أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الصفحة الرئيسة > دراسات تاريخية وثقافية ودراسات مقارنة > البوذية والإسلام > هل هناك قاسمٌ مشتركٌ بين البوذيةِ والإسلام؟

هل هناك قاسمٌ مشتركٌ بين البوذيةِ والإسلام؟

ألكسندر بيرزين ،برلين، ألمانيا، يناير ٢٠١١ م

اتجاهٌ نظريٌّ

هناك صعوباتٌ ومخاطر عديدة تكتنف عمليةَ استكشاف القاسم المشترك بين أي ديانتين أو نظامين فلسفيين، وإحدى هذه الصعوبات تتعلق باختيار أيٍّ من الاتجاهات النظرية يسلكها المرءُ فيما يتعلق بالنظام الأكاديمي لمقارنة الأديان. وأود أن أذكرَ برنامجًا لتصنيف الاتجاهات المختلفة لمثل هذه المقارنات، وهو في اللاهوت النصراني، كما تصوره كريستين بيس كيبلنغير في مقالٍ بعنوان: "مواقف البوذيين نحو الآخرين: أنماطٌ وأمثلةٌ واعتباراتٌ"، ونُشِرَ في كتاب "الاتجاهات البوذيةُ نحوَ الأديان الأخرى".

في هذا المقال، يضعُ كيبلنغير الخطوطَ العريضةَ لثلاثة اتجاهات: التفرد (الإقصاء) والانضواء والتعددية.

  • الاتجاه التفردي الإقصائي: هو أن هناك دينًا واحدًا لديه الطريق الحق نحو الخلاص والتحرر. فعلى الرغم من أن الأديانَ الأخرى قد تعامل الموضوعات المشتركة نفسها معنا إلا أن مواقفَها خاطئة، والعديد من النصوصِ البوذية لديها هذا الاتجاه، ليس نحو الآراء غير البوذية فقط، وإنما أيضًا نحو الآراء البوذية الأخرى.
  • الاتجاهُ الانضوائي: وطبقًا لهذا الاتجاه فهناك طرائق عديدة للخلاص أو التحرر، غير أن إحداها أفضل من الأخرى. وبعبارة أخرى، قد يكونُ بينَنا وبين الأديان الأخرى قواسمُ مشتركةٌ معنا، ورغم أن الكل على صواب، إلا أن رؤيتَنا أفضلُ من رؤيتِهم. بعض أتباع التقاليد التبتية المختلفة يميلون لتبنِّي هذا الاتجاه نحوَ التقاليدِ التبتيةِ الأخرى؛ فالكل – حسب معتقدهم – يقود إلى التنوير، غير أننا الأفضل.
  • التعددية: وطبقًا للتعددية فهناك طرائق عِدة للخلاص أو التحرر، وكلها سواء، ليس هناك طريقة أرفع مقامًا من الأخرى، وهذه هي الرؤية غير الطائفية، التي تمثل المواقف المتباينة للأديان المختلفة فقط، فيما يتعلق بالموضوعات المشتركة، بدون تصنيفٍ لها.

وفي نطاق الاتجاهات التعددية والانضوائية هناك درجاتٌ لِكِمِّية ما يقبله المرء من اختلافاتٍ حقيقية، ومدى عمق هذه الاختلافات في ظنهم.

  • النوع الأول يؤكد على التشابه، وعلى الرغم من أنه يعترفُ بالاختلافات، إلا أنه يقلل من شأنها عن طريق إعادة صياغة الاختلافات، باعتبارها متشابهات أو معادلات أو قضايا غير مهمة. فهي تنظر للأديان الأخرى على أنها تفعل الشيء نفسه الذي نفعله، ولكن تفعله بطريقةٍ أخرى. بمعنى أنهم يتبعون دينَنا، دون أن يعرفوا ذلك حقيقةً. فعلى سبيل المثال، بينما يفسر غيلوك ممارسات النيينغما دزوغ تشين فيما يتعلق بنظرية غيلوك أنوتارايوجا.
  • النوع الثاني يحترم الفروق الطبيعية، ويجد الحوارَ أداةً قيمةً لتنشيط النمو، سواء كان يرى دينه هو الأرفع منزلةً أم لا.

