أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الصفحة الرئيسة > دراسات تاريخية وثقافية ودراسات مقارنة > البوذية والإسلام > الصلات العقائدية بين البوذيين والمسلمين: في الماضي والحاضر والمستقبل

الصلات العقائدية بين البوذيين والمسلمين: في الماضي والحاضر والمستقبل

ألكسندر بيرزين

نشر أولاً مع هوامش موسعة في:
Buddhist Attitudes toward Other Religions,
ed. Perry Schmidt-Leukel. St. Ottilien: EOS Verlag, 2008,
p. 212 – 236.

تمهيد

بدأ التعامل بين المسلمين والبوذيين في مجالات الثقافة والسياسة والاقتصاد، وأحيانًا في المجال العسكري منذ ثلاثة عشر قرنًا ونصف. ويشكل هذا التعامل طيفًا ممتدًّا من العلاقات الودية إلى العدائية، نظرًا إلى المكان والزمان والرجال والحكومات. وبينما تلقى تاريخ مجالات هذا التعامل باهتمام بالغ لم يتلق تحليل الصلات العقائدية إلا باهتمام يسير، وسوف نبحث في هذا المقال – بعد دراسة هذا الجانب من العلاقات الماضية والحالية – عن إمكانيات الحوار في المستقبل، ويركز هذا البحث أساسًا على وجهة نظر البوذية في التعامل العقائدي، خصوصًا في مجال الثقافات الهندية-التبتية-المنغولية.

عرض تاريخي للخلافة الأمويَّة والعبَّاسيَّة

حدث أقدم احتكاك بين الشعوب البوذية والمسلمة فيما نعرفه اليوم بأفغانستان وإيران الشرقية وأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان، وذلك عندما دخلت المنطقة تحت سيطرة الخلافة العربية الأموية في منتصف القرن السابع الميلادي، فاهتم الكاتب الفارسي الأموي عمر بن الأزرق الكرماني بشرح البوذية أمام قرائه المسلمين، وبالتالي فقد وصف تفصيليًّا في بداية القرن الثامن دير نافا فيهارا في بلخ بأفغانستان، وكذلك التقاليد البوذية هناك، كما شرح بلغة البلخ جوانب مماثلة من الإسلام. إذن فقد وصف المعبد الرئيس بأنه يتضمن مكعبًا حجريًّا متجعدًا بالكسوة في وسطه، ووصف المتعبدين بأنهم يَطوفُون به، ويسجدون متوجهين إليه، كما هو الحال في الكعبة المشرفة بمكة المكرمة.

إن كتابات الكرماني محفوظة ضمن الكتاب المؤلف في القرن السادس الميلادي المسمى ب"كتاب البلدان" لابن الفقيه الهمداني، ويبدو أن العلماء البوذيين بدورهم لم يهتموا كثيرًا بتعريف القراء البوذيين بالعقائد والتقاليد الإسلامية، فإنه لا يوجد أي دليل على وصف مماثل آنذاك.

وقد وجد التحالف العسكري بين أهل التبت والأمويين واستمرت من سنة ۷۱٥م إلى سنة ٧٢٧ م تقريبًا. وأثناء تلك المدة أمر الخليفة عمر الثاني جميع حلفاء بني أمية باتباع الإسلام، فطلبت الإمبراطورة التبتية جين تشينغ إرسال عالم مسلم إلى التبت حتى لا يتعرض الحلف للخطر، فأرسل الخليفة سليط بن عبد الله الحنفي. وبالرغم من هذا لا يبدو أن البوذيين التبتيين اهتموا بالإسلام اهتمامًا صادقًا. لا يوجد أي بيان يشير إلى حوار بين الديانات، أو حدوث تحويلات إلى الإسلام نتيجة لهذه الإرسالية. ويمكن أن يفسر هذا الاستقبال البارد بتأثير النزاع الحزبي المخالف المعاني من إرهاب الأجانب في القصر الإمبراطوري التبتي.

وقع التفاعل العقائدي البوذي-المسلم التالي خلال المنتصف الثاني من القرن الثامن الميلادي في زمن الخلافة العباسية، فطلب الخليفة المهدي الذي تابعه الخليفة الرشيد من كوكبة من العلماء البوذيين من الهند ودير نافا فيهارا في بلخ القدوم إلى بيت الحكمة ببغداد، وفوضهم أساسًا بالمساعدة في ترجمة نصوص الطب وعلم الفلك من السنسكريتية إلى العربية. ومع ذلك فيذكر "كتاب الفهرست" لابن النديم، من أواخر القرن العاشر، عديدًا من الكتب البوذية التي نقلت إلى العربية آنذاك. ونذكر على سبيل المثال كتابًا عن أعمار بوذا السابقة المسمى بكتاب "البوذ". كان نص هذا الكتاب مبنيًّا على كتابين باللغة السنكريتية،  كتاب "سبحة من التقارير حول حياة سابقة" و"أعمال بوذا" لأشفاغوشا.

وبالرغم من الاهتمام البالغ لدى علماء المسلمين بدراسة البوذية لا يوجد أي وصف مشابه لعقائد المسلمين أو ترجمة النصوص الإسلامية من قبل العلماء البوذيين آنذاك. كما لا نجد أية شهادة على مناظرة فلسفية مع المسلمين في أيٍّ من الأديرة البوذية، حتى عندما كانت الجماهير المسلمة تعيش إلى جانب البوذيين في نفس المنطقة لم تقع المناظرات إلا مع متبعي الأنظمة الفكرية غير البوذية، وهذه المناظرات وقعت في شمال الهند الشمالية قبل قدوم الإسلام إلى المنطقة، ولا يظهر أي تنويه بالإسلام في أية رسالة فلسفية بوذية باللغة السنسكريتية، إما آنذاك أو فيما بعد.

كتابات كالاتشاكرا

إن التقليد النصي البوذي الفريد الذي نجد فيه تنويهًا بالتقاليد أو العقائد الإسلامية هو كتابات "كالاتشاكرا تانترا" الذي نشأ في أواخر القرن العاشر، وأوائل القرن الحادي عشر بعد الميلاد، وإن لم تكن هذه الإشارة التاريخية إلى جميع المسلمين عمومًا، بل إلى المشايعين الإسماعيليين الشيعة الشرقية خاصة، من أواخر القرن العاشر الميلادي الموجودة في الإمارة التابعة للدولة الفاطمية في ملتان، في باكستان الشمالية المركزية الحالية.

وفي ذاك الوقت كان الإسماعيليون الفاطميون في مصر وحلفاؤهم الملتانيون يتنافسون مع العباسين السُّنيين للسيطرة على العالم الإسلامى، وبالتالي كانوا يهدددون الإمبراطورية العباسية المقحمة بينهم بالمهاجمة الثنائية. أما البوذيون والهندوسيون الذين كانوا يعيشون معًا في أفغانستان الحالية في الدولة العباسية التابعة للغزنويين، فإنهم وجدوا أنفسهم في هذه الأحوال المرعبة، وعلى الأرجح ظهرت أجزاء "كالاتشاكرا تانترا" التي تتكلم عن العالم الخارجي إجابةً على هذا الموقف، ولقد أوصت هذه النصوص الهندوسَ أن ينغمسوا ثانيةً في قيمهم الروحية، وأن يشكلوا مع البوذيين وبقية الشعوب طائفةً واحدة كيلا يستغرقوا – من أجل سذاجتهم وتشتتهم – في ديانة المهاجمين عليهم.

