أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الصفحة الرئيسة > دراسات تاريخية وثقافية ودراسات مقارنة > تاريخ البوذية والبون > تاريخ الفترة المبكرة للبوذية والبونية في التبت > ٢ من الإمبراطور تري سونغديتسين إلى انتعاش البوذيَّة في القرن الحادي عشر

تاريخ الفترة المبكرة للبوذية والبونية في التبت

ألكسندر بيرزين، ١٩٩٦ م
[مقتطفات من "التفاعل التاريخي بين الثقافتين البوذية والإسلامية قبل الإمبراطورية المنغولية".]

٢ من الإمبراطور تري سونغديتسين إلى انتعاش البوذيَّة في القرن الحادي عشر

مراجعة العلاقات التبتيَّة مع الصين

بدأت التبت والصين أولى علاقاتهما الدبلوماسية عام ٦٠٨ م، عندما أرسل والد الإمبراطور سونغتسين-غامبو: نامري-لونتسين البعثة التبتية الأولى إلى البلاط الصيني إبان عهد سُلالة سوي الحاكمة. فأرسل سونغتسين-غامبو هو الآخر بعثةً إلى البلاط التانغي عام ٦٣٤ م، ثم تزوج الأميرةَ الصينية الهانية ونتشينغ عام ٦٣١ م، وأنشأ بعد أربع سنوات المعبد التبتي الأول فوق ووتايشان، الجبل البوذي الصيني المقدس، جنوبَ غرب بكين. ومنذ ذلك الحين بدأت التبت إرسال مبعوثين آخرين بشكلٍ دوري إلى البلاط التانغي، بصرف النظر عن الحروب المتكررة بين الإمبراطوريتيْنِ.

وبعد قرنٍ من الزمن كان الإمبراطور مي-أغتسوم مُهتمًّا ببوذية الصين الهانية بشكلٍ خاص. وكان ذلك بلا شك بسبب تأثير زوجته البوذية الصينية الهانية الإمبراطورة جين تشينغ. وعلى الرغم من المكانة الضعيفة التي وصلت إليها البوذية في الصين التانغية بعد أن فرض شوانزونغ عام ٧٤٠ م قيودًا عليها، أرسل مي-أغتسوم بعثةً إلى هناك عام ٧٥١ م للتعرف أكثر على تلك الديانة، فالاهتمام الذي أظهره ابنه الصغير - الإمبراطور التبتي فيما بعد – تري سونغديتسين (٧٤٢ – ٧٩٧ م) ظهر أيضًا من خلال تشجيعه لإرسال وفد لهذه المهمة. وقد قاد الوفدَ با سانغشي ابن المندوب التبتي السابق لدى سلالة تانغ الصينية.

وفي عام ٧٥٥ م اغتال وزراء المعارَضة – المهووسون بكراهية كل ما هو أجنبي – الإمبراطورَ مي-أغتسوم، وكانت تلك المجموعة نفسها هي التي طردت قبل ستة عشر عامًا الرهبانَ الصينيين والخوتانيين من التبت، وهم الرهبان الذين كانت الإمبراطورة الصينية الهانية الإثنية جين تشينغ قد دعتهم سابقًا. ووقعت عملية الاغتيال في السنة نفسها التي حدث فيها تمرد آن لوشان، وكما حدث سابقًا يبدو أن الوزراء خافوا غالبًا من ميول الإمبراطور نحو البوذية والصين الهانية، وأنها قد تجلب كارثة على التبت. ولعل العباسيين أطاحوا بالخلافة الأموية عام ٧٥٠ م كذلك، وأيَّد تحركهم الجريء هذا تمرد آن لوشان. فالهجوم الذي قاده آن لوشان ضد بوذية الصين الهانية قد حرض الوزراء على قمع البوذية في التبت، وهو قمعٌ دامَ ستة عشر عامًا، لكن من المرجح أن الاضطهاد كان المقصود به أنصار التانغيين في البلاط الملكي.