وبالنسبة للنمط الأول، (إنهم في الواقع يؤكدون ما نفعلُه، ولكن بطريقةٍ مختلفةٍ فقط)، ويكمنُ الخطرُ في أنه من الممكن أن يكون مغرورًا ومتغطرسًا ونرجسيًّا؛ فهو يفترضُ أننا نعرف ماذا يعني دينُهم في الواقع أكثرَ منهم. فمن حيثُ التنوع الشامل لهذا الذي يعتقدُ أن دينَنا أرفعُ منزلةً، يمكن لوجهةِ النظرِ هذه أن تتخذ الشكلَ الذي يوجهه الدينُ الآخر في الحقيقة إلى هدفنا، دون معرفتهم بذلك. أو أنهم أقل درجة فقط من طريقِنا. ومع هذه الأنماط من الاتجاهات لا يوجد أي شيء يمكن أن نتعلمَهُ منهم، لكن يوجد أشياء عديدة يمكن أن يتعلموها منَّا. التصنيف الفرعي لذلك هو:

  • معظم – أو كل – الأديان تتجه نحو هدفٍ واحد، وعلى الرغم من أن طريقَتهم ليست جيدة كطريقتنا، فسوف تؤدي في النهاية بطريقة طبيعية إلى الهدف نفسه الذي تسعى إليه طريقتنا.
  • نحتاج إلى أن نقودَهم في النهاية إلى طريقنا للوصول إلى الهدف نفسه الذي ننالُهُ بطريقِنا الذي كانوا يهدِفون إليه، لكنهم يعجزون عن الوصول إليه لو تبعوا طريقَهم فقط. وهناك مثالٌ من البوذية، يأتي تأكيد التانترا أنوتارايوجا أن السوترات أو نسخ التانترا الأقل يمكن أن تقودَنا إلى المستوى العاشر فقط من العقل البهومي (البهومي العاشر)، لكن آنئذٍ أنت بحاجة إلى طرائق أنوتارايوجا لكي تصلَ بالفعل إلى التنوير.

هناك متغيراتٌ أخرى للنوع الأول الانضوائي – (النوع الذي يقلل من شأن الاختلافات، ويقول إنها في الحقيقة تشابه) – تشمل التأكيدَ على الأمورِ التالية:

  • الكلمات والمفاهيم والعقائد هي تعبيرات غير دقيقة عن الخبرات التأملية، وكل الأديان تتحدثُ عن الخبرةِ نفسها.
  • هناك نظرية أساسية مشتركة، أو تأكيدات أساسية، لكل الأديان، والظروف التاريخية والثقافية هي وحدها التي تبرر الاختلافاتِ. وعلى سبيل المثال، التقديم المعتاد للأشكال المختلفة للبوذية في الدول المختلفة: الهند وجنوب شرق آسيا والصين واليابان والتبت... إلخ.

وعلاوة على ذلك، فحينما نستكشف أرضيةً مشتركةً محتملة بين البوذية والإسلام فإننا نتطرَّقُ إلى موضوعِ التحول.

  • فمع النظرة الإقصائية، إذا كان دينُنا فقط هو الحقَّ،إذن فأنت بحاجة إلى أن تترك دينك وتعتنق ديننا؛ لكي تحصلَ على الخلاص.
  • ومع النظرة الانضوائية إنه لأمرٌ سائغٌ بالنسبة لك أن تتبعَ دينَك؛ لأنه في الواقع شكل أدنى لدينِنا. وفي النهاية، إما أنك ستدرك بطريقةٍ طبيعيةٍ وجهة نظرنا – (على سبيل المثال، فإن التشيتاماترا وهم يمارسون الأنوتارايوجا تانترا سيصبحون بطريقة طبيعيةٍ البراسانغيكيون، وذلك حينما يصلون إلى مرحلة فصل العقل عن ممارسة المرحلة كاملة) – أو سيكون علينا أن نُحولَك في النهاية.
  • ومع النظرة التعددية، فإن كل دينٍ يؤدي إلى هدفه الأسمى، وكلها جديرةٌ بالثناء – مع متغيرَين: الأهداف متساوية أو غير متساوية – وليس أحدهما متفوقًا على الآخر. لذا فلا حاجة للتحول، وسيكون ذلك كما لو تبع المرءُ ممارساتٍ بوذيَّةً، فهو يصل إلى السماء البوذية، لا إلى جنة المسلم. وإذا أديت الأوامر الإسلامية تدخل جنة المسلمين، لا سماء البوذيين.

أما بالنسبة للنوع الثاني: الانضوائية والتعدد – (النوع الذي يحترم الفروقَ بين الأديان، بينما يقبل أن جميعَها صالح، سواء أكانت تعتبر نفسَها أرقى منزلةً أم لا) – القضية الحسَّاسة هي كيفية فهم دين آخر ومقارنته بدينك أنت.

  • هل بإمكانك أن تفهمَ دينًا آخر حَصريًّا بشروطه الخاصة؟ أم أنك ستكون بحاجةٍ إلى أن تزن معتقداتهم في ضوء نظامك الاعتقادي لتكون مفهومةً لديك.
  • فلو أنك فعلتَ الأمرَ الثاني – (أن تزن معتقداتهم في ضوء نظامك الاعتقادي لتكون مفهومةً لديك) – هل يمكنك أن تفعلَ ذلك دون أن ينحدر هذا الاتجاه إلى النوع الأول، الذي معه تؤكد أن معتقداتِهم بدائل فقط لمعتقداتك أنت.

