أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الصفحة الرئيسة > التعاليم الرئيسة للبوذية التبتيَّة > المرحلة الأولى: البدء > نصيحة مُسِّنْ ذو خبرة – إعادة صياغة‎

نصيحة مُسِّنْ ذو خبرة – إعادة صياغة‎

غيشي نغاوانغ دارغيي
كُتِبت من مُلاحظاتٍ أخذها ألكسندر بيرزين من الترجمة الشفهية لشاربا رينبوتشي
دارامسالا، الهند، ٥ – ١٢ سبتمبر ١٩٧٥ م
مراجعة وتحرير: إنجي بدران، أرجُنَ برَنَذي

[إعادة صياغة النص كتبت باللون الأسود، وتعليقاتُ غيشي دارغيي كتبت باللون البنفسجي بين قوسين معكوفين.]


[هذه التعاليم عن المعاناة، مأخوذةٌ من "نصيحة مُسِّنْ ذو خبرة" والتي كتبها الأستاذ القدير غونغتانغ رينبوتشي (١٧٦٢ – ١٨٢٣ م) هذه التعاليم عن المعاناة، مأخوذةٌ من "نصيحة مُسِّنْ ذو خبرة" والتي كتبها الأستاذ القدير غونغتانغ رينبوتشي (١٧٦٢ – ١٨٢٣ م) على هيئة قصة في إطار شعري تمتلأ بالاستعارات الرمزية، وقائمة على النصوص المرجعية. الغاية الرئيسة من التعاليم، مساعدتنا في تنمية التخلي ، والعزيمة على التحرر، وبوجه عام لإرساء الأساس للبوديتشيتا لتحقيق الاستنارة لنفع الجميع.]

إجلالًا لبوذا النقي، الذي هجر بذور إعادة الميلاد المتكرر غير المتحكم به نتيجة قوى الكارما والمشاعر المزعجة، والذي نتيجة لذلك، لا يختبر معاناة الهِرَم والمرض والوفاة .

بوسط السهل البري المنعزل المترامي الأطراف للسامسارا يعيش رجل مُسِنٌّ، زاره شاب صغيرٌ فخورٌ بشبابه وصحته، ودارت بينهما هذه المناقشةُ.

شخصٌ مُسِنٌّ يزورُهُ صبيٌّ صغيرٌ

"أيها الرجل العجوز ، لماذا تتصرف وتنظرُ وتتحدثُ بطريقةٍ مختلفةٍ عن الآخرين؟"

فأجابه المُسِّنْ قائلاً: "إذا قلتُ إني أتصرف، أمشي، أتحرك، وأتكلم بطريقة مختلفة، فلا تشعر بأنك تطير عاليًا في السماء، اهبط إلى الأرض التي أقف عليها، وأَنْصِتْ إلى كلماتي".

[بعض الشباب يشعرون أنَّ كِبَرَ السنِّ هو للكبار فقط، ولن يحدث لهم أبدًا، إنهم متغطرسون جدًّا، وليس لديهم صبرٌ في التعامل مع كبار السنِّ.]

واستطرد المُسِّنُْ قائلاً: "منذ سنواتٍ قليلة مضت، كنتُ أكثرَ قوة ووسامة وحيوية منك، فأنا لم أُولَد على الحال التي أنا عليها الآن، وإذا ركضت لأمكنني اللحاق بالجياد العادِيات.

الجَرْيَ لَلحقتُ بالجياد العادِياتِ

[معظم كبار السنِّ يتحدثون بهذه الطريقة، وهي أن الحاضر لا يبدو أبدًا بجمالِ الماضي.]

"ولو أردت أن أمسك شيئًا ما لفعلتُ، فكان بمقدوري أن أمسك الياك [١] في أراضي البادية بيداي العاريتين. وكان جسدي بالغَ المرونةِ، فكنتُ أستطيع التحرك مثل طائرٍ في السماءِ، وكان جسدي ذي لياقة بدنية عالية، بدوت كأني إلهٌ شاب. ارتديت الملابس ذات الألوان البرَّاقة ، مع كم هائل من الحُلي من الذهب والفضة، أكلت أطنانًا من الطعام اللذيذ والحلوى، وامتطيت الجياد القوية، وكنتُ لا أكاد أجلس بمفردي دون لعب أو ضحك أو استمتاعٍ، وقلَّما وُجِدَتْ سعادة لم اختبرها.

