الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس
مدخل إلى البوذية برؤية إسلامية
بيرزين ألكسندر. "البوذيَّة وتأثيرها على آسيا".
أوراﻕ آسيويَّة، رقم ٨.
القاهرة: جامعة القاهرة، مركز الدراسات الآسيويَّة، يونيو ١٩٩٦ م.
بوذا ليس إلهًا قديرًا
كان شاكياموني مؤسس الديانة البوذية أميرًا على كابيلا واستو إحدى الدويلات الواقعة على حدود الهند الشمالية الحالية ونيبال قبل ألفي سنة ونصف. وبعد أن شاهد المعاناة ا لجسدية والمعنوية لرعيته تخلى شاكياموني عن حياته الملكية، وقضى سنوات عديدة في التأمل باحثًا عن سبيل النجاة من متاعبهم، والحصول على السعادة الخالدة لجميع الموجودات، ونتيجة لشفقته البالغة بالآخرين ولفهمه العميق تمكن من التغلب على جميع عيوبه وقصوره ومشاكله وتحقيق مقدراته حتى إنه أصبح بوذا. إن بوذا ليس بإله قادر على كل شيء، بل هو حرفيًا تجلي الشخص "ذي اليقظة الكاملة" من أجل التمكن من مساعدة الآخرين بأقصى أحد، ثم أنفق شاكياموني بوذا حياته المتبقية في تدريس الآخرين طرق الحصول على اليقظة التي تحققها هو كي يصبحوا هؤلاء مثله بوذاوات (جمع) كاملي التنوير.
ذكر بوذا في القرآن الكريم؟
يسلم الأستاذ حامد عبد القادر، وهو من علماء منتصف القرن العشرين، في كتابه "بوذا الأكبر: حياته وفلسفته" أن النبي ذا الكِفْل، أي "المنتسب إلى كفل" المذكور مرتين في القرآن (سورة الأنبياء: ۸٥، وص: ٤۸) من زمرة الصابرين والأخيار يشير إلى شاكياموني بوذا. في حين أن جمهور العلماء يرون ذا الكفل هو النبي حزقيال، ويوضح الأستاذ عبد القادر أن "كِفْل" تعريب لكلمة "كابيلا" المختصر عن "كابيلا واستو". كما يقترح الأستاذ أيضًا أن "التين" (سورة التين: ٥-١) أيضًا إشارة إلى بوذا؛ لأن بوذا حصل على التنوير تحت شجر التين. وبعض العلماء يوافق على هذا الرأي، ويؤكده بقوله: إن البيروني، مؤرخ الهند في القرن الحادي عشر، ذكر بوذا من الأنبياء. بينما يرفض الآخرون الشهادة المذكورة آنفًا، ويقولون إن البيروني كان يصف حال الناس في الهند الذين كانوا يعتبرون بوذا نبيًّا.
بينما يسوي بعض العلماء بين بوذا المبشَّر به فى المستقبل، الميتريا، أي: صاحب الحب والرحمة، وبين النبي محمد كعبد الرحمن. وبالرغم من أن الحقائق التي حققها بوذا تحت شجرة التين لا توصف بأنها وحي، فقد تلقى الأساتذة البوذيون المتأخرون النصوص المقدسة عن طريق الوحي، مثل آسانغا في القرن الرابع بالهند المنزل من ميتريا في توشيتا، أي السماء المملوء ابتهاجًا.
البوذيون كأهل الكتاب
إن تحصيل بوذا وتعليمه الآخرين ليتمكنوا من تحصيل نفس الحال الذي يعرف في السنسكريتية بـ"دهرما"، أو حرفيًّا "إجراءات وقائية". فهي إجراءات تُتخَذ وطرق تُتَّبع لاجتناب تسبب المعاناة للذات وللآخرين، وبدايةً من القرن الثاني قبل الميلاد سجلت محاضرات بوذا حول الدهرما التي كانت تروى شفهيًّا حتى ذلك الوقت في صورة نص مقدس، فكانت النسخ المتاحة منها بسهولة في أوزبكستان الحالية وأفغانستان الشمالية، حيث صادف العربُ البوذيين لأول مرة، وهي التي ترجمت إلى التركية القديمة والصغدية، فترجمت كلمة "دهرما" في هذه اللغات بـ"نوم"، وهي كلمة استعيرت من اليونانية، وتعني: "الشريعة".