ومن ناحية أخرى إذا أمكنك العثورُ على قضايا وأفكار مشتركة يشتركُ فيها دينان، كالبوذية والإسلام، عندئذٍ تستطيع فهم الفروق التي بينهما واحترامها، وإن كنت ترغب في التعبير عن هذه الأفكار المشتركة واتجاه الدين الآخر في الإطار المفاهيمي لنظامك الخاص بك، ويمكنك احترام الاختلافات باتجاه يملؤه التسامح والحيادية، دون أي تأكيد على أن دينك هو الأفضل، وبدون تبني اتجاهٍ استعلائي نحو الدين الآخر، فعلى أساس هذا الفهم والاحترام يمكن أن يتأسس التجانس الديني.

هذا هو الاتجاه الذي يتبناه صاحب القداسة الدالاي لاما الرابع عشر. فحينما سُئل عن أفضل الأديان أجاب: " تلكم الطائفة من المعتقدات والممارسات التي تجعلك إنسانًا أكثرَ طيبةً وأكثرَ رحمةً. "

منظورٌ تاريخيٌّ

المنظور الإسلامي التاريخي نحو البوذية

والآن هيا بنا ننظر بوجهٍ خاص إلى البوذية والإسلام، فبالنسبة إلى الإسلام فمعلوماتي مستمدة – إضافةً إلى بحثي الخاص في الموضوع – أيضًا من كتاب "الأرض الوسط بين الإسلام والبوذية" لرضا شاه كاظمي، وفيه مقدمتان لقداسة الدالاي لاما الرابع عشر، وسمو الأمير غازي بن محمد من الأردن، ولقد ذكرتُ في هذا المقام اقتباساتٍ ذات صلة من القرآن وردت في كتاب كاظمي.

فعلى المستوى التاريخي كلٌّ من المسلمين والبوذيين – (وهنا دعنا نحدد أنفسَنا بالأشكال الهندو تبتية للبوذية) – تبنَّوا اتجاهًا انضوائيًّا. فعلى سبيل المثال اعتبرَ المسلمون البوذيين أهلَ كتابٍ، مثلهم مثل اليهود والنصارى والصابئين. فكيف حدثَ هذا؟

إبَّان الخلافة الأموية (٦٦١ – ٧٥٠ م) بسَط المسلمون حكمهم ودينَهم عبر الشرق الأوسط، وهكذا، ففي بداية القرن الثامن غزا القائد الأموي محمد بن القاسم منطقةَ السِّند ذات الأغلبية البوذية، وهي ما يعرف الآن بجنوب باكستان، وطلب البوذيون والهندوس في براهمان آباد، وهي إحدى مدنها الرئيسة، السماح لهم بإعادة بناء معابدِهم والتمتع بالحرية الدينية. فتشاور القائدُ بن القاسم مع الوالي الحجاج بن يوسف، الذي استشار بدوره علماء الدين الإسلامي، الذين اعتبروا البوذيين (والهندوس أيضًا) أهل كتابٍ، فيما عرف بـ"تسوية براهمان آباد".

فقد صرح الحاكم الأموي الحجاج بقوله: "طلب رؤساء براهمان آباد بشأن بناء المعابد البوذية، والتسامح في الشئون الدينية، هو طلبٌ عادلٌ ومنطقي، ولا أرى حقًّا لنا عليهم سوى دفع الجزية، لقد أظهروا الطاعة لنا، ودفعوا الجزية للخليفة؛ لأنهم أصبحوا في حمايتنا (ذميين)؛ ليس لنا حق في التدخل في حياتهم وممتلكاتهم، اسمحوا لهم بحرية ممارسة دينهم، ولا ينبغي أن يمنعهم أحد".

وبالتالي فقد سمح للبوذيين بإعادة بناء معابدهم وأديرتهم، وعوملوا على أنهم ذميون طالما أنهم يدفعون الجزية. فالخلفاء الأمويون، ومن بعدهم العباسيون – الذين حكموا من بغداد (٧٥٠ – ١٢٥٨ م) - والحكام المسلمون للهند من بعدهم اتبعوا هذه السياسة مبدئيًّا، على الرغم من عدم التزام الحكام والقادة العسكريين بها دائمًا، وبالرغم من ذلك فإن دلالةَ هذا الحكم هي أن البوذيةَ لم تكن مماثلة للعقائد الشركية الوثنية، التي لم يُمنح أتباعُها مثل هذه المميزات.