دعوة شانتاراكشيتا إلى التبت

عاد الوفد الذي رأَسَه با سانغشي من الصين إلى التبت عام ٧٥٦ م، وهو يحمل معه كتبًا بوذية. وقد أخفى با سانغشي تلك الكتب بصورةٍ مؤقتة؛ وذلك بسبب موجة العداء للبوذية آنذاك، لكنه شجع تري سونغديتسين على التقرب من البوذية، وهو لا يزال شابًّا في ذلك الوقت.

بلغ سونغديتسين سن الرشد عام ٧٦١ م، وأعلن نفسه بوذيًّا بصورةٍ رسمية بعد جلوسه على العرش. حينئذٍ أرسل وفدًا إلى إمبراطورية بالا الحديثة التأسيس (٧٥٠ – نهاية القرن الثاني عشر) في شمال الهند، وقد عهِدَ بالبعثة إلى سيلنانغ ليرأسها، ثم يدعو المعلم البوذي شانتاراكشيتا رئيس دير نالاندا إلى التبت للمرة الأولى.

وبعد فترة قصيرة من وصول رئيس الدير انتشر وباء الجدري في التبت، فوجهت العصبة المهووسة بكراهية كل ما هو أجنبي اللومَ إلى الراهب الأجنبي بسبب الوباء، وطردوه من التبت، مثلما فعلوا من قبل مع الرهبان الصينيين الهانيين والخوتانيين في التبت عندما تفشى وباء مماثل عام ٧٣٩ م.

لم يفشل تري سونغديتسين عندما نوَى تقوية البوذية في مملكته؛ فقد كان قائدًا شديد القوة والطموح، وخلال فترة حكمه اعتمدت التبت سياسةً توسعية عنيفة، فقد استولى مرة أخرى على أجزاء شاسعة من شمال شرق التبت التي سبق للصين التانغية أن استحوذت عليها، وذلك عندما استغل الضعف الذي لحق بتانغ بعد تمرد آن لوشان، حتى إنه أحكم قبضته على تشانغآن، عاصمة تانغ، فترة وجيزة عام ٧٦٣ م، وهي السنة اللاحقة لتحول الخاقان الأويغوري بوغو إلى المانوية.

[ شاهد الخريطة الثامنة عشرة: التبت بداية القرن التاسع .]

انتقل الإمبراطور تري سونغديتسين بعد ذلك إلى ممر قانسو، فمنع بذلك دخول الصين التانغية بشكل مباشر إلى طريق الحرير، الفرع الشمالي الأساسي الواقع بين المواقع الأمامية للتانغيين في تورفان وكوتشا. وأرغم ذلك التجارَ الصينيين على الالتفاف حول المنطقة التي تقع تحت سيطرة التبتيين، من خلال العبور إلى الشمال عبر الأراضي الأويغورية في منغوليا الداخلية. ساعتها دخل التبتيون حربًا طويلة الأمد على ثلاث جبهات ضد الأويغوريين والصين الهانية للسيطرة على تورفان وبشباليق؛ حيث حافظت الحكومة التانغية على تكلفة ضئيلة فحسب. وهكذا حوِّل طريق التجارة الصينية إلى منغوليا الداخلية، وكان يجب عليها أن تمر عبر هاتيْن المدينتيْن لتصل إلى الشمال الرئيس من طريق الحرير.

أرسل تري سونغديتسين مرةً أخرى سيلنانغ إلى الهند لدعوة شانتاراكشيتا من جديد، مدفوعًا بالانتصارات العسكرية التي عززت من ثقته وقوته، ولكن في هذه المرة أحضر معه رئيسًا لدير الهندي وهو بادماسامبافا (غورو رينبوتشي)، لترويض القوى الروحية في التبت التي كانت عدائية تجاه ترسيخ البوذية

بناء دير سمياي

تمتعت الجامعات الرهبانية الهندية الضخمة في بيهار، مثل نالاندا المعهد الأساسي الذي خرج منه شانتاراكشيتا، بدعمٍ كبير من الدولة عدةَ قرون، حتى أثناء التغيرات التي مرت بها الأسَر السياسية الحاكمة. وقد دعم الإمبراطور هارشا (٦٠٦ – ٦٤٧ م) من سلالة الغوبتا الحاكمة السابقة ألف راهبٍ من نالاندا في بلاطه، حتى بلغ به الحال أن لمس أقدام الراهب الصيني الهاني شوانزونغ، دلالةً على الاحترام.

