أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الحقائق الأربع المُستمدة من الحقيقتين؛ والجواهر الثلاثة المُستمدة من الحقائق الأربع

ألكسندر بيرزين
كييف، أوكرانيا، مايو ٢٠١٢
تفريغ صوتي غير منقح
ترجمة: أحمد بهجت
مراجعة: إنجي بدران

الجلسة الأولى: الحقيقتين

مقدمة

حسنًا، شكرًا لكم على هذا التقديم الرائع. أنا حقًا مسرور بعودتي إلى كييف. محاضرة هذا المساء تم الإعلان بأنها ستكون عن التَدْوير الأول لعجلة الدارما، لكن في الحقيقة أرغب في التحدث عن جانب واحد من تعاليم بوذا الرئيسية التي كانت أول ما قام بتعليمه.

الحقائق الأربع النبيلة

عاش بوذا في الهند منذ حوالي ألفَين وخمسمائة عام تقريبًا، وقام بتعليم العديد والعديد من التعاليم المختلفة لأنه كان لديه العديد من التلاميذ المتنوعين وكان دائمًا يقوم بتعليم ما هو أكثر ملائمة لقدراتهم على الفهم. لكن أول شيئ قام بتعليمه كان عن رؤيته الأساسية لكيف أصبح هو مستنيرًا، وهذا يعني أنه قام بتعليم ما يُطلق عليه الحقائق الأربع النبيلة. وهي الحقائق الواقعية عن الحياة التي لن يراها الأشخاص العاديين كواقع، ولكن الكائنات سامية الإدراك الذين رأوا الحقيقة سيرون أنها الواقع الفعلي. سنتحدث عن ذلك بشكل أكثر تفصيلًا في الغد، ولكن لنسرد ما هي تلك الحقائق الأربع :

  • كان يتحدث عن ماهية أنواع المعاناة الفعلية التي يختبرها الجميع في حياتهم.

  • ما هي أسبابها؟

  • ثم قام بتعليم إنه من الممكن التخلص فعليًا من تلك المشاكل، للتوصُّل إلى إيقافهم فلا يعودون مرة أخرى.

  • ثم علَّم الفهم الذي سيحقق هذا الإيقاف لأنه سيتخلص من أسباب المعاناة.

    إذًا هذه هي البنية الأساسية لما قام بوذا بتعليمه، وقام بتقديمه أولاً.

عندما ننظر لهذه الحقائق الأربع النبيلة، فهن لا يتواجدن بمَعزَل من تلقاء أنفسهن، ولكن لهن أساس، وعندما نفهم بالفعل هذه الحقائق الأربع فسيستتبعها حتمًا إدراكًا كنتيجة لذلك. لذا وبالأساس وبكلمات مُبسطة، أساس هذه الحقائق الأربع التي رآها بوذا، حقائق الحياة الأربع، هي الواقع.

إذا أردنا تلخيص البوذية في كلمة واحدة، كما قال احد أصدقائي (هو أيضًا مُعلم للبوذية)، هذه الكلمة الواحدة ستكون "الواقعية”. بعبارة أخرى، إذا استطعنا أن نرى الواقع، إذا استطعنا أن نفهم الواقع ونتقبله دون أن نُسقِط عليه الأشياء المستحيلة غير الواقعية تمامًا، فعندها سنكون قادرين على التعامل مع مشكلاتنا؛ سنكون قادرين على التعامل مع مواقف الحياة بطريقة واقعية. لذا فإن التعاليم التي تتعلق بالواقع هي أساس الحقائق الأربع النبيلة، والواقع له العديد من المستويات للكيفية التي تتواجد بها الأشياء، كيف يعملون، كيفية تفاعلهم في الحياة.

إذا بوذا علَّم عن هذا.

الجواهر الثلاث الثمينة

ثم وبعد أن أصبحت هذه الحقائق الأربع النبيلة واضحة تمامًا، ما يستتبع ذلك منطقيًا هو إيجاد التوجه الذي نرغب في اتخاذه لحياتنا من أجل التغلب على المعاناة والمشاكل. وهو ما يتم تلخيصه من خلال ما يُسمى في اللغة الاصطلاحية البوذية بـ"الجواهر الثلاث الثمينة"، عادة ما يعرفوا بالكلمات السنسكريتية الثلاثة: بوذا، الدارما، والسانجا، ولنوضحهم بلغة بسيطة:

  • الدراما تُشير إلى الهدف الذي نسعى جاهدين للوصول إليه، وهو التخلص من مشاكلنا.

  • البوذات هم هؤلاء من حققوا هذا الهدف ويعلموننا كيف نقوم بذلك بأنفسنا.

  • والسانجا هم مجموعات ممن يتبعون هذه التعاليم وحققوا بضع مستويات من النجاح ولكن لم يصلوا بعد للهدف النهائي.

الصلاة لمعلمي نالاندا السبعة عشر

كتب قداسة الدالاي لاما نص غاية في الجمال والذي كان يطلب فيه الإلهام من هؤلاء المعلمين السبعة عشر العظام بأكثر الأديرة البوذية الهندية شمولًا، والذي كان بمثابة الجامعة، والمُسمى بنالاندا. وقد كان هذا الدير هو الجامعة الأشهر، وكانت تدار مثل الدير، واستمرت حوالي ألف عام – لست متأكدًا بالضبط من هذا الرقم ولكن قُرابة الألف عام – وتخَّرج منه أعظم معلمي التقليد البوذي. لذا كتب الدالاي لاما (ما يشبه الصلاة): “ألهموني لأتبع خطواتكم"، وفي نهاية هذه الأبيات، وبعد كتابة بيتًا لكل واحدٍ من هؤلاء المعلمين، فقد كان لدى الدالاي لاما بضع أبيات أخرى. ما أوّد تقديمه في نهاية هذا الأسبوع هو تفسير لبعض تلك الأبيات، والتي تُلخِّص ما كنت أشرحه للتو عن الواقع، وعن الحقائق الأربع النبيلة والجواهر الثلاث، فهذا هو التوجه الذي نرغب في اتخاذه. هذه الجواهر الثلاث في بعض الأحيان يُطلق عليها الملاجئ الثلاثة. الملجأ يعني فقط أن هذا هو التوجه الذي نريد أن نتخذه – أننا إذا ذهبنا في هذا الاتجاه سنُنقذ أنفُسنا من المعاناة والمشاكل.

وهذه الأبيات هي:

بإدراك معنى الحقيقتين، الأساس أو الكيفية التي تخضع لها كل الأشياء.