والآن بمقدورك أن تدعي أن منح البوذيين الاعتراف القانوني كان سياسيًّا أكثر منه دينيًّا، وناشئًا من البراجماتية أكثر من كونه مرتبطًا بالتحليل الفلسفي العميق. وربما كان الأمرُ كذلك؛ فبعد السماح بإعادة بناء المعابد البوذية والهندوسية فرض الحكام العرب ضريبة على الحجاج الذين أتوا للتعبد فيها. ومع ذلك لم يعتبر علماء المسلمين هذه السياسة "البراجماتية" ناقضةً أو مقللةً من شأن أي مبدأ إسلامي عقائدي. فالمعنى الضمني لمنح البوذيين اعترافًا قانونيًّا، وحماية سياسية، وتسامحًا دينيًّا، هو أن الطريق الروحي والنظام الأخلاقي للعقيدة البوذية قد يكون مصدرُها سلطة أعلى؛ أي من وحي حقيقي من الله.

ما هو الأساس لاعتبار البوذيين أهل كتاب؟ هل هو وجود عادات مشتركة في العبادة فقط؟ فعلى سبيل المثال، في بداية القرن الثامن، كتب المؤرخ الفارسي الكرماني وصفا تفصيليًّا لدير نافا فيهارا ببلخ في أفغانستان، ووصف بعض العادات البوذية التي تتشابه مع الإسلام. ووصف أن المعبد الرئيس على شكل مكعب حجري في الوسط، مغطى بالستائر؛ والعباد يطوفون حوله ويسجدون، كحال الكعبة بمكة. ومع ذلك فلم يناقش أيًّا من المعتقدات البوذية.

لذا فهل هناك أساسٌ عقائدي لاعتبار البوذيين أهل كتاب؟ هذا سؤالٌ مهم؛ إذ إنه لو اعتُبر البوذيون أهلَ كتاب لدخلوا ضمنًا في طيف المجتمعات الذمية المذكورة في هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}[البقرة: ٦٢].

وقد يشير هذا للأرضية المشتركة بين البوذية والإسلام، في الإيمان بالله واليوم الآخر، وفي أداء أفعال فاضلة بناءة، وإن لم تكن الرؤى واحدة، فالإسلام يعتبرها على الأقل مشابهة بدرجة تجعلُها متوافقة. فالآية تقول: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} [البقرة: ١٣٧]. فإن هذا الاتجاه حينئذٍ انضوائي.

والسؤال هو ما الحدود لما يمكن أن يُتضمن في مفاهيم: الإله، دينٌ مُوحَى به من الله، يؤمن باليوم الآخر، وحدانية الحقيقة، وهلم جرًّا؟ على كلا الجانبين: المسلم والبوذي هناك علماء وضعوا تعريفاتٍ حاسمة لكل تلك المفاهيم، لكن بعضهم أيضًا تركوها مرنةً تمامًا كذلك.

الاتجاه التاريخي البوذي نحو الإسلام

قبل استكشاف حدود تلكم المفاهيم، دعونا أولاً ننظر إلى الاتجاه التاريخي للبوذيين نحو الإسلام. فالتراث النصي البوذي الوحيد الذي يذكر أي عادات أو معتقدات إسلامية هو "الكلاتشاكرا تانترا" في الأدب السنسكريتي، التي ظهرت في أواخر القرن العاشر وأوائل الحادي عشر الميلادي، وعلى الأرجح في منطقة جنوب شرق أفغانستان، وشمال باكستان. ففي ذلك الوقت كان البوذيون في تلك المنطقة يواجهون خطر الغزو المحتمل من قِبَل حكام مولتان بوسط باكستان، الذين يتبعوا شكلاً شرقيًّا من الشيعة الإسماعيلية، وكانت مولتان بالتحالف مع الدولة الفاطمية بمصر منافسًا للعباسيين في السيطرة على العالم الإسلامي، فوقع البوذيون والهندوس في جنوب شرقي أفغانستان وشمال باكستان بين رحى هذا التنافس.

[انظر: عرض الكلاتشاكرا لأنبياء الغزاة غير الهنود – ملخص.]

تذكر نصوص الكلاتشاكرا بعض معتقدات الغزاة المحتملين وعاداتهم. وبعض المعتقدات الموصوفة يبدو أنها خاصة بالفكر الإسماعيلي في ذلك الوقت، مثل قائمة الأنبياء. بينما البعض الآخر يناقض ذلك الفكر، مثل إضافة ماني مؤسس المانوية إلى القائمة. ومع ذلك فمعظم هذه المعتقدات أساسيةٌ بالنسبة للإسلام كله، فبعضها يتعلق بالسلوك الأخلاقي، ويردد التأكيدات البوذية على النظام الأخلاقي، رغم أن الأدب لا يتعرف عليها بأنها متماثلة. ومع ذلك فيمكن اعتبار تلكم النقاط أرضًا وَسَطًا بين الديانتين. فعلى سبيل المثال، في كتاب "جوهر التانترا المزيدة للكلاتشاكرا تانترا المجيدة" يقول المؤلف: "هم طبقة واحدة، لا يسرقون، ويقولون الصدق، ويحرصون على نظافتهم، ولا يتحرشون بزوجات الآخرين، ويتبعون ممارساتٍ تقشفية محددة، ويظلون أوفياء لزوجاتهم."

