظري على الخلو. لذا فالمظاهر الخادعة للشيء محل التفنيد تحدث خلال كل لحظة من خبراتنا عدا لحظات التأمل العميق. ليس علينا أن نذهب بعيدًا حتى نجده؛ إنها المظاهر بكل لحظة، وكيفية ظهور الأشياء لنا.

هناك الكثير من الأشياء، أدوات مساعدة صغيرة، والتي من المُمكن أن تساعدنا في تفكيك المظاهر التي نعيها. قمت بتحديدهم في الكتاب الإلكتروني "تنمية حساسية متوازنة" بالموقع الإلكتروني الخاص بي. وهو أيضًا منشور على هيئة كتاب مطبوع.

أحد الصور المفيدة هي " تفجير البالون" الخيالي. ولكن علينا القيام بهذا بطريقة لا-ثنائية. إنها ليست فكرة أن هناك "أنا" في جانب وأمسك "دبوسًا"، -هذا هو المظهر- ثم أقوم بتفجير البالون. الصورة فقط أن البالون ينفجر، وهي مغالاة حول كيفية وجود الأشياء. لذا علينا أن نُدرك المظهر الخادع. المظهر الخادع قد يكون "أنت شخص بشع" أو "هذا موقف بشع.” ولا نستطيع حتى أن نرى هذا في سياق كل الأسباب والشروط وكل شخص آخر لديه شيء مشابه، إلخ؛ الموقف يتحول إلى مجرد "هذا شيء بشع" و " أنا بائس ، أنا أعاني من ذلك.” لذا فما نتخيله هو فقط أن هذا البالون ينفجر. أعرف إنك صانع أفلام، فلذا يمكنك تخيل هذا في مشهد بفيلم، نوع من الكارتون حيث ببساطة كامل المشهد بالشاشة انفجار، وعندها تجد شيء آخر خلف هذا الواقع. لذا فلشخص مثلك قد تكون هذه الصورة مفيدة.

صورة أخرى مفيدة أستخدمها في "تنمية حساسية متوازنة" هو أن نتخيل أن ما نقوم به مثل كتاب مفتوح به صفحتين. صفحة هنا "يالا بؤسي، أنا أعاني من هذا الموقف البشع،" والصفحة الأخرى خاصة بهذا الموقف الفظيع الذي لا أستطيع التعامل معه أو البشع للغاية. ولذا فهذا الكتاب مثل قصة خيالية فظيعة. ومن ثم تتخيل الصورة الذهنية لهذا الكتاب وهو يُغلق؛ نهاية القصة الخيالية. هذه صورة أخرى يمكن استخدامها ويمكن أن تكون مفيدة. إغلاق كتاب الثنائية، إذا أردنا أن نصفها بطريقة أكثر اصطلاحية.

أو إذا أردت استخدام مانترا، لدي مانترا غير شائعة والتي أستخدمها بشكل شخصي، والتي قد تكون فظه بعض الشيء، هذه المانترا هي "هراء”. “الطريقة التي تظهر بها الأشياء لي، عبارة عن هراء. هذه ليست الطريقة التي عليها الأشياء.” لابد من أن لديكم كلمة مماثلة في اللغة الروسية.

هذه الطريقة قد تساعدنا. المشكلة في أن نتذكر. والوقت الذي سيكون فيه من السهل علينا أن نحدد احتياجنا لهذا النوع من الطرق هو عندما نختبر مشاعر مُربكة قوية للغاية. المثال الأكثر تكرارًا في النصوص التبتية على عدم تذكرنا، وهو التعبير المُفضل لدى التبتيين وهو "عندما يُتهموا ظلمًا بشيء لم يرتكبوه. يردون بقوة: لم أقم بهذا! هل تقصد أني كاذب أو غشاش؟" أو شيء من هذا القبيل. وبذلك يصبح هذا الشعور القوي مُربك بـ الـ"أنا" أكثر قوة.

