أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الصفحة الرئيسة > التعاليم الرئيسة للبوذية التبتيَّة > المرحلة الثانية: لام-ريم (مرحلة تدريجية) مادة > المفهوم البوذي للاستحقاق:هل السعادة أمر نكتسبه؟

المفهوم البوذي للاستحقاق:
هل السعادة أمر نكتسبه؟

ألكسندر بيرزين
ميونيخ، ألمانيا، أبريل ١٩٩٩
تحرير لوسي كوستا
ترجمة ريتا حداد

المفهوم البوذي للاستحقاق

الموضوع الذي سنتناوله هذا المساء هو الاستحقاق. في البوذية، غالباً ما نتحدث عن أهمية بناء الاستحقاق. غير أن كلمة "استحقاق" هي كلمة غامضة إلى حد ما. فهي تكتسي معناً معيناً في اللغة الانكليزية في حين أن الكلمة الألمانية Verdienst تنطوي على معنىً مختلف بعض الشيء، ناهيك عن الكلمة التيبتية الأصلية التي تعني شيئاً مختلفاً تماماً عن المعنيين السابقين. لذا، في الواقع، هناك بعض الغموض لأننا عندما نسمع هذه الكلمة فنحن نربطها بالمعنى الذي تنطوي عليه في لغتنا الخاصة.

هذا المساء، لا أريد أن ألقي عليكم محاضرة لتزويدكم ببعض المعلومات وحسب، مما قد يكون مرهقاً بالنسبة لكم وبالنسبة لي. بدلاً من ذلك، أود أن أعطي فرصة أكبر خلال عطلة نهاية هذا الأسبوع لطرح الأسئلة على نحو يجعلنا جميعاً نحاول التفكير فعلياً بالمسائل التي نطرحها على بساط البحث. دعوني أولاً أحدد بعض العبارات.

إن كلمة merit باللغة الانكليزية ليست هي الكلمة الصحيحة على الإطلاق. يبدو أنها كلمة تستدعي تسجيل النقاط عند قيامنا بأمور جيدة وإذا توصلنا إلى الحصول على ما يكفي من النقاط ـ لنقل مثلاً ١٠٠ نقطة ـ نفوز بميدالية. إنها فكرة طفولية أقرب إلى "بادج الاستحقاق" الخاص بالحركة الكشفية. وهي بالتالي لا تنطوي على ما نقصده بالاستحقاق في البوذية. أما الكلمة الألمانية Verdienst ، فهي في الواقع تثير اهتمامنا أكثر وليست طفولية بهذا القدر. أعتقد أنه علينا أن نركز على هذا المعنى أكثر منه على الكلمة الانكليزية.

أنا أفضل ترجمة المفهوم من السنسكريتية أو التبتية بـِ "قدرات إيجابية" أو "قوة إيجابية" لأنه شيء ينبع كنتيجة لتصرف بطريقة بناءة ثم يأخذ ينضج ليتحول إلى سعادة. بالطبع، سوف نتعمق بعض الشيء بهذا المعنى لأننا تطرقنا إلى ثلاث عبارات تقنية وخاصة إلى حد ما. ماذا نعني بـِ "التصرف بطريقة بناءة"؟ ماذا نعني بـِ "السعادة"؟ ما هي "عملية النضوج" هذه التي نتحدث عنها؟ ما هي العلاقة بين التصرف بطريقة بناءة والتوصل إلى السعادة؟ مثلاً، قد أحاول القيام بأمر لطيف ولكنني قد لا أشعر بأنني سعيد جداً كنتيجة لما قمت به. إذاً، ما الذي يحدث هنا؟

أولاً، أعتقد أنه لا بد لنا أن نتمعن في فكرة Verdienst . ماذا تعني كلمة verdienen ؟ هل هي تعني السعادة؟ أم أنها تعني اكتساب السعادة، أو حتى استحقاق السعادة؟ إن فعل "اكتسب" يعني أن نعمل في وظيفة معينة وأن نكتسب أجراً مقابل عملنا، فنكون بذلك قد اكتسبنا شيئاً ما. بالطريقة نفسها، نحن نعمل على أنفسنا لنكون أشخاصاً جيدين ونكتسب من هذا العمل السعادة. هل هذا ما تعنيه هذه الفكرة؟ أم أنها تعني أننا نستحق السعادة؟ "لدي الحق في أن أكون سعيداً. لقد دفعت نقودي والآن لدي الحق في الحصول على منتج جيد. فإذا لا أحصل على هذا المنتج الجيد، أكون قد خُدعت." كل هذه الأفكار نجدها ممزوجة ببعضها البعض في الكلمة الألمانية verdienen. في الواقع، كما قلت سابقاً، إنها ليست فكرة طفولية بقدر ما هي فكرة تجميع النقاط والفوز بمباراة، ذلك لأنها فكرة تنطوي على مسائل جدية للغاية. فلنطرح بعض الأسئلة الرئيسية التي أود أن تفكروا بها قبل أن ننتقل إلى مناقشتها.

هل لدينا الحق في السعادة؟

هل يعتبر كل شخص منا مؤهلاً للحصول على حياة عادلة؟ على غرار المثل الأعلى الاشتراكي : كل شخص مؤهل للحصول على وظيفة ومنزل وطعام إلخ. هل أنت مؤهل للحصول على كل هذه الأمور فقط بسبب طبيعتك البوذية أم عليك أن تعمل على اكتسابها؟ هل يجدر بنا القيام بشيء ما للحصول عليها؟ ما رأيكم؟ هل نحن مؤهلون لنملك منزلاً لائقاً ولنعيش بسعادة؟ هل نحن مؤهلون لنكون سعداء؟ على المستوى النفسي، هناك بعض الأشخاص الذين يشعرون بأنهم لا يستحقون السعادة ولا يسمحون لأنفسهم بأن يكونوا سعداء. لماذا؟

