أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

القلب الحنون للبوديتشيتا

ألكسندر بيرزين
سنغافوره ، ۱۰ أغسطس سنة ١٩٩٨ م

هذا النص مأخوذ بتصرف من:
Berzin، Alexander and Chodron، Thubten.
Glimpse of Reality.
Singapore: Amitabha Buddhist Centre، 1999.

طُلب مني أن أتحدث عن البوديتشيتا هذا المساء، وهذا موضوع كبير يتعامل مع دافعيتنا - تحديدًا لماذا نريد أن نتبع طريقًا روحيًّا – إنه دافع ننميه تدريجيًّا في أنفسنا، ومن الصعب أن ننتجه في الحال. تشير البوديتشيتا إلى قلب مصمم على أن يصبح بوذا، قلب ذي عزم قوي ثابت، يقول: "علي أن أتغلب على كل عيوبي، وأدرك كل قدراتي الكامنة؛ لكي أكون قادرًا على إفادة الجميع." إننا نكافح من أجل التنوير، لا لأنه الأفضل والأسمى، ولكن لكي نمد يد العون للجميع عن طريق بلوغنا إياه.

وعلى الرغم من أننا غالبًا ما نُصرِّح بأننا نعمل لنصبح بوذات؛ لكي نساعد كل الكائنات ذوات الحس، إلا أنه من الصعب أن نشعر بهذا بصورة مستمرة وصادقة في قلوبنا. ومع هذا، فمن خلال تنمية هذا الطموح باستمرار نستطيع أن نصل إلى مرحلة ينشأ فينا هذا الطموح بطريقة تلقائية. وما البوديساتفا إلا شخص ذو بوديتشيتا حقيقية أصيلة، تمثل له دافعًا أساسيًّا له ليل نهار.

فمن الممكن أن أملك التعاليم والتفاسير للطرق التي تنمي البوديتشيتا، ولكني لا أركز على هذا الآن، بل عليَّ أن أتكلم عن أهمية ممارسة المراحل التي تؤدي بنا إلى هذا الدافع. فمن السهل نسبيًّا أن نقفز فوق هذه المراحل، ونحاول أن نذهب مباشرة إلى أسمى دافع للماهيانا. قد تقول: "أنا أمارس هذا لأنني أريد أن أساعد الآخرين، وهذه هي مسئوليتي الاجتماعية". ولأنه يتضح أن هذا شيء من المفيد فعله، فإننا سرعان ما نحاول فعله في الحال. ومع ذلك، إذا لم نمارس المراحل الأولية فقد نواجه المشكلات. وأنا أود أن أناقش كيفية تجنب هذه الصعوبات، عندما ننمي دافع الحب والعطف لمساعدة الآخرين.

من خلال اللام-ريم، أو الطريق التدريجي للتنوير، نعمل خلال السبل المتدرجة إلى أعلى مستوى من التطور الروحي. ويتضمن الدافع الروحي الأولي العمل من أجل السعادة في حياتنا المستقبلية. ومجرد الكفاح من أجل سعادة هذه الحياة هو ما يفعله الجميع. حتى الحيوانات تفعل هذا، فهي تهتم بالغذاء التي تأكله، ورعاية صغارها. وعلى الرغم من أن هذا اهتمام أساسي جوهري، إلا أنه لا يتضمن بالضرورة ممارسة روحانية.

إن الاهتمام بهذه الحياة أمر ضروري جدًّا، ومع ذلك فإن بعض الناس لا يهتمون بأنفسهم أو أوضاعهم المعيشية، ولا يريدون أن ينظروا لما يحدث في حياتهم، وبالتالي ليست لهم الرغبة في تحسين أوضاعهم الحالية. هم يتقبلون كل ما يحدث، ولا يسعون إلى ما هو أفضل. ولهذا، فمن المهم على الأقل أن نبدأ بمستوي الاهتمام بأنفسنا، وعائلاتنا، وأوضاعنا، حتى إذا لم يكن هذا دافعًا روحانيًّا بشكل خاص .وعندما يكون لدينا مشكلات فإننا نقر بها في الواقع، فنحن نختبر حياتنا لنرى ما الصعوبات التي لدينا، "هل أنا سعيد؟ هل أنا تعيس؟ هل هناك صعوبات أواجهها، ولكنها لا تعكر صفو حياتي؟

الحياة المستقبلية

إن آية دخولنا بالفعل في الممارسة الروحية هو اهتمامنا بصورة أساسية بحيواتنا المستقبلية. فنحن لا نريد أن نمر بمشكلات أسوأ من التي لدينا الآن، ونحن ننظر إلى عواقب ما نفعله الآن في المستقبل، ونفكر في الحياة البشرية الثمينة: "كم أنا محظوظ! فلست أتضور جوعًا حتى الموت، ولست معتقلاً داخل معسكر اعتقال، ولست معاقًا ذهنيًّا. وأنا لست في مجتمع همجي، يُهاجِم فيه الجميع بعضهم البعض. إنني محظوظ جدًّا؛ لأنني حر من كل هذه الأشياء، ولدي الفرصة لكي أطور من نفسي على الصعيد الروحاني. ورغم هذا، فلن تستمر هذه الأشياء إلى الأبد، فسيأتي الموت بالتأكيد، فهو يأتي للجميع، ولكني لا أعرف متى سيأتي، فقد تصدمني شاحنة في أي وقت، وليس من الضروري أن أكون كهلاً عجوزًا لكي أموت، فربما أموت وأنا شاب صغير السن." ثم نفكر فيما قد يحدث بعد الموت، إننا ننتقل إما إلى وضع أفضل، أو وضع أسوأ. وبالنظر إلى هذه الأوضاع الأسوأ – على سبيل المثال: أن تكون حشرة، أو شبحًا جائعًا – فإننا ننمي إحساسًا كبيرًا بالرهبة، ليس الخوف، بل الرهبة.

إننا لا نحاول أن نزرع الخوف في البوذية، والادعاء بأننا نخشى ميلادًا جديدًا في ممالك سفلية إنما هو من قبيل الترجمة الخاطئة. أما أن تقول إننا نرهب ميلادًا جديدًا أدنى مرتبة فهذا ينقل المعنى بصورة أفضل. إن الخوف هو حالة تعجيزية للعقل، نضع فيها خطًّا قويًّا متينًا حول الوضع الذي نمقته، ونحوله إلى شيء مرعب وفظيع، ثم نتجمد بعد ذلك، فلا نكون قادرين على التعامل معه، وليس هذا هو ما تقصده البوذية.

وما نناقشه هنا هو الرهبة: وهي عدم الرغبة في حدوث شيء فظيع لنا. والاختلاف بين الخوف والرهبة يشبه موقف الاضطرار إلى قضاء أمسية مع شخص مكروه بغيض، يجعل هذه الأمسية أمسية مكدرة. إننا لا نخاف هذا، ولكننا نرهبه، فالرهبة هي رغبة قوية في عدم حدوث شيء.

اتخاذ اتجاه آمن

إذن هي رهبة من المواقف السيئة في المستقبل، فيجب علينا أن نبحث عن اتجاه نتخذه كي نخرج من هذه المواقف، وهذا الاتجاه هو الملاذ، والملاذ اتجاه آمن نتخذه في حياتنا. إننا نسير في اتجاه الدارما، والدارما الكاملة هي حال تذوب فيها كل قيودنا ومشكلاتنا، وندرك فيها كل إمكاناتنا الكامنة.

تعني الدارما الإجراءات الوقائية، أو ما نفعله لتجنب الوقوع في المشكلات، ومن أعظم وسائل الوقاية وأنجحها لتجنب هذه المشكلات هو أن نخلص أنفسنا من القيود والعيوب التي تسبب هذه المشكلات، كأن تقول: "إذا ما أصبحتُ غاضبًا، أو منزعجًا، أو متوترًا، أو قلقًا، فهذا سوف يسبب لي مشكلات كثيرة، ومع هذا، فإذا استطعت أن أدرك كل إمكاناتي فسأكون قادرًا على أن أتعامل مع كل الأوضاع، وسأكون قادرًا على مساعدة الجميع بأفضل الطرق الممكنة". عندما نرى ذلك فسوف يكون لنا الرغبة في أن نسير في ذلك الاتجاه.

والسير في هذا الاتجاه يكون إيجابيًّا ونافعًا؛ فهو الاتجاه الذي سلكه البوذات، وهو الاتجاه الذي يعمل تجاهه مجتمع السانغا. ومجتمع السانغا هو مجتمع الكائنات رفيعة المكانة، الذين رأوا الحقيقة بطريقة صريحة، وبلا أي تصورات، ويصورهم لنا المجتمع الرهباني للراهبين والراهبات. إن وضع هذا الاتجاه الآمن الإيجابي في حياتنا لهو الحل لتجنُّب السير في اتجاه أسوأ في حياتنا المستقبلية.

وبالتحديد، نحتاج إلى أن نفكر في السبب السلوكي وأثره. فنحن نحتاج إلى أن نعلم أن تصرفنا بطريقة هدامة يسبب الضرر والمشكلات. نحن نصنع كثيرًا من الطاقة السلبية، ثم نكتوي بنارها ونبتلى بها. وفي المقابل إذا منعنا أنفسنا من التصرف بطريقة هدامة، وتصرفنا بطريقة بناءة، فإننا نبني قدرات إيجابية، وبالتالي تتحسن الأمور في المستقبل، وهكذا نعمل كي نحسن من حياتنا المستقبلية.