كانت سلالة بالا الحاكمة تدعم البوذية بصورةٍ أكبر؛ إذ أنشأ إمبراطورها الأول غوبالا (٧٥٠ – ٧٧٠ م) جامعة أودانتابوري الرهبانية البوذية، في حين أسَّس إمبراطورها الثاني دارمابالا (٧٧٠ – ٨١٠ م) فيكراماشيلا وسومابورا. ورغم أن دارامبالا قد وسَّع إمبراطوريته لتصل إلى حدود غندهارا في الغرب والبنغال في الشرق، إلا أنه لم يشمل الأديرة البوذية في التقلبات السياسية والعسكرية التي مرت بها الدولة، ولم يحاول تنظيمها. وهكذا تمتعت أديرة شمال الهند بحرِّية تامة لمتابعة التدريب الديني.

عام ٧٦٦ م منح تري سونغديتسين الذي تأثر بنموذج غوبالا الإمبراطور الهندي تفويضًا لبناء دير سمياي على نمط أودانتابوري، وبذلك يكون أول دير بوذي في البلاد يخصص لاستخدام التبتيين بشكل أساسي. وأثناء عملية بنائه جرت سيامة أول سبعة تبتيين رهبانًا، ولدى الانتهاء من بنائه عام ٧٧٥ م انضم ما يزيد عن ثلاثمئة مواطن إلى صفوفهم. وقبل ذلك لم توجد المعابد البوذية إلا في التبت وبعض المرافق الرهبانية الصغيرة، التي بُنِيت للرهبان الأجانب، من أمثال اللاجئين الخوتانيين والصينيين الهانيين عام ٧٢0 م.

ورغم سيامة الرهبان التبتيين ضمن التقليد الهندي، فقد اتبع تري سونغديتسين سياسة من التوليف الحضاري. لكن كان من أسباب اعتماد هذه السياسة ربما كان الرغبة في كسب منفعةٍ سياسية. فلقد كان بحاجة إلى موازنة مطالب ثلاث مجموعات متنافسة في بلاطه : التبتيون الأصليون، والموالون الهنود، والموالون الصينيون. وهكذا بنى المعبد الرئيس في سمياي، وجعل له ثلاث طبقات؛ حيث صمم كل طبقة حسب الطراز المعماري للحضارات التبتية والهندية الشمالية والصينية الهانية. وتُحيي الأولى ذكرى مؤسس هذه السلالة سونغتسين-غامبو، في محاولةٍ لجلب توازن مشابه من خلال الزواج من أميرات الشانغ-شُنغ والصين الهانية لأهداف سياسية.

العلاقات الحضارية مع الصين

رغم أن تري سونغديتسين قد حارب ضد الصين حتى يسيطر على الجهة الغربية من طريق الحرير، غير أنه كما يبدو كان يفتقر إلى الميل الحضاري المضاد للصين الهانية، وخاصة المعادي للبوذية، ولذلك كانت دوافعه العسكرية سياسيةً واقتصاديةً بشكلٍ أساسي.

وبعد إخماد تمرد آن لوشان واستعادة الحكم الملكي لم يرفع أباطرة التانغ اللاحقون القيودَ التي فرضها الإمبراطور شوانزونغ على البوذية فحسب، بل إنهم أيَّدوا الديانة نفسها. ولكن على عكس ما حدث في الهند البالية فعل البوذيون الصينيون الهانيون هم أيضًا مثلهم، أي أنهم ساندوا الدولة. وليس من الواضح إن كان ذلك نتيجةً لمبادرةٍ خاصة من البوذيين، أم من سياسة الدولة في استغلالٍ منها لشعبية البوذية، من أجل ترسيخ دعائم حكمها. ويبدو أن الاحتمال الأخير هو الأرجح؛ وذلك إذا ما نظرنا إلى أفعال مؤسس سلالة السوي الحاكمة الذي أعلن نفسه إمبراطورًا كونيًا، والإمبراطورة التانغية وو التي أعلنت نفسها مايتريا بوذا.