إن الصورة التي قدمها كالاتشاكرا عن ديانة المهاجمين تدل على فهم ناقص للفرق الإسلامية الموجودة وقتئذ، فإنها تشتمل على العرف السائد لدى جميع المسلمين عن أداء الصلوات خمس مرات في اليوم بعد الوضوء، والسجدة تجاه الأرض المقدسة، والاستعاذة بإله واحد في السماء، والسعي لحصول مأمول روحي، أي: الفوز بالسعادة الأخروية، وتدمير جميع الأصنام، واتباع أساليب الذبح الحلال، وصوم رمضان، والحفاظ على النظافة عمومًا، واحترام المساواة بين الناس "طبقة واحدة"، دون القول بأفضلية طبقة معينة تماثل البراهمانا والختان وحجاب المرأة، واتباع القواعد الأخلاقية الصارمة عمومًا، وخاصةً عدم السرقة وعدم الكذب وحماية الأمانة الزوجية. وتتضمن العقائد المتفقة عليها بين جميع أهل الإسلام الموصوفة هنا: الإيمان بالإله الخالق المسمى بالرحمن، والقول بالطبيعة الذرية للمادة، وبالأرواح الفردية الخالدة المسئولة عما جنت من الأعمال، وباليوم الآخر، عندما يرسل الإله بعض الأرواح للولادة الثانية إلى عالم سماوي؛ لأنها كانت تطيعه، ويرسل الأخرى إلى النار؛ لأنها كانت تعصيه.

وفيما يتعلق ببعض التفاصيل الجزئية كسرد ذكر أنبياء الإسلام، والقول بوجود روح يتولد منه جانب فقط تولدًا مؤقتًا في الوجود الدنيوي، مبنية أساسًا على المذهب الإسماعيلي الشيعي الشرقي، كما وصفه أبو يعقوب السجستاني. أما بعض العقائد الأخرى مثل حشر الأجساد فهي مأخوذة من كتب المتكلمين المتأخرين في ذاك العصر. وتعد بقية الجزئيات محاولات تفسير العقائد الإسلامية بلغة يمكن فهمها للبوذيين والهندوسيين، مثلاً وصف محمد على الله المتجسد مثلما يعتبر كريشنا تجسدًا (بالسنسكريتية: avatara) لفيشنو.

وتوضح كتابات كالاتشاكرا النقاط المشتركة بين البوذية والإسلام الطبيعة الذرية للمادة، ومسئولية الأرواح عن أعمالها. ويشير – بدون الرد على التفسيرات الإسلامية لهاتين النقطتين – إلى تقريب العقائد البوذية إلى أذهان المسلمين. والقضية الأساسية التي تنازعها النصوص البوذية هي القول بأن الفوز بالجنة هو الغاية الروحية المطلقة التي يستطيع أي إنسان أن ينالها؛ لأنه غير منسجم مع العقيدة البوذية الرئيسة، بتحرر نهائي من كارما وسلسلة التناسخ الروحي المتجددة. وكذلك ينتقد النص البوذي الذبح الإسلامي، ويصفه بقطع أعناق الحيوانات في وقت واحد مع النطق بالبسملة، ينبني هذا الانتقاد على سوء الفهم للتقليد الإسلامي الذي تعتبره (هذه النصوص) قربانًا دمويًّا إلى أحد الآلهة.

الاهتمام الإسلامي المستمر بالبوذية

لا يوجد دليل على أن العلماء المسلمين أدركوا أو عالجوا المشاكل المذكورة في كالاتشاكرا في القرون التالية، ولكن الاهتمام بالبوذية استمر لديهم – كما يُرى – في الكتب التاريخية المتعددة، بينما كان الاهتمام البوذي المتزايد بالإسلام معدومًا ما عدا تفاسير كالاتشاكرا.

فعلى سبيل المثال، خلال حكم الأسرة الغزنوية صاحب المؤرخ الفارسي البيروني محمود الغزنوي في هجومه على شبه القارة الهندية في أوائل القرن الحادي عشر، وألف البيروني "كتاب الهند" بناءً على ما اكتشفه آنذاك، ووصف فيه العقائد والتقاليد البوذية الرئيسة، ولاحظ أن الهنود اعتبروا بوذا نبيًّا، بينما لا يعني هذا طبعًا أنه ما كان يرى أن المسلمين يقرون بكون بوذا نبيًّا من أنبياء الله، ولكنه يشير إلى أن البيروني فهم أن البوذيين لا يجعلون شاكياموني إلهًا لهم. وأعاد الشهرستاني الذي عاش تحت رعاية أسرة السلاجقة ما كتبه البيروني عن البوذية في كتابه المؤلف في القرن الثاني عشر "كتاب الملل والنحل".

المغول

وفي أواخر القرن الثالث عشر اختار قوبلاي خان إمبراطور الصين اليوان وحفيد جنكيز خان لنفسه صبغة ساكيا من البوذية التبتية، ووظف المسلمين من آسيا الوسطى جباةً للضرائب؛ حتى يشكلوا كتلة حاجزة بين رعيته الصينة والحكام المنغوليين، وسمح قوبلاي خان للمسلمين في صدر حكومته بالاحتفاظ بجميع تقاليدهم، ولكنه وضع أنظمة مقاومة للمسلمين ردًّا على دعم ابن عمه وعدوه قايدو؛ ففي سنة ۱۲۸۰ م حرم الختان وذبح الأضاحي، أما الحكم الثاني فكان ملائمًا مع مجموعة قوانين جاساغ لجنكيز خان التي حرمت انتهاك الأرض بدماء الذبائح، ولم توجد أية صلة بين هذا الحكم والعقائد البوذية، بل إنه كان مبنيًّا على التقاليد المنغولية السابقة على البوذية، وبالتالي فليس هناك أية علاقة بين تعامل قوبلاي خان مع رعيته المسلمة والحوار العقائدي بين البوذية والإسلام، وإن كان قوبلاي قد اعتنق البوذية.

وبالرغم من أن البوذية انتشرت على يد المغول في المناطق المسلمة تقليديًّا، فإن البوذيين لم يعطوا أيَّ اهتمام بعقائد الشعب المحتلِّ، خاصة في فترة كبيرة من الحكم الإلخاني في النصف الأخير من القرن الثالث عشر، وعندما كان المنغول يسيطرون على إيران، اتبع ملوك المنغول البوذية في صورتهها التبتية ونشرها هناك، واقترح سعد الدولة وزير أرغون خان ضم بعض مظاهر الإسلام إلى سياسته الإمبراطورية؛ فاقترح أن يدَّعِي نبوة جنكيز خان وأولاده، كأئمة الشيعة، وأن يتأسى أرغون خان بالنبيِّ محمد، ويؤسس أمة دينية بوذية، ويحول الكعبة إلى معبد بوذي. وبالرغم من أن الخان أعلن البوذية ديانةً رسمية، ودعا كثيرًا من الرهبان البوذيين من كشمير والتبت إلى مملكته، لم يقبل من وزيره أي اقتراحات أخرى.

وقد اعتنق غازان خان الملك التالي من سلالة الخانات الإسلام بعد تتويجه مبكرًا، وعندما وظف رشيد الدين بتأليف "جامع التواريخ" أوصاه أن يصف فيه عقائد الشعوب التي صادفها المغول، بما فيها البوذية، وبالتالي دعا إلى بلاطه راهبًا بوذيًّا بكشي كامالاشري من كشمير ليساعد رشيد الدين في أعماله، فظهر نتيجة لتعاونهما كتاب "حياة بوذا وتعاليمه" باللغتين العربية والفارسية، وهو الفصل الثالث المسمى "تاريخ الهند"  من الجزء الثاني لـ "جامع التواريخ".