"في ذلك الوقت لم أفكر أبدًا في حياتي المؤقتة، أو وفاتي، ولم أكن أتوقَّع أن أُكابدَ معاناةَ كِبرَ السنِّ كما يحدث الآن.”

[ذات مرةٍ كان هناك شاب في المنطقةِ التي أقطُنُها، قد عاش حياة ترف ورفاهية، ودائمًا ما كان ينغمسُ في المُتَع، وشيئًا فشيئًا تقدَّم في العمر، وانحنى ظهره، وتناقص دخله. فقال لأصحابه: "لم أكن أظنُّ أبدًا أنَّ الشيخوخة ستأتي بغتةً".]

"بالعيشِ مع تشتُّت الانغماس في الحفلات، وقضاء وقت ممتع مع الأصدقاء، يتسلَّلُ الهِرَمُ وسط ضحكك ويقهرُكَ."

[قال غيشي كامبا: "يجبُ أن نكونَ مُمتنِّينَ أن التقدُّم في العمر يحدث بطيئًا، إذ إنه لو أتى فجأةً، لَكان أمرًا لا يُحتمل. تخيَّل لو أننا نمنا ونحن في سِنِّ الثلاثين، ثم استيقظنا ونحن نبدو في الثمانين، لم نكن لنحتمل رؤية أنفسنا . نحن لا نفهم شيخوختنا، فالكيفية التي نشيخ بها أمر غامض بالنسبة لنا، وحينما نُدركُها فجأةً نأخذ وقتًا لقبولها، وعندئذ يكون قد فات الأوان. على الرغم من أنه قد قيل إن التدرُب على الدارما ساعات قليلة قبل الوفاة أمر مفيد، فللانخراط في تدريبات التانترا، نحن نحتاج لياقة بدنية. لهذا، فمن المهم أن نبدأَ بالتدرب على التانترا بينما ما نزال صغار السن.]

"حينما نطعن في العمر ننفر من رؤية أنفسنا في المرآة. في ذلك الوقت تَضعُف أجسادنا وأذهاننا، وتبدأ أجسادنا في التدهور من رؤوسنا وحتى أخمص أقدامنا، رؤوسنا منحية كما لو أننا نتلقي التعزيزات بأعلى الرأس‎ [٢] .

"الشعر الشائب برأسي، والذي لم يعد به شعرة واحدة سوداء ، فهذه ليس علامة على تخليص ذهني من آثار أفعالي السلبية، بل إنه سهم الصقيع من فم سيِّد الموت، الذي هبط على رأسي.‎ التجاعيدُ على جبهتي ليست ثنايا طفل رضيع بدين يشرب اللبن من ثديِ أمه، بل هي عدَّاد رُسل سيد الموت لعدد السنواتِ التي عِشْتُها. وعندما تنحرف زاوية نظري، فليس هذا بسبب دخول الدخانِ في عينَيَّ، بل إنها إشارةٌ على عَجْزي، مع تدهور قوى حواسي. وإذا أردت أن أسمع أبذل جهدا كبيرا فأضع يدي على أذني، لا لأني أُجرِي اتصالاً سريًّا، ولكن ذلك علامة على تدهور السمع عندي.

"وحينما يسيل لُعابي، ويسيل المُخاط من أنفي، فإنه ليس زينة لؤلؤية على وجهي، بل ذلك إشارة على ذوبَان جليد حيوية الشباب بسبب إشراقِ شمس الشيخوخة. عندما أفقد أسناني هذا ليس علامة على أن أسنانًا جديدة ستنمو كما هو الحال عند الطفلٍ الصغيرٍ، بل إنها إشارة على اهتراء أدوات تناول الطعام، التي يُنَحِّيها سيد الموت جانبًا. حينما يسيل لُعاب كثير، وأبصق حينما أتحدَّثُ، هذا ليس كَرَشِّ الماء على الأرضِ لتنظيفها، بل هو إشارةٌ على نهاية كل الكلمات التي سأقولُها. وحينما أتكلم بطريقة غير مترابطة، وأتلعثم في الكلمات، فليس لأنني أتحدثُ لغة أجنبية غريبة، بل إشارة على أن لساني قد تَعِبَ من حياة الثرثرة واللغو.