يدعو القرآن إلى التسامح مع "أهل الكتاب"، أي: اليهود والنصارى. فعندما وجد العرب البوذيةَ لم يكن أتباعها من أهل الكتاب بالضبط، ومع ذلك أُنزِلوا منزلة أهل الكتاب، ومنحوا الحقوق المماثلة لحقوق النصارى واليهود تحت حكم العرب، فسمحوا لهم باتباع ديانتهم بشرط أن يدفع عامتهم الجزية. وبالتالي يبدو أن مصطلح "أهل الكتاب" وُسِّعَ حتى شمل هؤلاء الذين كانوا يتبعون المبادئ الأخلاقية الصادرة من سلطة عليا.
التعاليم الأساسية للبوذية
الحقائق الأربعة النبيلة
تعرف تعاليم بوذا الأساسية لدهرما بـ"الحقائق الأربعة النبيلة"، وهي الحقائق التي يكتشفها أصحاب التحقيق الأعلى، فقد رأى بوذا أن كل فرد يعاني (۱) من مشاكل حقيقية. ولا يشك أحد في كون الحياة صعبة، فبالرغم من وجود متع شتى، فالصعوبات التي يواجهها الإنسان كبيرة: المرض والشيخوخة والموت وموت أحبائه، والإحباط في الحياة، وخيبة الأمل في علاقات الشخص مع الآخرين، وما إلى ذلك. ولكن الناس يزيدون من الآلام الناتجة عن هذه الظروف؛ لأن مواقفهم حيال هذه الصعوبات أساسها التشوش.
(٢) إن السبب الحقيقي للمشاكل هو الجهل بالحقيقة، فعلى سبيل المثال يظن الجميع أنهم مركز الكون، فإنهم عندما يغمضون أعينيهم كطفلٍ صغير، يظنون أن الآخرين غير موجودين، ومن أجل هذه الظاهرة الخادعة يحسون بأنهم ينفردون بالأهمية، ولذلك فلا بد أن يسلكوا مسلكهم المنفرد دائمًا، ونتيجةً لهذا الموقف الأناني والمعتد بالنفس فإنهم يصوغون البراهين والمعارك حتى الحروب، ولو صدقوا في اعتبار أنفسهم مركز الكون لوافقهم الجميع، ولكنه لا يوافق على قولهم أحد؛ لأن كل واحد دونهم يعتبر نفسه مركزًا للكون، ولا يمكن أن يكون الجميع صادقين في هذا الإدعاء!
(۳) على كل حال يمكن وقف كل المشاكل واقعيًّا؛ بحيث لا يعاني من الشقاء أحد.
(٤) وسوف يحدث ذلك إذا تبنى الفرد طريقة صحيحة للتفكير في فهمه للحقيقة، وبتعبير آخر: إذا تحقق شخص تحقُّقًا كاملاً من أن الجميع مترابطون ومتوافقون، ولا يعد أحد مركزًا للكون، فسوف يمكن للناس البحث عن حلول مشاكلهم؛ ليتمكنوا من التعايش في السلام والتوافق. إذن فالمنهج الأساسي في البوذية علمي عقلي، فلا بد لإزالة المشاكل من التعرف على أسبابها والقضاء عليها، فكل شيء تابع لقانون العلة والمعلول.
الفجوة والترابط
النقاط المفيدة الأساسية في البوذية هي: رؤية الواقع، أي الترابط بين جميع الأشياء والناس، وتنمية الحب والشفقة للموجودات كلها بنفس الدرجة نتيجة لتلك الرؤية. المبدأ الأسمى الجامع لكل شيء يعرف بـ "الفجوة" (voidness [emptiness]) والذي يقع وراء كل المسميات والأفكار. وتشير فكرة الفجوة إلى أنه لا وجود لشيء بطريقة مستحيلة أو متوهمة له كيان مستقلٌّ في الحقيقة عن كل شيء سواه، بل إن ظهور جميع الموجودات والأشياء قائم على الترابط بين بعضهم وبعض؛ ولأن هناك ترابطًا بين الموجودات الحية والبيئة فلا بد من الحب والاهتمام والشفقة بالآخرين، وقبول مسئولية مساعدة الآخرين بفعَّالية، ومن أجل التركيز على مبدأَي: الفجوة والرحمة، اللذين يعرفان بالحكمة والمنهج، فنحن نحتاج إلي التركيز الكامل على أساس قوي في التزكية الأخلاقية للنفس؛. لقد علَّمَ بوذا الكثيرين أساليب متعددة لتربية النفس في هذه المجالات كلها.
كارما والأخلاق
لقد أكد بوذا بالخصوص على الحياة الأخلاقية واتباع المبادئ الأخلاقية الصارمة، فنصح قائلاً: "حاوِلْ مساعدة الآخرين، وإذا لم تتمكن من ذلك فعلى الأقل لا تضرَّهم!" ثم وضح أساس الأخلاق بلغة علمية لمبدأ كارما أو العلة والمعلول في مجال السلوك، فـ"كارما" لا يعنى "القدر"، ولكنه يشير إلى البواعث التي تدفع وترافق الأعمال الجسدية والقولية والفكرية، وتنهض هذه الدوافع على الفعل إيجابيًّا أوسلبيًّا من أجل تكييف سابق، وتُدخِل الفرد في مواقف يتعرض فيها لدرجة معينة من السعادة أو الألم، وتحدث هذه المواقف إما في هذه حياته الحاضرة أو في حياته المستقبلية.