لقد شرح رشيد الدين البوذية بمفاهيم الإسلام، كما نجد في الكتب السابقة عليه للكرماني والبيروني، فهو يصنف بوذا ضمن مؤسسي الديانات الست الذين يعتقد الهندوس بنبوتهم؛ ثلاثة منهم في صورة الإله المتجسد: شيفا، فيشنو وبراهما. وثلاثة لا يحملون هذه الصورة، وهم: آرهانتا بالنسبة للجاينية، ناستيكا بالنسبة للعقيدة التشارفاكا، وشاكياموني بالنسبة للبوذية. كما يذكر الآلهة الديفا كأنها ملائكة، ومارا كأنه إبليس. كذلك فإن النص يذكر العوالم الستة للولادة الجديدة، وقوانين العلة والمعلول الكارمية، وكون كلمات بوذا محفوظةً في "كانغيور" مجموعة تراجمها إلى التبتية.

وهكذا كتب رشيد الدين عن تداول أحد عشر نصًّا بوذيًّا بترجمة عربية في إيران في عصره، من ضمنها نصوص الماهايانا، مثل: "السوترا على صفوف الأرض الطاهرة المباركة" للأرض الطاهرة بأميتابا، وكتابًا تحت عنوان "السوترا على الصفوف مثل سلة منسوجة" عن أفالوكيتيشفارا، وفيما يخص تجسد الرحمة "تفسير المايتريا" حول الميتريا والبوذا المقبل وتجسد الحب. ولكن كانت بعض كتابات رشيد الدين عن العرب خيالية تمامًا، فمثلاً ادعى أن أهل مكة والمدينة كانوا بوذيين قبل الإسلام، وأنهم كانوا يعبدون داخل الكعبة أوثانًا تشبه بوذا.

وبعد ما يزيد على قرنٍ من الزمان، في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي، ألف حافظ أبرو أحد موظفي قصر الملك شاهرخ من السلالة التيمورية في سمرقند كتابًا يسمى بـ "مجمع التواريخ". والجزء المتعلق ببوذا والبوذية منه كان مبنيًّا على كتابات رشيد الدين.

وبالرغم من أن مؤلفات المسلمين عن تاريخ الهند تتضمن تصوراتهم عن البوذية، فلا نجد تصورات مشابهة عن العقائد الإسلامية في تواريخ الهند التي ألفها الكُتَّاب البوذيون من التبتيين، أو المغول الذين عاشوا في الهند بعد نشر الإسلام فيها. وعلى سبيل المثال فإن العالم التبتي تارناتا مؤلف كتاب "تاريخ البوذية في الهند" في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي وَصَف تدمير الأديرة البوذية في شمال الهند الشمالية على أيدي الجنود المسلمين الأتراك الأوغوزيين في عصر الأسرة الغورية، ولكنه لم يذكر على الإطلاق أي شيء عن الإسلام نفسه، ولم يوجد أي حوار عقائدي بين الديانتين بالرغم من أن الدالاي لاما الخامس دمَجَ المسلمين الكشميريين بطريقة سلمية في المجتمع التبتي، مع منحهم امتيازات خاصة عندما استقروا في التبت؛ بسبب حدوث مجاعة في وطنهم في منتصف القرن السابع عشر الميلادي.

بالإضافة إلى ذلك فإن البوذية الهندية والتبتية وأساليب نصوص النظم العقائدية المنغولية قد ركزت - وإن لم يكن بشكل حصري – على النظم الهندية المحلية عند كلامها عن العقائد غير البوذية، ولم تبحث هذه النصوص عن الإسلام، حتى عندما تجاوزت النطاق الثقافي الهندي لتقدم العقائد الصينية غير البوذية، والعقائد التبتية المحلية، مثل كتاب "المرآة البلورية للتفسير الممتاز المرشد إلى مصادر وإثباتات جميع النظم العقائدية" للعلامة توكين لوزانغ تشوكيي نييما من أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.

ويظهر نموذج استثنائي وحيد على عدم الاهتمام البوذي بالإسلام؛ ألا وهو الروائي المنغولي في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي: إنجاباشي. ففي روايته عن تاريخ المغول المسمى بـ "التاريخ الأزرق" ضد الصينيين والمانشو يصرح بأن البوذية والإسلام يتفقان على غرضٍ واحدٍ: ألا وهو الخير. ويذكر على سبيل المثال أن الجزارين المسلمين والبوذيين عند ذبحهم الحيوانات يتضرعون على حدٍّ سواء من أجل أن يبعثوا في الجنة.

تفسير مقترح لفقدان اهتمام البوذيين التقليدين بالعقائد الإسلامية

إذن فقد اهتم البوذيون والمسلمون عمومًا على حد سواء بالعقائد الأخرى عند انتشار ديانتهم في مناطق فيها ديانات محلية مستقرة، والعكس ليس صحيحًا؛ فهم لم يهتموا بالديانات التي انتشرت، أو بدأت في الانتشار إلا نادرًا، وهذا في المناطق التي كانت ديانتهم سائدة فيها.

استعارت البوذية في بعض الأحيان بعض الأفكار من الديانات المحلية في المناطق التي كانت تنتشر فيها، أو أكدت على أن البوذية الهندية تتشابه بعض جوانبها مع جوانب معينة في تلك الديانات. فمثلاً توجد أفكار متشابهة لكل من مثال "بوديساتفا"، "الأراضي الخالص"، "أميتابا" وبوذا النور اللانهائي في الزرادشتية الموجودة في مناطق ذات ثقافات إيرانية، ولكن النصوص البوذية لم تتردد في الإشارة إلى التقاليد البغيضة لتلك المناطق، فعلى سبيل المثال وصف "التفسير العظيم" المؤلف في القرن الثاني الميلادي بكشمير سفاح القربى وإتلاف النمل أنه ناتج عن تعاليم اليوناكا. ينطبق اسم "اليوناكا" بشكل حرفي على المستوطنين اليونانيين لباكتريا من الإمبراطورية، وبالأخص على الهندو-سكوثيون هناك من متبعي الديانات الزرادشتية والميثرائية، وقد أعاد بافافيفيكا المعلم البوذي الهندي في القرن السادس الميلادي بإعادة هذه التصاوير عن التعاليم اليوناكاوية المثيرة للاعتراض في كتابه المسمى بـ "حريق المنطق"، الذي يعد أقدم مثال لأدب النظم الفلسفي.

وفيما يتعلق بالبوذية المنتشرة في الصين فقد سُمِّي المنهج الأول للترجمة "بتعليم المعنى". الأمر الذي استلزم استخدام المصطلحات الفنية الطاوية والطاوية الحديثة كالتصورات المشابهة لترجمة المصطلحات البوذية، وقد شرح بعض المعلمين البوذيين الصينيين، مثل جيدون في أوائل القرن الرابع الميلادي، وسينغجاو في أوائل القرن الخامس (voidness [emptiness]) بلغة "الوجود" و"الخواء (فراغ)" (being and non-being) كما أثرت القيم وأساليب الفكر الكونفشيوسية أيضًا في اختيار المصطلحات المترجمة، مثل استبدال "الناس" "بالكائنات الواعية" واعتبار الولاء البُنويِّ فضيلة بوذية. كل ذلك يلمح إلى المعرفة بالأنظمة الصينية المحلية لدى البوذية، حتى إذا لم يلمح إلى وجود الحوار العقائدي.

أما في حالات أخرى كثيرة كان الاهتمام البوذي بالأنظمة غير البوذية من خلال المنافسة على الحصول على المناصرة الملكية، وفي بعض الأحيان كان طرفا المناظرة لهما امتداد وثبات في البلد، كما حصل ذلك عند مناظرة العلماء البوذيين من الأديرة في شمال الهند مع علماء الديانات الأخرى والأنظمة الفلسفية الهندية غير البوذية، وذلك من بداية القرن الرابع حتى القرن الثاني عشر الميلادي.