التصميم على التحرر

بصرف النظر عن نوع الحياة التي نحصل عليها، فسوف تظل هناك مشكلات يتكرر حدوثها بشكل لا يمكن التحكم فيه، مثل: الإحباطات، والمواجهات، والصراعات مع الناس، وعدم حصولنا على ما نريد، إلخ. فهذه المشكلات حتمية، ولا مفر منها. وظهورها ناتج عن نقص الوعي لدينا بمن نكون، وكيفية وجودنا، وكيفية وجود الآخرين؛ لأننا نكون غير مدركين لهذا، ونصبح في حيرة شديدة، وبالتالي نشعر بعدم الأمان، ثم تكون النتيجة أننا نتعلق بهوية لكي تعطينا شكلاً من الأمان. إننا نتعلق بأحد سماتنا الشخصية، إما حقيقية أو خيالية، وننتمي إليها قائلين: "هذا هو أنا".

ويمكن أن ننتمي بأنفسنا إلى مجالات اجتماعية معينة، أو مهن مختلفة، مثل أن تقول: "أنا رجل أعمال، هذا ما أكونه". أو: "أنا أم". أو: "أنا أب". إننا نؤسس كل هوياتنا على ذلك، وما زلنا لا نشعر بالأمان، ونحاول إما أن ندافع عن هذه الهويات، أو نؤكدها، وفي أثناء هذا نتصرف بطريقة مندفعة جدًّا، أو قهرية ملزمة.

فقد نطغى على من حولنا، فنقول: "أنا أب، ويجب أن أحظى بالاحترام". وبالطبع يعاني طفلنا صعوبات في هذا، ويكون هناك صراع كبير. يقول الطفل: "أنا شخص مستقل، وأعرف ما الذي أريد أن أفعله". ويبني الطفل شخصيته على كونه شخصًا مستقلاًّ بوصفه مراهقًا. ثم يجب على الأب أن يحافظ على هويته الخاصة، ويقول: "لا، يجب عليك أن تطيعني!"

وهكذا يصبح الجميع غير مطمئنين، ويتعلق كل واحد بدوره الاجتماعي أكثر فأكثر. وينتج هذا خلافات يتكرر حدثها بطريقة لا يمكن السيطرة عليها، وكذا شجارات واستياءات، وهلم جرًّا. وهذا ما يعرف بالسامسارا؛ وهي: المشكلات التي يتكرر حدوثها بطريقة لا يمكن السيطرة عليها.

نحتاج إلى أن نوجد عزما لدينا على التحرر من حصار هذه المشكلات المتكررة دائما، وهو ما يترجم بالزهد، ولكنها ترجمة خاطئة، فمعنى الزهد في الإنجليزية أن نتخلى عن كل شيء، ونذهب كي نعيش في كهف، وهذا ما لا تقوله البوذية. وقد يكون اللبس قد حصل عندما قرأنا عن شخص مثل ميلاريبا، الذي ترك أسرته وقريته ليعيش في كهف، ونعتقد أننا ينبغي علينا أن نفعل هذا أيضًا، وليس هذا هو المقصود بالزهد. وتوضيحًا للأمر فكلُّ ما يجب علينا هو أن نتخلى عن ارتباطاتنا الإجمالية، وتمسكنا بما نملكه، ولكن هذا لا يعني أننا ينبغي أن نلقي بكل شيء من النافذة.

ولكن "الزهد" معناه في الواقع: "العزم على أن تكون حرًّا". يقرر عقلنا ويصمم قائلاً: "ما كل هذه المشكلات التي لدي، وكل هذه المواجهات مع أسرتي، والصعوبات في عملي؟! يكفي هذا! لقد سئمتُ! وأنا متضايق، ويجب عليَّ أن أخرج من هذا!" وبناءً على ذلك نحاول أن نوجد وعيًا مميزًا يرى الحقيقة، ويفهم كيفية وجودنا؛ لأننا في الحقيقة لا نُوجَد محبوسين داخل هذه الهُويات الثابتة الجامدة، والأشياء أكثر انفتاحًا من هذا بكثير. إننا لا نوجد بهذه الطرق الغريبة المتخيَّلة والمستحيلة، فنحن لسنا آباء فقط، إنما نحن أصدقاء وأطفال لآبائنا، فنحن نعيش في علاقات وصلات كثيرة مع الآخرين، وبالتالي نريد أن ننمي هذا التصميم على التحرر، وهو الذي سيدفعنا إلى اتباع ممارسة روحانية، وإلى اكتساب الحكمة.

المسئولية العالمية

بعد ذلك فكِّرْ قائلاً: " لستَ أنا الوحيد الموجود في هذا الكون، فهناك الجميع أيضًا، فماذا عنهم؟ هل تقع على عاتقي أي مسئولية تجاههم؟ أنا بالفعل لست على صلة بهم، ويمكنني فقط أن أعمل لنفسي فقط". ولكن هذا لا يمت للواقع بصلة.

استخدم شانتديفا – المعلم الهندي العظيم – مثال اليد والقدم. فإذا كانت هناك شوكة في قدمنا، وإذا كانت أيدينا ستقول لقدمنا: "حظ عسِر أيتها القدم! هذه مشكلتك، أنا هنا بخير في الأعلى". سيكون هذا الشيء من الحمق الشديد. فاليد يجب عليها أن تساعد القدم؛ لأنهما مرتبطتان معًا. بالمثل لا يمكننا أن نعمل من أجل أنفسنا فقط؛ لأننا على ارتباط وثيق جدًّا بالآخرين.

يمكننا أن نرى ذلك بسهولة إذا فكرنا في كل شيء نستخدمه، أو نستمتع به على مدار اليوم. خذ هذا المثال: ما تناولناه في الإفطار هذا الصباح، فربما نكون قد تناولنا وعاءً من الحبوب الساخنة، من أين يأتي هذا الوعاء؟ في البداية زرعه كثير من الناس، وشارك في حصده الكثير أيضًا، وأحضره بعضهم إلى الطاحونة كي يصبح دقيقًا، وآخرون حولوه إلى طعام، وهناك من عبَّأه في أكياس، وهكذا اشترك كل هؤلاء في إعداد الطعام.

وبعد ذلك يجب نقل شحنات الطعام، إما عبر الجو من خلال الطائرات، أو البر من خلال الشاحنات، أو البحر من خلال السفن، ثم نفكر: مَن صنع الطائرات والسفن والشاحنات؟ مَن الذي مهَّد الطرق؟ من الذي أحضر الخامات التي صُنِعت منها تلك المركبات؟ ثم نفكر في الوقود، وتلك الكائنات التي تحلَّلت بعد موتها حتى تصبح وقودًا عضويًّا! وهكذا نرى كثيرًا من الحيوانات، وكثيرًا من البشر، قد اشتركوا في صنع هذا الطعام!

ثم ننظر: كيف نطهو هذا الطعام؟ يجب أن يكون هناك كهرباء في المطبخ، وغاز من أجل الموقد، وهذا راجع إلى العاملين في المحطات الكهربائية، وهؤلاء الذين يحفرون من أجل الغاز ويضخونه. فهناك الكثير من الناس الذين اشتركوا في كل هذه الأنشطة السابقة على وجبتك الصغيرة هذه من الحبوب. وهكذا كل طعام نأكله، وكل رداء نلبسه، وكل ما لدينا في المنزل، والأوعية التي نأكل فيها، وفكِّر كذلك في الخامات التي صُنعت منها العلبة التي جاء فيها الطعام، إن كان من البلاستيك أو الورق المقوَّى أو الخشب، وفكر في كل الناس الذي يعملون في صناعة الخشب أو الورق أو البلاستيك، وكذلك عمَّال الطباعة الذين شاركوا في صناعة غطاء علب الطعام.

اشترك مئات الألوف من الناس في جعل حياتنا ممكنة كل يوم، ومع ذلك نحن نعمل من أجل أنفسنا فقط، ولا فائدة لهذا؛ لأننا نعيش في روابط دائمة مع الآخرين. فإن كان هناك شخص ما في مشكلة، ونحن نعيش حياتنا بشكل طبيعي وهادئ، فهذا لا يجوز. وهكذا ما الفائدة إذا كنا الناجين وحدنا من حرب نووية، أو كنا وحدنا تحت غطاء واقٍ من القنابل، أو كنا وحدنا الذين ارتدينا قناعًا واقيًا من الغازات السامة، في حين أن الباقين كلهم قد ماتوا؟! فكيف نستطيع أن نعيش بعدها هادئي البال؟! وإن عشنا فكَمْ سنعيش؟ أظن أنها لن تكون فترة طويلة، ولن يكون في حياتنا أي متعة.

بهذه الطريقة نبدأ في التفكير بالآخرين، نتذكر عطفهم، ونريد أن نرد لهم شيئًا، ولا أقل من إظهار مشاعر الحب وتمني السعادة لهم، وكذلك الحنان، ورغبتنا الجادة في تخلصهم من مشكلاتهم. إضافة إلى ذلك، نأخذ على عاتقنا مسئولية أن نفعل لهم شيئًا في الواقع بشأن هذا. فلا يكفي أن نقف بجوار حوض السباحة بينما نشاهد طفلنا يغرق، ونمص شفاهنا قائلين: "يا للعار! ليت هذا ما حدث!" الحنان (العطف) ليس كافيًا، ولكن علينا أن نفعل شيئًا في الواقع، فعلينا أن نقفز ونساعد طفلنا، فنحن المسئولون عن إنقاذه. وهذا صدق عزيمة استثنائي: "سأفعل شيئًا ما لمساعدة الآخرين".