يمكنكم القول إنه يحق لنا جميعاً أن نكون سعداء وأن نملك منزلاً إلخ. ولكن بقولنا هذا، نكون قد عدنا لنطرح من جديد دلالة الكلمة الألمانية verdienen التي تفترض وجود شخص ما لإعطائنا هذا الحق. هل أن شخصاً ما أعطانا الحق في أن نكون سعداء أم أننا نحصل على هذا الحق بصورة طبيعية؟ لمَ يحق لنا أن نملك منزلاً لائقاً؟

هذا ما يقودنا إذاً إلى طرح السؤال التالي : هل نحن نحاسَب على أفعالنا؟ على سبيل المثال، في المجتمعات الشيوعية السابقة في أوروبا الشرقية وفي الاتحاد السوفياتي السابق، كان يحق لكل شخص أن يتقاضى أجراً على عمله بغض النظر عما إذا كان العمل الذي قام به جيداً أم لا وبالتالي لم يكن أحداً يعمل بجدية لأنه لم يكن أحداً يهتم لهذا الأمر. أهذا فعلاً ما نعنيه هنا، أنه يحق لكل منا أن يتقاضى أجراً أو أن يملك منزلاً، أكان يعمل أم لا؟ إذا كان يحق لنا أن نكون سعداء، إذاً ليس علينا أن نفعل شيئاً. وهذا يعني أنه يحق للمجرم أن يكون سعيداً وأنه يحق لأي شخص احتال أو سرق متجراً أن يقوم بهذا الفعل لأنه يريد أن يكون سعيداً. أيحق له فعلاً أن يقوم بذلك؟

قد تقولون لي إن "الحق في أن نكون سعداء" أو "الحق في أن نعيش حياة لائقة" أمر طبيعي وكأن هناك شخصاً ما قد منحنا هذا الحق ولكن هذا لا يبدو صحيحاً. ربما يمكننا القول إن الجميع لديه الإمكانية أو الفرصة ليكون سعيداً ولكن لا بد لنا أن نقوم بشيء ما للحصول على هذه السعادة. إن الكلمة الانكليزية « to be entitled » (أن نكون مؤهلين) تعبر جيداً عن هذه الفكرة. إن الأمر لا يتعلق في الواقع بأي حق. لقد بحثت عن هذه الكلمة في القاموس ولكن كلمة « recht » بالألمانية تفترض أن يعطينا شخص ما هذا الحق. أما بالانكليزية، لا تفترض كلمة « entitled » وجود أي شخص على الإطلاق لمنحنا هذا الحق. لأنه يمكن أيضاً تطبيق هذا التعريف مثلاً على البيئة: البيئة هي أيضاً أهل للاحترام ولوجود عادل. فهل كلمة « entitled » قوية التأثير بقدر ما هي كلمة « recht »؟

تكمن إحدى ميزاتنا في كوننا مبرمجين بطبيعتنا لنكون سعداء... فكروا مثلاً بطفل ما يعيش في كوسوفو. هل هذا الطفل في كوسوفو مؤهل للحصول على منزل سليم وللترعرع في بيئة سلمية فقط لكونه طفلاً؟

لمَ نحن مؤهلون لذلك؟ إذا افترضنا أن هناك قوة خارجية تعطينا هذا الحق، أكانت هذه القوة متجسدة بالله أو بالقوانين التي يفرضها المجتمع، فسنواجه عدة تعقيدات. هل يمكن تجريدنا من هذا الحق؟ فإذا كنا مؤهلين لذلك بسبب طبيعتنا فقط، فماذا يتضمن ذلك إذاً؟ هل يبقى مجرم حرب مؤهلاً هو أيضاً ليكون سعيداً؟ ماذا عن البيئة في هذه الحال؟

قد تقولون إن جميع الكائنات الحية مؤهلة لتكون سعيدة ولتحظى بمعاملة جيدة، فاسمحوا لي أن أسألكم إذاً، ماذا عن الأشياء المجردة من أي حياة كالهواء أو المحيط؟ أليس المحيط مؤهلاً ليبقى نظيفاً؟ أليس الهواء مؤهلاً ليبقى نظيفاً؟ من أين تنبع هذه الأهلية؟

من وجهة النظر البوذية، تنتج السعادة من قدراتنا الإيجابية

حسب البوذية، نحن نملك كجزء من طبيعتنا البوذية، بعض القدرات الإيجابية. يتم التعبير بصورة كلاسيكية عن هذه القدرات، كجزء من طبيعتنا البوذية، بواسطة "مجموعة من الاستحقاقات". هنا أيضاً، أجد هذه العبارات غريبة بعض الشيء. فأنا أعتقد أن كلمة "مجموعة" ليست الكلمة المناسبة للتعبير عن هذه الفكرة. بل أنا أفضل كلمة "شبكة". نحن نملك شبكة من القدرات الإيجابية. كل شخص منا يملك شبكة معينة منها.

الأمر معقد للغاية. إذا حاولنا التفكير بذلك نرى أننا نملك قدرة تخولنا على التعلم وقدرة تخولنا على إنشاء عائلة وحب الآخرين. نحن نملك جميع أنواع القدرات الإيجابية. قدرات تخولنا القيام بأشياء إيجابية. قال أحدكم من قبل إننا نملك جميعنا الإمكانية لنكون سعداء. هذا ما نحن نتحدث عنه هنا: لدينا الإمكانية والقدرات اللازمة لتحقيق ذلك. وبما أنها كلها قدرات مترابطة ببعضها البعض لإنجاز عدة أشياء مختلفة، فهي تشكل شبكة. وكنتيجة لهذه الشبكة من القدرات الإيجابية، يمكننا أن نكون سعداء. فأنا أملك القدرة التي تخولني كسب عيشي وحب الأشخاص الآخرين وإنشاء عائلة وأشياء أخرى غيرها. لذا، فأنا أملك القدرة لأكون سعيداً. كل واحد منا يملك شبكة أساسية من هذا النوع. على هذا الأساس، يمكننا القول إننا مخولون وإننا اكتسبنا سعادتنا. لكن هذا المفهوم المتجسد بالكلمات التي نستخدمها لا يتلاءم بالفعل مع الفكرة البوذية، أليس كذلك؟

فلنقل مثلاً إنكم في إجازة. هل النباتات التي تملكونها مخولة لتبقى مرتوية وهل القطة التي تملكونها مخولة لتبقى مزودة بالطعام؟ أهناك فرق ما بين هذين الأمرين؟ هل منزلنا مخول هو أيضاً ليبقى نظيفاً في هذه الحال؟

مشارك: ماذا عن رغبات القطة؟

ألكس: إنه سؤال جيد. ها نحن نقترب بالفعل من الفكرة البوذية التي تعتبر أن السعادة أمر يستلزم إرادة من قبلكم. أنتم بحاجة للتوق إلى السعادة من أجل أن تصبحوا سعداء. من المهم جداً في التعاطي مع البوذية التفكير بجميع هذه الأمور.