وفي أحيان أخرى كان كلا الفريقين ينافس للحصول على المساندة الملكية لتبني ديانته ديانةً رسميةً من أجل توحيد الأمة، وعلى الرغم من أن المناظرة التي جرت بين مادياماكا الهندي والمعلمين الصينيين التشان بدير ساميي في السنوات الأخيرة من القرن الثامن الميلادي جرت بين مدرستين بوذيتين، إن هذا لا يزال يعتبر من مناظرة من نوع العمومي، ومن الأمثلة المناسبة في هذا السياق تلك المناظرات التي عقدها أحفاد جنكيز خان بين البوذيين والطاويين الصينيين؛ ليستقروا على الديانة الرسمية لإمبراطورية الإخانانين المنغوليين الحديثة، وقد أقيمت المناظرة الأولى في قصر الملك مونكو خان (منكو خان) سنة ١٢٥٥ م، والثانية في قصر أخيه قوبلاي خان بعد ثلاث سنوات، وكان موضوع النزاع في كلتيهما هو الزعم الطاوي أن بوذا كان تلميذا للاوزي، ولم تتطرق هذه المناظرات إلى العقائد إلا نادرًا.

زار المبشر الفلمنكي الفرنسيسكاني ويليام روبروكي في القرن الثالث عشر الميلادي بلاط الملك مونكو خان، ووصف في قصة رحلته مناظرةً جرت بينه وبين ممثل الديانة "التوين" أي: "الوثنية" في البلاط عن وجود الإله الوحيد سنة ۱۲٥٤ م، كما حضر هذه المناظرة ممثلون عن المسيحية النسطورية وديانة "الساراكينوس"، أي: الإسلام.

وبالرغم من محاولة بعض العلماء تصوير هذه المناظرة على أنها بين المسيحية والإسلام في جانب والبوذية في جانب آخر، إلا أن هذا الاستنتاج مشكوك فيه؛ بناءً على رواية وليام نفسه. أولاً: يشتق اسم "توين" من الكلمة الصينية "طاورين" أي "الشعب الطاوي". وقد اعتمد الراهب الفرنسيسكاني، كما يبدو، على المترجمين الصينين في البلاط المنغولي، فهو يصف التوين بأنهم قَبِلوا العقيدة المانوية القائلة بتقسيم الكون في الخير والشر، وأنهم يؤمنون بالإله الأسمى في السماء، ولكن هذا الإله ليس بالإله القدير، بل هو روح مجرد، ولم يتجسد أبدًا في الصورة الإنسانية، وأنه يوجد آلهة عشرة تحت هذا الإله، وإله واحد تحت هؤلاء العشرة، ثم يوجد على الأرض آلهة لا يحصى عددها. وبيَّن الراهب أنهم كانوا يؤمنون بوجود الروح، بالرغم من قولهم بالولادة الجديدة، ولهم رهبان متبتلون في معابدهم يتلون منترا، لكن الأوثان الموجودة في هذه المعابد ليست لإلههم الأسمى، بل هي للموتى.

إذن احتمال أن التوين كانوا بوذيين احتمال بعيد، بل يبدو أن ويليام روبروكى، في محاولته لشرح العقائد بلغة مسيحية، خلط بين البوذيين والطاويين والمانويين الموجودين في بلاط الملك ممونكو خان – فوصف الجميع بأنهم "وثنيون". وبالإضافة إلى هذا، وحسب رواية الراهب الفرنسيسكاني، لم يسهم النسطوريون والمسلمون في المناظرة قط، بل اكتفوا بالموافقة على أقواله، إذن من الصعب جدًّا اعتبار هذه المناظرة حوارًا بين البوذيين والمسلمين.

واختصارًا فقد اهتمت البوذية بعقائد الديانات الأخرى في الأوقات التالية:
١. عند انتشارها في المناطق التي سادت فيها ديانة أخرى.
٢. عندما كانت تدخل في مقارنة مع عقيدة أجنبية أخرى لتكون إحداهما ديانة رسمية للدولة.
٣. عندما كانت تنافس الديانات الأخرى للحصول على المناصرة الملكية.

فيما عدا فترة قصيرة في إيران تحت سيطرة الإلخانيين لم يكن الإسلام ضمن ما يسمى "ديانة أخرى" في شيء من هذه الحالات المذكورة، وحتى عندما جاء المغول بالبوذية إلى إيران الإسلامية فإن البوذيين لم يهتموا بالعقائد الإسلامية قط. إذن الوقت الوحيد الذي احتكَّ فيه البوذيون بالعقائد الإسلامية كان عندما بدأت الجيوش الإسلامية تهددهم.

الموقف الحالي للشعوب المسلمة والبوذية في آسيا

وكأن هذه السوابق التاريخية تصوِّر في بادئ الأمر الموقف البوذي الحالي في العالم تجاه العقائد الأخرى، فقد ظلت البوذية بدايةً من النصف الأخير للقرن العشرين تنتشر في مناطق متعددة، وقد وجدت فيها ديانات أخرى كالديانات التقليدية، وأدى ذلك إلى نزعة متزايدة تجاه الحوار بين الديانات؛ بين زعماء البوذية والمسيحية واليهودية. لكن البوذية ما كانت تنتشر في مالناطق مسلمة. بدلاً من ذلك بُعِثَ الاهتمام البوذي في الحوار مع المسلمين أساسًا بتهديدات الثورات، خاصةً منذ بدايات القرن الحادي والعشرين. وينشأ جزء من الخطر بسبب الظروف العصيبة التي صاحبت الهجمات الإرهابية من المتطرفين المسلمين والرد العسكري عليها، بينما ينشأ الجزء الآخر من المنافسات الاقتصادية التقليدية بين الشعوب البوذية والمسلمة بآسيا، والتي تتزايد بسبب التهديد المنتظر للعولمة الاقتصادية. وفي بعض الأحيان قد يزيد الموقف تعقيدًا بسبب سياسات السلطات المستعمرة في الماضي والحاضر، وكثيرًا ما تزيد هذه العوامل بعضها بعضًا.

ففي مثل هذه الظروف الخطيرة يصبح التعليم والحوار محتومَين؛ لأن كثيرًا من الناس يخلط خطأً بين المتطرِّفين والشعوب المسلمة عمومًا من جانب، وبين سياسات هؤلاء المتطرفين وخططهم العسكرية والتعاليم الإسلامية من جانب آخر. بينما ينزع البعض إلى إلقاء مسئولية العنف على عاتق العقيدة الدينية وحدها، ويرفض أو يهمل دور العوامل السياسية والثقافية والاجتماعية والتاريخية والاقتصادية. ومما يزيد الموقف سوءًا عدم النظر للعواقب.

فعلى سبيل المثال كان تدمير طالبان في باميان بأفغانستان لتماثيل بوذا العملاقة سنة ۲۰۰۱ م احتجاجًا على العقوبات الدولية ومنع المساعدات ولم يكن هجوما على البوذية والبوذيين أنفسهم؛ لأنه لا يوجد في أفغانستان بوذيٌّ واحد يعبد تلك الأوثان.

وفي جانب آخر، توجد في بنجلاديش أقلية بوذية نسبتها واحد بالمئة، المستوطنة أساسًا شيتاغونغ ولاية وهيل المسالك شيتاغونغ. واندلعت أعمال عنف نتيجةً للنزعة الأصولية الإسلامية البنجلاديشية المتزايدة منذ أحداث ١١ سبتمبر سنة ۲۰۰۱ م في هذه المناطق ضد الشعوب البوذية هناك، لكن هذا العنف لم يكن مقصورًا على الشعب البوذي، أو على تلك المنطقة فقط، بل تعدى إلى النصارى أيضًا على امتداد البلد. وهو مثال واضح لازدياد في العنف منذ "الحرب ضد الإرهاب" والمهاجمة الأمريكية على أفغانستان والعراق. وبالرغم من إقرار التعديل الدستوري سنة ۱۹۸۸ م المصرح بالمنهج الإسلامي للحياة لنجلاديش، كان الصراع بين الشعوب المسلمة والبوذية هناك قليلاً جدًّا قبل الهجمات الإرهابية في ١١ سبتمبر.