"وحينما يبدو مظهري قبيحًا فليس ذلك لأني أحاول أن أتخفَّى خلفَ قناع قرد، وإنما إشارة على التدهورِ الكامل للجسد الذي استعرته. وحينما يهتز رأسي كثيرًا فليس لاختلافي معك في الرأي، بل هو علامة على القوة السَّاحقة لعصا سيِّدِ الموت التي ضربت رأسي. وحينما أسيرُ محنيَّ الظهر ليس لأنني أبحثُ عن إبرةٍ فقدتُها، بل إنه دلالة واضحة على تدهورِ العناصر الصلبة بجسدي‎".

"وحينما أستيقظُ معتمدًا على يداي وركبتيَّ فأنا لا أُقلِّدُ حيوانًا يمشي على أربع، بل أفعل ذلك لأن قوة دعم قدميَّ لي لم تعد كافيةً. وحينما أجلسُ، فهذا مثل إلقاء حقيبةٌ ملأى بالأشياء، لا لأنني غاضبٌ من أصدقائي، بل هو فقداني للسيطرة على جسدي.

وحينما أسيرُ ببطءٍ فأنا لا أحاولُ التشبُّهَ برجل عظيم ذي منصب، ولكن بسبب فقداني لكامل الإحساس باتزان جسدي. وحينما تهتز يداي فأنا لا أُلَوِّحُ بيدي طمعًا في الحصولِ على شيءٍ ما، بل هو إشارة على الخوف من أن كل شيء تم انتزاعه مني بواسطة سيِّدُ الموت. حينما آكُل أو أشربُ القليل فليس ذلك بسبب بخلي أو فقري، ولكنه علامةٌ على تدهورِ الحرارة الهاضمة عند سُرَّتي. حينما أرتدي ملابس خفيفةً فليس ذلك محاولة لتقليد الرياضيين، بل بسبب ضعف جسدي، الذي يجعل أيَّ ملابسَ أرتديها عِبئًا ثقيلاً.

"وحينما يصعُبُ التنفُّس، وأشعر باللُّهاث، فليس لأني أُحاول معالجة شخص بنفث المانترا، بل لأن ذلك علامة ضعف وإنهاك للطاقات في جسدي. وحينما أعمل قليلاً، ويكون لدي أنشطة قليلة جدًّا، فليس ذلك بسبب التحكم عن قصد بأنشطتي، بل بسبب محدودية ما يمكن أن يفعله رجلٌ مُسِنِّ. حينما أكونُ كثيرَ النسيان فليس لأني أقلِل من شأن الآخرين أو أجدهم غير مهمين ، بل إنه علامة على تدهورِ وَعْي ذاكرتي.

"يا أيها الشاب، لا تزعجني وتسخر مِنِّي، فإنَّ ما أُكابدُهُ الآن ليس قاصرًا علىِّ، فالكل يقاسيه، فانتظر وسترى، في غُضونِ ثلاث سنوات سيزورك أول رُسُلٍ من رُسُلِ الشيخوخة القلائل، أنت لن تُصَدِّقَ، أو تُعجب بما أقول، لكنك ستتعلم من التجربة. في هذا الوقت الذي تحدث فيه عملياتُ التدهورِ الخمس ستكون محظوظًا أن تحيا لتبلغ سِنِّي، حتى لو عِشْتَ مثل عمري فلن تستطيعَ التحدث بنفس القدر مثلي".

أجاب الشابُّ: "أنا أفضل الموت على أن أحيا لأصل لعُمرك، وأصبح قبيحًا ومنبوذًا مثلك، وأُوضع في مرتبة الكلاب".

ضحك الرجل المُسِّن قائلاً: "أيها الشاب، إنك جاهلٌ وغبيٌّ جدًّا، لكَوْنكَ ترغب في أن تحيَا طويلاً، وتكون سعيدًا، لكن دون أن تشيخ. قد يبدو الموتُ بسيطًا، لكنه ليس بهذه السهولة. أن تستطيعَ الموتَ بسلام وسعادة، تحتاج لأن تكون شخصًا لم يحصل على وهب بشكل خاطئ، ولم يُخالف القواعد الأخلاقية للأفعال العشرة الإيجابية، ويراكم الكثير من الاستماع للدارما، يتدبر، ويتأمل، عندها فقط يكونُ الموتُ بسيطًا".