التأمل

مشارك: ذكرت أن أحد الطرق لتدريب ذهننا على الانضباط والسير تجاه الأهداف الروحانية هو التأمل. لكن الآن نسمع هذه الكلمة في كل مكان، وتعني أشياء مختلفة. في البوذية تحديدًا، ما معنى هذه الكلمة؟ هل يمكنك شرح كيفية القيام به ببساطة؟ أو إذا كان هذا صعبًا، يمكنك أن تشرح لنا المعنى بشكل عام.

ألكس: التأمل – حرفيًا في التبتية تعني "جعل شيئًا ما عادة،" "تعويد أنفسنا على حالة ذهنية مفيدة". وغالبًا ما يتم هذا بواسطة ما يدعى في اللغة البسيطة بالتدرب. والتدرب يعني التكرار، القيام بالأمر مرة بعد أخرى، كما في التدريبات الجسدية. لذا فهو تدريب ذهني (لكن ليس مجرد تدريب معرفي؛ هو أيضًا تدريب شعوري). وفي اللغة السنسكريتية الكلمة ذات صلة بأن "تصبح ذلك". بعبارة أخرى، "لأن تجعلها تحدث.” إذًا تجعلها تحدث عبر تعويد نفسك حتى تحدث هذه الحالة الذهنية المفيدة بشكل تلقائي.

هناك أشياء سيكون من المفيد أن نحظى بها طوال الوقت:

  • أن نكون واعين بشكل عام بما يحدث طوال الوقت، لذا فالاحتفاظ بتركيزنا على التنفس هي طريقة لتحقيق هذا.

  • أو التركيز على أن تكون أذهاننا غير شاردة أو خاملة. وهي حالة ذهنية شديدة الفائدة؛ لذا علينا التدرب عليها، حاولوا القيام بذلك مرارًا وتكرارًا.

  • أو البقاء على حالة ذهنية بعينها، مثل حالة شعورية كـ – الحب، الشفقة، الصبر. خاصة عندما تكون غاضبًا مثلًا، ويتم ذلك من خلال التدرب على إزالة أساس هذا الغضب من خلال تنمية الحب والتفهم.

  • أو تعويد أنفسنا على أن نحتفظ بتركيزنا على الواقع.

كلٍ من هذه الأنواع من التأمل قائمة على:

(١) السماع. بعبارة أخرى، الحصول على المعلومة والتعليمات بشكل صحيح والحصول على تأكيد بأنني لديّ التعليمات الصحيحة وأني سمعتها بشكل صحيح.

(٢) ومن ثم بعد ذلك التفكير فيها حتى أفهم معناها وأُصبح مقتنعًا بأنها حقيقية وبالنسبة لي تستحق بذل الجهد لتنميتها ولديّ قناعة بأنني قادر على تنمية تلك الحالة الذهنية.

إذًا هذه التعاليم صحيحة وتستحق القيام بها. ومن المُمكن القيام بها، وليس فقط يُمكن القيام بها بشكل عام ولكن أنا بشكل شخصي أستطيع القيام بها. لذا فهي صحيحة، إنها شيء أرغب في اكتسابه، وهي شيء أستطيع تحقيقه.

(٣) وعندها نبدأ في التأمل، لننمي هذه الحالة الذهنية – أو أيًا ما كان الذي تُركِّز عليه – وتنميتها والتدرب عليها مرارًا وتكرارًا محاولين أن نحتفظ بتركيزنا عليها. هذا هو التأمل.

لذا فأن نكون مسترخيين وهادئين – هذا ليس الهدف النهائي من التأمل؛ هذا نوع من الحالة التمهيدية والتي نبدأ منها. لذا أن نستخدم التأمل فقط لأن نصبح مسترخيين، التشبيه المستخدم هو مثل استخدام مدفع شديد التعقيد لنطلقه على بعوضه. أنت تستخدمه لهدف شديد التفاهة. قد يساعدك على الهدوء. التأمل بالطبع يمكن أن يساعدك على الهدوء، لكن يمكنك استخدامه في ما يمثل هدفًا أكثر قيمة بكثير من هذا.