التجدُّد الروحي
تقر البوذية بالتجدد الروحي أو التناسخ كما هو الحال بالنسبة للأديان الهندية أخرى، فالتسلسل الفكري للرجل مع ما فيه من الغرائز والقدرات، وما إلى ذلك، يأتي من أعماره السابقة، ويمتد إلى الأعمار اللاحقة. وبالنظر إلى أعمال الفرد والنزوع المبنية عليها يلد ثانيةً، إما في الجنة أو جهنم، حيوانًا أو إنسانًا أو واحدًا من الأشباح والأرواح المتنوعة، وتلاقي الموجودات كلها التجدد الروحي الذي لا يمكن التحكم فيه من أجل قوة سلوكياتهم المقلقة؛ مثل التعلق بالدنيا والغضب والسذاجة، ودوافعها الناشئة عن الكارما أو الأفعال القهرية الناشئة عنها. لو أطاع الشخص الدوافع السلبية التي تنشأ في ذهنه من أجل أساليب السلوك الماضية، وعمل على نحو هدام، فسوف يلاقي المعاناة والبؤس، وفي الجانب الآخر لو انهمك الشخص في أعمال بنَّاءة فسوف يلاقي السعادة، فسعادة كل فرد وبؤسه ليسا بالمكافأة أو معاقبة، بل يخلقهما عمله الماضي طبقًا لقوانين العلة والمعلول في مجال السلوك.
الركن الأساسي في الأخلاق البوذية هو إلجام النفس من الأعمال العشرة المهلكة خصوصًا، فمن الأعمال الجسدية: القتل والسرقة والزنا. ومن الأعمال القولية: الكذب والنطق بالكلام المسبب للخلاف، واللغة القاسية الخشنة، والكلمات التافهة. ومن الأعمال الفكرية: التفكير الطامع والتفكير بالحقد والتفكير المشوه، والتفكير العدائي الذي يرفض الواحدُ معه أية قيمة إيجابية لأي شيء إيجابي.لم يقم بوذا بتعليم قوانين مماثلة للشريعة، تُعيَّن بها عاقبًا على الأعمال الهدامة، سواء كافئ البش أم عاقبوا هؤلاء الذين يعملون السوء فسيلاقون النتائج البائسة لأعمالهم.
الشعائر التعبدية والتأمل
إن بوذا لم ير أن الجميع يستطيع التخلص من المتاعب كلها، ويصبح مثل بوذا فحسب، بل رأى أيضًا أن الناس أصحاب أولويات ومصالح وقدرات مختلفة، فعلَّم فيما يتعلق بهذه الاختلافات أساليب مختلفة كثيرة لتوجيه النفس؛ للتغلب على تحدِّيات الفرد وتحقيق قدراته، وتشتمل هذه الأساليب على الدراسة والعبادات، مثل: ثلاث سجدات قبل الدعاء، وتقديم هدايا وافرة إلى الفقراء، والمكرسين على الحياة الروحية، والتلاوة بأسماء بوذا تكرارًا، والمقررات المقدسة (المنترا) المعدودة على المسابح وخاصة التأمل. والتأمل يعني تعزيز عادة مفيدة، ويتشكل خلال توليد مواقف إيجابية، مثل: الحب والصبر والانتباه والتركيز ومشاهدة الحقيقة، ثم الممارسة مع النظر إلى مواقف الحياة الشخصية من خلالها.
علاوة على ذلك أمر بوذا الناس أن لا يعتقدوا بصدق ما قاله إيمانًا به، بل أن يفكروا فيه لأنفسهم كأنهم يشترون ذهبًا. فإن وجدوا من أجل خبرتهم الشخصية شيئًا مفيدًا في تعاليمه تبنَّوْه في الحياة، فليس هناك حاجة لتبديل الثقافات أو الديانات. يقول بوذا: "إذا وجد شخص شيئًا مفيدًا في تعليماتي فله أن يشاركنا فيها، على الرحب والسعة!"