"ومع ذلك لا أشاطرك هذا الشعور، فأنا لا أثقُ أني فعلتُ أيَّ شيءٍ بَنَّاء، أنا خائفٌ من الموت، ومُمتَنٌّ لكلِّ يومٍ أبقى فيهِ حيًّا، فأمنيتي القويةُ كل يوم هي أن أبقى حيًّا".

فيُغَيِّرُ الشابُّ رأيَهُ قائلاً: "أيُّها الرجل العجوز، كل ما تقوله صواب. ما أخبرني بهِ الآخرون عن معاناة الشيخوخة يتفق مع ما أراه فيك، ما بينته لي عن الشيخوخة كان نافعًا جدًا لذهني، وأنا مندهشٌ من معاناة الشيخوخة. أيها الشيخُ الحكيم، إذا كنتَ قد سمعتَ عن أي طرق لتجنب الشيخوخةِ فلا تَكتمها عني، بل شاركني إياها، وأخبرني الحقيقة".

أيها الشيخُ الحكيم, إذا كنتَ قد سمعتَ عن أي طرائق لتجنُّب الشيخوخةِ، بل شاركني إياها

قال الرجل المُسِّن بسرورٍ: "بالتأكيد هناك أداة، لو عرفتَها فمن السهل اتباعها. ونستطيع بجهد يسير التحرر سريعًا من هذه المعاناة. على الرغم من أن كل مولود يموت، إلا أن القليل جدًّا منهم يموت بعد أن يكبر في السن. الكثيرون يموتون صغارًا دون أن تكون لديهم الفرصة للوصول إلى الشيخوخة. الأدوات موجودة في تعاليم بوذا، فهي تشتمل على أدوات عديدة لبلوغ التحرر والاستنارة، بعبارة أخرى: ألا يُعاد ميلادهم، يشيخون، يمرضون، ويموتون، لكننا لم نتدرب على تلك الأدوات ".

[ذات مرة في أحد الأديرة كان هناك لاما عِصامي، وكان عضوًا حديث العهد بالدير، ولم يُعِره معظم الرهبان اهتمامًا، وقد اجتمعوا ليناقشوا مستقبلَ الدير، فطلب تجهيز الحبال والملاءات لربط الجثامين. قال الجميع: هذا فألٌ سيئ، وغضبوا منه. ثم تناقشوا فيما ينبغي عليهم أن يفعلوه لمساعدةِ الدير. فقال لهم: إنه التأمُّل على عدم الدوام. فأعطاهم بقوله هذا تعليمًا عظيمًا، فأثنى عليه كثير من الدالاي لامات فيما بعد، إذ إنه للاستعداد للمستقبل، نحتاج لأن نستعد للموت.]

"الكل يريد الخلود وأدوات الحصول على ذلك، لكن أنْ تولد ولا تموت فهذا من ضُروبِ المستحيل، وحتى آلاف الكائنات كاملة الاستنارة، بما فيها شاكياموني بوذا، قد ماتوا. كما البوديساتفات والمعلمين العظام من الماضي، لم تبقى سوى أسماءهم.، الشيء نفسه مُثبت في تاريخ العالم، فكل الشخصيات التاريخية العِظام ماتوا، ولم يتبقى سوى آثارهم. لذلك، يجب ألَّا ننسى حقيقة موتنا الوشيك، حتى المعلمون العظام في الحاضر سيموتون. الأطفالُ الذين يُولَدون اليوم سيموتون جميعًا خلال مائة عام ، لذا فكيف يتسنَّى لك – أيها الشاب – أن تتوقعَ أنك وحدك ستحيا للأبد؟ لهذا أنصحُكَ أن تُعِدَّ نفسَكَ روحيًّا للموت.

"لا يمكن شراء عمرٍ طويلٍ بالمال، أو الحصول عليه عبرَ الراحةِ البدنية، إذا كان لديك ثقةٌ روحانية، وتعرف ما ترغب به من الحياة، لكنتَ كلما كبرت على المستوى البدني، زادت لديك السعادة الذهنية والشباب الذهني، أما إذا استمتعت براحة بدنية عظيمة، لكنك عشتَ حياةً خاويةً، لكنتَ كلما كبرتَ زادت تعاستك. عليك أن تسافر سائحًا لِتصرفَ انتباهَك عن القلق بشأن الموت. من ناحيةٍ الأخرى، وحتى إن كان لديك ثقة روحانية قليلة فقط، فكلما اقتربتَ من الموتِ زاد شعورُك بأنك ابن عائد إلى منزله السعيد، فأنت لست مستوحشًا للموت، بل تتطلع إلى حيوات مستمرة من السعادة".