هل السعادة أمر نكتسبه؟

إذا كنا نريد أن نكون سعداء، هل يكفي ببساطة أن نتوق إلى السعادة لكي نصبح سعداء أم أنه علينا القيام بشيء ما لنكتسب هذه السعادة؟ إذا كان عليناً أن نكتسبها من جراء أفعالنا، فهل نكتسبها كنتيجة لأفعالنا أم أننا نكتسبها كنتيجة لدوافعنا؟ فلنفترض مثلاً أنني دعوت صديقي لتناول وجبة. كنت أريد أن أحضر له وجبة رائعة وأن أجعله سعيداً. كانت دوافعي رائعة ولكنني أحرقت الطعام وكانت الوجبة مأساوية أو أن صديقي توعك أو تقيأ. أي من الأمرين أكثر أهمية، الدافع أم نتيجة أفعالنا؟

الدافع ليس كافياً. علينا القيام بشيء ما. ولكننا قد لا نتمتع دائماً بالدافع اللازم للقيام به. لنفترض أننا لا نسعى إلى جعل أي شخص سعيداً أو إلى مقابلة أي شخص بل أننا قابلنا هذا الشخص صدفة وهذا ما أفرحه. أنا أعتقد أن الأمر يتضمن مزيجاً. هناك مثل أحب دائماً استخدامه وهو كالتالي : يسرق لص سيارتكم فتسعدون للأمر لأنكم ستتمكنون من الاحتفاظ بكلفة التأمين. وكانت هذه السيارة سيئة للغاية ولم تكونوا تحبونها إطلاقاً.

دعونا نتطرق إلى فكرة أخرى. نملك في البوذية مفهوماً خاصاً للاستحقاق باعتباره شيئاً يتعين على الشخص اكتسابه: علينا أن نكتسب سعادتنا. فلنعتبر أننا عملنا بكد طيلة السنة واكتسبنا إجازة أو علاوة في الراتب. إنهما أمران متكاملان. هل اكتسبنا هذه الإجازة؟ هل اكتسبنا راتباً أكثر ارتفاعاً؟ هل اكتسبنا الحق في الحصول على ظروف عمل جيدة في مكتبنا؟ أعتقد أنه من خلال كلمة "اكتسب"، لا بد أنكم ستجيبون "نعم، لقد اكتسبنا كل هذه الأمور". ولكن قد نذهب لقضاء إجازتنا من دون أن نكون سعداء. فهل اكتسبنا السعادة؟ نحن لم نكتسب السعادة. فماذا نكتسب إذاً؟

مشارك: [ترجمة] هي أم وتعتقد أنها أم صالحة... حتى قبل أن ترى النور، يستبق الناس الأمور ويعتقدون أنك سوف تستجيب لتوقعات أولائك الذين سينجبونك.

ألكس: إن الأمر أكثر تعقيداً لأننا قد نقول "أنا أم صالحة. باعتباري أماً صالحة، كان لا بد لي أن أكتسب احترام أولادي. لكنهم لا يحترمونني."

مشارك: [ترجمة] هذه كانت حالتها بالتحديد. لقد ولدت تماماً بعد تسعة أشهر من زفاف والديها، فهل كانت طفلة مرغوب فيها أم طفلة تم التخطيط لإنجابها. وكانا دائماً يصران على أنها ستكون لطيفة وجملية وأنها ستشبه ذلك أم ذاك وبالتالي، قامت بكل ما طلباه منها.

مشارك: [مضيفاً] عندما يتم التخطيط لإنجابك، يتم مسبقاً وضع توقعات لك. هذا المثل يظهر بوضوح كم أن العقل الذي يتوق إلى السعادة ويطلب من الآخرين التصرف بهذه أو بتلك الطريقة لكي يكون سعيداً، هو عقل سيء.

ألكس: هل الوالدان، لكونهما والدين صالحين، يكتسبان احترام أولادهما؟ إذا كانا يتوقان إلى هذا الاحترام، فهل هذا يعني أنهما لن يكتسباه؟

أنت تستحق الاحترام ولكنك لا تحصل عليه. لماذا؟ وهل يمكننا أن نتوقع أن هناك شخصاً ما سيدفع لنا ما كنا قد اكتسبناه؟ هل هذا توقع عادل؟ هل أن الكارما تعمل بهذه الطريقة؟

مشارك: نحن نتحدث كثيراً عن الأشكال الخارجية للسعادة وعن مظهر السعادة ولا نتحدث كثيراً عن ...

ألكس: ... لكن مصدر السعادة داخلي. ها نحن الآن نقترب أكثر من الفكرة البوذية.

مشارك: [ترجمة] لدي ابنة أخت معوقة. جسدها يعاني من الإعاقة وعقلها متضرر وليس هناك الكثير من الدوافع أو الأفعال من قبلها . لكنني أشعر بأنها تستحق أن تحظى بمعاملة جيدة وببيئة جيدة وأن تكون سعيدة.