وفي عام ٧٦٦ م أنشأ الإمبراطور دايزونغ (حكم من سنة ٧٦٣ إلى ٧٨٠ م) ديرًا جديدًا في ووتايشان يُدعى "معبد الفسطاط الذهبي الذي يحمي من القوى الداخلية ويدافع عن الأمة". ولما ظهر نص بوذي صيني هاني شعبي جديد، وهو "سوترا ملك بوديساتفا الذي يدافع عن الأمة". عاد الإمبراطور التانغي إلى اضطهاد المانوية من جديد من عام ٧٦٨ إلى ٧٧١ م؛ للدفاع عن "نقاء" البوذية من هذه الديانة الموصومة بالتقليد الكاذب.

اعتمدت هذه التطورات نمط البوذية الصينية الشمالية خلال فترةٍ شهدت تعاقب ست سلالات حاكمة (٢٨٠ – ٥٨٩ م). في ذلك الوقت أحكم حُكام شمال الصين من غير الهانيين السيطرة على الأديرة البوذية، وساعدوها في ممارسة الشعائر لتحقيق نجاحهم العسكري. أما الرهبان الذين طلبوا حماية ملكية للنجاة في أوقات الخطر فقد أُرغِموا على الاعتراف بهؤلاء الحُكام بوصفهم بوذيين، وعلى خدمة حكوماتهم، وعلى تفهم نقاء التعاليم البوذية بغرض الموافقة على السياسات الصارمة التي اعتمدها معظم هؤلاء الحُكام.

كان تري سونغديتسين مهتمًّا بمعرفة المزيد عن هذه التطورات الأخيرة في الصين، وذلك حسب سياسته التي تعتمد توليفًا حضاريًّا للعادات التبتية والهندية والصينية. وهكذا في نهاية الستينيات من القرن الثامن، لم يوفد با سانغشي فحسب، بل سيلنانغ أيضًا في بعثة ثانية إلى الصين الهانية. وفور عودتهما بنى الإمبراطور المعبد البوذي نانغ لهاكانغ في دراغمار، وكان موقعه قريبًا من البلاط الملكي، وقريبًا من دير سمياي الذي كان لا يزال قيد الإنشاء. وقد صُمِّم المعبد تيمنًا بـ"الفسطاط الذهبي الذي يحمي من القوى الداخلية ويدافع عن الأمة". وكانت النتيجة أن احتلت البوذية مركزًا ثانويًّا في الدولة، كما هي الحال في الصين الهانية، وحكم عليها بالالتزام بخدمة مصالح السلطة الملكية التبتية التي تزداد باستمرار.

إنهاء بناء دير سمياي

اكتمل بناء دير سمياي عام ٧٧٥ م، وعيَّن الإمبراطورُ شانتاراكشيتا أول رئيس له، لكن بادماسامبافا غادر بُعيْد إكماله، فقد شعر بأن التبتيين لم يكونوا جاهزين بعدُ لتلقِّي تعاليم بوذا (خاصة تلك المتعلقة بالدجوغتشين، الكمال العظيم). لذلك أخفى النصوص المتعلقة بالموضوع في جدران الدير وأعمدته، واكتُشِفت في وقتٍ لاحقٍ قد يكون مناسبًا لفهمها بعمق.

وفي هذه الأثناء دُعِي كل من المعلميْن: الهندي والصيني الهاني إلى سمياي؛ حتى يساعدا في ترجمة الكتب البوذية وتعليمها. ولكن سمياي لم يكن في الأساس محيطًا بالبوذية فقط، بل بمجالات أوسع من الثقافة. كما حضر معلمو التقاليد الأصلية التبتية الشاملة كذلك لترجمة الكتب من لغة الشانغ-شُنغ إلى التبتية، وفي هذا المجال أيضًا عكس الدير الأصلي السياسة الملكية للتوليف الحضاري.