تمثل ماليزيا وأندونيسيا تلك البلاد التي تضاف فيها العوامل الإقتصادية إلى الصراعات الشعوبية، فكلا البلدين يوجد فيه عدد هائل من السكان المسلمين المواطنين إلى جانب الأقليات البوذية الصينية الأجنبية الأغنى نسبيًّا. ولكن العلاقات بين طائفتين عِرْقيتين صارت متوترةً في أندونيسيا فقط، وكان ذلك تاليًا للأزمة الاقتصادية في ۱۹۹۷ – ۱۹۹۸ م، وانهيار حمية سوهارتو.

وفي جانب آخر لم تصل الصراعات البوذية-المسلمة في كشمير ولداخ وفي الأقاليم الثقافية التبتية للجمهورية الصين الشعبية إلى درجة العنف العلني، لكن التوتر يوجد أساسًا بسبب المنافسة الاقتصادية بين الفرقتين، وليس ذلك من أجل الخلاف العقائدي، وفيما يتعلق بالأقاليم الثقافية التبتية فإن الموقف يزيد خطورةً من أجل السياسة الصينية التي تدعم نقل الشعوب غير التبتية إلى تلك المناطق وتيسره وتشجعه كذلك.

وقد ظلت السياسات الحكومية تؤثر في المشاكل في بورما ميانمار، والصراعات العرقية هناك أشعلها البوذيون ضد مسلمي روهنجيا في الدولة شمال راخين في أراكان، ويعبر هذا العنف عن استياء البوذيين للمستوطنين غير البوذيين بينهم، خاصة المسلمين من جنس البنغاليين، ولقد نشأ هذا الاستياء نتيجة للتمييز العنصري لغير البوذيين الذي مارسه الاستعمار البريطاني خلال سيطرته على البلد. وتنتهز الحكومة العسكرية الحالية فرصة هذا التعصب من خلال فرض القيود الصارمة على المسلمين؛ برفض منحهم حق المواطنة، وكثيرًا ما يتهمها المسلمون بإثارة المشاكل البوذية ضدهم.

وفي تايلاند الجنوبية نشأ العنف العرقي بين البوذيين والمسلمين من أجل إدخال الدولة دولة فطاني الملائية المالاي بتايلاند ضمن المعاهدة الإنكليزية-السيامية سنة ۱۹۰۹ م، ومن أجل عدم دمج هذه المنطقة مستقبلاً في أمة ذات غالبية بوذية.

الحوار الحديث بين البوذية والإسلام

دعت "الحركة الدولية لعالم عادل" (International Movement for a Just World) و"معهد سانتي براتشا دهما" (Santi Pracha Dhamma Institute) نتيجة للموقف الحاسم في تايلاند الجنوبية، والتحديات في مناطق أخرى من جنوب شرق آسيا، إلى مؤتمر للحوار بين البوذية والإسلام في بينانج بماليزيا سنة ۱۹۹٦م تحت عنوان "السياسات البديلة لآسيا". وأكد المؤتمر على اللجوء إلى المعرفة التقليدية والقيم الروحية للديانتين لحل المشاكل المحلية.

وأنشأت حكومة تايلاند سنة ۲۰۰٤ م "لجنة الصلح الوطني" لتبحث عن مناهج القضاء على العنف الطائفي. وبالتالي عقدت تلك اللجنة بالتعاون مع "مركز جامعة ماهيدول لبحوث بناء السلام" (Mahidol University Research Centre for Peace Building) مؤتمرًا تحت عنوان: "الحوار بين البوذية والإسلام: العنف والصلح" في سالايا بتايلاند.

وكذلك عقدت "الشبكة الدولية للبوذيين المرتبطين" (International Network of Engaged Buddhists) بالتعاون مع "الحركة الدولية لعالم عادل" و"معهد سانتي براتشا دهما" مؤتمرًا تاليًا تحت عنوان "البوذيون والمسلمون في جنوب شرق آسيا: العمل نحو العدل والسلام" في بانكوك بتايلاند في يونيو سنة ۲۰۰٦ م. وقد خرج عن هذا المؤتمر "بيان دوسيت". وكان البيان عبارة عن دعوة لتعزيز التفاهم والوئام المجتمعي بين أتباع الديانتين، ونبذ القولبة النمطية والتحيز. واقترح البيان زيادة التعليم والطباعة ونشر المعلومات الإعلامية الإلكترونية؛ وذلك لتعزيز التفاهم والتوافق الطائفي بين الطائفتين المتدينتين، وتقوية دور رجال الدين ورجال السياسة بالسعي في سبيل إيجاد علاقات متوافقة.

وختم البيان بالنقاط التالية:

"إن القوة المسيطرة للرأسمالية العالمية لَديانةٌ جديدة تهدد باستئصال القيم الروحية والأخلاقية الجامعة، والنظرة العالمية المتضمنة في البوذية والإسلام والديانات الأخرى، ومن أجل ذلك فينبغي للمسلمين والآخرين أن يشكلوا وحدةً متأصلةً وتكافلاً؛ حتى يتمكنوا من تقديم رؤية أخرى للحضارة الإنسانية الشاملة العادلة الرحيمة العطوفة. والآن نعلن تأسيس لجنة دائمة للمواطنين البوذيين والمسلمين في جنوب شرق آسيا، وفي أذهاننا هذه المهمة نفسها".


لكن الدعوة إلى الأخلاقيات البديلة عن الرأسمالية العالمية تتعرض لخطر إثارة ما يسميه سيمويل هنتنغتن بصراع الحضارات. فمن أخطار مثل هذا الموقف أنه يزيد فعلاً من صعوبة الحوار مع الجماعات الأخرى، وبالتالي تركز الفرق الأخرى التي تهتم بالحوار بين البوذية والإسلام على منهج أشمل.

فعلى سبيل المثال، وردًّا على تدمير تماثيل بوذا بباميان شاركت "العائلة العالمية للحب والسلام" (The Global Family for Love and Peace) بالتعاون مع "متحف أديان العالم" (Museum of World Religions) تايبيه وتيوان في عقد سلسلة من الحوارات بين البوذية والإسلام بمنهج أشمل، فانعقدت المؤتمرات الثلاثة الأولى في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية في مارس ۲۰۰۲ م، وفي كوالا لمبور بماليزيا في مايو ۲۰۰۲ م، وفي جاكرتا بإندونيسيا في يوليو ۲۰۰۲ م. ثم تبعها "مؤتمر الحوار البوذي-المسلم حول الأخلاقيات العالمية والحكم الرشيد" الذي انعقد في المركز الرئيسة لليونسكو في باريس بفرنسا في مايو ۲۰۰۳ م. وأقيمت ندوة حول موضوع "دهارما والله والحكم: حوار بين البوذية والإسلام" في يوليو ۲۰۰٤ م في بارسيلونا بأسبانيا ضمن مؤتمر "برلمان أديان العالم" (Parliament of World Religions)، ثم أقيمت في نوفمبر ۲۰۰٥ م "ندوة الحوار البوذي المسلم" في مراكش بالمملكة المغربية، والتي تلاها مؤتمر بوذي-مسلم بعنوان "تعاليم الأديان حول الحياة والموت" في بكين بالصين في أكتوبر ۲۰۰٦ م.