لا توجد في البوذية مواقيت للعبادة، كما لا توجد صلوات لعامة الناس يقودها رجال الدين، ولا وجود ل"يوم السبت" كما هو الحال في اليهودية. ويجوز للناس أن يتعبدوا في أي ساعة وفي أي مكان، وكثيرًا ما تؤدَّى الصلوات، ويُجرَى التأمل إما في معابد بوذية، أو في زوايا البيوت المخصصة للعبادة. وكثيرًا ما توجد تماثيل أو صور بوذاوات وبوذيستواوات (جمع بوذا وبوذايستس)، الغاية منها مساعدة الأخرين؛ كي يصبحوا مثل بوذا. والناس لا يعبدون هذه الأصنام، ولا يستعينون بها، ولكنهم يستخدمونها في المساعدة على التركيز على الموجودات النبيلة التي تمثلها تلك التماثيل، ولأن البوذاوات وبوذيستواوات ليسوا بآلهة قادرة فإن القصد من وراء العبادة هو طلب الإلهام من هذه الصور، وقوتها الدالة على تحقيق مقاصد الفرد. ولكنَّ الأميين من الناس يطلبون منح ما يشتهونه فقط، والناس يقدمون البخور والشموع والآنية المملوءة ماءً وطعامًا إلى هذه الصور والتماثيل، علامةً على تقديرهم إياها لما حققه البوذاوات.
النظام الغذائي والابتعاد عن الكحول
كذلك لا توجد في البوذية قوانين متعلقة بالأطعمة، ويشجَّع البوذيين على الاكتفاء بالخضروات، ولكن إذا كان هناك شخص لا يأكل إلا الخضروات فإن الحشرات لا محالة تقتل في أية صورة من الزراعة، وبالتالي يحاول الفرد ألاَّ يلحق الضرر بالحيوانات والحشرات فيقلل من الطعام، ويمكن في بعض الأحيان أن يكون تناول اللحم ضروريًّا؛ من أجل أسباب طبية مثلاً، أو إكرام ضيف، أو لم يتوفر أي طعام آخر. وفي مثل هذه الظروف يشكر الفرد ذلك الحيوان الذي فقد حياته من أجله، ويدعو لولادته الثانية بصورة أفضل.
كما أمر بوذا متبعيه ألاَّ يشربوا من الكحول قطرة؛ لأن التربية البوذية تهدف إلى تطوير اليقظة الداخلية والانضباط وكبح النفس، وتُفتقَد هذه كلها عند شرب الكحول، ولكن لا يتبع كل البوذيين نصيحة بوذا.
التقليد الرهباني
تمتلك البوذية كلاًّ من التقليد الرهباني والتقليد العادي، فهناك رهبان وراهبات يتعهدون بمئات العهودور بما فيها نذر التبتُّل، فيجعلون حياتهم للدراسة والتفكر والتعبد وأداء الشعائر لفائدة الشعب، والعامة بدورهم يدعمون الرهبان بتقديم الطعام، إما مباشرة إلى الأديرة، أو إلى الرهبان القادمين إلى بيوتهم صباحًا لجمع الصدقات.
المساواة
مع أن المجتمع الهندي في عصر بوذا كان منظمًا حسب الطبقات، وكانت بعض الطوائف السُّفْلى تعتبر نجسة لا تُمَسُّ، فقد صرح بوذا أن الناس متساوون في ديره، وبالتالي ألغى بوذا نظام الطبقات للذين تركوا المجتمع وراء ظهورهم ليعيشوا معه في أديرة للرهبان والراهبات، ووهبوا حياتهم للممارسة الروحية، وكان ترتيب السلطة في الأديرة مبنيًّا على احترام الذين قد عُيِّنوا كهنة، وظلوا يوفون نذورهم لمدة أطول، فالشاب الذي سبق شخصًا أكبر سنًّا منه في تعيينه، كالكاهن كان يجلس قبله في اجتماعات الدعاء، وكانوا يقدمون الطعام والشاي إليه قبل الآخرين، ووَفقًا للعادات الآسيوية كان الرجال والنساء يجلسون منفصلين عند اجتماعهم في الاحتفالات الدينية.
صفحات بمحتويات مشابهة:
ساعدوا في محاولتنا إفادة الآخرين.
ادعموا عملنا!
يعتمد موقع الإنترنت بشكلٍ كامل على التبرعات. فصيانته وتحضير ٧٠٪ من موادنا المتبقية المُخطَّط وضعها على الموقع، والترجمات الإضافية - كل ذلك - مُكلف. بالرغم من أنَّه لدينا حاليًّا ٨٠ متطوِّعًا، ٢٣ أعضاء أساسيُّون في الفريق يحتاجون المقابل المادي لعملهم. ساعدونا في جمع مبلغ ۱٠٠٠٠٠ يورو (۱٥٠٠٠٠ دولار أمريكي) سنويًّا
للاستمرار في إمداد موقعنا بخدمات مجانيَّة.
الوصول إلى هدفنا
(5%)