تخضع لها كل الأشياء يُقصد بها الطريقة التي تتواجد الأشياء وفقًا لها، الكيفية التي تتفاعل وفقًا لها الأشياء. بعبارة أخرى، أن كيف هو الواقع.

والبيت الثاني:

نصبح متيقنين من الكيفية، ومن خلال الحقائق الأربع النبيلة، نظل ندخُل ولكننا أيضًا نستطيع أن نعكس إعادة الميلاد غير المتحكم بها.

بعبارة أخرى، إذا فهمنا الواقع فعندها سنفهم من خلال الحقائق الأربع النبيلة كيف تدوم مشاكلنا وأيضًا سنفهم كيف يمكننا التخلص منها.

ثم البيت الثالث:

استنادًا على الاستدلال المنطقي تصبح لدينا قناعة راسخة بأن الملاجئ الثلاث حقيقة.

لذا تذكروا أن الملاجئ الثلاث تتحدّث عن الهدف الفعلي الذي يمكننا أن نحققه – بعبارة أخرى، الإيقاف الكامل لجميع مشاكلنا بحيث لا يظهروا مرة أخرى – والفهم الذي سينتُج عن ذلك.

الآن إذا أرْدت أن تَتدّرب على المسار البوذي، فمن الواضح أنك تطمح للوصول لهدف. إذًا كيف تعرف أن هذا الهدف يُمكن تحقيقه؟ هل هو مجرد خيال؟ هل هو قصة لطيفه، أم أنه حقيقة واقعة؟ الكثيرون سيكافحون لهدف مبني فقط على الإيمان: “مُعلمي قال لي أن الأمر كذلك وهذا كافي بالنسبة لي، أريد أن أؤمن، فأمنت.” وهذا قد ينجح مع الكثيرين، لكنها ليست دائمًا أكثر الطرق أستقرارًا للتدرُب. يحدث عادة أنه بعد فترة طويلة من التدرب، تبدأ في الشك فيما تقوم به، لأنه من الصعب جدًا التخلص من الغضب والأنانية والتعلُق، وهذا النوع من الأشياء التي هي المُسبب الحقيقي للمشاكل، لذا فإحراز التقدم في التخلص منها بطيء للغاية. والتخلص منها لا يسير في خط واحد. هناك دائمًا صعودًا وهبوطًا. بعض الأيام أفضل من الأخرى. لذا فإذا كنت فقط تتدرب على أساس من الإيمان فعندها قد تثبط عزيمتك لأنه قد يبدوا كما لو إنك لم تتحرك لأي مكان. وعندها ستقول، "حسنًا، هل حقًا من المُمكن أن يتحقق هذا الهدف؟"

لهذا تقول الأبيات "استنادًا على الاستدلال المنطقي". بعبارة أخرى، أنك بالفعل قد فهمت بناء على العقل والمنطق إنه حقًا من الممكن تحقيق هذا الهدف، وأنه موجود بالفعل. وعندها سيتكَّون لديك اقتناع بهذا الهدف، وأنه من المُمكن تحقيقه، وأن هناك أشخاص قاموا بالفعل بتحقيقه – اقتناعك بهذا الأمر راسخ، إنه حقيقة واقعية. وأنك مقتنع به ليس فقط لأنه مكتوب في كتاب ما إنه حقيقي، إنه حدث في وقت ما، لكن أنت تصدق إنه حقيقي، أنت مقتنع أنه حقيقي، بُناءً على الحقائق المُستنتجة من الواقع – من خلال الحقيقتين، ومن ثَّم الحقائق الأربع، وبعد ذلك الهدف، والملاجئ الثلاثة.

ثم البيت الرابع:

ألهموني كي أغرس جذر المسار الذهني التي تقود للتحرر.

أنت تزرع البذرة، ولكن هنا لدينا ما يُطلق عليه الجذر؛ لا يُطلق عليها بذرة. والمقصود بها أن هذه البنيه – الحقيقتين، الحقائق الأربعة، الملاجئ الثلاثة – ستُصبح الجذر الكامل للمسار الروحاني، لكل شيئ سينتُج عن هذا، لأنه عندها سيصبح كامل تدرُبَك مستندًا على الاقتناع. أنت تفهم ما الذي تقوم به، انت تفهم أنه من الممكن تحقيق هذا الهدف، وأنت تفهم ماهية هذا الهدف.

لذا فأنا أرغب في شرح هذه الأبيات. في جلساتنا الثلاث أقترح أن أشرح البيت الأول بالجلسة الأولى، البيت الثاني بالجلسة الثانية، والبيتين الأخيرين في الجلسة الأخيرة. هذا هو الإطار الذي فكرت في إتباعه. وكما ذكرت فهذا موضوع مهم للغاية ومدخل هام جدًا للبوذية. لأننا إذا كنا سنتبع مسارًا روحانيًا، أعتقد أنه من الهام أن نكون مقتنعين أنه واقعي؛ إنها ليست نوعًا من المثالية الخيالية التي ننجذب إليها بمشاعرنا ولكنها ضربًا من المستحيل. فإذا اقتنعنا بأن ما نقوم به في حياتنا الروحانية واقعي، عندها يمكننا أن نضع به مشاعر صحية. نحن بحاجة لخلق توازن بين الإثنين: هذا النوع من الفهم ثُم بعض المشاعر (الشفقة، الحماسة، إلخ، والصبر).

الحقيقتين

الحقيقة النسبية،أو المألوفة

إذًا البيت الأول يتحدث عن الحقيقتين. هذا يُشير إلى ما يُطلق عليه الحقيقة النسبية أو الحقيقة المألوفة – هذا مستوى – ثم هناك الحقيقة الأعمق. وهناك العديد من طرق عرضها، ولكني سأتبع العرض الذي استخدمه الدالاي لاما لشرحها. لذا فعندما نتحدث عن الحقيقتين، نحن نتحدث عن وقائع فعلية عن كل شيء، عن واقع كل شيء. احدهم على المستوى السطحي، والآخر على المستوى الأكثر عمقًا.

إذًا ما هو هذا المستوى السطحي؟ أن كل شيء نسبي. نحن هنا نتحدث عن قانون الأسباب والنتائج. لدينا مثل هذا اليقين بالفيزياء، وأعتقد أن معظم الناس يوافقون على قوانين الفيزياء. والتي تتحدث عن الأشياء المادية. كما تعرفون، عندما تدفع الكرة تتحرك. هذه قواعد الفيزياء البسيطة، السبب والنتيجة. والتي يمكن أن تكون معقدة للغاية في تفصيلها لكيفية حدوث الأشياء المادية.