وفي موضعٍ آخر نجد كثيرًا من الاتجاه الانضوائي، حينما تبدأ نصوص الكلاتشاكرا في وصف معتقدات الغزاة، مستخدمة مصطلحاتٍ بوذية. فعلى سبيل المثال، فإن "الكلاتشاكرا تانترا الملكية الموجزة" ، فقرة ١٦٤ 2/تقول: "كل ما يظهر متحركًا أو ساكنًا خلقه الخالق من إسعاده، بوصفه سببَ تحرر الطائيين، هناك النعيم. هذه في الحقيقة تعاليم الرحمن للناس." وكلمة "طائي" هو اسمٌ تطلقه نصوصُ الكلاتشاكرا على الغزاة، وهي كلمة عربية تستخدم للإشارة إلى الغزاة العرب لإيران، و"الرحمن" هو صفة لله.

ويفصل بونداريكا في هذه الفقرة في كتابه "النور الساطع: التعليق شرح الكلاتشاكرا تانترا الملكية الموجزة" بقوله : "والآن، بالنسبة للتأكيدات على الغزاة الطائيين والخالق الرحمن ينشئ كل ظاهرة وظيفية متحركة أو ساكنة. سبب تحرر الطائيين، ألا وهم الغزاة المتشحون بالبياض، هذا يرضي الرحمن، ويحدث قطعًا إحياءً أعلى (في الجنة) للناس. وينتج من عدم رضاه (إحياء في) النار. هذه هي تعاليم الرحمن وتأكيدات الطائيين."

ويسهب بونداريكا أكثر فيقول: "تأكيد الغزاة الطائيين هو أن البشر الذين يموتون يلاقون السعادة أو الشقاء في إحياءٍ أعلى (في الجنة) أو النار، بأجسامهم البشرية من خلال حكم الرحمن."

الأرض الوَسَط هنا بين البوذية والفهم البوذي للإسلام هي الإحياء في الجنة أو النار، بناءً على مسلك المرء الأخلاقي. ومن المثير للاهتمام هنا بشأن هذه المقاطع أن نصوص الكلاتشاكرا لا تعلق على تأكيد الخالق، ولا على دور الخالق في تحديد الآخرة، اعتمادًا على كون المرء يرضي إلهه أم لا. وبشأن هذه النقطة الأخيرة – بالمناسبة – فيما يتعلق بحكم الله اعتمادًا على عمل العبد: هل يرضي إلهه أو يسخطه؟ العرض البوذي للمسألة لا يتسمُ بالقِسط. فطبقًا للحديث القدسي يقول الله تعالى: "يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا" [صحيح مسلم].

وعلى أي حال فإن نصوص الكلاتشاكرا تركز فقط على طبيعة الآخرة، وأثر أفعال المرء في هذه الحياة بوجهٍ عام عليها. وبمناقشة القضية بهذه الطريقة تكشف النصوصُ الاتجاهَ الانضوائي نحو التعرف على تأكيد الغزاة على الإحياء الأبدي بوصفه نقطةً معيبةً ،قد شُرحت بطريقة أكثر صحة في البوذية. "الكلاتشاكرا تانترا الملكية الموجزة"، الفقرة ١/٧٤٢، تقول: "من خلال آخرةٍ (أبدية) يواجهُ المرءُ (نتائجَ) أعماله الكارمية، التي ارتكبها فيما مضى في هذا العالم. وإذا كان الأمر كذلك فإن استنفاد كارما البشر من ميلادٍ لآخر لن تحدث، (والكارما في الأديان الهندية هي مفهوم الفعل أو الحدث، يُفهم على اعتبار أنه ما يسبب الدورة الكاملة للسبب والنتيجة). ولن يكون هناك خروج من السامسارا، أو دخول في التحرر، حتى من حيث الوجود اللانهائي. هذه الفكرة في الواقع تظهر بين الطائيين، رغم نبذها من قِبَلِ مجموعاتٍ أخرى.

وإذا أردنا النظرَ إلى هذه النقطة – فيما يتعلق باللعنة الأبدية في نطاق سياقٍ بوذي أوسع - نجد الأرض المشتركة بين الرؤى البوذية والإسلام تتسع قليلاً؛ ومع ذلك فإنها تتسع؛ لأنك تستطيع رؤية الموقف الإسلامي من الإحياء والتحرر على أنه خطوة تقود إلى الموقف البوذي. فمن الناحية البوذية - آننئذٍ – يمكنك القول إن الإسلام يتحدث فقط عن التحرر من المعاناة، أو حالات إعادة الميلاد الأسوأ، وهذا التحرر هو إحياء أعلى في الجنة، وهذا هو مدى الدافعية الأول في سلم مراحل الوصول إلى الطريق المعروف باللام ريم. وتواصل البوذيةُ حديثَها عن التحرر من كل المعاناة المتفشية للإحياء، الذي هو الهدف متوسط المدى للدافعية، وفي هذا الضوء يصبح اتباع الإسلام خطوةً أولية لاتباع البوذية!