ألكس: يجب أن يكون هناك أكثر من مجرد الدافع. فلنفترض أن هناك شخصاً ما مصاباً بجروح أو فقد شخصاً عزيزاً أو معوقاً مثل الحالة التي تتحدث عنها. هل هذا يجعله أهلاً للمواساة؟

مشارك: [ترجمة] أعتقد أنه من الجنون التام أن نفكر دائما "كيف يمكننا أن نكون سعداء؟" وبكل هذه الأمور، إنها فعلاً أمور تافهة وأنا أريد التخلص منها.

ألكس: التخلص من الرغبة في أن تكون سعيداً؟

مشارك: نعم. لذا، إن البوذية بالنسبة لي هي الطريقة الوحيدة للتخلص من هذه الرغبة في تحقيق السعادة.

ألكس: إذا تخلصت من الرغبة في تحقيق السعادة، فهل ستكون سعيداً؟ فكر في هذا الأمر.

إن بناء قدرة إيجابية فقط لأنكم تريدون أن تكونوا سعداء، لن تؤدي بكم إلى السعادة. أهذا ما تقصده؟ "سأقوم بتقديم هبة كبيرة إلى المركز لأنني أريد أن أكون سعيداً. أريد أن أحظى بإعادة ميلاد أفضل." أليست البوذية تقول إنك إذا قمت بجميع أنواع الأفعال الجيدة، تحظى بإعادة ميلاد أفضل؟

مشارك: [ترجمة] في الواقع، إن البوذية لا تقول ذلك بالتحديد وإنما هناك عدة تفسيرات قد تؤدي إلى هذا القول وهذا خالٍ من أي معنى.

ألكس: بالفعل، تقول البوذية إن الرغبة في الحصول على إعادة ميلاد أفضل تشكل دافعاً أساسياً يجعلك على الأقل تتوقف عن الإساءة إلى الآخرين وتتوقف عن السرقة وغيرها من الأفعال. ولكن علينا تخطي هذه الأمور لأننا حتى ولو حصلنا على السعادة في الميلاد الأفضل، يمكننا أن نخسرها. فلن نكون في الواقع سعداء. وبالتالي، نحن نحتاج إلى التوقف عن التوق إلى السعادة من أجل كسب التحرر.

مشارك: [ترجمة] أعتقد أنه علينا القيام بشيء ما لنكون سعداء. حتى ولو كان هذا الأمر يقضي فقط بالاستلقاء في الشمس والاسترخاء، إنه شيئ علينا فعله. إذاً، علينا القيام بشيء ما ولكن النتيجة ليست أكيدة. إن النتيجة المرغوب فيها لن تتحقق بالضرورة. نحن نقوم بشيء ما ولكننا لا نشعر بالضرورة بالسعادة من خلال قيامنا بهذا الشيء. إن المناقشة تدور حول الفكرة القائلة إن السعادة تتعلق أكثر بحالة من الاستقرار الداخلي.

ألكس: لنتطرق إلى جانبين آخرين من "الأهلية". لنلقي نظرة مثلاً على الأشخاص في كوسوفو الذين تعرضوا إلى الإصابات. ما هي الأمور التي هم مؤهلون للحصول عليها؟ أهم مؤهلون للمواساة؟ أهم مؤهلون للإقامة في بلدنا والحصول على الطعام؟ ما هو هذا الشيء الذي قاموا به ليصبحوا مؤهلين للحصول على ذلك؟ أهم مؤهلون ليكونوا سعداء؟ أهم مؤهلون للانتقام؟ ماذا عن الجنود الصرب الذين قتلوا العديد منهم؟ أهم مؤهلون للحصول على الرحمة والسماح من قبلنا؟ ما هو هذا الشيء الذي قاموا به ليصبحوا مؤهلين للحصول على ذلك؟ أهم مؤهلون للعقاب أو للقتل؟ يمكنكم الآن النظر إلى المشكلة من خلال هذه الكلمة "مؤهل".

مشارك: [ترجمة] إن المسألة أعمق من مسألة أخلاقية وحسب. كل شيء ممكن. السؤال هو كيف يمكننا ربط حالتنا بكل هذه الأفكار؟

[يضيف]: أعتقد أنك تسأل عما هو جيد وما هو سيء. من يحق له أن يقول إن هذا الأمر جيد وذاك سيء؟ ما معنى ذلك بالنسبة لي. بالنسبة لي شخصياً، هذا يعني شيئاً مثيراً للاهتمام وشيئاً علي معرفته أو...

ألكس: لا أعرف. النقطة التي أحاول التشديد عليها هنا هي الفكرة التي تنطوي عليها كلمة verdienen بالإجمال، والتي تعني أن نكتسب شيئاً ما أو أن نكون مؤهلين للحصول على شيء ما ـ وبشكل أوسع المفهوم الغربي لهذه الكلمة والذي يختلف كثيراً عن المفهوم البوذي للكارما التي تشكل المحور الأساسي لهذه المناقشة، أي القدرات الإيجابية. الأمر مختلف جداً.

الكارما ليست العدالة وليست نظاماً قانونياً

إذا قمنا بتحليل مفهومنا الغربي للحصول على الحقوق واكتساب الأشياء أو استحقاقها، يتضح لنا أن ما يكمن وراءه هي فكرة أساسية محددة ثقافياً خاصة بنا في الغرب. نحن نعتبر، حسب هذه الفكرة، أن الكون عادل، أن هناك نوعاً من العدالة في الكون وأن الأمور يجب أن تكون عادلة. إنه مفهوم قوي ومترسخ: "يجب أن يكون الأمر عادلاً". لمَ عليه أن يكون عادلاً؟ "لأن الكون عادل". إنها فكرة غربية محض.

يمكننا معاينة هذا الموضوع من وجهات نظر مختلفة. من وجهة نظر أولى، من العادل والمنصف أن يتم إحضار الأشخاص في كوسوفو إلى بلدنا. من وجهة نظر ثانية، يمكننا القول "إنه من العادل لهم أن ينتقموا ومن العادل لنا أن نقصف صربيا. إنه أمر عادل." من وجهة نظر ثالثة، من المنصف أن نسامح الجنود الصرب ولكن، من ناحية أخرى، لا بد أن يكون من المنصف أيضاً أن نضعهم في السجن. لذا، فنحن نعيش في هذه الفكرة من العدالة ووجود القانون. لكن هذا التفكير لا يقتصر على الغرب وحسب. إنه تفكير قائم أيضاً في الصين ولكنه غير موجود في الذهنية التبتية.