[ذات مرةٍ قال أستاذٌ روحاني عظيم: "لأن لدي ثقة كاملة في ولاداتي المستقبلية، فلا أشعرُ بالقلق، فليأتِ الموت في أي وقت، مرحبًا به".]

"بما أن معاناة الموتِ أمر حتميٌ، فلا بد لنا أن نفعل شيئًا ما حِياله، فلا يسعُنا أن نَجلس فقط ونكتئِب. نحن كبشر لدينا الحكمة لتجربة العديد من الأدوات. حتى بوذا لا يستطيع أن يُعطيَك تعاليم أكثر وضوحًا. أيها الشاب، لقد تكلمتُ معك بكل إخلاص، ورغم أن هذه هي نصيحتي القلبية الخالصة لك فلا تعتمد فقط على كلماتي، بل حلِّلْها لنفسك. تدرب على ما يخص عدم الدوام بنفسك. هناك حكمة تقول: "استشر الآخرين، لكن خذ أنت وحدك القرار". إذ إنك لو تركت كثيرًا من الناس يُقرِّرون لك فسوف يعطونك العديد من النصائحَ المختلفة".

قال الشاب: "كل ما قلتَهُ صادق ومفيد جدًّا، لكن طيلة السنوات القليلة القادمة لن أستطيع أن أفعلَ تلك الأشياء. لدي عملٌ آخر أقوم به، فلدي تركة ضخمة، وثروة ، إلخ. فيجب أن أقوم بأعمالٍ كثيرة، وأن أرعَى أملاكي، وبعد سنواتٍ قليلةٍ يجب أن ألقاك ثانيةً، وعندئذٍ سأقوم بتلك التدريبات".

شعر الرجل العجوز بحزنٍ شديدٍ وقال: "كل ما أخبرتني به الآن اتَّضح أنه كلمات فارغة لا معنى لها، فقد كان لديَّ الشيء نفسه، وهو الرغبة في فعل شيء ما له معنى بعد سنوات قليلة، لكنني لم أفعل شيئًا، والآن أصبحتُ هَرِمًا. أعرف كم هو عبثي ما تقوله، فالأشياء التي سنفعلها في غضون سنوات قلائل لن تنتهي أبدًا، فسوف تؤجل دائمًا فِعلها. الأشياء التي سنفعلُها في غُضُونِ سنواتٍ قلائل مثل لحية شيخٍ كبيرٍ، فلو حلقتَها اليوم فسوف تنمو أكثر في الغد، فبعد أن تماطل حتى الغد والغد، سرعان ما ستجد أن حياتَك انتهت. هذه المماطلة في التدرُب على الدارما أضلت الجميع. ليس لدي ثقة في أنك ستتدرب على الدارما يومًا ما، لذلك، فهذه مضيعة تامة لي ولك أن نتحدث سويًا. عُد ثانية إلى منزلك وافعل ما تشاء، ودعني أقول بعض (مانترا) ماني [٣]".

اندهش الشاب بشدة ، وشعر بالقليل من الإساءة ، فقال: "كيف تجرؤُ على التفكيرِ في قول مثل تلك الأشياء لي ؟ أخبرني، ما مدى سرعة تحقيق الأشياء المادية في هذه الحياة؟"

ضحِك الرجل العجوز قائلاً: "أنت تسألني أنا تلك الأسئلة، وتنتظر مني أن أخبرك عن الوقت اللازم لتحقيق ذلك؟! في الاتجاه الجنوبي يسكن سيد الموتِ، الذي لا يهتم على الإطلاق إذا كنت أنهيت عملك أم لا. إنه يفعل ما يرُيد. إذا أمكنك تكوين علاقات طيبة معه، وأخذُ موافقته على إنجاز شيء ما في حياتك، فعندئذ يمكنك الاسترخاء. وإلَّا فلن تستطيع الاسترخاء قط. الناس يموتون، بينما يحتسون فنجانًا من الشاي، وأثناء وجود الطعام على الطاولة، وهم سائرون، وقبل أن ينتهوا من استنشاق نفحة من السعوط.