الفرق بين البوذية وديانات الدارما الأخرى

مشارك: ذكرت أن هناك ديانات دارما أخري وأن كل منها تذكُر أن هناك مشكلة ما وأن هناك تحرر من تلك المشكلة. وبالطبع كل ديانة تدعي أن أداتها هي الأفضل. هل يمكن أن تشرح لنا ما هو الخاص بالبوذية من هذا المنظور؟

ألكس: حسنًا، ما هو الصحيح. كلًا من ديانات الدارما التي ذكرتها – الهندوسية، البوذية، والجينية – يتحدثون عن تحقيق التحرر من إعادة الميلاد المتكرر غير المتحكم بها، ويصفون كيف ستكون حالة التحرر. وكل من هذه الديانات تتحدث عن أن الطريق لتحقيق هذا التحرر هو من خلال فهم الواقع وفقًا للطريقة التي يصفون بها الواقع. لذا فالبوذية تتلاءم تمامًا مع سياق الديانات الهندية. المُمَيز في البوذية، هم الحقائق الأربع النبيلة. هذا هو ما قام بوذا بتعليمه:

  • إن الآخرين قد يصفون ما هي المعاناة، لكن هنا المعاناة الحقيقية، ما رآه بوذا على أنه المعاناة الفعلية.

  • وقد يتحدث الآخرون عن أنواع محددة من عدم الوعي كسبب للمعاناة، لكن هنا، هذا هو السبب الفعلي، النوع الأكثر عمقًا من عدم الوعي.

  • وهذا هو الإيقاف الفعلي للمعاناة. ما قد تعتبره إيقاف فعلي للمعاناة قد لا يستمر للأبد، أو لن تكون حرًا بالكامل، لذا فهذا هو الحقيقي.

  • والفهم الذي تتحدث عنه قد يجلب لك حالة محددة، لكن لن يأخذ بك لآخر الطريق.

وبالطبع سيذكُر الآخرون نفس الشيء عن البوذية، لذا فعلى الشخص أن يتحرى بشكل جيد عما هو الواقع. لأنه كما نرى في الأبيات، كامل الأساس للمسار الروحاني – واعتقد أن هذا صحيح بالنسبة للهندوسية وللجينية أيضًا، وليس فقط في البوذية – يعتمد على الرؤية الخاصة بالواقع، وهذا ما يجب أن يتم تفحصه بالمنطق واختباره وفهمه.

هناك فارق كبير بين إتباع مسار روحاني لأجل الحصول على التحرر أو إتباع المسار الروحاني لأجل أن نصبح في هذه الحياة أشخاصًا أكثر طيبة، أكثر شفقة، وخلافه. لذا إذا تحدثنا في سياق تحقيق التحرر أو الاستنارة، فيمكنك التحقق من ذلك على أساس من المنطق والمناظرات والوصول لنتائج مثل التي تم شرحها والتي هي الأكثر صحة. لكن إذا نظرت للكيفية التي تمارس بها أغلبية الناس المسار الروحاني، فهم حقًا لا يستهدفون تحقيق التحرر أو الاستنارة. قد يقولون ذلك، لكن ليس لديهم فكرة ما الذي يعنيه ذلك حقًا، وهم يتبعون ذلك بالفعل لأجل أن يصبحوا أشخاصًا أفضل ويُحسنوا من حياتهم في هذه الحياة، وهو أمر جيد؛ لا شيء خطأ في ذلك.

لذا في هذا السياق عندما سُئِل قداسة الدالاي لاما عما هي الديانة الأفضل، قال أن الديانة الأفضل هي التي تساعدك بشكل شخصي على أن تصبح شخص أكثر طيبة وشفقة. لذا فهي مختلفة من شخص لآخر. لذا فمن وجهة النظر تلك لا يوجد نقاش حقيقي حول ماهية المسار الأكثر صحة لتنمية الشفقة، الطيبة، الصبر، التسامح، فهذا النوع من الخصال. يمكن تنميتهم بذات القدر بُناء على ديانات مختلفة. وهذا هو الأساس للتناغم الديني.