لذا إذا نظرنا للمشكلات الاقتصادية، للاحتباس الحراري، للحروب – إذا نظرنا إلى كل تلك المشاكل، فمن الواضح أن أيًا منها لن ينشأ من سبب واحد، لن ينشأ دون سبب على الإطلاق، أو سينشأ من أسباب ليست ذات صله، ولكن جميع هذه الإشكاليات ستنشأ بشكل اعتمادي على العديد والعديد والعديد من العوامل المختلفة. وليس فقط ما يحدث أمامنا في الحاضر ولكن أيضًا ما حدث في الماضي. أليس كذالك؟ هنا مثلًا في أوكرانيا، لا يمكن فصل الوضع الراهن على سبيل المثال عن الماضي السوفيتي. لا يمكن فصل ما يحدث الآن من حروب في العالم وكل هذه الأشياء. الوضع الاقتصادي في العالم بأكمله وكل شيء تطوَّر وتأثَّر بكل ما حدث من قبل عبر التاريخ، لذا لا يمكنك أن تقول أن ما يحدث هو خطأ شخص واحد أو نتيجة لحدوث شيء واحد. فالأشياء تنشأ معتمدة على شبكة هائلة من الأسباب والشروط. وهذا هو الواقع، أليس كذلك؟

وإذا تفحصنا الأمر من منظور علم النفس: إذا كانت لدينا مشكلة في العائلة، مرة أخرى لا تستطيع أن تقول إنها ناتجة عن سبب واحد فقط أو من دون سبب، لكن جميع من في العائلة ساهم بطريقة سببية في هذه المشكلة بالعائلة. وكل عضو بالعائلة لا يوجد بمعزل عن عمله ودراسته وعن كل الأشخاص الآخرين الذين يؤثرون به. وهذا الموقف العائلي لا يوجد بمعزل عن المجتمع ومشاكله الاقتصادية أو نظامه السياسي. إن كل هذا يؤثر على المشكلة.

إذًا عندما يبدأ شخص بالتفكير في كل هذا بشكل واقعي، سيرى إن كل شيء متصل بشكل تبادلي، كل شيئ يؤثر في كل شيء آخر، وبالتالي، فكل شيء يحدث كنتيجة لشبكة هائلة معقدة من الأسباب والشروط. وهذا هو الواقع.

الآن، إذا كان هذا هو الحال مع الأشياء المادية ولنفترض في الاقتصاد والمشاكل العالمية أو العائلية أيضًا، لكن ماذا عن تفحُص المستوى الفردي بداخل كلٍ منا؟ ماذا عن السعادة والتعاسة؟ هل لها أسباب؟ أم تنشأ بدون سبب (أحيانًا أشعر بالسعادة، وأحيانًا لا أشعر بالسعادة، وليس هناك طريقة لمعرفة ما الذي سأشعر به في الدقيقة القادمة)؟ إذا هل السعادة ليس لها سبب؟ أم أنها تنشأ كنتيجة لما أقوم به، ولذلك أشعر أحيانًا بالسعادة أو بالتعاسة؟ هذا غير منطقي، أليس كذلك؟ من المُمكن أن أتناول طعامًا ما في يوميين مختلفين، يوم منهم أشعر بالسعادة عند تناوله وفي اليوم الآخر لا أشعر بالسعادة عندما أتناوله، إذا السعادة لا تأتي من الطعام. قد أكون مع أكثر شخص أحبه ورغم ذلك أحيانًا أشعر بالسعادة وأحيانًا أخرى أشعر بالتعاسة. وقد أكون غني وتسير أموري بشكل جيد، ولا أزال لا أشعر بالسعادة. إذًا، من أين تأتي هذه السعادة والتعاسة؟! هل تُرسَل لنا بواسطة كائنات أسمى من خلال الضغط على زر ما – أحيانًا سنشعر بالتعاسة وأحيانًا سنشعر بالسعادة، والأمر كله مثل اللعب بالضغط على مجموعة من الأزرار؟ أعذروني، لا أقصد أي إساءة. أنا أأخذ الأمر للنموذج المتطرف لحد السخف.

ولكن إذا كان كل شيء مما نختبره – كتحريك شيء مادي، أو إذا وضعت يدك في النار فإنها تحترق وتؤلم – كل هذه الأشياء تتبع قانون الأسباب والنتائج، إذًا ألا يجب أن تنبُع سعادتي وتعاستي من قانون السبب والنتيجة القابلة للفهم؟ هذا هو السؤال. وهذه حقًا النقطة الأساسية بخصوص الواقع عندما نتحدث عن الحقيقة النسبية. إنه السبب والنتيجة على المستوى السلوكي، على مستوى السعادة والتعاسة... إلخ. (هذا التأكيد عندما نتحدث عن الحقيقتين الأولتين هو في سياق هذا العرض تحديدًا. بينما في سياقات أخرى فهناك أشياء أخرى يجب التأكيد عليها).

هذا يأتي بنا للتعاليم الأساسية عن الكارما. الآن، ما الذي تتحدث عنه الكارما؟ هذا شيء لا يسهُل فهمه، فهناك العديد من التفسيرات للكارما والكثير أيضًا من سوء الفهم. لنضع الأمر بطريقة أبسط، تتحدث الكارما عن القهرية. ما يحدث هو أن أفعالنا سواء الإيجابية أو السلبية تميل لأن تكون قهرية: أشعر بالرغبة في الصراخ عليك، ثم قهريًا أبدأ بالصراخ. أشعر بالرغبة في الذهاب للثلاجة لأُحضر شيئًا آكله، ثم قهريًا أقوم بذلك. أو أشعر بالرغبة في أن أكون شخصًا جيدًا ومثاليًا، وقهريًا أبدأ بالتصرف بهذه الطريقة. لذا فمن المُمكن أن تصبح سلبية أو محايدة أو إيجابية.

أشعر بالرغبة في تفقُد حالة الطفل لأني قلق عليه، ثم قهريًا أتفقده بشكل مستمر، ومتكرر، حتى أكثر مما يتطلبه الأمر وبشكل غير صحي. تعرفون الآباء الذين يسألون أبنائهم دائمًا "هل أنتم بخير؟ هل كل شيء بخير؟" هذا من المُمكن أن يقود الطفل للجنون. ولكن هذا نتيجة للقهرية. الأبوين قلقين بشكل قهري، وبسبب هذا – وعلى الرغم من دافعهم الجيد – يسألون بشكل قهري. إذًا هذا من الممكن أن يكون إيجابي أو أن يكون سلبي مثل (القهرية في الصياح على الطفل).