لقد وصلت الدعوة إلى التعاون السِّلْمي بين البوذية والإسلام والديانات الأخرى، وذلك بصياغة أخلاقيات عالمية شاملة لجميع الأديان، إلى أماكن أخرى، فمثلاً في ۱۹۹٦ م أسس دايساكو إيكيدا رئيس "سوكا جاكاي الدولية" (Soka Gakkai International) معهد تودا للسلام العالمي والسياسة"" (Toda Institute for Global Peace and Policy) في طوكيو باليابان وفي هونولولو وهاواي بالولايات المتحدة الأمريكية، ولقد موَّل المعهد العديد من المؤتمرات والمطبوعات مركِّزًا على إنشاء "الحضارة العالمية" التي تهدف إلى الحفاظ على الحياة الإنسانية كاملةً، وعلى وقاية البيئة، وعلى التنمية المتناسقة لجميع الجماعات الإنسانية. وإحدى هذه المطبوعات هي: "الحضارة العالمية: حوار بوذي-مسلم".

كذلك دعا صاحب القداسة الدالاي لاما الرابع عشر تَكرارًا أصحاب الديانات والملحدين على حد سواء إلى تحمل المسئولية الكاملة في إيجاد العالم السِّلْمي وإبقائه، بِناءً على الأخلاقيات العلمانية المشتركة بين الأديان والنظم الإنسانية، وتتأسَّس هذه الأخلاقيات الإنسانية على الإقرار بالقيم الإنسانية الأساسية؛ مثل: وجود أمنية السعادة، والتخلص من الشقاء لدى الجميع، وحق الجميع للفوز بالسعادة، وعدم تحمل المشاق على حد سواء.

ولقد شارك الدالاي لاما في ضوء هذه الدعوة في الكثير من الحوارات بين الديانات، وقد بدأت تلك الحوارات وخاصة التي تركز على العلاقات بين المسلمين والبوذيين في دارامسالا بالهند في مارس سنة ۱۹۹٥ بين الدالاي لاما وبين الدكتور تيرميزيو ديالو، الشيخ الوراث لإحدى الطرق الصوفية في غينيا بغرب أفريقيا، ودارت رحاها حول التسامح في البوذية والتصوف. وتشمل أحدث اللقاءات على "اجتماع القلوب المستنيرة بالرحمة" الذي عقد في سان فرانسيسكو وكاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية في أبريل سنة ۲۰۰٦ م، و"مخاطر العولمة: هل الأديان تقدم حلاًّ للمشاكل، أم هي جزء من المشكلة نفسها؟" المنعقد في براغ بجمهورية التشيك في أكتوبر سنة ۲۰۰٦ م.

كما عقد الأكاديميون مؤتمرات عديدة حول قضايا المسلمين والبوذيين من أجل التوصل إلي تفاهم أفضل من خلال البحث التاريخي، وقد بدأت مشاركتي أنا في مثل هذه المحاولات التعاونية في مايو سنة ۱۹۹٤ م بلقاءات مع العلماء المسلمين في الجامعات في بشكيك بقرغيزستان وألماتي بكازاخستان، تبعتها مناقشات في إسطنبول بتركيا في فبراير سنة ۱۹۹٦ م. كان القصد من ورائها التحليل القائم على الموضوعية للتفاعل البوذي-المسلم في آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية، الذي يخلو من التصورات التي تقدم جانبًا واحدًا، وتؤكد على العنف وتدمير الأديرة فقط، واتسعت هذه المحادثات في نوفمبر سنة ۱۹۹٥ م بمزيد من اللقاءات في القاهرة بمصر ومفرق بالأردن ومرةً أخرى بإسطنبول، ثم اتسعت المحادثات أكثر من ذي قبل في أكتوبر سنة ۱۹۹٦م مع زيارات الجامعات ببشكيك وألماأتي والقاهرة ومفرق، وإسطنبول وقونية وكايسيري وأنقرة بتركيا. وقد ضمنت ما تعلمته من هذه المساهمات العلمية في كتابي الألكتروني: "التفاعل التاريخي بين الثقافتين: البوذية والإسلامية قبل الإمبراطورية المنغولية".

أما محاضرات جيرالد وائزفيلد حول الإسلام وحوار الأديان"" (Gerald Weisfeld Lectures on Islam and Interfaith Relation) المنعقدة حديثًا في جلاسجو بإسكتلندا في أكتوبر ونوفمبر سنة ۲۰۰٦ م فقد عرضت فيها بحوث تتعلق بموضوع "نظرة مسلمة إلى البوذية" و"نظرة بوذية إلى الإسلام". وعلى نفس المنوال طلب "معهد واربورغ" (Warburg Institute) مؤتمرًا أكاديميًّا في لندن بإنجلترا في نوفمبر سنة ۲۰۰٦ م حول "الإسلام والتبت: احتكاكات ثقافية". فيتضح من هذا أن كثيرًا من المعاهد في أنحاء العالم أدركت أهمية تنمية التفاهم بين أديان العالم والنظم العلمانية، بما فيها البوذية والإسلام.

إمكانيات الحوار في المستقبل

ظل مبحث إيجاد الأخلاقيات المشتركة التي تساعد على إيقاف تيارات العنف بين الجماعات الدينية والتأكيد عليها من بينأهم المبادئ التي يؤكد عليها الحوار البوذي-الإسلامي. ففي ضوء هذا الموضوع تكلم صاحب القداسة الدالاي لاما الرابع عشر في محاضرة عامة بعنوان "التسامح: مصدر السعادة" في ماديسون بويسكنسن في الولايات المتحدة الأمريكية في مايو سنة ۲۰۰۷ م عن موقف متطرف حيال الأخلاقيات يجب الحذر منه، يشتمل جانب واحد من هذا الموقف على اعتبار الأخلاق مِلْكًا خاصًّا لعقيدة دينية واحدة، بينما يدعي جانب آخر أن الشعب الذي يفقد عقيدة دينية معينة أو ديانة ما عمومًا يفقد الأخلاق كلها. وقد صرح صاحب القداسة أن بعض المسلمين بالأخص يعتنق هذه الفكرة، ثم وضح دعوته إلى "أخلاقيات علمانية مبينة على القيم الأساسية للإنسانية" شارحًا أن الأخلاقيات المقترحة لا تصدر عن الأخلاقيات المبنية على العقيدة الدينية ولا تهددها، بل إنها تحيط بالقيم المشتركة بين جميع الأديان والنظم الإنسانية؛ ذلك بأن البحث عن السعادة، والتخلص من المعاناة ينشآن من العوامل البيولوجية الموروثة، بغض النظر عن خلق الله للبيولوجية أو عدم خلقه لها.

وربما كانت توضيحات صاحب القداسة مبعوثة من رد فعل بعض الزعماء المسلمين على "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" (Universal Declaration of Human Rights) الذي صدر عن الأمم المتحدة في ۱۹٤۸ م، ثم انتقدته كل من السودان وباكستان وإيران والمملكة العربية السعودية؛ لأنه لا يعتني بقيم الأديان والثقافات غير الغربية، فأدت انتقاداتهم إلى "إعلان القاهرة عن الحقوق الإنسانية في الإسلام" (Cairo Declaration on Human Rights in Islam) الذي تبناه وزراء ثمانية وأربعين بلدًا إسلاميًّا سنة ۱۹۹۰ م، وذلك أثناء "منظمة مؤتمر العالم الإسلامي" (Organization of the Islamic Conference). ولكن لا تقر هذه الوثيقة إلا بتلك الحقوق الإنسانية التي تنسجم مع الشريعة الإسلامية.