يوجا الحلم

مشارك: نقضي معظم وقتنا، أو الجانب الأكبر منه، في الأحلام. فهل من المُمكن أن نستفيد من هذا لتحقيق الاستنارة؟

ألكس: نعم، بالتأكيد. هناك ما يسمى بـ"يوجا الحلم". والهدف منها هو أن نكون قادرين على إدراك أننا نحلُم دون أن نستيقظ أثناء عملية الإدراك – وهو أمر خطير – ومن ثم من داخل حالة الحلم هذه، نستخدم حالة الحلم لأنواع معينة من التأمل والتي تكون مواتية للتالي:

  • أحد مستويات حالة الحلم مناسبة للقيام بالتدريب على التصورات الخاصة بالتانترا، لأنه لن يحدث لك أي تشتيت عن طريق حواسك، والتصور الذي ستقوم به في هذا الوقت سيكون حي للغاية.

  • والاستخدام الأكثر عمقًا هو في التركيز على طبيعة الحلم، وهي أن الحلم يبدوا كما لو أنه يتوافق مع الواقع، لكنه ليس كذلك؛ هو كالوهم. و هذا يدربنا على أن نُدرك أن المظاهر مثل الوهم. الطريقة التي تظهر بها الأشياء لنا عندما نكون مستيقظين، مثل الطريقة التي تظهر بها لنا عندما نكون نائمين، لا يتوافقون مع الطريقة التي توجد عليها الأشياء بالفعل. وعلى الرغم من أن ما تقوم به في الحلم وما تقوم به في اليقظة لهم عواقب مختلفة تمامًا، لذا فهم ليسوا متشابهين بالكامل.

أي شيء أخر؟

مشارك: ربما إجابة قصيرة، إجابة عملية.

أليكس: حسنًا. شكرًا لك لتذكيري أنني أعطي إجابات طويلة جدا. عادتي السيئة.

كيف نتقدم في المسار الروحاني

مشارك: سؤالي الأول خاص بكيف نتقدم في المسار الروحاني. على سبيل المثال، في الاتحاد السوفيتي لدينا الخطة الخماسية للتنمية الاقتصادية.

ألكس: غير واقعية.

المشارك: بطريقة مشابهة، لربما تستطيع أن تقدم لنا النصيحة عما يمكن أن يقوم به الأشخاص الذين بدئوا للتو تدربهم البوذي لثلاثة أو لخمسة أعوام قادمة – لربما أسم كتاب لنقرأه و أي تأمل لنتدرب عليه، إلخ. – حتى لا نضل.

ألكس: حسنًا، الطريقة الأكثر شيوعًا والجديرة بالثقة للتقدم في المسار الروحاني على الأقل في التقاليد التي تدربت بها، هو من خلال اللام-ريم، المسار المُتدرج. وهناك العديد والعديد من العروض لهذا متاحة الآن (حتى بالروسية) في كتب، بموقعي الإلكتروني، إلخ. وستجد به تراكم، خطوة بخطوة ما تحتاج أن تفهمه وتستوعبه وتُنميه لأجل أن تتقدم بالمسار الروحاني.

الطريقة التقليدية لإتباع هذا – وهي الطريقة التي تعلمت بها لأنها كانت الطريقة الوحيدة في ذلك الوقت قبل أن يتم ترجمة أي شيء – أن تأخذ نقطة واحدة فقط، ليس لديك أي فكرة عما سيأتي بعد ذلك، وعليك أن تعمل عليها، وعندما تتحقق من استيعابك لها تأخذ النقطة التالية. في الوقت الحاضر هذا غير ممكن، لأن المسار بأكمله متاح الآن بالكتب، فيمكنك أن تقرأه بالكامل. لكن على الشخص قضاء وقت كبير في كل نقطة. حتى إذا كنت قد قرأت كامل المسار، أرجع مرة أخرى وأبدأ بالعمل على كل نقطة، وتفحص كيف هي مرتبطة بشكل متبادل مع كل النقاط الأخرى.