لكن يمكنك النظر إلى تأكيد المسلمين على المعاناة الأزلية بطريقة مختلفة، وهكذا فهي ليست مختلفةً عن الرؤية البوذية. ففي نصوص الكلاتشاكرا الاعتراض على المفهوم الإسلامي للنار هو أنه طالما دخل المرءُ النارَ فهي أزلية، ولا يمكنك التحررُ منها. لكن لو نظر المرءُ للأوصاف البوذية للسامسارا - (وهو مصطلحٌ بوذي يعني المعاناة الأبدية) – يود المرءُ أن يخرجَ منها كما يخرجُ من مبنى يحترق. فإعادة الميلاد في هذه الدورة – (الدورة الأبدية من ميلاد فمعاناة فموت فبعث) – سيكون أيضًا أزليًّا، ما لم يفعل المرء شيئًا ما حيالَها؛ ألا وهو التحول إلى الدارما (المنطق الطبيعي للأشياء).

ميبام معلم النيينغما – وهي (أقدم مدرسة من المدارس الأربع للبوذية التبتية) – في كتابه "نور شمس الفاجرا، توضيح معاني كلمات "الكلاتشاكرا تانترا المجيدة": تعليقًا على الفصل (الخامس) ، الوعي العميق" تبع اتجاهًا انضوائيًّا أقوى من أدب الكلاتشاكرا الأصلية، ملمحًا بطريقة ماهرة أن بوذا علَّمَ طرائق تقود المسلمين إلى التنوير، فكتب ميبام: "لدى الغزاةِ غير الهنود (نقطتان فلسفيتان) يتمسكون بهما؛ يؤمنون بأن الظواهر الطبيعية الخارجية لها طبيعة مُكوَّنة من الذرَّات، ويؤمنون بوجود الشخص ذاته الذي يتخذ ميلادًا مؤقتًا، أو له مظهر يأخذ مولده في سامسارا (المعاناة الأبدية). إن الهدف هو تحقيق ثمرة سعادة الآلهة. وعلاوة على ذلك لا يؤكدون على أي نوع آخر من النيرفانا" (التحرر من المعاناة وهي حرفيًّا تعني "التطاير"، أي: تطاير نار الحقد والكراهية).

ويواصل ميبام الإشارة إلى أن تأكيد الغزاة على الطبيعة الذرية للمادة تتلاءم مع المعتقدات البوذية، ويوضح أن مدرستي فايباشيكيون وساوترانتيكا لبوذية هينايانا تؤكد على ذراتٍ غير منقسمة وغير جزيئية، بينما مدرستا الشيتاماترا والمادياماكا لبوذية الماهايانا تؤكد على ذراتٍ تنقسم إلى ما لا نهاية.

وبخصوص النفس أو الروح يستطرد ميبام قائلاً: "ولعلمه بميولهم وأفكارهم فقد درَّسَ بوذا السوترات (الكتب المقدسة) بما قد يقبلوه (أي الغزاة). فعلى سبيل المثال في "سوترا تحمل المسئولية"، قال بوذا إن الأشخاصَ الذين يحملون المسئوليةَ (عن أفعالهم) موجودون، لكن دون الحديث عن روح الشخص، باعتبارها دائمة أو غير دائمة. هذه النقاط صائبة من حيث الشكل بالنسبة لتأكيداتهم (أي الغزاة). والمعنى الذي قصده بوذا هو أن الأشخاص يُوجدون بوصفهم استمرارًا للذات التي تحمل مسئولية الكارما، أي المسئولية عن أفعالهم، لكنها فقط منسوبةٌ على سلسلة متصلة، وبالطبع ليست دائمة أو زائلة.

وفي مناسبة الحلم الذي ينشأ من عادات العقل فقط، الفرد المتجسد الذي يشعر بالسعادة والألم غير موجود. ولأن هذا مجرد مظهر فإن زوال (الفرد) في هذه الحالة ليس من قبيلِ طبيعة الشيء الزائل، وهذا بسبب أنه بدون طبيعة الفرد. وبناءً على كونه يُفحصُ فقط فإنه شيء (واضح) دون إقحام دائم أو زائل، لذا فإنه يُدرَّس. وبتعاليم بوذا ترك الغزاة الدارما، وبالتالي أصبحوا فايباشيكيون، متمسكين بنظامٍ بوذي."