"هذا يحدث للجميع، حتى المعلمون العِظام. العديد من تعاليمهم غير مكتملة، لأنهم ماتوا قبل إنهاء كتابتهم إياها، ولذا فعندما يأتي سيد الموت فلن تستطيع القول "لدَي تركة كبيرة، والكثير من العمل للقيام به ". لا يمكنك التفاخر أمامه بأي شيء، عليك أن تترك كلَّ شيءٍ . في هذا الصدد نحن عاجزون تمامًا، فلا نستطيع تحديد عمرنا. لهذا، إن استطعتَ فعل أي شيءٍ، ابدأ في التدرُب الآن، فسيكون لهذا معنى، وإلا فإنَّ تِركتك وحدها ليس لها معنى. لكن اليوم هناك قلة قليلة من الناس يخبرون الحقيقة عمَّا يُفيد، والأكثر نُدرة من ذلك أن تجد شخصًا يستمع للنصيحة المخلصة".

تأثر الشاب بشكل كبير، وصار الآن يحترم المُسِّنَْ بشدة، يأخذ خطوات للوراء، وينحني له احترامًا قائلاً: "ليس هناك مِن لامات آخرين محاطين باللافتات الذهبية، أو الغيشات، أو اليوغي، لديهم تعاليم أعمق مما قلتَ. أنت تبدو رجلًا مُسنًا عاديًّا، لكنك في الحقيقةِ صديق روحاني عظيم، وأنا أعطيك كلمة شرف أن أتدرب على كل ما ذكرتَ قَدْرَ استطاعتي، وفي المستقبل. أرجوك، أعطني المزيد من التعاليمَ ".

أنا أعطيك وعدَ شريفٍ أن أُطبِّقَ كل ما ذكرتَ قَدْرَ استطاعتي

وافقهُ المُسِّنُْ، وقَبِل منه قائلاً: "أنا لا أعرفُ الكثيرَ، لكني اختبرت الكثير، ويمكنني أن أُعلِّمك من خبراتي. أكثر الأشياءِ صعوبة أن تبدأَ من نفسك وتؤسِّسها في الدارما، أن تبدأ التدرُب على الدارما وأنت كبير السِنِّ فهذا أكثر صعوبة، ولهذا فمن الأهمية أن تبدأَ وأنت شابٌّ ".

"عندما تكون شابًّا فإنك تتمتع بذاكرة قوية، ولديك ذكاءٌ فعَّال مع القوة البدنية لتبنيَ قوةً إيجابيةً بالانحناء احترامًا. وفيما يتعلق بالتانترا، فإن قوةَ قنوات طاقتك وحيويتها تكون جيدةً وأنت شاب يافع، وأنت شاب يمكنك أن تكسر حاجز الطمع والتعلق بالممتلكات المادية، وتنخرطَ في أنشطة روحانية، هذا شيء ثمين للغاية. وطالما أنك قبلت الدارما، وفهمت نِقاطَها الجوهرية، وانغمستَ في رُوحِها، فعندئذ كل ما تفعله وتقوله وتفكر فيه سيكون دارما".

[ميلارِبا والمعلم را لوتساوا قالا الشيءَ نفسه: "عندما أتناول الطعام، أمشي، أجلس، أو أنام، فإن كل ذلك تدرُب على الدارما".]

"ليس هناك قواعدٌ صارمة في الدارما، لذا،حاول ألَّا يكون لديك العديد من الأفكار أو ذهن مُتقلِّب. بادر الآن، وحافظ على اهتمامك بالدارما. لا تُغيِّر رأيَك كل دقيقة. من الآن فصاعِدًا كَرِّسْ حياتَك- جسدك، كلامك، وذهنك- للتدرُب على الدارما".

الآن يخبرُ الرجل المُسِّن الشابَّ عما يستلزمه التدرب على الدارما: "أولاً اعثر على مُرشد روحاني مؤهَّل جيدًّا، وكَرِّس نفسَك بشكلٍ ملائم له بأفكارك وأفعالِكَ. ويعتمد مدى نفعك للآخرين على العثور على مُرشد روحاني مناسب، وعلى بناء علاقة ملتزمة مخلصة معه".