من وجهة نظرنا الغربية، يعود السبب في التفكير حسب القانون أو العدالة المأخوذة من منظور إنجيلي، إلى الله. إن الله عادل ومنصف. حتى ولو أنه يبدو من غير العادل أن يودي الله بحياة طفلي، علينا أن نؤمن أن الله في حكمته كان عادلاً. لذا، إن الشخص المتدين يثق فقط بأن الله كان يعرف ما يفعله حين أودى بحياة طفله. بالنسبة للغربيين الذين ليسوا من الأشخاص المتدينين، يتخذ مفهوم العدالة والقانون مظهراً سياسياً يستمد جذوره من اليونان حيث يعتبرون بموجبه أنه يجب على المجتمع أن يكون عادلاً. لذا، فنحن نحاول من خلال القانون وغيره من الأمور أن نبني مجتمعاً عادلاً. ويصبح هذا المجتمع عادلاً ومنصفاً من خلال السياسات أو القوانين وهو بالتالي لا يعتبر، بشكل أساسي، عادلاً بفعل الله وإنما بفعل الإنسان الذي يضع القوانين. يصبح المجتمع عادلاً بواسطتنا نحن الذين انتخبنا هؤلاء السياسيين. من الملفت للنظر أن الصينيين يترجمون كلمة "دارما" بـ "قانون" على الرغم من أنهم يعتبرون، حسب تفكيرهم التقليدي، بأن القوانين ليست إلا جزءاً من الترتيب الطبيعي للكون. فهي ليست لا من صنع الله ولا من صنع الإنسان.

أكنا ننظر إلى هذه المسألة من وجهة نظر شخصية كما في الغرب أو من وجهة نظر موضوعية كما في المجتمع الصيني، إلا أنها تبقى مسألة تتمحور حول الامتثال. إذا تصرفتم وفق القانون، تسير الأمور على أفضل ما يرام وستكونون سعداء. إذا لم تحترموا القانون، لن تكونوا سعداء. عندما ننظر إلى تقاليد الهنود والتبتيين في البوذية، ولكن ليس في البوذية الصينية، قد نميل إلى رؤية الأمور من خلال مفاهيمنا الغربية وهذا ما يخلق ارتباكاً لأننا ندرك مفهوم الاستحقاق من خلال كلمة verdienen . إن كلمة استحقاق على حد السواء سخيفة. Verdienen هو شيء نكتسبه. يجب على الكون أن يكون عادلاً. فإذا تصرفت بطريقة بناءة، على الكون أن يكون عادلاً وسأكون سعيداً. لا بد أن يكون هناك عدالة في الحياة. حتى ولو أننا نقول عن الكارما: "هذا صحيح، ولكني أعلم أنني لا أحصل على هذا الشيء من الله أو غيره". يا لها من طريقة نتحدث فيها عن الكارما في الغرب! نحن نطلق عليها عبارة "قوانين الكارما". ولكن العبارة الأصلية لا تتضمن كلمة "قوانين"، نحن الذين أضفنا الكلمة. ننظر إلى الكارما وكأنها نظام من القوانين قائم على العدالة غير أن مفهوم الكارما لا يتمحور حول ذلك إطلاقاً. إذاً، عما تتحدث الكارما في الواقع؟

الكارما تتطرق إلى نتائج التصرف بطريقة بناءة أو مدمرة

في بادئ الأمر، لا بد أن نشير إلى أن الكارما تحدد ما هي نتيجة التصرف بطريقة بناءة وما هي نتيجة التصرف بطريقة مدمرة. إنها تتحدث عن الأسباب والتأثيرات السلوكية. إننا نلجأ إلى استخدام عدة عبارات على غرار "قوانين الفيزياء". إلا أنها أمور فيزيائية: ليس هناك أي عدالة ضمن الأشياء التي تتبع قوانين الفيزياء. حتى في الأوساط الصينية حيث تعتبر القوانين جزءاً من الكون، إن فكرة العدالة ما تزال موجودة. أما في الأوساط الهندية والتبتية، فنحن بالطبع نتحدث عن نظام منطقي ولكن غير قائم على العدالة أو الإنصاف. إنه فقط ما هو عليه.

في هذا السياق، تعني كلمة "بناءة" التصرف بطريقة تكون، من حيث دوافعنا الداخلية، خالية من أي تعلق: "أريد أن أكون سعيداً، أنا أقوم بذلك من أجل أن أكون سعيداً"، وخالية من الغضب والسذاجة وغيرها. في عقولنا، يتخذ الدافع الشكل التالي: "لا أريد أن أجرح أحداً آخر" أو حتى "أريد أن أساعد الآخرين" ولكن لا يشكل ذلك الميزة المحددة الأكثر أهمية. إذا كنا نرغب في مساعدة الآخرين فهذا أمر إضافي. الدافع الأساسي هو ذلك الذي يكون مجرداً من التصرف انطلاقاً من الرغبة أو الغضب أو السذاجة. كالأم التي كنتم تصفونها سابقاً : "سوف أعامل طفلي بلطافة لأنني أريده أن يحترمني ويحبني ويهتم بي عندما أصبح عجوزاً وأن يخدمني إلخ." في هذه الحال، قد تحاول أن تكون لطيفة مع طفلها لكن دافعها على ذلك هو التعلق. فنحن لن نحصل على مزيد من السعادة انطلاقاً من تصرف مماثل.