إذا، من أين تنشأ هذه القهرية؟ وما الذي تقود إيه؟ هذه هي الأسئلة التي تطرحها التعاليم الخاصة بالكارما. والتفسير البوذي هو إننا نتصرف بطريقة معينة مدفوعين بتلك القهرية، وبالتالي يتم بناء عادات بعينها؛ تترك بعد التصرف آثارًا باستمراريتنا الذهنية ( بعبارة أخرى، في كل لحظة من لحظات خبراتنا بعد ذلك).

بالتأكيد يمكننا أن نُفسِّر ذلك على المستوى المادي، المسارات العصبية، الروابط، تتطور، ومن ثَم تصبح أنماط وعادات سلوكية. البوذية بالتأكيد لا تُنكر هذا ولكن البوذية تهتم أكثر بالجانب المتعلق بالخبرة الشخصية لهذه العملية. فنحن نُنمي عادات معينة، ميول بعينها، ثم تأتي المواقف المختلفة لتكون بمثابة الشرارة التي تُطلق كل هذا، وهو ما ينتُج عنه الشعور بتكرار الأفعال – ومن هنا تنشأ القهرية (والتي هي الكارما الحقيقية)، وتكرارها – لتجد نفسك بمواقف يتكرر بها ذات الأشياء. تعرفون، كيف ينتهي الأمر عادة بالبعض في علاقات غير صحية على المستوى المشاعري، وفور انتهاءها يدخلون مرة أخرى في علاقة أخرى تحمل ذات النمط، ومن ثَمّ يقابلون شخصًا سيُنتج لهم ذات النمط. يبدوا أنهم غالبًا ما ينجذبون لأشخاص سيحظون معهم بذات العلاقة غير الصحية مرة أخرى. أتعرفون، مثل الوقوع في الحب مع شخص غير متاح، الذي لا يمكن أن تحظى به كشريك. هذا عادة ما يحدث. ثم تقع في الحب مع شخص آخر غير متاح أيضًا، وهكذا.

إذا هذه هي احد جوانب الكارما، هذه القهرية، ومن الواضح أن هذا الجانب هو المتعلق بالعلاقة السببية: تقوم بتصرف معين بشكل قهري، وهذا يبني ميلًا لتكرار نفس التصرف، وبعد ذلك في مواقف مختلفة وشروط مختلفة يحدث عندها إطلاق الشرارة التي تؤدي لتكرار هذا التصرف. إذًا مرة أخرى نحن أمام قانون الأسباب والنتائج السلوكية. اعتقد أنه من السهل نسبيًا قبول ذلك إذا فكرنا به قليلًا، أن نقبل أن هذا حقيقي.

لكن ماذا عن السعادة والتعاسة؟ هذا أيضًا يتم تفسيره في سياق الكارما: إذا تصرفنا بشكل قهري مُمتزج بالمشاعر المُربكة، والتي ستكون نتيجتها التصرف بطريقة هدامة، هذا في النهاية سيؤدي لاختبار التعاسة. في حين أننا إذا تصرفنا بشكل بناء، بمعنى أننا لم نتصرف تحت تأثير المشاعر المُربكة- مثل التصرف بالصبر والطيبة على عكس التصرف الهدام القائم على أساس الغضب – فسنختبر في النهاية السعادة. في الحقيقة الأمر تم شرحه بطريقة عكسية: إذا كنت تختبر التعاسة، فهذا بسبب السلوك الهدام؛ أما إذا كنت تختبر السعادة، فهذا بسبب السلوك البناء. هذه هي الطريقة اللائقة لشرح هذا الأمر. إذا، كيف نفهم هذا ؟

مبدئيًا، على الرغم من أنني تحدثت عن الأمر بشكل سريع، فنحن بحاجة لأن نفهم الفرق بين السلوك البنَّاء والسلوك الهدام. التمييز بينهما غير قائم على أثر سلوكنا على شخص آخر. على سبيل المثال، أنت من المُمكن أن تكون قاتلًا؛ أنت غاضب بشدة من شخص ما، فتقطعه بالسكين. هذا فعل هدام. على الجانب الآخر، يمكن أن تكون جراح، وتقطع أحد ما بالسكين من أجل إجراء عملية له والتي ستنقذ حياته، هذا فعل بنّاء. إذًا فمن الواضح أن فعل القطع لشخص ما بالسكين ليس عامل فاصل فيما إذا كان هذا الفعل بنّاء أم هدام. الأمر مُعتمد على الدافع، على الحالة الذهنية عند القيام بالفعل. لذا إذا كان الفعل مُختلط بما يطلق عليه المشاعر المُربكة أو مدفوع بها – المشاعر المُربكة الأساسية هي أن يكون الشخص غاضب، متعلق، جشع، غافل، غيور، متكبر، أناني، وهذا النوع من المشاعر – فعندها تكون أفعال هدامة، حتى وإن كان الفعل جيدًا في حد ذاته. إذا قدمت رسالة لطفيه لشخص ما بهدف إغواءه جنسيًا نتيجة لغريزتك الجنسية الشديدة؛ فهذا سلوك هدام. بينما إذا قدمت رسالة لشخص من أجل مساعدته صحيًا، فهذا فعل بنّاء. فالتصرف البنّاء هو الخالي نسبيًا من هذه المشاعر الهدامة.

الآن، كيف نفهم العلاقة بين التعاسة والسلوك القائم على المشاعر المُربكة والعلاقة بين السعادة والسلوك الخالي نسبيًا من تلك المشاعر؟ هذا سؤال مثير جدًا للاهتمام. وسؤال حاسم للغاية لأن هذا بالضبط ما تحدّث عنه بوذا. فقد تحدّث عن كيفية التخلُص من التعاسة والمعاناة، وأننا يجب أن نتخلص من المُسبب لها، وبالتالي فنحن لدينا هنا التحليل البوذي للمُسبِّبات ومرة أخرى أعتقد أننا يمكننا فهم ذلك سواء على المستوى المادي أو على مستوى الخبرات المتراكمة.

على سبيل المثال، عندما تختبر الغضب هل تكون هادئ ؟ هل تكون طاقتك هادئة؟ بالطبع هي ليست هادئة، أليس كذلك؟ طاقتك مضطربة. هل أنت سعيد أثناء أختبارك لهذا الغضب؟ لا أعتقد أن أي أحد سيقول أنه سعيد أثناء أختبار الغضب أو أيٍ من المشاعر المُربكة. إذا قمت بالفعل بتفحُص ومراقبة طاقتك عندما تشعر بالجشع؛ أنت لست هادئًا. إذا كنت متعلقًا ومفتقدًا لشخص ما بشكل مريع، أنت لست هادئًا. طاقتك في غاية الاضطراب. في حين إذا كان ذهنك هادئًا نسبيًا، ولا تشعر بالغضب أو الجشع أو الأنانية أو أيًا من تلك المشاعر، وتحاول فقط أن تكون طيبًا أو أيًا من هذه الصفات الأخرى، طاقتك ستكون أكثر سلاسة، أليس كذلك؟ إنه من المفيد جدا مراقبة هذا الأمر لأنك عندها ستكون أكثر ثقة بهذا الشأن. عندما تكون مُنزعج من شيء ما، ينبُض قلبك بشكل أسرع، وهذا يعني أن طاقتك، مشاعرك، وكامل حالتك الذهنية تكون مضطربة. ليست هادئة. أنت متوتر، ومضغوط.