وبالتالي يجب على المسلمين والبوذيين أن يجتهدوا كثيرًا للتواصل فيما بينهم، ويبنوا على الأساس المشترك لتعاليمهم الأخلاقية لو كانوا يريدون التعاون على تنمية السلام، وتعميم العدل الاجتماعي، وليس في علاقاتهم الثنائية فحسب، بل في العالم أجمع. لقد أشارت "كالاتشاكرا تانترا" سابقًا إلى هذا الأساس المشترك بقولها: "تؤمن كلتا الديانتين بكون الفرد مسئولاً عن أعماله، ويؤمن أتباعهما بمبادئ أخلاقية صارمة".

من الجدير بالملاحظة أن النصوص الفلسفية البوذية المتقدمة تناقش بالتفصيل وجود الإله الخالق كما يؤمن به النظم العقائدية الهندوسية المتعددة، تكتفي كتابات كالاتشاكرا بذكر إيمان المسلمين بوجود خالق رحمن، ولا تعلق عليه. ولقد أدرك النص البوذي بعدم معالجته لمسألة وجود إله قدير أنه لم يكن ثمة فائدة لمناقشة السؤال التالي: هل يستمد النظام الأخلاقي الكوني من الإله أم لا؟ وبالرغم من تفسير البوذيين "لأديبوذا" في كالاتشاكرا كخالق الكون، وذلك من أجل مقتضيات كون البوذية ديانة رسمية بأندونيسيا، يبدو أن التحليل العميق للمسألة لا علاقة له اليوم بتعزيز التعاون بين الديانات في مواجهة العنف، مثلما كان في العصور التي ظهرت فيها كالاتشاكرا، فإن القضية مشحونة بشيء عظيم من نشاط عاطفي من الجانبين، وبالنسبة لكثير من أتباع الديانتين فالموضوع أكثر فلسفةً من أن يتعلق بحياتهم اليومية وتجاربهم.

ولكن الأمر الذي ربما يكون أوثق صلة بالحوار البوذي – المسلم العقائدي هو قضية الجهاد، وتعني كلمة "الجهاد" بالمفهوم الإسلامي الجهد الذي يتحمل الواحد فيه المشاق من أجل الله. وبالرغم من وجود عدة تقسيمات للجهاد فإن جمهور المسلمين يتفق على قسمين أساسيين: الجهاد الأكبر، والجهاد الأصغر.

الجهاد الأكبر هو جهد الفرد الداخلي الذي يبذله في أعماق قلبه ضد الأفكار والدوافع المضادة للتعاليم الإسلامية، أما الجهاد الأصغر فإنه الكفاح المسلح ضد التهديدات الخارجية للإسلام، وهو رد الفعل المعاكس لاضطهاد الفرد نفسه وأسرته وجماعته.

ويذهب العلماء المسلمون عدة مذاهب فيما يتعلق بأهمية أحد هذين القسمين، مع أنه لا يختلف اثنان في أن القرآن يسمح بالكفاح المسلَّح، ومع ذلك فإنه يمكن أن يكون الجهاد الأكبر موضوعًا عقائديًّا مثمرًا من وجهة نظر الحوار البوذي-المسلم، ومن أجل التعاون لتنمية السلام المحلي والعالمي. ويستشهد بعض المسلمين على أفضلية الجهاد الأكبر بالحديث الآتي:

(رجع بعض المجاهدين من سرية، فقدموا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال لهم: "قدمتم خير مقدم، فقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر." قالوا: "وما الجهاد الأكبر؟" قال: "مجاهدة العبد هواه!")


لقد عبر المعلم الهندي شانتيديفا في القرن الثامن عن رأي مماثل "الانخراط في سلوك بوديساتفا السلوكي" (في الفصل ٥ جزء ١٢) حيال سمو قدر شن حرب داخلية ضد المشاعر الداخلية المشوشة مثل الغضب:

"توجد الموجودات الظالمة في كل مكان كما يوجد الفضاء من المستحيل أن أكون قد قضيت عليها جميعًا ولكنني لو قضيت على روح هذا الغضب فكأنني قد قضيت على جميع الأعداء".


فمن وجهة نظر عقائدية تقف البوذية موقفًا جيدًا للحوار مع الإسلام عن قسمَي الجهاد؛ وذلك لأنه توجد في التعاليم البوذية أيضًا فكرة تماثل الجهاد الأصغر، وبالتالي فقد بيَّن صاحب القداسة الدالاي لاما الرابع عشر أنه عند فشل الوسائل السلمية غير العنيفة جميعًا يصبح من الواجب اللجوء إلى الوسائل العنيفة، ولكنه لابد أن يكون التحريض رحمة لضحايا العنف ومرتكبيه كليهما دون الغضب أو البغض، ولأن العنف عمومًا يولِّد مزيدًا من العنف، فالوسائل السلمية أفضل دائمًا.

إن التوسُّع في مدى الحوار البوذي-المسلم عن الجهاد ليحيط بإستراتيجيات معالجة قضايا البيئة قد يكون خصبًا أيضًا، فمثلاً وبالرغم من ضرورة المناهج الخارجية لمكافحة الاحتباس الحراري ولقلبه ومكافحة الانحطاط البيئي، فإننا نحتاج إلى المجاهدة الداخلية كثيرًا حتى نقهر الأنانية وما فيها من قصر نظر وجشع يزيدان المشكلة نارًا.

الممارسات والمناهج الإسلامية المفيدة للبوذية

بسبب كثرة الحوارات بين الأديان فإن أتباع هذه الأديان يعرفون تعاليم الأديان الأخرى وممارساتها من بعضهم البعض، حتى اكتشف البعض أن هناك تقاليد معينة من هذه الديانات تشبه تقاليدهم، وتشير إلى ممارسات قد تعزز تنفيذ مبادئ تقاليدهم في الحياة اليومية، ففي ضوء هذا الاتجاه ربما يكون معرفة المزيد من الممارسات الإسلامية من المفيد للبوذيين.

الحج إلى مكة مرة واحدة في الحياة يعد من بين أركان الإسلام الخمسة الواجبة على كل مسلم أو مسلمة بشرط القدرة عليه ماديًّا وبدنيًّا، وأثناء هذه الزيارة يجب على الرجال أن يرتدوا زيًّا متماثلاً مشتملاً على ردائين من ثوب أبيض وخفين، وليس هناك زي معين للنساء غير الزي التقليدي المتواضع لهن في بلادهن.

ويتوق الكثير من متبعي البوذية بمذاهبها المختلفة أيضًا إلى زيارة بودغايا مرة واحدة في حياتهم، وهو مكان مقدس في الهند حصل فيه بوذا على النيروانا، لكن ليس هناك قواعد معينة خاصة بالزي أو السلوك أثناء الزيارة، وبالتالي فإنه من الممتع فكرة تبني بعض التقاليد من الحج الإسلامي وتكييفها مع العقائد البوذية خاصة؛ بهدف لم شمل البوذيين. وبالرغم من أنه لا حاجة إلى تعيين زيارة مقدسة سنوية في أيام معينة، فمن الممكن أن يرتدي جميع الزوار العامة زيًّا بسيطًا مماثلاً في بودغايا، ويتبعوا مجموعة الطقوس المقترحة المقبولة لدى كل صورة من البوذية.