وفي عام ٧٧٩ م أعلن الإمبراطور البوذيةَ ديانةَ رسمية للتبت، وأعفى بعض العائلات الثرية من الضرائب، وكلفهم بدلاً من ذلك بدعم المجتمع الرهباني السريع النمو ماليًّا، فشكلت مائتا عائلة موردًا لتقدِمات المعبد الرئيس في لاسا، في حين تبرعت ثلاث عائلات بالمؤن لدعم كل راهب.

ولعل تري سونغديتسين قد اتخذ هذه الخطوة أسوةً بالملك شيفاديفا الثاني (٧٠٤ – ٧٥٠ م) من سلالة ليتشافي النيبالية الحاكمة. وفي عام ٧٤٩ م كلَّف هذا الملك النيبالي – رغم أنه لم يعلن البوذية ديانة رسمية – قريةً كاملة بدعم ديره الشخصي شيفاديفا فيهارا. ورغم أن ملكيْ ميتراكا وراشتراكوتا من سوراشترا اعتمدا سياسةً مشابهة لدعم أديرة فالابي، إلا أن احتمال أن تري سونغديتسين كان على عِلمٍ بهذه السابقة هو احتمالٌ ضعيف.

السلام مع الصين وتأسيس المجلس الديني التبتي

وفي عام ٧٨١ م طلب الإمبراطور التبتي الذي كان يسعي لتحقيق توليفٍ حضاري من الإمبراطور التانغي الجديد دايزونغ (حكم من سنة ٧٨٠ إلى ٨٠٥ م) إرسال راهبيْن مرة كل سنتين من الصين الهانية إلى سمياي لتعليم التبتيين، وبعد سنتيْن وفي عام ٧٨٣ م وقعت الصين الهانية والتبت معاهدةَ سلامٍ بينهما، بعد عقودٍ من الحرب على تورفان وبشباليق، تاركيْن المدينتيْن التركساتنيتيْن الشرقيتين تحت تصرف القوات التانغية.

وتوفي شانتاراكشيتا الرئيس الهندي لدير سمياي بعد فترة وجيزة عام ٧٨٣ م. وقد حذَّر قبل وفاته تري سونغديتسين من أن التعاليم البوذية ستنحسر مستقبلاً في التبت بسبب تأثير الصين الهانية، ونصح الإمبراطور أن يدعو تلميذه كامالاشيلا من الهند لحل هذه المشكلة.

وعيَّن تري سونغديتسين سيلنانغ خلفًا لشانتاراكشيتا، بصفته الرئيس التبتي الأول لدير سمياي. وفي السنة نفسها، أي ٧٨٣ م، أسَّس الإمبراطور مجلسًا دينيًّا يرأسه رئيس دير سمياي، للبت في كل الشئون الدينية. وكان ذلك بدايةَ النموذج التبتي للحكومة التي ضمت في النهاية وزراء متساويين عاديين ووزراء تمت سيامتهم. وإذا فهمنا تطور هذا النموذج في إطار سياسة ذلك الوقت ساعدنا هذا على فهم سبب عدم انتشار الإسلام في التبت، أو في ولاياتها التابعة بعد استسلام شاه كابول وقائد الجيش التبتي للعباسيين قبل ثلاثة عقود.

تحليل لسياسة المجلس الديني التبتي

كانت هناك ثلاث مجموعات في البلاط الملكي التبتي في ذلك الوقت: مؤيدو الهند، ومؤيدو الصين الهانية، والمهووسون بكراهية كل ما هو أجنبي. وكل واحدة من هذه المجموعات تدعمها عشائر خاصة. وكان سيلنانغ عضوًا في عشيرةٍ رأَست المجموعة المؤيدة للهند، ولكونه رئيسًا لبعثات ملكية إلى كلٍّ من الهند البالية والصين الهانية فقد كان يعرف مدى تفضيل حالة البوذية في الماضي، مقارنةً بالحاضر. فقد حصلت الأديرة في الهند البالية على رعاية الدولة، وتمتعت باستقلالية تامة، دون أية التزامات نحو الدولة. كما أنها لم تدخل في علاقات مع بعضها البعض. بالإضافة إلى ذلك بدأ الأباطرة الباليون يرسلون دفعات الجزية إلى البلاط التبتي منذ زيارة سيلنانغ الأخيرة، رغم أن هذا الوصف قد يكون كناية كذلك عن إرسال وفود التجارة. ورغم ذلك لعل الأمل كان موجودًا في أن تدعم دولة بالا المعاهد البوذية في التبت. ومن جهة أخرى لم تحصل الأديرة البوذية في الصين التانغية على دعم الدولة إلا مقابل الخضوع لسلطة الحكومة.