[أكَّدَ آتيشا على هذه النقطة، وغالبًا ما كان يذكر أنه كان لديه التزام مخلص بدرجة متساوية مع كل معلميه، البالغ عددهم ١٥٥.]

"بعد ذلك ستحتاج لمراقبة كلمة الشرف والعهود التي أعطيتها للتدرُب على الأفعال العشرة البناءة. احميها كما تحمي عينيك. اقطع تعلُّقك بهذه الدنيا، مثل فيلٍ بريٍّ يحطم أغلاله. ثم راكم الاستماع، التدبر، والتأمل، وقُم بالثلاثة معًا. عَضِّد كلَّ ذلك بتدريب الأفرُع السبعة. هذه طريقة بناء القوة الإيجابية، اكتساب المزيد من الاستحقاقات ومراكمتها. عندما تنتهي من ذلك، الاستنارة ستكون في متناولك".

[ذكر قداسة الدالاي لاما الخامس أنه إذا ما أرشد معلمٌ مؤهلٌ تلميذًا مؤهَّلاً، سيشكل التلميذ استنارته بيديه.وقد ذكر ميلاربا أيضًا أنك إذا كان لديك مُرشد مؤهل وتلميذ مؤهل يتدربون على تعاليمه الأصلية، عندها فالاستنارة ليست خارجك، ولكنها بداخلك. على أية حال، يجب أن يتم التأكيد بشدة من أن يكون المُعلم مؤهل بالشكل الملائم.]

"هذه هي السعادة، هذه هي المُتعة. يا ولدي العزيز، لو تدربت بهذه الطريقة فسوف تتحقق كل أمنياتك".

[تلك التعاليم مفيدة جدًّا في ترويض الذهن، فهي تُليِّن الذهن الصلب. هناك حكمة تقول: "لا تكن كحقيبة جلدية تحمل الزبدَ، ولا تكن مثل الحصاة في جدول مائي." فالحقيبة الجلدية لن تُصبِح ناعمة مهما كثُر الزبدُ في داخلِها. ومهما طال بقاء الحصاة في الجدول المائي فهي أيضًا لن تُصبِح رخوة.]

من ذلك اليوم، تدرب الشاب على الدارما النقية غير المختلطة بالمشاعر الدنيوية الطفولية الثمانية.

[نحنُ بحاجة لمحاولة فِعْل الشيء نفسه، فكلما سمعنا التعاليم أكثر، كلما زادت حاجتنا للتدرُب عليها وتنمية أنفسنا من خلالها، ولا نكون كحصوات في جدول مائي لا يمكنها أن تلينَ أبدًا.]

واستطردَ الرجل المُسن قائلاً: "لقد سمعتُ تلكَ التعاليم من مُرشيديني الروحانيين، وهي أيضًا تعتمد على خبرتي الخاصة، فلتُفِد هذه التعاليم الكائنات الواعيةَ غير المحصورة من أجل سعادتهم".

فلتُفِد هذه التعاليم الكائناتِ الواعيةَ غير المحدودة من أجلِ سعادتهم

ويختتم المؤلفُ قائلًا: على الرغم من أني تدربت قليلاً، وتنقُصُني خبرة الدارما، ومع ذلك فبسبب تنوُّعِ ميول الكائنات الواعية ربما تكون تلك التعاليم ذات نفع للبعض. مع الأمل في نفع أذهان الكائنات المحدودة. لقد كتبت هذا بإخلاص ودافع نقي، فهذه التعاليم عن عدم الدوام ليست مجرد قصة ممتعة فكرت في روايتها، لكنها معتمدة على المقاطع الشعرية الأربعمائة التي كتبَها أرياديفا.


[١] حيوان من فصيلة البقريات ذات الشعر الطويل، وتعيش في منطقة الهيمالايا في جنوب آسيا الوسطى وهضبة التبت وشمالًا حتى منغوليا وروسيا.

[٢] من أجل أن يتلقى المتدربون هذا النوع من التعزيزات عليهم الانحناء أمام المعلم حتى يستطيع ملامسة قمة الرأس بالأدوات الطقوسية.‎‎

[٣] مانترا ماني هنا تشير إلى تدرب الشيخ المُسِّن على ترديد مانترا "أوم ماني بادمي هوم".