ومن أركان الإسلام الخمسة الأخرى: الزكاة المؤداة إلى الفقراء، وهو عبارة عن ضريبة سنوية تقدر بـ ٥‚ ٢٪ من الدخل الزائد على المستوى الأدنى. وفي الجانب الآخر تدعو البوذية بمذاهبها المختلفة إلى السخاء ضمن الأعمال بعيدة الأثر، وتقليديًّا وحسب هذه الممارسة كان عامة البوذيين يقدمون الطعام والأنواع الأخرى من المساعدة إلى الرهبان والراهبات وإلى الأديرة، وبالرغم من ذلك فإن العطاء الموجه إلى الفقراء وأصحاب الحاجة من عامة الناس قليل جدًّا، ولقد بدأت حركات بوذية متعددة تحاول معالجة هذا الأمر؛ منها "مؤسسة الإغاثة والرحمة البوذية دسو تشي" (Buddhist Compassion Relief Tzu Chi Foundation) التي أسسها في تايوان سنة ۱٩٦٦ المعلم تشينغ يان، و"الشبكة الدولية للبوذيين المرتبطين" التي أسسها سولاك سيفاراكسا بتايلاند سنة ۱٩۸۷. والجدير بالذكر أن فريضة الزكاة الإسلامية تضرب لنا مثالاً يحتذى به في هذا المضمار.

لكن البوذية تشجع أتباعها أن ينموا صفة السخاء وغيرها من الصفات الأخرى البعيدة الأثر بحثهم عليها وبإيجاد الدوافع لها، ولكن الضريبة الواجبة للفقراء سوف تناقض هذا الأمر، وبالرغم من ذلك فهناك اقتراحات بتخصيص نسبة مئوية معينة من دخل المرء سنويًّا للفقراء عمومًا، ولإنشاء المزيد من المؤسسات المتطوعة لتوزيع هذه المعونة.

وأخيرًا فهناك مجال آخر يمكن للبوذيين فيه أن يتعلموا أمورًا مفيدة من المسلمين، وهو إصلاح مدمني المخدرات، فيشتمل برامج الإصلاح في زنجبار مثلاً على شغل وقت المدمنين المتعافيين بالأعمال الدينية المنظمة مثل الصلاة خمس مرات في اليوم، وهذا يساعدهم في معالجة مشاكلهم البدنية والعواطفية المتعلقة بحالتهم المتأخرة، كما يساعدهم على إيجاد طريق جديد إيجابي في حياتهم.

يتزايد إدمان المخدرات والكحول في كثير من المجتمعات الآسيوية البوذية، ولا يقتصر إدمان الهيرويين في المثلث الذهبي المكون من بورما ميانمار وتايلاند ولاوس فحسب، بل ينتشر في المناطق الأخرى أيضًا. ولقد واجه مجتمع اللاجئين التبتيين في الهند ونيبال استخدام المخدرات المتزايد بين الشباب المحرَّرين من السحر، وفي منغوليا ظل إدمان المسكرات مشكلة أساسية عبر عشرات السنين مع زيادة إدمان المخدرات أيضًا. فمن الممكن أن يفيد برنامج مشابه لبرنامج زنجبار في إصلاح المدمنين، ويمكن أن يتضمن هذا البرنامج في نطاق البوذية الهندية والتيبتية والمنغولية على إعادة السجود والممارسات الأساسية الأخرى مئة ألف مرة من أجل تزكية النفس.

خاتمة

إذن لم يوجد لدى علماء البوذية وأتباعها اهتمام بتعاليم الإسلام تقليديًّا إلا قليلاً، وذلك لم يكن من أجل الأناقة الثقافية، بل من أجل حقيقة أن البوذيين لم يروا أية حاجة إلى الحوار العقائدي، وكان ذلك بسبب أن البوذية – بخلاف علاقتها مع ديانات أخرى – ما كانت تتقدم في مناطق مسلمة، وما كانت تنافس الإسلام للحصول على الدعامة الملكية، فلم يشعر البوذيون بحاجة إلى الحوار، حتى كرد فعل على تدمير أديرتهم في شبه القارة الهندية على أيدي جنود المسلمين، أو كرد فعل على نشر الإسلام السِّلْمي في المناطق البوذية؛ مثل آسيا الوسطى وإندونيسيا. وكان البوذيون دائمًا أحرارا في تحول الديانة، واعتبر الحوار العقائدي مع مرتكبي التدمير بلا فائدة بعد تدمير الأديرة، وهناك ردود فعل بوذية تشبه ذلك السلوك في عصرنا الحالي تجاه الاضطهادات والقتل على أيدي حكومات الشيوعيين في روسيا ومنغوليا والصين وفيتنام ولاوس وكمبوديا.

إن المرة التاريخية الوحيدة التي توجَّه فيها البوذيون إلى قضايا عقائدية مع الإسلام كان عند مواجهتهم للغزو والاضطهاد على أيدي أقلية مسلمة متطرفة مسلحة في نهاية القرن العاشر الميلادي، وحتى في ذلك الموقف الرهيب لم تحاول النصوص البوذية الرد على شيء من العقائد الإسلامية، بل بحثت عن المجال المشترك بين الديانتين حتى تؤدي بالمجموعة المعتدية المسلمة إلى فهم أفضل للبوذية. وكذلك فإن الأسلوب النافع اليوم للحوار البوذي – المسلم يمكن أن يكون محاولة تعيين المجال المشترك العقائدي؛ من أجل معالجة التهديدات المتصاعدة، مثل العنف بين الطوائف، والنزاع المسلح، والاحتباس الحراري، والانحطاط البيئي، واستخدام المخدرات. وربما يمكن العثور على حلول هذه المشاكل الملحة من خلال التعاون السلمي والتفاهم.

ملحق

عالج صاحب القداسة الدالاي لاما الرابع عشر في محاضرة تحت عنوان: "الإيمان بحقيقة واحدة أو بحقائق متعددة؟"، تلك التي ألقاها في هامبورغ بألمانيا ٢١ يوليو سنة ۲۰۰۷ م، قضية في غاية الأهمية لنجاح حوار بوذي-مسلم في المستقبل، ألا وهي: كيف نعالج الاختلاف العقائدي بين بعض الديانات التي تؤمن بحقيقة واحدة، وبين الأخرى التي تؤمن بحقائق كثيرة؟ فوضح صاحب القداسة أن التديُّن أمر شخصي، وبالتالي ما يؤمن به المرء ليس بحقيقة إلا بالنسبة له، وفي الحقيقة هناك ديانات عديدة في العالم، وحقائق متعددة يؤمن بها أتباعها. ثم شرح هذه الموضوع قائلاً:

"أصدقائي من المسيحيين والمسلمين، في الواقع هناك ديانات كثيرة وحقائق عديدة تعلِّمها هذه الديانات، والواقع أقوى مما نتصوره، والذين يحسون بأن هناك حقيقة واحدة فحسب فلهم أن يؤمنوا بتلك الديانة، ولكنه من الواجب عليهم أن يحترموا الديانات الأخرى؛ لأنها تأتي بفوائد عميقة لإخواننا وأخواتنا".
 
"أنا شخصيًّا أعجب بسائر الأديان وأقدرها وأحترمها، مثل: الإسلام والمسيحية واليهودية والهندوسية. ويصفني بعض المسيحيين مسيحيًّا صالحًا، كما أعتبر بعض المسيحيين بوذيين صالحين، وأنا أرحب بجميع الأعمال المسيحية، مثل: المغفرة والرحمة والإحسان وما إلى ذلك. وأنا أعتقد أن العلة والمعلول هما أساسا الدين، بينما يعتقد هؤلاء أن تصور الإله هو أساس الدين، فأخبر هؤلاء أن الاعتقاد بالنشأة المترابطة (dependent arising) والفجوة هما من العقائد الخاصة بنا، وليس بكم، ولكن الجوانب الأخرى مشتركة بيننا جميعًا، وهذا هو أساس أي توافق".


تتعلق هذه النقاط الأخيرة عن التوكيد على القيم الأخلاقية بالتوافق بين البوذيين والمسلمين أيضًا.