ولطالما كانت البوذية تحظى برعاية الحكومة في الصين الهانية- خاصة في الشمال – وحكم مشترك. ولم تتمتع الديانة غالبًا باستقرار مطمئن؛ وذلك بسبب أن الأسر الحاكمة كانت تواجه خطر التعرض للإطاحة في كثيرٍ من الأحيان. فعلى سبيل المثال كان لسلالة وي الشمالية التوباوية (٣٨٦ – ٥٣٥ م) مكتبٌ لإدارة الأديرة البوذية في المملكة، مع راهبٍ رئيس يختاره الإمبراطور، وكان هذا المكتب يتمتع بصلاحية نفي الرهبان الفاسدين من الأديرة، ممن تكبروا على المنهج الرهباني وأساءوا لمركزهم. وقد مارس المكتب غالبًا وظائفه التنظيمية حسب القانون، ولكن عندما سيطر الوزراء الغيورون من التفضيل الملكي للبوذية على الحُكومة، حُلَّ هذا المكتب؛ لتتبع ذلك اضطهادات واسعة النطاق ضد البوذيين عام ٤٤٦ م.

لعل تري سونغديتسين، ومن خلال تأسيسه مجلسًا دينيًّا، كان يعتمد النمط الصيني الهاني، لكنه خلط بعض العناصر الهندية والتبتية معًا. ووفقًا للسوابق الهندية-النيبالية يتوجب على الدولة دعم الأديرة من خلال إعفاء عائلات معينة من الضريبة، وتكليفها بالمقابل بتوفير مؤَن للأديرة والرهبان. وكانت الأديرة تمارس شعائر معينة لصالح الدولة مثل الذي كان في الصين الهانية أيضًا. وكان ذلك يتوافق أيضًا مع التقليد التبتي طويل الأمد في خدمة كهنة التقليد الأصلي السابق للبوذية للبلاط الملكي، من خلال ممارسة الشعائر. وكما كان الحال في نمط الصين الهانية كان المكتب يُنظِّم العلاقات البوذية الداخلية، ولكن الأديرة قد تمتعت باستقلالية عن الأنظمة الحكومية كما كانت الأديرة في النمط الهندي.

إن سيلنانغ – بصفته عضوًا في الشعائر الرئيسة لتأييد الهند في البلاط الملكي، وأول رئيس للمجلس الديني – قد فضَّل ترسيخ علاقاته مع الهند بصورة متقاربة، وإضعاف علاقاته مع الصين الهانية بشكلٍ طبيعي. بالإضافة إلى ذلك كان مهتمًّا بشكل خاص بتفادي سلطة حكومية هانية على النمط الصيني أو اضطهادٍ البوذية. ولكن تري سونغديتسين كان قد أحنى رأسه أمام الصين الهانية على الجبهة السياسية؛ حيث عزَّز ذلك قبضةَ المجموعة المؤيدة للصين في البلاط الملكي. فلقد كان الوضع مواتيًا بالنسبة لهذه المجموعة؛ كي تدفع الإمبراطور لتطبيق سياسة سلطة حكومية على النمط الصيني الهاني تجاه الأديرة. كما أن الوضع كان مناسبًا بالنسبة للمهووسين بكراهية كل ما هو أجنبي في البلاط للرد على العلاقة القوية التي عُقِدت مع الصين الهانية، وتجديد نقائها من التأثيرات الأجنبية، بما في ذلك البوذية.