ويكمن الاتجاه الانضوائي هنا في أن بوذا أعطى تعاليم تتوافق مع تأكيدات الغزاة، ومن خلال هذه الوسيلة الماهرة سيقود الغزاة إلى التحرر. ومن الواضح أن المسلمين سيجدون هذا المسلك مهينًا، ولن يؤدي هذا الاتجاه إلى تجانس ديني.

الأرض الوسط باعتبار البوذيين أهل كتاب

هيا نعود إلى دلالات اعتبار الإسلام للبوذيين أهل كتاب؛ لكي نتعمقَ أكثر في الأرضية المشتركة. فكما رأينا الأرض الوسط من هذا التأكيد هي أن البوذية موحى بها من قِبَلِ سلطةٍ أعلى؛ ألا هو الله. وهذا بالطبع يثير السؤال عن الله بصفته مصدرًا للوحي، وعن الشخص الذي تلقَّى هذا الوحي ونشره للعالم.

يتبع المسلمون والبوذيون اتجاهًا انضوائيًّا فيما يتعلق بمسألة الوحي. فعلى سبيل المثال، صاحب تفسير الكلاتشاكرا "النور الساطع" يقول: "فيما يتعلق بالغزاة كان محمد "أفاتار" للرحمن. دليل تعاليم الغزاة والمعلم والسيد للغزاة الطائيين." في الهندوسية كلمة "أفاتار" تعني تجسد روح الإله في شكلٍ آخر. وهكذا فكون محمد تجسدًا للرحمن يوازي تأكيد الهندوس على كريشنا بوصفه أفاتار للإله فيشنو. وبتعبيرٍ بوذي هذا التشابه يكون مساويًا للتأكيد بأن محمد كان انبثاقَ نيرماناكايا للإله.

ومن ناحيةٍ أخرى هل يمكن اعتبار بوذا نبيًّا؟ أو رسولاً من لله؟ صحب المؤرخ الفارسي البيروني محمود الغزنوي في غزوه لشبه القارة الهندية أوائل القرن الحادي عشر الميلادي، واعتمادًا على ما تعلمه هناك كتب البيروني "كتاب عن الهند". وصف فيه العادات والمعتقدات البوذية الأساسية، ولاحظ أن الهنود يعتبرون بوذا نبيًّا، وهذا لا يعني بالضرورة أنه يُلمحُ إلى أن المسلمين ينبغي أن يقبلوا بوذا نبيًّا أو رسولاً الله. ومع ذلك يذكر القرآن في سورة النساء: }إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا{. [النساء: ٤-١٦٣] فقد يكون بوذا من بين الرسل الذين لم يذكروا صراحةً.

فعلى سبيل المثال، وطبقًا لعرض الاثني عشر عملاً تنويريًّا لبوذا، فبوذا يأتي في أوقاتٍ مختلفةٍ، حينما تكون الكائناتُ ناضجةً، ويُعلم الدارما بطرقٍ مختلفة في كل عصر، لكي تناسبَ الكائنات هناك. وبرغم وجود ألف نيرماناكايا (الجسد الفيزيقي) أَلْف نيرمانكايا بوذا سامٍ في هذا العصر، مع عدد هائل من العصور بين كل منهم هناك عديد من النيرماناكايا – الكائن الأعلى – يأتي بينهم. ويمكن أن يُطلق على كلا المجموعتين من النيراماناكايا: "رُسُل الدارما". أيضًا كل بوذا يستخدم وسائل ماهرة لتعليم الدارما بطرائقَ مختلفةٍ لأناسٍ مختلفين. فبالنسبة للبعض علمهم أن هناك ذاتًا. والإسلام أيضًا له طريقته في التعليم بوسائل جيدة، فالقرآن يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: ٤].

وينبغي أن نكونَ حذرين هنا، فعلى الرغم من أن الإسلام قد يقبل بوذا على أنه رسول لله، فسوف يشعر المسلمون – مثلهم مثل اليهود والنصارى – بالاستياء إن قال لهم أحدٌ إنَّ محمدًا وعيسى وإبراهيم وداود هم بوذا نيرماناكايا، أو تجسد للإله. وهذا خللٌ كبيرٌ في المنهج الانضوائي للدين المقارن. ومع هذا، كيف يتسنى لنا فهمُ التأكيد البوذي على أن ناغارجونا ألهم تعاليم البراجناباراميتا التي أوكلها (عهد بها) المانجوشري إلى الناغا، الذين أخفوهم أسفل المحيط. أو التأكيد على أن أسانغا تلقى التعاليم الفعلية المنتشرة عن الحب والرحمة والبوديتشيتا من المايتريا، حينما أُخِذ إلى سماء توشيتا. وأنَّى لنا أن نفهم الرؤية المحضة، وتعاليم نصوص الكنز المُلهم بها في تقاليد النيينغما. هل هذه التأكيدات البوذية تختلف كثيرًا عن التأكيد الإسلامي على أن الأنبياء يتلقون الوحيَ عن اللهِ؟!