ثم اسأل نفسك: هل أنت قادر حقًّا على بذل أفضل ما في وسعك لمساعدة الآخرين؟ قد يقول بعضكم: بصراحة لا أكاد أساعد نفسي، فيكف يمكنني أن أساعد الآخرين؟ ولا أجد طريقة إلا أن أصبح بوذا، ولكني أحتاج لكي أصبح بوذا أن أتغلب على كل قيودي وأدرك إمكاناتي، بعد ذلك يمكنني أن أساعد الجميع بأفضل طريقة ممكنة. "إننا ننتج البوديتشيتا: نهيأ عقولنا على أن نصبح بوذات لكي نفيد الجميع. وتنمية البوديتشيتا يشير إلى أن نجعل قلوبنا أكثر رحابة للآخرين، وذلك للوصول إلى أفضل الإمكانات التي بداخلنا، والتغلب على كل قيودنا كي نستطيع أن نساعد الآخرين بأفضل طريقة ممكنة.

وهذا هو السبيل المتدرج الذي من خلاله نطور من أنفسنا، بادئ ذي بدء نريد أن نضمن لأنفسنا حياة جيدة في المستقبل، ثم نوجد العزيمة على التحرر من كل مشكلاتنا تمامًا، وأخيرًا نُعِد قلوبنا كي نصبح بوذات، حتى نستطيع أن نمد يد العون للجميع. وهذه مسئولية نحملها على عاتقنا بناءً على الحب والحنان والاهتمام بسعادة الآخرين جميعًا، والرغبة في ألاَّ يكونوا بؤساء.

بدون أخذ للحياة المستقبلية على محمل الجد

ماذا يحدث إذا حاولنا أن نقفز إلى المرحلة النهائية من الطموح؛ إلى أن نصبح بوذات دون المرور بالمراحل التمهيدية؟ فلدينا مشكلات إذن. فعلى سبيل المثال، أول الخطوات المهمة هو أن نفكر في الحيوات المستقبلية، وأن نأخذها على محمل الجد. ربما لم نفكر في هذا الأمر كثيرًا، أو أننا قد قبلناها بطريقة شديدة الغموض، دون أن نأخذها بصورة جِدية وبوضوح.

إذا لم نفكر في حقيقة أن لدينا حيوات غير متناهية، فربما نفكر قائلين: "حسنًا، لا تسير الأمور على ما يرام في علاقتي مع هذا الشخص، فلماذا إذن لا أترك هذا الشخص، وأدخل في علاقة أخرى مع شخص آخر؟" قد يكون لدينا هذه المواقف تجاه الناس الذين لا نعرفهم جيدًا، أو الأصدقاء الذين لا تسير الأمور معهم على ما يرام، وكل ما نريده هو أن نتركهم فقط، فعندما نملُّ من شركاء حياتنا، أو تصعب الحياة معهم، نبحث ببساطة عن زوج جديد أو زوجة. في بعض البلاد تنتهي 50 % من حالات الزواج بالطلاق، وهذا رقم صادم حقًّا، ومحزن جدًّا في الوقت نفسه.

ولكن ما السبب وراء هذا؟ أظن أن السبب هو أننا لا نرى أنفسنا مرتبطين بالآخرين، ولذلك نستطيع أن نتخلص منهم مثل أحذيتنا القديمة. فيقول أحدنا: "حسنًا، لن أساعد هذا الشخص بعد الآن، ويمكنني أن أتركه – أو أتركها – جانبًا. وهذا لا يهمني". ومع هذا، إذا فكرنا في الحيوات المستقبلية، والحيوات غير المحدودة، ندرك حينها أننا لا يمكننا أن نتجنب العلاقة مع أحد الأشخاص. فإذا كانت علاقتنا بشخص ما غير جيدة فلن نستطيع أن ننهي علاقتنا هذه بتجاهله وعدم رؤيته مرة أخرى إلى الأبد. ولكن يجب علينا أن نحل هذه المشكلة في علاقتنا معه في حياتنا الحالية؛ لأننا سنعيش المشكلة نفسها مع شخص يشبه ذلك الشخص في حيواتنا المستقبلية، وهكذا لا نستطيع أن نهرب من مشكلاتنا أبدًا.

إذا كنا نواجه بعض الصعوبات مع أحد ما، فلا يعني هذا أننا علينا أن نقيم مع هذا الشخص. أحيانا، قد يكون هذا صعبا. ولكن على الأقل نحاول أن نحسن الوضع أو أن ننفصل عنه ونحن على وفاق. إننا نحاول أن نحسن النوع قليلا لأنه في الحيوات المستقبلية، سيستمر هذا. ربما لا نكون على أهبة الاستعداد تماما للتعامل مع هذه المواقف الآن، لكن، على أمل أن نكون كذلك في المستقبل.

عندما نحاول أن نجعل قلوبنا تسع الجميع، وأن نصل إلى درجة كونه بوذا لكي نساعدهم، يكون التفكير في الحيوات المستقبلية خير معين. وإن لم نفعل فحينئذ قد تكون لدينا مشكلة: "أنا دائمًا ما يتسع قلبي للجميع، ولكنني لا أحب هذا الشخص حقًّا؛ لهذا علي أن أنسى هذا الشخص، وأعمل مع الآخرين." ومما يساعدنا على جعل قلوبنا تتسع للجميع أن ندرك أننا لا نستطيع أن نهرب من أي إنسان، وأننا سوف نواجههم في الحيوات المستقبلية، ولذا يجب أن نتعامل معهم، وأن نوجد مشاعر الحب والدفء والطيبة تجاه الجميع. وهذه نقطة مهمة.

وأحد المظاهر هو أننا في أغلب الأحيان ننتمي إلى مجموعاتنا الصغيرة، فنحن ننتمي إلى الأمريكيين فقط، أو الصينيين، أو البوذيين، أو إلى عائلاتنا، أو نوعنا، أو فئاتنا العُمرية – مراهقين أو بالغين أو راشدين – ونشعر بأننا: "نستطيع أن نرتبط بالناس الذين ينتمون إلى جماعتنا فقط، نستطيع أن نفهم مشكلاتهم وحدهم، ولهذا، لا نستطيع أن نساعد أحدًا غيرهم. نستطيع أن نساعد الأمريكيين الآخرين فقط، فنحن لا نستطيع أن نفهم الناس في أفريقيا؟" "نستطيع أن نساعد البوذيين الآخرين فقط؛ لأنه من المستحيل أن نفهم الآخرين من ذوي الخلفيات الدينية الأخرى". "نستطيع أن نساعد الرجال الآخرين فقط؛ لأننا لا نستطيع فهم النساء؟" "يمكننا أن نساعد النساء فقط؛ لأن كل الرجال متعصبون، ويعنفوننا. فكيف نستطيع أن نرتبط بهم؟" "نستطيع أن نفهم المراهقين الآخرين وأن نساعدهم فقط؛ لأن الوالدين ليس لديهم أدنى فكرة عما يحدث، إنهم لا يفهمونهم." "نستطيع أن نساعد البالغين الناضجين فقط؛ لأن كل الأطفال فاسدون، ولا يمكنك أن تقول لهم أي شيء".

هكذا، نقيد أنفسنا عندما نفكر في هذه الحياة فقط، والمواقف الخاصة التي نحن فيها الآن، طبقًا لأعمارنا ونوعنا وأسرتنا وبلدنا، إلخ. إذا فكرت في الحيوات غير المحدودة – الحيوات المستقبلية والحيوات الماضية – تدرك أنك: "قد مررتَ بكل الأعمار، فقد كنتَ شابًّا صغيرًا، وكنتَ في منتصف العمر. وقد كنت شيخًا عجوزًا، تستطيع أن ترتبط بالناس من كل الأعمار المختلفة؛ لأنك قد مررت بهذه الأعمار بنفسك، وتستطيع أن تقدرهم. لقد كنت مررت بكل جنس وكل جنسية، وأتيت من كل نوع من الخلفيات الثقافية." ويسمح لنا هذا الإدراك بأن نكون قادرين على الارتباط بكل الفئات، ونشعر ببعض الصلة بهم.

يمكننا أن نمد هذا، ونتذكر أن الحياة الماضية التي كنا فيها حيوانات أيضًا. "كيف شعرت عندما ضربني أحد أو حطمني؟" بهذه الطريقة نتذكر أن الحيوانات أيضًا تمر بالألم والمتعة، ونكون أشد حرصًا في الطريقة التي نتعامل بها معهم.

والتفكير في الحياة الماضية والمستقبلية يساعدنا على الإحساس بالارتباط بكل إنسان، الارتباط بالرجال والنساء على حدٍّ سواء: "لقد كنت رجلاً وامرأة في الماضي."

يمكننا أن نقدر مشكلات ومواقف كل المجموعات ونفهمها ونعتنقها، وهذا نافع جدًّا في توسيع قلوبنا في مساعدة الجميع، والرغبة في الوصول إلى درجة كونه بوذا؛ لكي نفعل هذا بأفضل طريقة ممكنة. وهذه بعض النقاط المهمة التي تنبع من التفكير في الحيوات المستقبلية، وبدون هذه النقاط تصبح الطريقة التي نوسع بها قلوبنا قاصرة جدًّا.

بدون التصميم على التحرر

عندما نعد قلوبنا لإفادة الآخرين فهناك سمة أخرى مهمة ورئيسة؛ ألا وهي التصميم على التحرر. فعندما نشترك في مساعدة الآخرين فغالبًا ما يكون هذا من أجل أسباب عصبية معينة. فنحن نساعد الآخرين لأننا نريد أن نشعر بالحب، "ينبغي عليَّ أن أساعدك لأصبح معروفًا." "الجميع يحبونني؛ لأنني أساعد هذا الشخص". "أفعل هذا لكي أكون محبوبًا ومُقدَّرًا". "أفعل هذا؛ لأن الجميع سيرى كم أنا شخص جيد، وحينئذٍ سأكتسب سمعة طيبة". "أنا أفعل هذا؛ لأنني إن لم أفعل فسأفقد احترامي، وستكون صورتي أمام الناس سيئة، فأنا أشعر أنني مجبر على هذا".