عندما نتحدث عن "نتيجة التصرف بطريقة بناءة"، يصبح الأمر معقداً بعض الشيء. إن الدافع وحده غير كافٍ. نحن نحتاج إلى مزيج من الدافع والعمل ونتيجته المباشرة. يمكن للدافع أن يكون إيجابياً ولكنه أمر معقد تماماً كعندما تحضرون طبقاً شهياً لأحد ضيوفكم ولكنه يكسر سناً بسبب قطعة عظم صغيرة منسية فيه. ولكن الدافع يبقى شيئاً في غاية الأهمية.

كنتيجة للتصرف بطريقة بناءة، نقوم "ببناء الاستحقاق". ولكن ماذا تعني كلمة "بناء" وماذا تعني كذلك كلمة "استحقاق"؟ لقد رأينا سابقاً ماذا نعني بالاستحقاق وعلينا الآن أن نتطرق إلى معنى "بناء" أو "جمع".

القدرات الإيجابية هي Verdienst أو merit أو الاستحقاق: إمكانية نشوء السعادة. كلمة " نشوء" لا ترتبط بجمع النقاط. كما أنها لا تقضي بأننا اكتسبناها على غرار بناء الأدلة في قضية قانونية من أجل التوصل إلى إطلاق سراحنا. ليس الأمر بهذه البساطة. هناك طريقة أكثر منفعة لإدراك مفهوم الاستحقاق تقضي بتقوية شبكة قدراتنا الإيجابية. لأننا نملك شبكة أساسية هي جزء من طبيعتنا البوذية، علينا تقوية هذه الشبكة لكي تعمل بشكل أفضل. أنا أعتبر ذلك وكأنه نظام إلكتروني مزود بمجموعة من الأنابيب نقوم بتقويته لكي تتدفق الكهرباء من خلاله بشكل أقوى.

ماذا نعني بالنضوج لبلوغ السعادة؟

النقطة هنا هي كالتالي: كيف يمكن لأعمالنا البناءة والقدرات الإيجابية الناشئة عنها أن تنضج لتتحول إلى سعادة؟ من المهم جداً فهم كلمة "نضوج".

في بادئ الأمر، نحن لا نتحدث عما يختبره الآخرون من جراء أعمالنا. نحن نتحدث عما نتخبره نحن من هذه الأفعال. قد نكون قد أعددنا أطباقاً رائعة لأصدقائنا لأننا نحبهم جداً ونريدهم أن يكونوا سعداء مع أنهم يكرهون الطعام. لذا فنحن لم نساهم بهذه الطريقة في إسعادهم. لذا، إن أفعالنا البناءة لن تؤدي بالضرورة إلى إسعاد شخص آخر. ليس هذا ما نعنيه بإنضاج الأفعال البناءة لتتحول إلى سعادة.

كذلك، إن السعادة التي نتحدث عنها هنا ليست السعادة التي نختبرها بالضرورة من خلال قيامنا بأي عمل بنّاء. لنفترض أن أحد الأشخاص يرغب في إقامة علاقة جنسية مع شخص متزوج ولكنه يمتنع عن القيام بذلك باعتباره عمل زنا. فهو يعرف أنه أمر غير لائق. بالطبع، لن يساهم الامتناع في إسعاد هذا الشخص. نحن لا نتحدث عن هذا الأمر هنا. إن السعادة ليست الشيء الذي نختبره من خلال قيامنا بعمل بناء.

كذلك، نحن لا نتحدث عما قد نشعر به مباشرة بعد قيامنا بعمل بنّاء. لقد قمت بأمر لطيف فعلاً لصديقي الذي سيرحل. عملت على ترتيب حفلة مغادرة وقمت بالكثير لجعله سعيداً ثم غادر صديقي للعيش في مدينة أخرى فبكيت وبقيت تعيساً عدة أيام. نحن لا نتحدث عما قد نشعر به مباشرة بعد قيامنا بأعمال بناءة. هذا ليس معنى "النضوج".

نحن نتميز باستمرارية ذهنية. هناك استمرارية لما نختبره وكأنها دفعة مكونة من لحظات نختبرها تليها دفعة تلو الأخرى تستمر على مر الحياة وتنتقل من حياة إلى أخرى. وكل لحظة من هذه اللحظات تشمل الشبكة التي تضم جميع قدراتنا ويمكنها أن تؤثر على مجرى الأمور في اللحظات التالية. كما لا بد أن نتذكر أنه إضافة إلى شبكة القدرات الإيجابية، نحن نملك شبكة من القدرات السلبية. فبسبب ارتباكنا تجاه واقع الأمور، نحن نلجأ إلى العديد من الطرق المدمرة. كذلك، نملك العديد من القدرات السلبية: قدرة سلبية على التصرف بسخرية أو بقسوة أو حتى على الكذب. كل هذه الأمور تشكل أيضاً شبكة من القدرات التي تدعم بعضها البعض بعدة مجموعات مختلفة.

النضوج عملية غير مستقيمة وفوضوية

عندما نتحدث عن هذه الأمور التي تساهم القدرات في إنضاجها، نرى أن ما نفضله يشكل في الواقع إحدى الطرق التي تؤدي إلى إنضاج هذه القدرات. "أحب أن أكون مع هذا النوع من الأشخاص، لا أحب أن أكون مع ذلك النوع من الأشخاص". "أحب أن أعبر عن مشاعري بقوة". كل هذه الأمور التي نحبها أو لا نحبها هي مزيج يعرف عامة "بشخصيتنا". على هذا الأساس إن ما يتعزز وينضج هو : شخصيتنا، ما نحبه وما لا نحبه وبالتالي، حسب الظروف، ينتج عن ذلك دوافع متنوعة. أحب أن أتمشى في الشوارع المظلمة. عندما أشعر بهذا الدافع، فاني أذهب لأتمشى في شارع مظلم وكنتيجة لذلك، أتعرض للسرقة. هذا ما يشكل أحد مستويات ما نتحدث عنه في عبارة "الكارما ينضج".