كان على سيلنانغ والمجلس الديني التصرف بشكلٍ سريع وحاسم، فكان الحل هو تقوية مكانة المجلس؛ بحيث لا يكون ذا صفة الاستقلال الذاتي فقط، بل يكون له كذلك تأثير قوي على الحكومة نفسها. وهكذا أقنع سيلنانغ تري سونغديتسين بالسماح لأعضاء المجلس الديني بالحضور إلى كل الاجتماعات الوزارية، وأن يتمتعوا بالسلطة لصد هيمنة وزرائه. وفي ظل الإرشاد الأولي لرئيس الدير التبتي سرعان ما اشتدت قوة المجلس الديني أكثر من مجلس وزراء الإمبراطور نفسه.

التخلص من المهووسين بكراهية كل من هو أجنبي

كانت الخطوة الأولى في عام ٧٨٤ م عندما بدأ المجلس الديني في التخلص من المحافظين المهووسين بكراهية كل ما هو أجنبي، من خلال إرسال قادتهم إلى المنفى في جيلجيت ونانجاو شمال غرب مقاطعة ينان الحالية في جمهورية الصين الشعبية. وبما أن هذه المجموعة كانت قد اغتالت والد الإمبراطور قبل تسعةٍ وعشرين عامًا، وحرضت طوال ست سنوات على اضطهاد البوذية، وكان من الواضح أنها شكلت التهديد الأكبر.

وتعد المصادرُ التاريخية البوذية التبتية التي تعود إلى القرن الثاني عشر الحدثَ اضطهادًا لكهنة البون الذين كانوا يعارضون البوذية. ورغم أن الحضور اللاحق لتابعي البون المنظمين في جيلجيت ونانجاو يشير إلى أن كثيرين من الذين نُفوا كانوا يتبعون التقليد التبتي السابق للبوذية. وكان التخلص منهم في الأساس سياسيًّا بطبيعته، فلم يكن يرتكز على فوارق عقائدية دينية. وقبل نهاية القرن الحادي عشر لم تكن البون في نهاية المطاف ديانةً منظمة؛ حيث يُشير المصطلح "بون" إلى هذه المعارضة فقط، وهي مجموعة المهووسين بكراهية كل ما هو أجنبي في البلاط الملكي.

تعاون معلمو البوذية والمعلمون التبتيون الأصليون على ترجمة نصوصهم الخاصة بهم في دير سمياي حتى ذلك الوقت. وبسبب الوضع السياسي الذي لم يكن مستقِرًّا أبدًا في تلك الفترة أخفى درينبا-نامكا، القائد الروحي الرئيس للنظام الأصلي في دير سمياي نسخًا من معظم نصوص تقليده؛ بغرض الحفاظ عليها في الشقوق داخل جدران الأديرة. وتذكر المصادر التاريخية البونية التبتية اللاحقة التي تدعم ما جاء حول الاضطهاد الديني أنه ادعى قبوله البوذية؛ من أجل الحفاظ على دير سمياي وحماية تلك النصوص. ولكن بصرف النظر عن دوافعه كان من الواضح أن هذا المعلم الأصلي قد بقيَ في الدير فعلاً بعد عملية التطهير، وقد علَّم معلمين تبتيين مشهورين من أمثال المترجِم فايروتشانا مزيجًا من تقليده والبوذية.

وكثيرًا ما تُصوِّر المصادر التاريخية الدينية للبونيين التبتيين والبوذيين الأحداثَ على ضوء أجنداتها السياسية. ولكن ليس هناك مصدر تبتي يذكر أن أيًّا من درينبا-نامكا، أو أحد ممارِسي التقليد الأصلي من أتباعه، قد أُرغِموا على إنكار تقاليدهم ومعتقدَاتهم واعتناق البوذية. ومن المرجح جدًّا أن يكون قد مُزِج التقليد الأصلي التبتي والبوذية معًا حتى عهد الإمبراطور سونغتسين-غامبو على الأقل؛ حيث كان الإمبراطور التبتي الأول قد أمر بممارسة شعائر كِلا التقليديْن، فما كان من درينبا-نامكا إلا أن يتابع هذا التوجه، بل ربما طوَّره بعد ذلك. إن التأثير المتبادَل لكل نظامٍ ديني على الآخر سيحدث وينمو في كل الأحوال بشكلٍ طبيعي، نتيجةً لحضور معلمين روحيين من كِلا النظاميْن في دير سمياي.