بالضبط إذا فكرنا في كيف أن القهرية، وبناء العادات، له علاقة ببناء الروابط العصبية – إذا كنا نعتقد في هذا، إذا وجدنا بعض المنطق في هذا الأمر، وأعتقد أيضًا (لا أعرف إذا كان هذا صحيحًا من الناحية العلمية أم لا) أن هناك مسارات عصبية، يتم بنائها نتيجة لهذه الطاقة المضطربة. وعلى الجانب الآخر: إذا قمنا ببناء هذه الروابط العصبية بالتصرف بطريقة أكثر إيجابية، حتى إذا أدى هذا للقهرية (السعي القهري للكمال وخلافه) والتي على الرغم من ذلك فإنها تؤدي للمزيد من الهدوء، وتكون الطاقة غير مضطربة. أنا أُبسط الأمر. استبعد عمدًا بعض النقاط. يمكن أن تكونوا مهوسين بتحقيق الكمال على أساس من حب الذات – “يجب أن أكون الأفضل"، وما إلى ذلك – هذا نوعًا مختلفًا من الطاقة المضطربة. لكن أعتقد أن هذه الأنماط من الطاقة المضطربة أو الأنماط ذات الطاقة الأكثر هدوءًا غالبًا ما تكون الأساس المادي للحالات الذهنية الأكثر سعادة أو الأكثر تعاسة في علاقتها بالروابط العصبية، والمسارات، والعادات التي نقوم ببناءها. لذا أعتقد أن هناك نوعًا ما من الأساس المادي لنناقشه.

ونحن هنا نتحدث عن أثرًا بعيد المدى، ليس فقط عن الأثر الفوري. يمكن أن تنزعج من بعوضه، أنت حقًا منزعج منها، أنت فعليًا غاضب، وقتلتها وشعُرت بالسعادة: الإحساس بـ “ آه، لقد تمكَّنت منها!”. نحن لا نتحدث عما قد نختبره بشكل مباشر من الحالة الذهنية المضطربة أو السلوك الهدام، ولكننا نتحدث عن الأثر بعيد المدى عند حديثنا عن الكارما في البوذية. في الحقيقة نحن نتحدث في سياق حيوات متعددة.

إذًا هذه هي الحقيقة النسبية، أي أنه بشكل أساسي كل شيئ ينشأ مُعتمِدًا على الأسباب والشروط، بما في ذلك حالتنا الذهنية بشكل عام (ليس مجرد ما نشعر بالرغبة في القيام به لكن أيضًا هل نحن سعداء أم تعساء). حسنًا؟ هذا جانب واحد فقط من الواقع – وهو ما يُدعى الأساس – الطريقة التي تتواجد عليها الأشياء، تقوم بأدوارها، وتعمل بها.

الحقيقة الأعمق

لدينا حقيقتين. الثانية هي المستوى الأكثر عمقًا، والتي تتحدث عن أنه على الرغم من أن الأشياء قد تظهر على أنها موجودة وتتفاعل وفقًا لهذه الطريقة المستحيلة نتيجة لإسقاطاتنا، فإن هذه الطريقة المستحيلة والتي تظهر عليها الأشياء لا تتوافق مع الواقع، وتتم الإشارة لها بالمصطلح التقني "الخلو"، وهو مصطلح ليس سهلًا. إنه يعبر بالأساس عن أن الأشياء لا تتواجد بهذه الطرق المستحيلة. كيف يمكنهم ذلك؟ أي هو غياب الواقع الذي يتوافق مع تلك الطريقة المستحيل للوجود والتي نقوم بإسقاطه. فليس هناك شيء من هذا القبيل.

مثال كلاسيكي بسيط. طفل يعتقد أن هناك وحشًا أسفل السرير. في الحقيقة هناك قطة تحت السرير، لكن الطفل يُسقط على القطة أنها ذلك الوحش. وبسبب تصديق الطفل أن هناك بالفعل وحشًا أسفل السرير، يصبح الطفل خائفًا للغاية، إذًا فهذا الإسقاط يترك أثرًا ملموسًا، ولكن في نفس الوقت هذا مستحيل. ليس هناك وحوش. لذا فالخلو هو الغياب، بما يعني غياب وحش حقيقي يتوافق مع تخيلات الطفل. ولكن بتجنيب الإسقاط بعيدًا سنجد أن هناك قطًا أسفل السرير؛ هذا لا يعني أنه لا يوجد شيء على الإطلاق أسفل السرير.

إذا فنحن نتخيل – نتيجة للعادة – أن الأشياء موجودة بالطريقة التي تظهر بها لنا. نحن فقط واعيين بما هو أمام أعيننا أو ما نشعر به بالفعل في هذه اللحظة. مثلًا أنا أشعر بالتعاسة الآن، ويظهر الأمر كما لو أن هذا الشعور نشأ من تلقاء نفسه – بلا سبب، منعدم الصلة بأي شيء آخر، أنا فقط أشعر بالتعاسة؛ ولا أعرف لماذا. أشعر بالضجر.. أنا تعيس. ولا يبدوا أن هذا له علاقة بما أفعله أو بالأشخاص الذين أنا معهم. فقط هكذا فجاءة شعُرت بشيء ما؛ شعُرت بالتعاسة (لا يُشترط أن يكون الأمر دراميًا؛ فمن الممكن أن يكون انخفاضًا في مستوى السعادة درجة واحدة فقط). إذًا كيف يبدوا الأمر؟ يبدو كما لو لم يكن هناك سببًا. لكن هذا مستحيل. هذا لا يتوافق مع الواقع. لذا فهذه هي الحقيقة الأعمق.

الحقيقة المألوفة أن كل شيء ينشأ – بما في ذلك تعاستي وسعادتي – من سبب ونتيجة. هذا هو الواقع، لكن لا يبدو الأمر لي بهذه الطريقة. والحقيقة الأعمق هي أن ما يظهر لي لا يتوافق مع الواقع؛ إنه إسقاط لشيء مستحيل. والواقع عميق جدا جدا إذا فكرت في الأمر.