أو نريد أن نشعر بأن الآخرين في حاجة إلينا: "يجب علي أن أساعدك لكي يشعر الآخرون بأنني مهم، سأكون محبوبًا مقابل المساعدة التي أقدمها". ويكون لدى الوالدين هذا الموقف أحيانا: "حتى إذا بلغ أبنائي الثلاثين أو الأربعين من العمر فسوف يظل من واجبي أن أخبرهم ماذا يلبسون، وماذا يأكلون؛ لأنه حين أفعل هذا أشعر بأنهم في حاجة إليَّ، وأشعر بأن لدي وظيفة ما، وأنني شيء مهم في حياة أبنائي". إن مساعدة الناس لكي نشعر بأنهم في حاجة إلينا هو استغلال لهم.

إذا كان لدينا العزم على أن نتحرر فإننا ننظر في كل هذه المواقف المتكررة بطريقة لا يمكن أن نتحكم فيها، وكل هذه العلاقات العصبية، ونرى المشكلات التي تسببها، ثم نُوجِد بعد ذلك تصميمًا على التحرر. "هذا القدر يكفي بالفعل! يجب أن أخرج من هذا، ما هذا إلا شيء سخيف؛ فهو يتسبب في تفاقم الأوضاع بصورة كبيرة، وكذلك القلق والتوتر".

عندما نمتلك هذا العزم على التحرر فإننا نكون عازمين أيضًا على أن نتحرر من أي نوع من التفاعل العصبي مع الناس الذين نساعدهم. "أنا أساعد الناس لكي يعتقد الجميع أنني شخص رائع، أنا أقلق بشأن رأي هذا وذاك فيَّ، ولذا فأنا أساعد الآخرين فقط في حال وجود من يشاهد ما سأفعله؛ حتى يخبر الباقين. فأنا أفعل هذا لكي أؤثر في الآخرين، فأقدم التبرعات للجمعيات الخيرية في العلن؛ لكي يعرف الجميع كَرَمي الكبير، بل إني سأعلق لوحة معدنية عليها اسمي لتوضح أنني أنا الذي أعطيت هذا التبرُّع!" بالتصميم على التحرر نرى عيوب التفكير بهذه الطريقة: "إنني أساعد الآخرين لكي يعتمدوا عليَّ، وأشعر بأنني شخص مهم." إذا كان لدينا العزم القوي على أن نتحرر من هذه المشكلات فإننا نترك كل هذه الدوافع الخفية لمساعدة الآخرين.

وإذا كنا لا نستطيع أن نوقف هذه الظاهرة الآن فلا أقلَّ من أن نرى أن مساعدة الآخرين من أجل أسباب عصبية سيخلق المشكلات، وبالتأكيد سيشعر الآخرون بالاستياء والضجر منها، وقد يتصدون لنا. وكل هذا سيحد من جهودنا من أجل إفادة الآخرين. وإذا شك الناس في دوافعنا العصبية، بل في كل محاولتنا لمساعدة الآخرين، فقد يكون هذا سببًا في ترك محاولة المساعدة.

نحن في حاجة إلى أن نزيل أي دوافع عصبية لدينا، والطريقة التي نفعل بها هذا تكون من خلال التصميم على التحرر من كل تفاقمات الأوضاع، والتظاهر الذي يحدث عندما نتصرف بدافع غير خالص. ومن المهم أن ننمي هذا التصميم على التحرر؛ لكي لا يكون تفاعلنا مع الآخرين مشوبًا بالدوافع العصبية. وعلى الرغم من أهمية هذا إلا أننا نميل إلى أن نقفز فوقه ونتخطاه.

تطوير أنفسنا

إن الغرض الرئيس من الدارما هو أن ندرك عيوبنا، ونصححها، وننمي صفاتِنا الجيدة. وفي العمل على تطوير أنفسنا نتقدم عبر سلسلة تدريجية من الطرق، ونستخدم خبراتنا الشخصية لكي نعرف أنفسنا. على سبيل المثال: افترض أن لدينا عادة؛ وهي إزعاج شركائنا أو أطفالنا، فنسأل: "لماذا لا تفعل هذا؟" لِمَ لا تفعل ذاك؟" "لماذا لم تأت إلى البيت في الوقت المحدد؟ لماذا لم تتصل؟ لم لا تخرج القمامة؟" إلخ.

نعلم أن هذه طريقة هدَّامة جدًّا؛ فهي تصنع الكثير من التوتر في العلاقة، ومن المحتمل أن تتسبب في جعل شركائنا أكثر فتورًا وبلادة وبعدًا، حتى إنهم سيقولون: "اتركونا وشأننا". وإن لم يقولوا ذلك فسوف يتجاهلوننا فقط، ويكونوا متبلدين تمامًا. ثم نقول: "لماذا لا تتكلم معي؟ لماذا لا تفعل هذا؟ ولِمَ لا تفعل ذلك؟ ثم يصبحون أكثر هدوءًا وانسحابًا، ولا يأتون إلى البيت مرة أخرى، وهذا يسبب الكثير من التعاسة، فما الذي نفعله عادة لكي نوقف هذا؟

أولاً نحاول أن نستخدم التحكم بالنفس: "أعرف أنني لا ينبغي أن أقول هذا؛ لذا لن أقوله". إننا نسيطر على أنفسنا بإحكام، ولكن غالبًا ما يكون من الصعب فعل هذا، ونجد أننا نبدأ في الإزعاج بأي حال. "أعلم بصفة عقلية أنني لا ينبغي أن أزعج الآخرين، ولكنني لا أستطيع أن أساعد نفسي في هذا؛ فليس لي القدرة على إيقاف هذا". ثم نغضب من أنفسنا قائلين: "هذا شيء فظيع! حاولت أن أمسك لساني، ولكنني لم أستطع". في مثل هذه الحال من الغضب يكون من الصعب جدًّا لنا أن نتغير أو نحسن من أنفسنا؛ لهذا نكون منزعجين جدًّا.

وسرعان ما يتحول الغضب إلى شعور بالذنب. "لقد دمرت كل شيء! أنا شخص فظيع! ما كان ينبغي علي أن أضايقه، لقد تسببت في صدام آخر." والذنب هو حالة عقلية بائسة مؤسفة، ننتمي فيها بأنفسنا إلى كوننا أطفال أشقياء: "أنا شقي جدًّا، انظر إلى ما فعلتُه، لن يحبني والديَّ بعد الآن." إننا نتضايق، وكلما شعرنا بالذنب أكثر انتمينا إلى كوننا أطفال أشقياء، وكلما انتمينا إلى كوننا أطفال أشقياء شعرنا بالذنب أكثر، إنها دائرة شريرة. ومرة أخرى من الصعب لنا أن نغير الموقف عندما نشعر بمثل هذا الذنب.

ثم ننتقل بعد ذلك إلى الخطوة التي وراء الذنب، وهي الملل. "لقد مللت كل هذه الخلافات، لقد تعبت من كل هذه المشاهد، التي تحدث عندما أضايق الآخرين، عندما يقترب مني طفلي أو شريكي باستياء، ويخبرني بأن أتوقف عن الإزعاج. لقد سئمت هذا وتعبت منه! كفى هذا! عليَّ أن أخرج".

هذه هي الخطوات التي نسير عليها لكي ننمي عزمنا على التحرر، فنحن لا نتغير عندما نغضب من أنفسنا، ولا نتغير عندما نشعر بالذنب، بل نتغير في حالة الملل قائلين: "هذا حمق!" وهذا عندما نحاول الخروج من هذا.

إذا لم نذهب عبر كل هذه المراحل من تطوير أنفسنا، فإننا عندما نحاول مساعدة الآخرين فسوف نميل إلى عرض كل هذه العواطف المزعجة عليهم، وهذا ظلم شديد. على سبيل المثال: أحاول أن أساعد شخصًا ما، وأول شيء أفعله هو أن أجبر هذا الشخص علي هذا الشيء، وأنا أفكِّر في إنني: "أريد أن أستخدم التحكم بالنفس مع نفسي، لهذا عليك أنت أيضًا أن تتغير، ويجب عليك أن تتوقف عن هذا."

وفي الأعم الأغلب نتصرف بهذه الطريقة مع أطفالنا، فمن السهل أن نرغمهم، وأن نحاول أن نفرض إرادتنا وسيطرتنا عليهم، لكن لا يجب علينا أن نعامل أي إنسان مثل الأطفال، وخاصة إذا لم يكونوا أطفالنا.

ولا يحب أن يُرغَم أحد على التغيير أو التطوير من نفسه. فعندما نحث الآخرين على التغيير قائلين: "يجب أن تتغير، وعليك أن تذهب إلى المدرسة، وأن تحصل على وظيفة، يجب أن تفعل هذا". إننا نظهر بقوة كبيرة جدًّا، وندخل في نزهة لاستعراض القوة، وما يحدث هو أنه لا يتبع نصيحتنا، أو يقبل بالمساعدة التي نريد أن نقدمها؛ لذا فإننا الآن نغضب من الشخص الآخر، تمامًا كما غضبنا من أنفسنا." يا لك من شخص فظيع! أخبرتك أن تفعل هذا، ولم تفعله. انظر إلى كل المتاعب التي سببتها لنفسك!" وليس هذا بالتفاعل المثالي الذي يحدث مع من نحاول أن نساعده، وعندما نغضب من الآخرين بسبب أنهم لم يستمعوا لنصائحنا فهذا يضايقهم كثيرًا.