وبالنسبة لله، فإن المظهر الوحيد الذي تدحضُهُ البوذيةُ هو ذلك المتعلق بخالقٍ قادرٍ بمقدوره الخلق، دون أن يتأثر بأي شيء حتى بإرادة الخلق.

إنها لا تنفي أي صفة أخرى لله، أو حتى للخلق نفسه. فعلى سبيل المثال تفسر الأنوتارايوجا تانترا أن العقل المستنير لكل فرد هو خالق كل المظاهر التي يمر بها هذا الشخص؛ وهذا يتأثر بكلٍّ من كارما الإنسان الخاصة به وبالكارما الجماعية. وعلاوة على ذلك فاعتباره الحقيقة الأعمق فإن العقلَ المستنير يتجاوز الكلماتِ والمفاهيم، كما هو الحال بالنسبة لله. والقرآن يصرح بذلك: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: ١٨٠].

ومع ذلك فهناك تسعة وتسعون اسمًا لله؛ وهذه تشيرُ إلى الصفات الجوهرية لله. وبالمثل، في كتاب "جوقة أسماء المانجوشري" يشير المانجوشري إلى العقل الصافي المستنير في حالته الأولية، والفقرات من نصوص الكلاتشاكرا تفسرُ صفاتِهِ.

ومثل الإله فإن العقلَ المستنير الصافي هو (٥٨) "الأول والأعلى، دون ابتداء" (١٠٠) "هو الأول بلا بدايةٍ، ولا نهايةٍ". ومثل الإله فإن العقلَ المستنير الصافي مانجوشري هو (٩٧) "الباطن، الذي لا يَظهَر، وهو بدون علامة تجعلُهُ يُرى". وعلاوة على ذلك فالله واحدٌ، وبالمثل فإن العقلَ المستنير الصافي مانجوشري (٤٧) "ليس مزدوجًا، بل المتحدث بالوحدانية."

إحدى الصفات الرئيسة لله هي الحق – أي الحقيقي الصادق الملائم، بمعنى أخلاقي أيضًا - ولذلك صلةٌ بمفهوم الدارما. بمعنى الحقيقة الأعمق، أو الإدراك العميق للدارماكايا. العقلَ المستنير الصافي المانجوشري هو (٦-٥٥): "الدارما المقدسة، حاكم الدارما، ... المجال الرائع الخالد للواقع". وفي موضعٍ آخر (٤٧): "إنه عينُ الإتقان؛ غياب الهوية – الطبيعة؛ الحالة الفعلية"، (١٥٧) "هو النقاء والمجد للحقيقة الأكثرِ عمقًا."

ودائما ما يُوصفُ الله بالرحمن الرحيم – رحمن بمعنى رحيم بخلقه، ورحيم بإنقاذه الخلقَ من المعاناة – وفي الدزوغ تشين، خاصية الريغبا – الإدراك المحض. الذي يصنع المظاهر، ويشارُ إليه باعتباره "رحمة". وعلاوة على ذلك فإن المانجوشري، العقل المستنير الصافي، هو (٣٨) "مؤلفٌ من حب عظيم، هو العقل السابق للرحمة العظيمة". (٨٨) "هو الموكل بتحقيق أهداف كل الكائنات المحدودة. راغب المصلحة؛ هو الذي يصحبُ عاطفة الوالدين نحو الكائنات المحدودة.

أيضًا، مثل الإله، فالمانجوشري، العقل المستنير الصافي، هو (١٥٢) "الجدير بالقرابين، الجدير بالثناء، الذي يُسجَدُ له.... الجدير بكل مظاهر الاحترام، جدير للغاية بالتبجيل، مستحقٌّ للإجلال والطاعة."

كل هذه المعالم فيما يختص بالله، فالعقل الصافي المستنير – وحي الحقيقة والرحمة، وهلم جرًّا – يشير إلى أرضيةٍ مشتركة بين البوذية والإسلام، إضافة إلى المبادئ الأخلاقية الأساسية المشتركة، ويمكن أيضًا أن نذكرَ العديدَ من المعالم الأخرى، مثل قراءة الأذكار في الإسلام، والمانترات في البوذية. والتوكيد على الصدقة، وطلب العلم، والحياة بأمانةٍ وصدقٍ، إلى غير ذلك. فلو اقتربنا من كل هذه المعالم المشتركة – بطريقةٍ تعددية تتسم بالاحترام، دون إصدار أحكامٍ، ودون محاولة إدخال تعاليم الآخر لتكون بدائل فقط لما لدينا – فعندئذٍ يكون لدينا أساسٌ متينٌ للتجانسِ الدينيِّ.