دعنا نفترض أنك احتديت عليّ. لدينا علاقة غاية في الروعة، لكن فجاءة وبدون أي مقدمات بدأت في الاحتداد علي؛ أنت الآن غاضب مني. كيف يظهر لي هذا الوضع؟ يظهر لي كما لو أن "أنت غاضب مني بشدة! أنت لم تعد تحبني"، وأصبح غاية في الضيق. لأن كل ما يظهر لي هو أن هذا الشخص يحتد علي. لكن هذا لا يتوافق مع الواقع. هذا الاحتداد لم ينشأ من فراغ، ليس منعدم الصلة بكل شيء آخر. الذي يحدث هو أننا فقدنا قدرتنا على رؤية علاقتنا مع هذا الشخص بأكملها، كل الأوقات الأخرى التي كنا فيها مع هذا الشخص، باقي التفاعلات الأخرى. الشيء الوحيد الذي يظهر أمامي ويبدوا إنه الوحيد الموجود هو احتداده علي. ولكن هذا ليس الشيء الوحيد؛ لقد نسيت أن هناك سياقًا كاملًا، الصورة الأكبر. أنا لست الشخص الوحيد في حياة هذا الشخص. هذا الشخص الذي يحتد علي لديه حياة أخرى بجانبي، فلربما قد ذهب للعمل وحدث شيئ فظيعه هناك، أو أن هناك مشكلة مع والديه، أو..... بالتأكيد هو متأثر بكل شخص آخر تفاعل معه. ليس أنا فقط. لذا ما هي الحقيقة الأعمق – الخلو – إن ما نسقطه مستحيل، لا يتوافق مع الواقع. الحقيقة الفعلية تتوافق مع هذا الغياب، الغياب الكامل، عدم الوجود، الاستحالة، ليس هناك شيء مثل هذا. كلمة الخلو هي نفسها كلمة صفر في السنسكريتية.

ولأن الأشياء لا تتواجد بمعزل عن كل شيء آخر، ولهذا يعمل قانون الأسباب والنتائج. أليس كذلك؟ أنت تحظى فقط بالسبب إذا كانت هناك نتيجة. إذا لم تكن هناك نتيجة، كيف يمكن أن يكون هناك سبب؟ إنه فقط سبب مُتصل بحقيقة أن هناك نتيجة، والنتيجة توجد فقط مُتصلة بحقيقة أن هناك سبب. ولأن الأشياء لا توجد معزولة – أو مثلما أشرحها أحيانًا، مغلفة في البلاستيك – فالأشياء تتفاعل، فقانون الأسباب والنتائج يعمل.

إذا فالبيت الذي يتحدث عن هاتين الحقيقتين – الحقيقة النسبية، أن كل شيئ يتفاعل وفقًا للسبب والنتيجة، والحقيقة الأعمق أن الأشياء لا توجد بهذه الطريقة المستحيلة أي بمعزل عن كل شيء آخر – هاتان الحقيقتان كلًا منهما يدعم الآخر. ويوضح بيت الشعر أن هذا هو الأساس. هذه هي الطريقة التي تخضع لها كل الأشياء. “تخضع" – هذه الكلمة تصف الأشياء، كيف هي قائمة، كيف هي باقية، كيف هي تعمل، كيف تتفاعل. إنها تعبر عن كل هذه الدلالات. المقصود بالأساس هو إنها الأساس لما سيأتي تباعًا. مُستندًا على هاتين الحقيقتين، ورؤية الواقع، توصّل بوذا لفهم الحقائق الأربع.

إذا هذا هو الشرح الأساسي للجزء الأول بهذا البيت. ولذا كما أقول دائمًا، إن هذه الأبيات عميقة جدا بالنظر لما تتحدث عنه. إنها لا تتحدث عن شيء سهل. لذا، أعتقد، قبل أن نحصل على بعض الوقت للأسئلة، لماذا لا نأخذ دقيقة أو أكثر لنفكر عما تحدثنا عنه.

إذا قبِلنا أن العالم المادي يعمل وفقًا للسبب والنتيجة – إذا ركلت الكرة فبناء علي ذلك ستتحرك، فالكرة لا تتحرك دون سبب، ولن تتحرك لسبب آخر منعدم الصلة، فهذا مستحيل (هذا لا يتوافق مع الواقع) – هل هناك أي منطق في أن لا ينطبق قانون الأسباب والنتائج السلوكية بهذه الطريقة – هاتين الحقيقتين – على حالتي الذهنية، سلوكي، الطريقة التي أشعر بها، السعادة والتعاسة؟ هذا شيء علينا أن نحلله من داخلنا. هل هناك أي منطق في أن لا تكون الأمور بهذه الطريقة؟ وإذا لم يكن الأمر هكذا، فكيف إذًا تعمل الأشياء؟ لماذا أشعر بالسعادة في بعض الأوقات؟ لماذا أشعر بالتعاسة في أوقات أخرى؟ لماذا أتصرف بشكل قهري بهذه الطريقة أو تلك؟ هل أنا سعيد بعدم وجود تفسير؟ قد لا نعرف الأسباب. والتي سنتحدث عنها لاحقًا في الحقائق الأربع النبيلة. لكن هذا هو الواقع، أن هناك سبب، وإنه يستحيل أن تنشأ الأشياء دون سبب ويستحيل أن تنشأ من سبب غير ذي صلة ويستحيل أن تنشأ من سبب واحد فقط، هذه حقيقة.

سأعطي مثالًا بسيطًا جدًا لما هو خاطئ. أنت ذهبت لمباراة كرة قدم، فريقك خسر المباراة. “لقد خسر فريقي لأنني ذهبت للمباراة". من الواضح إن هذا سبب غير ذي صلة، وهذا مستحيل، لكن البعض من ذوي الثقة المتدنية في النفس قد يفكرون بهذه الطريقة. يحضُر في ذهني بالفعل شخص ما يفكر بهذه الطريقة.

حسنًا، دعونا نأخذ بضع دقائق لنفكر في هاتين الحقيقتين. ما هو الواقع فعلًا؟

الأسئلة والأجوبة

إعادة الميلاد

مشارك: هل من الممكن إثبات وجود حيوات سابقة ولاحقة فقط بواسطة المنطق دون إتباع أي نظريات لاهوتية وخلافه؟

ألكس: هناك بالفعل براهين منطقية على أن هناك حيوات سابقة ولاحقة. يتعلق الأمر أولًا بإدراك ما الذي نقصده بالفعل عندما نتحدث عن الحيوات السابقة واللاحقة. في هذا السياق نحن نتحدث عن استمرارية النشاط الذهني، أو تيار استمرارية النشاط الذهني الفردي، إن أية لحظة من هذا النشاط الذهني – أو بعبارة أخرى "الخبرة" – تنشأ معتمدة على اللحظة السابقة عليها، وهي تتبعها كمتوالية سببية (مثل أن أختبر تناولي للطعام ثم أختبر أحساسي بالشبع).