هناك ناحية أخرى لهذا النضوج تؤدي إلى : "أنا سعيد"، "أنا بحالة جيدة" أو "لست بحالة جيدة". بعض الأشخاص الأثرياء يملكون الكثير من الأشياء ولكنهم لا يشعرون بالسعادة على الإطلاق. وبعضهم الآخر لا يملك شيئاً ولكنهم سعداء. هذا ينتج من الصفات الرئيسية للشخصية. أعتقد أنه يمكننا فهم هذا الأمر بشكل أسهل من وجهة نظر الغرب. "أنا أحب الحياة البسيطة. هذا يجعلني سعيداً." "أنا أحب الحياة المثيرة والمليئة بالمحفزات. هذا يجعلني سعيداً". هذا الأمر مرتبط إلى درجة كبيرة بما نفضله، أليس كذلك؟ كل هذه الأمور تؤثر على كيفية التوصل إلى السعادة. ولكننا قد لا نكون دائماً سعداء مع شخص نحبه. إن ما يجب فهمه هنا هو أن كل هذا النظام الذي يؤدي إلى النضوج نحو السعادة أو التعاسة، كل هذا النظام المكون من قدرات إيجابية وسلبية، هو نظام غير مستقيم.

الأمر لا يتعلق بتصرفنا بطريقة معينة والشعور بالسعادة مباشرة بعد ذلك وبأننا سنبقى دائماً سعداء وكل الأمور الأخرى ستتبع ذلك على خط مستقيم. لا تجري الأمور على هذا النحو ولا تتبع الأمور مجرى مستقيماً. إنها بالأحرى ما يمكن أن نسميه بالنموذج الفوضوي. أو حتى بالفوضى. قد نشعر في بعض الأحيان أننا سعداء مع شخص معين وفي أحيان أخرى أننا غير سعداء مع نفس الشخص. ما نشعر به ليس مستقيماً. إنه شعور فوضوي إلى حد ما ولكن يمكن فهم ذلك بسبب تعقيد ما يشكل شبكة قدراتنا الإيجابية وما يشكل شبكة قدراتنا السلبية. إنه أمر في غاية التعقيد.

هناك أشخاص ما مصابون، مثلاً اللاجئون في كوسوفو. يمكن القول إن التعاسة التي يختبرونها أتت كنتيجة لقدرات سلبية. إنه أمر صعب بالطبع. يمكننا البدء بالتساؤل لما ولدوا في هذه الناحية من العالم. إنه أمر معقد بالفعل. إن فكرة القدرات الإيجابية والقدرات السلبية بمجملها لا تتخذ أي معنى إلا في سياق العقل وإعادة الميلاد الذي بلا بداية. وهي لا تنطوي على أي معنى يذكر من خارج ذلك السياق. بالمقابل، لمَ قتل هذا الطفل في كوسوفو؟ فإذا لم تكن قدرات الاستمرارية الذهنية هي السبب في ذلك، إذاً لا بد أن يكون الله هو الذي قرر حدوث ذلك. و أوسوء الحظ وجميعها إجابات ليست مفيدة: "إنه حظ سيء أن تكون قد ولدت في كوسوفو. للأسف!" هذا ليس في غاية اللطافة. كما يمكننا القول : "الحق على الصرب". ولكننا لن نكف عن التساؤل، لمَ أنا؟ نحن نحتاج إلى جواب. هذا ليس بالموقف السهل. "لم قتل طفلي أنا؟"

في البوذية، نقول إن هناك قدرات سلبية وإيجابية لا بداية لها. إنها طريقة مغايرة للإجابة على بعض الأسئلة التي تتعلق بسبب حدوث بعض الأمور. إن ما هو مثير للاهتمام في هذا الإطار هو معرفة إذا ما كان هذا الشخص مؤهل للتعاطف والحصول على وضعية اللاجئ في ألمانيا أو للالتحاق بالجيش السري للانتقام. إن الكارما تعطي جواباً مثيراً للاهتمام على فكرة القدرات الإيجابية والسلبية.

من الواضح أنه، نتيجة للقدرات السلبية، خسر هؤلاء الأشخاص منازلهم وقتل أفراد عائلاتهم. ولكن في حال كانت لديهم أيضاً الكثير من القدرات الإيجابية، فيشكلون تلقائياً محطاً للتعاطف أو سيتم منحهم اللجوء إلى ألمانيا. فهم لن يحتاجوا حتى إلى طلب هذا اللجوء. لأنهم قد يطلبونه ولن يحصلوا عليه إذا لم تكن لديهم قدرات إيجابية. حتى وإن كانوا يتمتعون بقدر معين من القدرات التي تخولهم الحصول على وضعية اللاجئين هنا في ألمانيا، قد تكون لديهم قدرات سلبية أخرى قد تجعلهم غير سعداء في ألمانيا.

قد تكون لديهم كذلك العديد من القدرات السلبية الإضافية. تلك القدرات السلبية التي تنتج من القيام بالقتل والتي تؤدي إلى التواجد في وضع يُقتل فيه الشخص أو أفراد عائلته. ولكن في حال بقيت هذه القدرات السلبية موجودة، فستستمر على نحو يجعل الشخص يفضل الانتقام ثم تنشأ قوة تدفعه إلى الانتقام بما يجعل القدرات السلبية تدوم. بما أن كل هذه الأمور غير مستقيمة، قد تصبح في أحد الأيام شيئاً ينضج وفي يوم آخر شيئاً مغايراً. نحن نملك مزيجاً من هذه الأنواع من الأشياء لأنه في حين كان أحدهم يسعى إلى الانتقام، يمكنه أن يكون سعيداً بالفعل من جراء انتقامه كما قد يشعر بالغضب الشديد أو بالإحباط.

إنها الفكرة العامة للقدرات الإيجابية في البوذية.