وتذكر دائمًا أن التقدم لن يكون على خط مستقيم؛ دائمًا ما سيكون هناك صعود وهبوط. الأمر لا يسير أبدًا بتحسُن تدريجي في كل مرة تتأمل بها. لذا سواء سار الأمر بشكل جيد أو لا، فهذا لا يمثل أي شيء خاص. أنت فقط تستمر. ليست مشكلة كبيرة. هذه كانت العبارة المفضلة لمُعلمي المُتجسد مرة أخرى : “لا شيء خاص في ذلك.” ليس هناك شيء خاص فيما تختبره. الأمور تسير بشكل جيد. الأمور تسير بشكل غير جيد. ماذا في ذلك؟

لذا لتضع خطة لخمسة سنوات أو أكثر، هذا شيء غير واقعي لأن لكل شخص طريقة مختلفة ينمو بها. على الرغم من ذلك، موضوع الخمسة أعوام هي ما أشار لها الدالاي لاما عندما قال، "كيف تعرف إذا كنت قد حققت أي نمو؟ لا تنظر للأمر يوم بيوم أو شهر بشهر، لكن أنظر له على مدار خمسة أعوام على سبيل المثال، وقارن كيف تتعامل مع المواقف الصعبة الآن مقارنة بالخمسة أعوام الماضية. هل أنت أكثر هدوءًا؟ هل أنت قادر على التعامل مع الصعوبات بطريقة أكثر استرخاء؟ هذا مؤشر للنمو.”

هذا هو التقليد الذي نشأت عليه. ويجب أن أذكر أن هناك الكثير من الأساليب الأخرى. على سبيل المثال، القيام بـ"النوندرو"، أو ما يطلق عليه التدريبات التمهيدية، والتي بها مائة ألف سجده وصيغة الملجأ، والأشياء الأخرى المُماثلة. وعادة هذه هي الطريقة التي يبدأ بها البعض، مع القليل من التعاليم التمهيدية. وأعتقد أن هذان المدخلان يعكسان طريقتين للاقتراب من الدارما التي شرحتهما.

عندما نبدأ الـ "نوندرو"، هذه التدريبات التمهيدية، في مرحلة مبكرة جدًا من تدريبنا الروحاني، عادة ما يكون بُناء على إلهام من المعلم. تقابل المُعلم. تكون ملهمًا به جدا جدا. وقد لا تكون قد اقتنعت بعد منطقيًا إنه من الممكن تحقيق هذا الهدف، لكن لأنك متأثر بالمُعلم الروحاني وواثق أن ما شرحه سيكون مفيدًا، فتقوم بالنوندرو. هذا حسن، وينجح.

المدخل الذي تدربت عليه هو المدخل الذي قمت بشرحه في تلك الأبيات، والتي يعلمها الدالاي لاما بنفسه عادة، والتي بها تحصل على الثقة والفهم للمسار – هذا ممكن، ما هو الهدف، إلخ.- وبعد ذلك تبدأ في النوندرو.

ومن الواضح أننا يمكن أن نقوم بشيء وسط بينهما. بينما نبدأ مبكرًا في النوندرو، نعمل لأجل الحصول على الثقة في إمكانية أن هذا الهدف قابل للتحقيق. أو بينما نقوم بالدراسة والتدرب، يُمكننا أن نبدأ بالناندرو. لذا فهناك طرق مختلفة لجمعهم سويًا. وأعتقد أن هذا له أثر – فإذا بدأت بالفعل في التفكير في الطريقة التي يُعلم بها هؤلاء المعلمون التبتيون المختلفون الدارما – ستتواءم مع الطريقة التي كنت أشرحها لكم، والتي تعود إلى ناغارجونا، الطريقتين المختلفتين لتنمية البوديتشيتا – أولًا النسبية ثم الأعمق، أو أولًا الأعمق ثم النسبية. لذا على الشخص أن يُقرر لنفسه ما الذي يناسبه أكثر.

لذا دعونا نتوقف هنا بالطريقة التي عادة ما ننهي بها التعاليم البوذية، وهي بالإهداء. نفكر في أنه أيًا كان ما فهمناه، وأيًا ما كانت القوى الإيجابية التي تأتت لنا من هذا، ليتها تصبح سببًا في تحقيق التحرر والاستنارة للجميع ولأجل نفع الجميع.

حسنًا. شكرًا جزيلًا لكم.