بعد ذلك نأتي إلى الخطوة التالية، فالآن نحاول أن نجعل الشخص الآخر يشعر بالذنب، تمامًا كما شعرنا نحن بالذنب. "إنك لا تُقدِّر ما أحاول فعله من أجلك. انظر إلى كل المشقة التي مررتَ بها! إن أقل ما يمكنك أن تفعله هو أن تقدر هذا، وأقل ما يمكنك أن تفعله هو أن تحاول." إننا نصبح في مكان الأب، ونحاول أن نجعل الآخرين يشعرون بالذنب.

بعد ذلك ننتقل إلى المرحلة التالية: "أنا متعب جدًّا؛ لوجود كل هذه المشكلات والمصاعب. فيجب أن أخرج من كل هذا، فهذا حقًّا كثير جدًّا!" بهذه الطريقة نعمل على مساعدة الآخر. وكما شعرنا بهذا التصميم على التحرر من المشكلات بأنفسنا فسوف يكون لدينا التصميم نفسه لمساعدة الآخر للتحرر من مشكلاته أيضًا، وهذا مهم جدًّا. وإذا لم نحسن خبراتنا، من خلال ما نمر به عبر هذه المراحل، فإننا عندما نحاول أن نساعد الآخرين فإننا نميل إلى أن نتصور كل مشكلاتنا على الشخص الآخر، ونحاول أن نغيره عن طريق إرغامه، والغضب منه، أو أن نجعله يشعر بالذنب، وهذه هي المعوقات الكبرى لمساعدة الآخرين.

احترام النفس

مظهر آخر من المظاهر التي يجب أن نكون على وعي بها عند مساعدة الآخرين؛ وهو الموقف الذي يحدث عندما يأتي إلينا أحد ما، ولديه مشكلة، ويخبرنا حكايته، ثم بعد برهة نمل منها. وهذا يشبه برنامجًا تليفزيونيًّا مملاًّ، ونريد أن نغير المحطة، ونأتي ببرنامج مختلف؛ لأن هذا البرنامج مكدر جدًّا وغير شيق. ويحدث هذا لأننا لا نأخذ حديث الشخص الآخر على محمل الجد، فهو يتحدث عن مشكلة، ونحن نفكر قائلين: "إن هذا البرنامج التليفزيوني يستمر وقتًا طويلاً! أنا جوعان، فدعني أضغط على الزر، وأغلق التلفاز". إننا لا نأخذ كلام هذا الشخص على محمل الجد، حتى على الرغم من أن هذه المشكلات إنما هي مشكلات حقيقية يعاني منها، وهي تؤلمه حقًّا. ونحن لا نهتم بالآخرين بشكل جاد لأننا في بداية الطريق لم نهتم بأنفسنا بشكل جاد.

فتعاملنا مع مشكلاتنا بشكل جاد ومحاولة التعامل معها هو شيء مهم جدًّا، وإذا لم نستطع أن نفعل ذلك فلن نستطيع مساعدة الآخرين في علاج مشكلاتهم وصعوباتهم. إننا إن لم نهتم بسعادتنا الشخصية فكيف نستطيع التفكير في إيجاد السعادة للآخرين؟

إن الاهتمام بأنفسنا لا يعني أن نكون أنانيين، كأنْ نقول: "يجب أن يكون لدي مليون دولار لكي أشتري هذا وذاك." بالأحرى نحن نحترم أنفسنا بوصفنا كائنات حية.

كثير من الناس يكون لديهم أفكار وميول سلبية عن أنفسهم، ويفكرون قائلين: "أنا لست جيدًا، فأنا لا أستحق أن أكون سعيدًا، ولا أستحق أن أكون محبوبًا". إذا كانت هذه هي كيفية شعورنا عن أنفسنا فسيكون التفكير الذي سيتلو هذا بسهولة هو: "إذا كنت أنا لا أستحق السعادة فلِمَ تستحقها أنت؟" ومع هذا، إذا نظرنا إلى أنفسنا، وفكرنا قائلين: "لدي طبيعة البوذا، وأمتلك بداخلي كل العوامل التي تسمح لي أن أتطور وأنمو لكي أصبح بوذا، وأن أكون قادرًا على أن أساعد الجميع؛ فلدي العقل والطاقة والقدرة على التواصل، وأمتلك مستوى ما من القلب الطيب. وكل هذه الأشياء يمكن تنميتها، لذا أستحق بالطبع أن أكون سعيدًا، وأستحق أن أحظى بحياة أفضل."

بهذه الطريقة نتعامل مع أنفسنا بصورة جدية، ويكون لدينا احترام لأنفسنا. فنحن نعترف قائلين: "أستحق حقًّا أن أكون سعيدًا، وأن أخرج من مشكلاتي". وإذا أخذنا هذا أساسًا نعتمد عليه نستطيع أن ننقل هذا الاحترام إلى الآخرين. فنحن نرى أنهم أيضًا يكون لديهم القدرة على أن يتحسنوا، ولديهم طبيعة البوذا، ولديهم كل الإمكانات الكامنة. على هذا الأساس يستحقون أيضًا أن يكونوا سعداء، وأن يتحرروا من كل مشكلاتهم، ولكن إذا أخذناهم على محمل الجد.

من البداية

هذه هي بعض النقاط الرئيسة المهمة في تنمية دافع البوديتشيتا لمساعدة الآخرين، والوصول إلى التنوير؛ لكي نفيدهم بأفضل الطرق الممكنة. ولا نقول إننا لا نساعد الآخرين في البداية، وإننا ينبغي فقط أن نحسِّن من أنفسنا، وعندما نصل إلى مستوى متقدم فإننا نساعد الآخرين. من وجهة نظر الماهيانا نساعد الآخرين منذ البداية، ومع هذا لا نفعل هذا ونحن معتقدون أننا: "يمكننا أن نقفز فوق كل المراحل الأولية، ونشرك أنفسنا في مساعدة الآخرين." إننا نساعد بأفضل قدراتنا على طول الطريق، وهذا شيء أساسي للسبيل البوذي.

وعلى الرغم من ذلك، وبينما نساعد الآخرين بقدر استطاعتنا الآن، فإننا نحتاج إلى التأكد من وضع قدر كافٍ من الوقت في تنمية الدوافع، أو الخبرات الأساسية، أو البناء الأساسي لها؛ وهذا لأنه إذا لم نفعل هذا فمن المحتمل أن يكون لدينا مشكلات عندما نساعد الآخرين.

قد يعتقد البعض عند وجود مشكلات لديه مع الآخرين أن يحلها بتجاهلهم، ولكن هذا لا يفيد، فلدينا حيوات قادمة لا متناهية، وسوف نقابل هؤلاء الأشخاص مرة أخرى. وقد يعتقد البعض الآخر بأننا يجب أن نساعد مَن هم مِن جيلنا فقط، ربما نعتقد أنه عندما يكون لدينا مشكلات مع الآخرين، فإنه يمكننا أن نتجاهلهم .ولكننا لا نستطيع. لدينا حيوات لا متناهية ودائما ما سنقابل هؤلاء الأشخاص مرة أخرى. أو، ربما نشعر أننا نستطيع فقط، أو أولئك الذين من مستوانا الثقافي نفسه، وليس الأمر كذلك؛ فنحن عشنا في كل فئة عمرية وبكل المستويات الثقافية، وكذلك بالنوعين كليهما الذكر والأنثى، ولهذا نستطيع أن نرتبط بكل الناس.

وكذلك لا يجب أن نساعد الآخرين لمجرد أن نكون محبوبين، أو للشعور بأهميتنا، أو الشعور بحاجة الناس لنا. فالعزم على أن نتحرَّر من مثل هذه التفاعلات العصبية؛ لأننا نرى أنها تسبب مشكلات متكررة الحدوث، بطريقة لا يمكن السيطرة عليها. ولن ندخل في رحلة للنفوذ مع الآخرين عندما نساعدهم، أو أن نحاول إرغامهم على الأخذ بنصيحتنا. لن نغضب منهم، أو نجعلهم يشعرون بالذنب عندما لا يعملون بنصيحتنا؛ وهذا لأننا قد مررنا عبر كل هذه العملية من تطوير أنفسنا: جربنا التحكم بالنفس، وأصبحنا غاضبين من أنفسنا، وشعرنا بالذنب، ولكننا بعد ذلك مللنا جدًّا، لدرجة أننا صممنا على أن نتحرر، واتخذنا قرارًا حاسمًا على أن نخرج من هذا، ولمرورنا بكل هذا فلن نعرض له الآخرين.

عبر كل هذه العملية قد أخذنا أنفسنا على محمل الجد، واعترفنا بطبيعة البوذا لدينا، وعرفنا أننا لدينا القدرة وكل العوامل التي تسمح لنا بأن ننمو، وأن نكون متنورين لمساعدة الجميع. وبعد أن أخذنا أنفسنا على محمل الجد يكون لدينا الاحترام لأنفسنا.

في البوذية: لا يعني احترام شخص ما أن نخاف منه، بل الاحترام يعني: "أن آخذ نفسي على محمل الجد، وأن أنظر إلى نفسي بإيجابية. فأنا أستحق أن أكون سعيدًا." نستطيع بعد ذلك بإخلاص أن يكون الموقف نفسه تجاه الآخرين: "أنا أحترمك أيضًا، أحترم امتلاكك لطبيعة البوذا، حتى إذا كنت تتصرف الآن بحمق، فرغم هذا أرى أن لديك حقًّا الإمكانات الكامنة لكي تصبح شخصًا حنونًا وحكيمًا. فأنا أتعامل مع مشكلاتك بصورة جدية، كما أتعامل مع مشكلاتي على محمل الجد أيضًا، وكما رأيت كيف تؤلمني مشكلاتي، بالمثل تستطيع أن ترى كيف أن مشكلاتك أنت أيضًا تؤلمني." مثل هذا الموقف يسمح لنا أن ننفع الآخرين، وأن نساعدهم كثيرًا بطريقة أكثر إخلاصًا.