إذًا فالسؤال الصحيح هو: هل تيار الاستمرارية ذلك له بداية أو نهاية, بداية مطلقة من لا شيء ثم ينتهي ليصبح عندها عدمًا؟ المادة والطاقة لا يمكن أن يُستحدث أو يفنوا من عدم إنهم فقط يتحولوا لشيء آخر، بشكل مشابه تيار استمرارية النشاط الذهني لا يمكن أن يُستحدث أو يفنى. إذا تتبعت الفيزياء فيما يتعلق بالمادة والطاقة، فسيكون لديك معرفة بقانون حفظ المادة والطاقة، فلا يُعقّل أنه قبل الانفجار الكبير لم يوجد أي شيء. لذا بدأ العلماء في التفكير بأنه "حسنًا، بالتأكيد كان هناك أكوان وأشياء قبل هذا الانفجار.” لذا لا توجد بداية. لأنه إذا لم يكن هناك شيء قبل البداية، كيف من اللاشيء أصبح شيئًا؟ منطقيًا هذا صعب جدا. إذا كان شيئًا في حقيقته لاشيء، كيف يمكن له أن يصبح شيئًا، وكيف يمكن لشيء أن يصبح لاشيء؟ وعندها ستثور كل أنواع النقاشات: هل يمكن لأنشطتك الذهنية أن تأتي من مصدر آخر، مصدر خارجي، مثل جسدك الذي يأتي من جسد والديك؟ هل النشاط الذهني يأتي من النشاط الذهني الخاص بالوالدين؟ حسنًا، سيكون من الصعب جدا برهنته.

إذًا هناك بعضًا من الحُجج المنطقية التي تُستخدم لإثبات الحيوات السابقة واللاحقة. الأمر متعلق بالاستمرارية، الاستمرار. والاستمرارية قائمة ببساطة على أساس من قانون الأسباب والنتائج؛ لا شيء ثابت يستمر من لحظة لأخرى دون تغيير. لذا إذا فكرت في هذا، كل خلية في جسدك تغيرت منذ كنت طفلًا، وعلى الرغم من ذلك فإنك تنظر لصورك وأنت طفل وتقول "هذا أنا.؟”لقد تغير كل شيء، فكيف يمكن لك أن تقول إن "هذا هو أنا"؟ إن هذا مستندًا على قانون الأسباب والنتائج، إنها سلسلة متعاقبة من تلك اللحظة حتى الآن.

مشارك: صديقتي التي تؤمن بالمادية تقول إنه عندماوُلدتُ فإن ذهني أيضًا وُلد. إنه في المخ، أليس كذلك؟ وعندما أموت، فإن مخي سيتوقف، وبالتالي سيتوقف ذهني أيضًا. كيف تقنع مثل هذا الشخص؟

أليكس: حسنًا، قبل كل شيء، بالنسبة لمصطلح المخ، متى ينمو المخ في الجنين؟ عند أي نقطة يبدأ؟ كما ترون فالبوذية لا تُنكر وجود أساس مادي لـ"أنا" وأساس مادي لاختبار الأشياء. إنها لا تنكر هذا، فبالتأكيد هناك مخ، هناك أنشطة عصبية، وكل هذه الأشياء. متى تبدأ فهذا سؤال آخر، فيما يتعلق بحياة بعينها. لكن البوذية بالتأكيد تتقبل أن هناك أساس مادي. لا يوجد هنا أي تعارض مع العلم.

لكن البوذية تتحدث عن الخبرة الشخصية الموضوعية الفردية. الخبرة شيء مختلف عن الأساس المادي. إذًا يمكنك أن تتحدث عن واقعة ما – مثل الشعور بمشاعر ما – يمكن أن تصف هذا من المنظور المادي، أو يمكن أن تصف ذات الحدث على مستوى الخبرة المتراكمة. وكلا الطريقتين في وصف الواقعة غير متعارضتين؛ هم فقط منظورين مختلفين. وهذا الجانب الخاص بالخبرة المتراكمة قائم على طاقة متناهية الرقة بالإضافة للمستوى الأكثر ظهورًا لأنشطة المخ والنظام العصبي وخلافه. لذا عندما نتحدث عن الاستمرارية الذهنية من الحيوات السابقة لهذه الحياة، ومن هذه الحياة للحيوات المستقبلية، هذا هو ما يستمر، وهو قائم على أساس مادي ومستوى آخر من الطاقة.

إذًا كيف يمكن أن نُبرهن على أنه بعد وفاة المخ قد تظل خبرات أخرى جارية؟ من الواضح أن هذا صعب للغاية. هناك العديد من الحالات، بعضها تم فحصها علميًا، لأناس حققوا مستوى متقدم جدا من الإدراك في التقليد التبتي، والذي عند موتهم – في الوقت الذي يُقر فيه أي طبيب بأنهم أموات – يظلون في حالة التأمل، جسدهم لا يتيبس، لا يسقطون ولا يحدث لهم أي شيء. ويظلون هكذا في وضع التأمل والذي يمكن أن يستمر لأسبوعين أو أكثر. وعندما ينتهي تأملهم، يسقط الجسد. العديد من هذه الحالات تحدث سنويًا. وبالتأكيد من الصعب أن تذهب لشخص يموت وتقول له "دعني أقم بتوصيل مخك بهذه الأقطاب الكهربائية، الآن عليك أن تموت حتى أستطيع أن أقوم بقياس ما يحدث.” ولكن بالطبع هناك مؤشرات تدُل بوضوح أن ذلك الجانب المتعلق بالخبرات المتراكمة مستمر على مستوى الطاقة متناهية الرقة بعد توقف المخ والنظام العصبي عن العمل.

لذا فالبوذية تقول أن المستوى الأكثر ظهورًا للأنشطة الذهنية لا يستمر عند وفاة الجسد، عندما يموت المخ. أنت لا تستطيع أن ترى أو تسمع أو تفكر نظريًا. هذا انتهي. لكن على المستوى الأعمق، ما يُدعى بـ"الذهن الصافي النقي"، يظل التركيز بالكامل فقط على الواقع غير النظري، وبشكل مباشر.