تقوية وبناء قدراتنا الإيجابية

إن ما نحاول فعله قدر المستطاع هو تقوية شبكة قدراتنا الإيجابية من دون التصرف بسذاجة تجاه ذلك كالتفكير أنه يكفي السجود مئات آلاف المرات أو القيام بأي ممارسات أخرى لنكون دائماً سعداء ولتجري الأمور على أفضل ما يرام. إن الأمر معقد وينضج بطريقة فوضاوية. تارة نشعر أننا سعداء وطوراً هناك أمور أخرى تجعلنا تعساء. بشكل عام، قد أكون سعيداً ولكنني أحب فعلاً البيزا الدسمة جداً لذا، سوف أخرج بعد السجود لمئات آلاف المرات وأتناول البيزا الدسمة بسبب حبي لها ولأنني شعرت بشيء يدفعني للقيام بذلك. ولكن بعد تناولي البيزا، لن تؤدي القدرات الإيجابية التي تمكنت من استمدادها من السجود إلى تجنبي الشعور بالمرض والغثيان. من المهم جداً عدم التصرف بسذاجة تجاه هذه الأمور.

تكمن الفكرة الأساسية في رغبتنا في بناء قدرات إيجابية بشكل يجعلنا نستفيد من ظروف ملائمة تساعدنا على السبر في أغوار الدارما. سوف نحظى بالميل إلى وضع أنفسنا في مثل هذه الظروف. كنتيجة للقدرات الإيجابية، أحب التأمل. أحب التفكير بمواضيع عميقة ذات صلة بالدارما كنتيجة للقيام بمثل هذه الممارسات. ولأننا نحب القيام بهذه الأمور، سوف نشعر أكثر فأكثر بما يدفعنا على التأمل أو التفكير بالخواء. لم نحن نتذكر الخواء ؟ لأننا نشعر بدافع ما يجعلنا نتذكره. كنتيجة لهذه الدوافع التي تنشأ في داخلنا ولهذه الظروف الإيجابية التي بتنا نحبها، سوف نتوصل إلى التمعن والتبصر أكثر فأكثر وبشكل أعمق على نحو يجعلنا نتخلص من الجهل والنقص في الوعي. وعندما نتخلص من هذه الأمور، نكون قد تخلصنا من سبب معاناتنا. عندها فقط نكون فعلاً سعداء. ولكن هذا يجري بطريقة فوضوية وغير مستقيمة. بعد توصلنا إلى هذه الدرجة من التبصر، لا نصبح سعداء إلى الأبد بل أن ذلك يحصل على المدى الطويل. إنها عملية طويلة جداً.

إنه السبب الأساسي لبناء قدراتنا الإيجابية والمعنى الذي تتخذه هذه العملية وكيفية تنفيذها. أعتقد أنه من المهم الابتعاد عن الدلائل التي تشير إليها كلماتنا وعباراتنا الغربية – نحن نكتسب السعادة وغيرها من العبارات التي تتحدر من الكلمة الألمانية verdienen : "نحن مؤهلون للحصول على شيء ما لأننا دفعنا ثمن الحصول عليه."

ومع أنه قد يبدو من الجيد طرح المزيد من الأسئلة حول القدرات الإيجابية إلا أن الوقت أصبح متأخراً ولا بد من إنهاء هذا العرض بإهداء.

إهداء

الإهداء يناسب تماماً موضوعنا. ماذا نفعل عندما نقوم بإهداء أعمالنا؟ ماذا نقوله هنا هو التفكير على هذا النحو: "أهدي القدرات الإيجابية لكل شخص لكي يبلغ الأستنارة بشكل سريع". يبدو ذلك وكأنه صلاة يتلوها أحد الأطفال في المدرسة. إنها مجرد كلمات للعديد منا. فماذا تعني هذه الكلمات تحديداً؟

إن ما نقوله هنا يتخذ المعنى التالي: لعل كل الفهم والإدراك الذي اكتسبناه هذا المساء، ينمو ليصبح أعمق فأعمق. لعله يندمج مع شبكة قدراتنا الإيجابية ليساهم في تقوية هذه القدرات بمختلف نواحيها على شكل يجعلنا نتصرف بمزيد من الفهم والتعاطف والتحلي بالصبر في الصعوبات وعند رؤية الآخرين يعانون إلخ. لعله يساهم في تقوية الشبكة بمختلف نواحيها لكي تنضج هذه القدرات وتؤدي إلى مزيد من الدوافع التي تجعلنا نتصرف بمزيد من الفهم والتعاطف إلخ. لعل هذه القدرات تنضج بطريقة تجعلنا نتفهم الأمور بشكل أفضل ونستطيع أن نكون سعداء. لن تؤدي هذه الأمور إلى إحباطنا لأنها سوف تنضج وتنمو لتصبح سعادة. بالإضافة إلى ذلك، إنها تخولنا التصرف بمزيد من الفهم والتعاطف مع الآخرين. بدلاً من القول "أنت تستحق ذلك" عندما نرى أحد الأشخاص يعاني من بعض الجروح، لعل القدرات الإيجابية تنضج وتؤدي إلى مزيد من الفهم لكيفية حصول هذه الأمور كنتيجة للقدرات والأفعال الإيجابية والمدمرة.

هذا ما نعنيه عندما نقول : "سوف أضيف الاستحقاق الذي اكتسبته هذا المساء إلى مجموعة استحقاقاتي لكي تنعم جميع الكائنات البشرية بالسعادة." ولعل الفهم ينمو ويساهم في تقوية الشبكات الإيجابية التي نملكها. لعله يساهم أيضاً في إحلال السعادة. لن تحصل الأمور بطريقة مستقيمة بل بشكل غير مستقيم البتة. فإذا فهمنا هذه النقطة، لن يخيب أملنا ولن نستاء في حال لم نتصرف بطريقة متعاطفة الأمس عندما واجهنا هذا الأمر أم ذاك. إن الأمور لن تكون منتظمة ومتناسقة بل أن النموذج الإيجابي سوف ينشأ مع الوقت وينمو تدريجياً.

إن ما نحاول القيام به من خلال الإهداء هو الإحساس بالتجربة والفهم الذي اكتسبناه من خلال السبر في أغوار هذا النظام وتطوير رغبة شديدة في استيعابه وإدخاله إلى حياتنا. أرجو أن تركزوا على هذه النقطة لبضع اللحظات.

أشكركم.