فهم الكارما

وأحد المصادر الأخرى للمشكلات هو أننا في بعض الأحيان نحاول مساعدة شخص ما، ولكن هذا لا يفلح. عندئذ نصاب بالإحباط. وهناك مثال لهذا – وهو مثال قاسٍ -: أن نحاول أن نساعد شخصًا ما في العائلة، ثم ينتحر هذا الشخص، فهذا موقف مريع، ومن السهل أن نلقي باللوم على أنفسنا قائلين: "لو أنني فعلت هذا أو ذاك ما قتل هذا الشخص نفسه." ويمكن أن نصبح محبطين جدًّا في عملية محاولة التصرف مثل البوديساتفا. وعندما يبدو الأمر – كما لو فشلنا – فإننا نشعر بالذنب وبفظاعة الأمر بصورة كبيرة، حتى إنه قد يصبح عائقًا لنا في طريقنا.

والمشكلة هنا هي أننا نفكر طبقًا لنماذج غير مناسبة، فقد نعتقد أننا آلهة، أو أننا كان يجب أن نكون آلهة، وكان ينبغي أن نكون قادرين على أن نوقف حدوث أي شيء لأحد آخر. في البوذية نقول: "ليس هذا ممكنًا، ليس هناك من هو مطلق القدرة، ولكن توجد كمية معينة من الطاقة في الكون." ويتفق العلماء على هذا أيضًا. وقوة نشاط البوذا هي أحد السمات للطاقة في الكون، وهذه القوة هي أثر التنوير الذي يستطيع البوذا أن يبذله على أي أحد.

والسمة الأخرى هي طاقة الدوافع، التي تأتي إلى عقول الناس، بمعنى آخر: الكارما. فالكارما تشير إلى الدوافع التي تأتي إلى عقولنا، بناءً على العادات السابقة من عمل الأشياء. ونظرًا لوجود كمية معينة من الطاقة في الكون فلا يستطيع أحد أن يهيمن على الآخر. وكل ما يستطيع أن يفعله البوذا أو البوديساتفا هو محاولة التأثير على أحد ما بطريق إيجابية، فلا يستطيع هو – أو هي – (البوذا أو البوديساتفا) أن يمنع أحدًا من عمل شيء ما. فإذا كان الدافع للانتحار قويًّا جدًّا في عقل أحد ما فإنه سينتحر بأي حال.

وأحد الأمثلة الشيقة التي حدَثَت عندما كنت في دارمسالا في الهند كان ذلك أمام المكتبة التي كنت أعمل بها، وكان هناك فأر يغرق في بالوعة، فقام أحد أصدقائي وأنقذ هذا الفأر، ووضعه على الأرض ليتعافى، ولكن ما إن ابتعد صديقي عن الفأر انقض عليه صقر كبير وأخذه.

فمن هذا المثال نحتاج إلى أن نعتقد أننا لا يمكن لنا أن نساعد أي أحد لأن الكارما الخاصة به هي التي ستحدث له. ولا تحسب الكارما هي القدَر. "فقد كان قَدَر الفأر أن يموت، ولا يوجد سبب لي لأساعده؛ لأن الكارما الخاصة بالفأر أن يموت." إننا نحاول بكل ما في وسعنا، فإذا كان لدى الشخص الذي نحاول أن نساعده بذرة ما، أو قدرة كامنة من جانبه، لكي نساعده، فعندئذ ستتصل مساعدتنا مع هذا، وسنكون قادرين على أن نفيد هذا الشخص. وإذا لم يكن هناك بذرة لذلك فستكون كمثال الفأر: ننقذه، ولكنه يموت بأي حال.

وهذا هو الشيء نفسه عندما نحاول أن نساعد الآخرين، طامحين إلى أن نكون بوديساتفات، فإننا نحاول بأفضل ما في وسعنا أن نساعد الآخرين. وإذا أفلح الأمر فهذا خير. إننا لا نهنئ أنفسنا، أو نخبر كل من حولنا عن مدى روعتنا وحناننا. وإذا لم يفلح الأمر فلسنا بحاجة إلى أن نشعر بالذنب، وليس من اللازم لنا أن نعذب أنفسنا انفعاليًّا، أو أن نعاقب أنفسنا. لقد حاولنا بكل ما أوتينا من قوة، ولو كان هذا الشخص متقبلاً لأفلح الأمر، ولكنه لم يكن كذلك؛ لهذا لم يكن هناك شيء نستطيع أن نفعله. وليس هناك من بشر إله قادر على كل شيء، وبالتأكيد لسنا كذلك، فلا يستطيع أي أحد أن يمنع أحدًا ما من فعل أي شيء إذا كانت دوافع هذا الشخص قوية جدًّا.

من المهم أن نكون واقعيين عندما نحاول مساعدة الآخرين، وأن ندرك أننا لا نستطيع أن نمحو مشكلات الجميع، وتكون لدينا الرغبة في فعل هذا. إننا نهتم بإخلاص، ونأخذ على عاتقنا حقًّا مسئولية مساعدة هؤلاء. إذا أفلح الأمر فقد أفلح، وإن كانت الأخرى فقد حاولنا بكل ما في وسعنا، ولا يثبط عزمنا.

الغرض من التنوير

لقد قال صاحب المكانة الرفيعة قداسة الدالاي لاما: إننا عندما نقرأ "اللهم إني آمل أن أصل إلى التنوير لكي أفيد كل الكائنات الواعية ذات الحس". فهناك القليل من الخطر في ترتيب الطموحات هنا. وغالبًا فبالنسبة لنا يبدو التأكيد الأساسي أن يكون "اللهم آمل أن أصل إلى..." لماذا؟ لأنه أعلى المراتب، وهو المرتبة العظمى، وأكثرها هناءً. بعد كل ذلك علينا أن نحظى بالمرتبة العليا، وأرفع الألقاب.

ولكن: "اللهم إني آمل أن أصل إلى التنوير" تكون متبوعة بـ: "لكي أفيد كل الكائنات الواعية ذات الحس". وهي التي تبدو مثل ضريبة فاحشة، يجب علينا أن ندفعها فيما بعد. وليس هذا ما نريد أن نفعله حقًّا، ولكن إذا كنا نريد أن نصبح بوذا فهذا هو من واجبنا أن نفعله. علينا أن نفيد الكائنات الحساسة كلها، وقد قال قداسته: إن التأكيد يلزمه أن يكون بالعكس: أريد أن أساعد كل الكائنات بقدر الإمكان، ولكي أفعل هذا يجب أن أصبح بوذا." ويجب أن يكون التأكيد الرئيس على: "أريد أن أساعد الجميع".

في بعض الأحيان، عندما نفكر في إفادة الآخرين فربما نواجه عقبة ألا نكون مخلصين في ممارستنا، نقول مثلاً: "سوف أساعد كل الكائنات الحساسة، وأنا أحب كل هذه الكائنات." ولكن عندما يطلب منا آباؤنا، أو أطفالنا أن نفعل شيئًا ما، فإننا نتذمر منهم قائلين: "توقَّف عن إزعاجي! أنا أحاول أن أساعد كل الكائنات الحساسة!".

كما تقول تعاليم لوجونج لتطهير مواقفنا (تدريب العقل): إننا بحاجة إلى أن نبدأ في مساعدة أنفسنا في البداية، ثم نوسع مساعدتنا لعائلاتنا، ثم بعد ذلك للناس من حولنا، وهلم جرًّا. بمعنى آخر: نحتاج إلى أن نساعد من هم قريبون منا، ولا نتجاهلهم. فغالبًا يكون لدى هؤلاء الذين يشتركون في العمل الاجتماعي أطفال يحزنون كثيرًا؛ لأن أهلهم منشغلون عنهم بمساعدة الآخرين بدرجة كبيرة، حتى إنهم لا وقت لديهم أبدًا يقضونه مع أسرهم. وهذا ظلم كبير، وإذا أخذنا بنصيحة بوذا فسوف نبدأ بعائلاتنا في البداية، ونهتم بهم.

وتنمية الاتزان ليست معناها أن تقول: "عليَّ أن أتجاهل أطفالي الآن، وأن أعمل فقط من أجل كل إنسان آخر." وإنما تعني: "فكما أني أمتلك موقفًا ودودًا جدًّا تجاه أبنائي فسأوسع كذلك هذا الموقف لكي يشمل المزيد والمزيد من الناس، وبدلاً من أن يكون لدي طفلان فقط، فالآن لدي خمسة، أو عشرة، أو مئة، أو ألف!"

نحن نوسع من دائرة اهتمامنا بالآخرين، فنحن لا نهتم بمنطقة واحدة ونحبها، ثم ننقل اهتمامنا وحبنا هذا إلى منطقة أخرى. بل علينا أن نعتني بأقاربنا، ثم نوسع الدائرة لتشمل الآخرين من الأصدقاء والغرباء وكذلك من لا نحبهم، والحيوانات والأرواح والكائنات في كل الممالك المختلفة.

والمقصود بالبوديتشيتا إنما هو اتساع القلب، واتساع قلوبنا لا يعني أنه من الممكن لنا أن نتحول من كائنات أنانية إلى رعاية كل الكائنات والحنو عليها في قفزة واحدة، بل يعني أننا يجب علينا أن نبحث عن هذا بالتدريج. وبهذه الطريقة سنكون أكثر إخلاصًا، ولا يمكننا أن نكون مخلصين عندما نقول: "أنا أعمل لأفيد كل الكائنات الحساسة". ولكننا لا نعتني بآبائنا أو أطفالنا. وليست البوديتشيتا مخالفة على الإطلاق لقِيَمنا الثقافية المعتادة لأهمية العائلة والوالدين والأطفال، بل إنها تبني على هذا الأساس، وتمتد أبعد فأبعد.