أختبار الواقع الفعلي

مشارك: هل من المُمكن اختبار الطبيعة الحقيقية للواقع، هذا الواقع الفعلي، بحيث لا يكون لدينا أي وعي زائف؟ هل من المُمكن أن نُدركه مباشرة، أم أن هذا مستحيل؟

ألكس: لا، لا، هذا مُمكن – هذا ما سنتحدث عنه لاحقًا في هذه المحاضرة – لأن هناك واقع بالفعل، وبالرغم من أن الأشياء لا تظهر بالطريقة التي تتواجد بها فعليًا، فإنه من الممكن التخلص مما يسبب هذا الانحراف في إدراك وفهم الواقع. لذا فهذا السؤال أساسي. هل هذا النشاط الذهني والذي به نُدرك ونعرف الأشياء، هل جزء من طبيعته إنه يُحرِّف الواقع؟ أم أنه من المُمكن أن يعمل هذا النشاط الذهني دون أن يُحرف الواقع، دون أن يقوم بالإسقاط؟ لذا فوجود واقع هو شيء أساسي.

الآن، على هذا الأساس سيُمكننا أن نفهم – ما سيأتي غدًا – فعندما يحدث هذا الانحراف في إدراكنا وفهمنا للواقع، فإنه يُسبب المشاكل والمعاناة والتعاسة، وإنه من المُمكن التخلص من كل هذا الانحراف وعندها لن توجد مشاكل. لذا فور أن نفهم هذا، سنفهم أن هذا الهدف قابل للتحقيق، وأن الذهن قادر على ذلك. وعندها سيكون لدينا هذا التوجه، هذا الملجأ، والآن يمكننا أن نهدف إليه بينما نحن مقتنعين إن هذا بالفعل شيء يُمكن تحقيقه. وكل هذا قائم على حقيقة أن هناك واقع وأنه من المُمكن الوعي به.

لكن هذا يتطلب تدريب طويل جدا لتعويد أنفسنا على الواقع، وتجاوز العقبات الذهنية. لهذا لدينا التأمل. وهو أن نعوِّد أنفسنا على كل هذا، بناء عادات أكثر نفعًا، بحيث أنك عندما تقابل شخصًا ما تصبح أكثر أعتيادًا على رؤيته ليس فقط بالطريقة التي يظهر بها أمام عينيك، لكن تصبح واعيًا تمامًا بأنه كان طفلًا، كانت له طفولته، كل الأشياء التي أثرت به، وإنه غالبًا ما سيصبح كبير في السن – رؤية كاملة للسياق الأكبر، أن ترى كل شيء بشكل مترابط، ولكنك يجب أن تُدَرب نفسك لفعل ذلك، في البداية بالتأكيد لن يكون عليك بالضرورة رؤية كل ذلك، ولكنك تعيه، تعي كل شيء عن هذا الشخص، أن تكون واعيًا بأن هناك كل هذا الماضي وكل هذه التأثيرات على الشخص، وأيضًا واعيًا بكل إمكانياته، لأن كل ذلك مترابط، وكل هذا سيجعلنا مُنفتحين جدًا بشأن الواقع.

عندما ترى رضيع، لن تراه فقط كرضيع: إنه احتمالية لشخص ناضج، وكل شيء سأقوم به الآن سيؤثر في الطريقة التي سينضج بها هذا الرضيع. أنت تنظر للصورة بالكامل، للواقع.

أي شيء أخر؟ حسنًا، إذا لم يكن هناك المزيد من الأسئلة، شكرًا جزيلًا لكم.

هل لديك سؤال؟ أرأيت، الآن يمكنني أن أقول أنه بسبب قولي "شكرًا جزيلًا لكم"، هذا كان السبب لأن تسأل سؤالك، وهذا بالطبع سيكون افتراضًا سخيفًا.

المشارك: الموقف يبدوا طريفًا جدًا. يقوم ذهننا بصنع إسقاطات، وهو يعاني من هذه الإسقاطات. لماذا يجعل ذهننا كل شيء بهذا التعقيد؟

ألكس: كما ترى، هو مُتأثر بالعديد من الأشياء. أحدها هو معداتنا (إذا فكرت في التشابه الوظيفي مع الحاسب الآلي): أنت تستطيع أن ترى فقط عبر هذين الثقبين في مقدمة وجهك فقط ما هو أمامك؛ أنت لا تستطيع أن ترى الأسباب التي أدت إلى تلك النتيجة التي أمامك. لذا فهذه المعدات محدودة. وهو شيء مُربك للغاية. المثال الكلاسيكي هو ذلك الصوت الذي يدور برؤوسنا، وهو المسئول عن الشعور بالقلق: “ماذا يجب أن أفعله الآن؟ ما الذي سيفكر به الآخرين عني؟" إلخ.، إلخ. مما يشعرنا بأنه كما لو كان هناك "أنا" صغيرة تجلس برأسي، وهو أمر مُناف للعقل. لا يوجد "أنا" صغيرة. إذا قمت بتشريح المخ فلن تجد "أنا" صغيرة تجلس قلقة هناك، وتتحدث طوال الوقت. لكننا نشعر وكأن الأمر على هذه الطريقة. كل ما يحدث أن العقل يعمل بطريقة معينة، أن هناك نوعًا معينًا من التأثير الصوتي للأشياء، وهذا هو ما يحدث. لا وجود لـ "أنا" صغيرة تجلس بداخلي وتتحدث. لذا فإن الأمر مُربك – هذا ما يطلق عليه المظاهر المضللة – والسبب في ذلك هو تلك المُعدات. لكن هذا ليس السبب الأعمق. في الأساس هو بسبب العادة التي لا بداية لها. إنه فقط بسبب أننا تعودنا على ذلك. لا بداية، فقط للأبد.وهذا ما سنتحدث عنه غدًا، كيف أن كل آليات المعاناة تلك تدوم بشكل أبدي وكيف يمكن أن نتخلص منها. الخطوة الأولى هي التوقف عن تصديق كل القمامة التي يقوم ذهننا بإسقاطها. والتوقف عن تصديقها، وسيحدث ذلك عندما تقتنع بأن هذه القمامة لا تتوافق مع الواقع: ليس هنا "أنا" صغيرة تجلس برأسي.

هل أجرؤ أن أقول "شكرًا جزيلًا لكم"، أم أن هذا سيتسبب في المزيد من الأسئلة؟ حسنًا إذًا، شكرًا جزيلًا لكم، آمل إنه أيًا مما قد فهمناه أو حصلنا عليه أن يصبح أعمق وأعمق وأن يترك بصمة إيجابية تكون مفيدة لنا جميعًا.