هذه بعض النقاط المهمة لكي نكون على وعي بها عندما ننشغل في سبيل الماهيانا لتوسيع عقولنا تجاه الآخرين، وأن ننصب قلوبنا على هدف إزالة كل القيود والعيوب، وإدراك كل إمكاناتنا الكامنة؛ لكي يمكننا أن نساعد الجميع بأفضل الطرق الممكنة. وإذا ما احتفظنا بهذا في عقولنا فسيكون لدينا صعوبات أقل على هذا الطريق.

أسئلة

سؤال: هل من الممكن – بناءً على اكتساب الخبرة في الحيوات الماضية – أن نتجاوز بعضًا من هذه الخطوات، ونتخذ طريقًا مختصرًا في هذه الحياة؟

الجواب: نعم، هذا ممكن. هناك نوعان من الممارسين:

١. هؤلاء الذين يحدث لهم كل شيء فجأة.

٢. وهؤلاء الذين يتبعون مسارًا متدرجًا.

وبالتالي يوجد المسار الفجائي، والمسار المتدرج. وقد قال واحد من معلمي التبت العظام، وقد كتب تعليقًا على هذه النقطة الخاصة: إن الشخص الذي يحدث له كل شيء فجأة إنما هو شخص نادر جدًّا، ومن النادر جدًّا أن تكون قد نميت كل العادات والغرائز الإيجابية في الحيوات الماضية؛ لكي تكون قادرًا على أن تقفز خطوات في هذه الحياة. وغالبًا ما يكون ذلك لكَوْننا كسالى، ولا نريد أن نسير خلال كل المراحل، فإننا نقدم عذرًا قائلين: "أنا شخص نمى الكثير من الطاقات الكامنة في حيواتي الماضية، أنا واحد من النخبة القليلة، الذين يحدث لهم كل شيء فجأة، لهذا أستطيع أن أقفز على بعض المراحل، وأقفز إلى الأمام".

نحتاج إلى أن نكون صادقين تمامًا مع أنفسنا، ومن النادر جدًّا أن يكون أي إنسان قد نمى مثل هذا القدر الكبير من القدرات الكامنة في الماضي، وليس هناك أي ضرر في السير عبر كل الخطوات، غير أننا لسنا مضطرين إلى أن نقضي سنوات وسنوات في كل خطوة. وتصرح أحد النصوص عن المسار المتدرج للتنوير أنه حتى إذا وجدت الغرائز فمن الجيد أن نعيد التأكيد عليها، وذلك من خلال السير عبر تلك الخطوات بسرعة، وليس مجرد القفز للأمام فقط.

سؤال: هل يمكن لنا أن نكون طيبين وحنونين دون أن نُستغلَّ؟

الجواب: صاغ تشوجيام ترونغبا رينبوشي تعبيرًا ممتازًا يتعلق بهذا السؤال: "الحنان الأحمق"، وهو الحنان بلا حكمة. فعلى سبيل المثال: دائمًا ما يطلب الرضيع الحلوى، وبالحنان الأحمق سنعطي الحلوى للطفل باستمرار لمجرد أنه يطلبها. أو يأتي مجنون ويقول: "أعطني بندقية، أريد أن أطلق النار على أحد ما". فإذا قلنا" أنا رجل كريم؛ لذا سأعطيه بندقية." فهذا هو الحنان الأحمق.

بمثل هذه الطريقة، فإذا استغلنا الناس لعطائنا المستمر فهذا لا يساعدهم، بل هو في الحقيقة يضر بنموهم. من المهم أحيانًا أن نكون حازمين وصارمين جدًّا، ونحتاج إلى أن نعطي للآخرين ما يحتاجونه، وما قد يحتاجونه هو الانضباط. ربما يكونون في حاجة إلى من يقول لهم: "لا."، وربما يحتاجون من يضع لهم حدودًا.

على سبيل المثال: يحتاج الطفل صعب المراس إلى الانضباط، ففي الغرب يوجد جيل تربَّى على فلسفة عدم الانضباط بهذه الكلمات: "ما عليك إلا أن تترك الأطفال يفعلون ما يريدون، دعهم يتحرروا، دعهم يكونوا أحرارًا." وهذه سياسة مدمرة؛ فقد شعر الكثير من الأطفال بأنهم غير محبوبين وغير آمنين؛ لأن هنالك من الآباء الآخرين من يضع قوانين، ولكن آباءهم لا يفعلون هذا؛ لذا يشعرون بأن آباءهم لا يحبونهم، وأنهم لا يهتمون بوضع القواعد بدرجة كافية. لذا من المهم جدا في بعض الأحيان أن تقول: "لا." لكي تضع قيودًا، وألا تدع الكل يستغلونك.

وليس الحنان الأحمق شيئًا نافعًا، بل إننا نحتاج الحنان مع الحكمة، وهذا شيء أساسي في التعاليم البوذية، وهو مُعبَّر عنه في ترانيم "أوم ماني بادما هوم" في المانترا. والماني هي "جوهرة" تمثل الحنان، والبادما تعني: "اللوتس"، وهي تشير إلى الحكمة، والاثنان يكونان معًا.

في بعض الأحيان يكون من الضروري أن نقول: "لا"، ومع ذلك قد يضر هذا الشخص الآخر؛ لأنه لا يفهم. فهل هذا جيد؟ تعاليم الكارما تقول: إذا كان الأمر ضارًّا بدرجة قليلة على المدى القصير، ولكنه نافع جدًّا على المدى الطويل، فإن هذا العمل يجب أن يتم. وبالتأكيد لو كان العمل نافعًا على المدى القصير والطويل معًا لكان هذا أفضل.

فعلى سبيل المثال: إذا أعطيت أطفالي الحلوى كي يتوقفوا عن الصراخ، ثم أذهب إلى النوم، فهذا العمل نافع على المدى القصير، ولكن على المدى البعيد هو ضار جدًّا، فأكل الحلوى باستمرار يضر بصحة الأطفال، وكذلك يجعلهم مدلَّلين ومزعجين. في هذه الحال سيكون من الأفضل أن يسبب هذا لهم القليل من الضرر والغضب على المدى القصير؛ لأن هذا الفعل سيكون نافعًا على المدى الطويل (إذا كان هذا سيؤذيهم الآن فسوف يكون نافعًا لهم فيما بعد). يتطلب الأمر حكمة لنرى ما الذي سيكون نافعًا، وما الذي سيكون غير نافع، ولكن بعض هذه الأشياء يكون من الفطرة السليمة.

سؤال: إذا كانت حياتنا تنتهي قبل الأوان فهل سنكون مرة أخرى أزواجًا أو زوجات للأشخاص أنفسهم في الحياة القادمة؟

الجواب: ليس بالضرورة، مع إمكانية حدوثه. يمكن لهذا أن يحدث إذا كان الارتباط وثيقًا. وهناك أمثلة على هذا: ولد طفل لعائلة، ومات وهو رضيع، ولكن كان للفرد مثل هذا الارتباط بالعائلة، لدرجة أن هذا الشخص ولد طفلاً رضيعًا آخر في تلك العائلة. وهذا يحدث حقًّا، ولكن، وبصفة عامة، هناك الكثير من الاحتمالات الكارمية المختلفة، ففي ساعة الموت يمكن أن تنشط سمات كارمية مختلفة لكي تدفعنا إلى ولادات جديدة مختلفة.

أيضًا لا يكون لدينا علاقة مع شخص واحد فقط كالزوج أو الزوجة، بل يكون لدينا علاقات مع الكثير من الناس المختلفين في فترات حياة مختلفة، وتتغير هذه العلاقات باستمرار. في إحدى فترات الحياة تحدث تفاعلات معينة مع شخص آخر، وتتغير علاقتنا، ولذلك ربما لا تكون استمرارية تلك العلاقة بالضرورة بشكل العلاقة نفسه للزوج والزوجة. ربما تصبحون بقرتين تأكلان العشب معًا، أو نملتين تعملان معًا في وادٍ للنمل، ويعتمد هذا كله على كيفية تطور العلاقة من قبل. أيضًا قد لا نقابل ذلك الشخص في الحياة المقبلة، أو الحياة التي بعدها، وربما تكون آلاف الحيوات في المستقبل.

من المهم أن نمزج بين فهم الميلاد الجديد والتعاليم الأساسية؛ وذلك لعدم وجود نفس (أو شخص) موجودة بصورة حقيقية ثابتة، وليس معنى ذلك أنني سأقابل زوجي بشخصه واسمه، أو زوجتي بشخصها واسمها. إن كل شخص هو استمرارية؛ استمرارية للطاقة، واستمرارية للوعي، واستمرارية للميول والعادات. وفي بعض الحيوات المستقبلية ستتقابل استمرارية شخصين، ولكنها لن تكون أنا وأنت بالضبط كما نحن الآن.

جربنا جميعا السير في مكان مزدحم، ومررنا بشخص أو اثنين يجذب أنظارنا، ونشعر ببعض المشاعر الدافئة تجاه هؤلاء الأشخاص، ونريد التحدث معهم. ومن ناحية أخرى يعطينا شخص آخر إحساسًا كهذا: "أف! لا أريد أن يكون لي أي علاقة بهذا الشخص." لماذا يحدث هذا؟ إن هذا دلالة على صلة مع هذا الشخص في الماضي، فنحن لدينا صلات مع الملايين والملايين من الكائنات، وبعض هذه الصلات تكون أكثر حداثة أو قوة، لهذا تؤثر تجاربنا مع هؤلاء علينا بدرجة أكبر. وقد تكون الصلات الأخرى ضعيفة، فربما نولد مرة أخرى في المدينة نفسها، ولكن لا نتقابل أبدًا.

سؤال: كيف ينتقل الاستحقاق أو القدرات الكامنة الإيجابية إلى الحياة في المستقبل؟

الجواب: كلمة "استحقاق" ترجمة مضللة؛ فنحن لا نحرز نقاطًا كما في الكشافة، وعندما نكسب نقاطًا كافية نحصل على شارة، فلا يحافظ أحد على نقاطه التي أحرزها. من الأفضل أن نترجم "الاستحقاق" بكلمة: "القوة الإيجابية" أو: "القدرات الكامنة الإيجابية". ونحن ننمي هذه القدرات الكامنة الإيجابية بالضبط كما نضع المزيد من الطاقة في بطارية السيارة، وعندما يكون هناك قدر كافٍ من القدرات الكامنة ستسير السيارة. بالمثل، ننمي الكثير من القدرات الإيجابية من أجل حدوث شيء إيجابي، وننمي أيضًا عادات التصرف بطريقة إيجابية.

هناك مستويات متعددة من العقل، ومستويات متعددة من الجسم. والعقل الغريزي (البدائي) أو الوعي هو وعينا الحسي: البصر والسمع والتذوق، إلخ. وهناك أيضًا الوعي الدقيق، وهو الوعي العقلي، ويشير تقريبًا إلى التفكير التصوري. وبعد ذلك هناك أدق مستوى للعقل، وهو خالٍ من التصورات.

ويعمل وعينا الغريزي والدقيق عندما نكون متيقظين، فنسمع ونرى ونفكر، أما وعي أحلامنا فهو أدق من هذا. عندما نكون نائمين بلا أحلام يبقى هذا أكثر دقة. وبينما نذهب عبر عملية الموت فإن إدراكاتنا تصبح أكثر دقة؛ حيث ينفصل مجرى عقولنا عن أجسامنا الغريزية.

وأدق المستويات هو الاستمرارية المجردة، أو الصفاء المجرد، ووعي العقل الذي يمنح الاستمرارية من لحظة لأخرى. والمستويات الأكثر بدائية تكون مثل جهاز مذياع تم ضبطه على محطات متعددة، أو على أحجام صوتية مختلفة، وأدق المستويات عندما يُشغَّل هذا الراديو.

وبالتوازي لدينا الجسم الغريزي (البدائي)، وهو أساس العقل الغرائزي (البدائي). فلدينا عينان وأذنان وجسم إلى غير ذلك، وهي أسس للرؤية والسمع وباقي الإدراكات الحسية. والجسم الدقيق (المصقول) هو الطاقة للقنوات والتشاكرا (أحد مراكز الطاقة السبعة في الجسم). والجسم الدقيق هو أساس الوعي العقلي الدقيق، وعندما تُثار الطاقة في أجسامنا يكون لدينا أفكار وأحاسيس غريبة، وأدق الطاقات هي الدعم لأدق الإدراكات. فهي تشبه الكهرباء لهذا الإدراك، والطاقة الدقيقة والعقل الدقيق الحاد يشكلان معًا شيئًا مثل ومضة الحياة.

إن الذي يستمر في الحيوات المستقبلية ليس الجسم الغرائزي البدائي، الذي يُحرَق أو يُدفَن، وليس الوعي الغرائزي، وليس وعينا العقلي التصوري: الطاقة والقنوات وغير ذلك، ولكن ما يستمر في الحيوات المستقبلية إنما هو استمرارية الوعي الأكثر دقة وحدة، والطاقة التي تدعمه. ليست هناك نفس ثابتة، مثل تمثال صغير يجلس على حزام ناقل، ويذهب من حياة إلى التي تليها، وإنما هي أشبه بفيلم سينمائي، يظهر الفيلم على أنه ثابت، ولكنه في الواقع يتكون من إطارات فردية تشكل استمرارية، بدون شيء واحد يتواجد في كل مكان. وبالمثل، هذه الاستمرارية لأدق أنواع الوعي وأدق الطاقات، والتي يتغير كلاهما باستمرار، ينتقلان من حياة إلى أخرى، وهذه هي ومضة الحياة التي تستمر.

والاستحقاق أو القدرات الكامنة الإيجابية هي نوع من الطاقة التي تنمى، وتلك الطاقة الإيجابية التي تكون محمولة دائمًا مع أدق الطاقات هي ومضة الحياة. والقدرات الكامنة هي شكل من الطاقة الدقيقة التي تستمر في الحيوات المستقبلية. ولكن ما العادة أو الغريزة؟

افترض أننا لدينا عادة تناول وجبة من الحبوب كل صباح، وقد تناولناها بالأمس، وقبل أمس، واليوم أيضًا. ما العادة؟ إنها ليست شيئًا ماديًّا، وهي ليست طبقًا من الحبوب يقفز إلى عقولنا، إنها ليست شيئًا عقليًّا: "كُلْ طعام الحبوب، كُلْ طعام الحبوب." يستمر في عقولنا. كُلُّ ما يمكن أن يقال أن هناك سلسلة من الأحداث المتشابهة من أكلنا لهذا الطعام في أيام كثيرة جدًّا. وبناءً على هذا يكون من نافلة القول أن نقول: إن هناك عادة أكل الحبوب، وعلى هذا الأساس يمكننا أن نتنبأ أنه من المحتمل أننا سنأكل هذا الطعام غدًا صباحًا. وما هي إلا طريقة للحديث، أو الوصف فقط، فالعادة ترتبط بسلسلة من الأحداث المتشابهة، وهذا هو ما نطلق عليه التصنيف العقلي.

ليست العادة شيئًا ملموسًا أو شيئًا عقليًّا، وليست الغرائز هكذا أيضًا. فلنفترض أن لدينا عادة أن نكون طيبين، فكنا طيبين بالأمس، وقبل أمس، ونحن طيبون اليوم. وبناءً على هذا – من باب الحديث - هناك غريزة أن تكون طيبًا. في وقت لاحق يكون لدينا حياة في المستقبل، وفي الحياة المستقبلية ستكون الطفلة التي سنصبح على صورتها طفلة طيبة. فهي تتقاسم الأشياء، وتريد أن تعطي كَعْكاتها للآخرين، وهي لا تريد أن تأخذ من الآخرين فقط. هناك طيبة هنا، وبالتالي يمكننا أن نقول إن هناك عادة الطيبة التي تواصلت إلى الحيوات المستقبلية. وبالرغم من ذلك فليست العادة شيئًا ملموسًا، والطريقة التي تستمر بها كانت فقط على أساس لحظات فردية، وكان هناك الوقت بالأمس، والوقت قبل ذلك، والوقت قبل ذلك.

وأدق أنواع الوعي والطاقة قد ارتكزت على كل هذه اللحظات؛ لأنها موجودة طوال الوقت، فالمذياع يعمل دائمًا. وبناءً على هذا يمكننا أن نقول إن الغرائز تحمل على طول الطريق، ولا يلزم أن تكون الغرائز شيئًا ثابتًا ملموسًا لكي تستمر إلى المستقبل، فهي ليست بذورًا مادية.

تلك هي الآلية لكيفية انتقال الأشياء إلى الحيوات المستقبلية، والإمكانات الإيجابية "الاستحقاقات" هي نوع من طاقة دقيقة جدًّا، وهي تسير مع الطاقة التي تدعم الحياة. والغرائز والعادات - إذا جاز لنا التعبير – قائمة فقط على سلسلة من أحداث متشابهة في هذه الحياة، وفي الحيوات المستقبلية أيضًا. وبناءً على وجود العقل الأدق، والطاقة التي تنتقل من حياة إلى التي تليها، نقول إن هناك سلسلة من الأحداث المتشابهة؛ عادة أو غريزة.

سؤال: يحمل بعض الناس هنا تماثيل صغيرة للبوذا من أجل الحماية، كيف يفلح هذا؟

الجواب: هناك عاملان متضمنان هنا:

الأول: من جانب الشيء، مثل هذه التماثيل التي قدَّسها اللامات العظماء. فقد يحتشد العديد من المعلمين معًا، ويتلون ترنيمة الأومانيبادما عشرات ملايين المرات، ثم ينفخون في هذه الأشياء. ويستطيع أحد اللامات فعل هذا أيضًا، أو يمكنه أن يجلس في تأمل بتركيز عميق. ولنستخدم قياسًا علميًّا: تغير تلاوة المانترا والتركيز المجال المغناطيسي – مجال الطاقة – للأشياء؛ لكي يكون لهم خاصية مغناطيسية روحانية معينة.

الثاني: هو إيمان وثقة الناس الذين يستخدمون الأشياء، وأعمالهم التي فعلوها في الماضي، أو الكارما. إذا كان لدى الناس الإيمان والثقة أن شيئًا سيحميهم فإن ثقتهم يمكن أن تحميهم، وقد لا تحميهم هذه الثقة من قنبلة ذرية، ولكنها قد تحميهم من أحداث لا يكون لديهم فيها الثقة للتعامل مع الموقف بطريقة نافعة.

إذا وضعت سلسلة مباركة أو صورة حول رقبة خنزير فأنا لا أعرف إذا ما كانت ستحميه من الذبح. ومع هذا إذا كان لدى الشخص القدرة التي ستسمح لهذا الشيء المبارك أن يعمل فسوف يفلح هذا، ونحن في حاجة إلى العاملينِ كليهما، إنهما مثل قطعتين من لغز يتوافقان معًا.

أشكركم.