إن معظم أفراد المجموعة السياسية المهووسة بكراهية كل ما هو أجنبي – إن لم يكن كلهم - والذين أُبعِدوا عن البلاط الملكي، ربما اتبعوا التقليد الأصلي التبتي. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل ممارِسي شعائر التقليد أو عناصر من نظامه قد نفوا من التبت، كما يظن البعض اعتمادا على المصادر التاريخية الدينية. ففي عام ٨٢١ م أبرمت معاهدة سلام ثانية مع الصين الهانية تراعى فيها الشعائر الكاملة من التقليد الأصلي، بما في ذلك ذبح الأضاحي من الحيوانات. إن مؤسسي ومنظمي ديانة البون ومعلمي البون/البوذيين المُختارين في بداية القرن الحادي عشر اكتشفوا النصوص التي أخفاها درينبا-نامكا. وتُشير هاتان الحقيقتان بشكلٍ واضح إلى أن المجلس الديني التبتي لم يطبق سياسةَ فرض اعتناق البوذية. كما أنهما تشيران إلى أن التسامح مع المعتقَد الأصلي قد استمر في التبت الوسطى بعد التخلص من تلك المجموعة في عام ٧٨٤ م.

إذا كانت تلك هي حال المعتقَد التبتي الأصلي والتبتيين أنفسهم فيمكننا الاستنتاج بطمأنينة أن المجلس لم يضغط على الحكومة التبتية خلال العقود اللاحقة من أجل دعم المتمردين في صغديا بغية اضطهاد ديانةٍ أجنبية، وهي الإسلام، وتحويل غير التبتيين إلى البوذية.

محايدة المجموعة المؤيدة للصين الهانية

بعد عملية النفي التي حدثت عام ٧٨٤ م بقيت الحكومة التبتية مع مجموعتيْن معارضتيْن: فبعض الوزراء من عشيرة قوية من شمال شرق التبت فضَّلت الصين الهانية، ومن العشيرة التي جاءت منها الإمبراطورة دواغر تريما لو. أما المجموعة الأخرى التي كان سيلنانغ ينتمي إليها فقد جاءت من عشيرة منافِسة من وسط التبت. وكانت مرتابةً بشأن البلاط التانغي، ومؤيدة لاستمرار الحرب ضده، ورغبت في بناء علاقات أقوى مع الهند البالية، وفي الحفاظ على مجلسٍ ديني قوي.

وفي عام ٧٨٦ م انتهى السلام الذي دام ثلاثة أعوامٍ مع الصين الهانية، فقد ساند الأويغوريون تمرد جيوتسو (٧٨٣ – ٧٨٤ م) ضد البيت التانغي الحاكم، وساعد التبتيون القوات التانغية على هزيمتهم. وقد وعد البلاط التانغي بتسليم تورفان وبشباليق للتبتيين مكافأةً لهم على مساعدتهم، ولكن عندما لم يفِ الإمبراطور التانغي بوعده هاجمهم التبتيون.

خلال السنوات الخمس اللاحقة استولى التبتيون على دونهوانغ من الصين التانغية، وأزالوا القوات التانغية من المنافسة مع الأويغوريين على تورفان وبشباليق، وأعادوا التأكيد على قبضتهم القوية التي تسيطر على ولايات حوض تاريم الجنوبية، خاصة خوتان. وقد استغل الأويغوريون الوضع، فطردوا أتباعهم المزورين والقارلوق من جونغاريا وأجزاء من شمال تركستان الغربية، وانتزعوا على كوتشا كذلك من أيدي الصين التانغية.

خلال هذا التحول في العلاقات الصينية التبتية عقد الإمبراطور التبتي تري سونغديتسين المناظرة الشهيرة في دير سمياي (٧٩٢ – ٧٩٤ م)؛ حيث هزَمَ فيها ممثلو بوذية شمال الهند الرهبانَ البوذيين الصينيين الهانيين. وقد نتج عن ذلك قرار حاسم وهو أن النموذج الأساسي من البوذية الذي يجب اتباعه في التبت هو نموذج شمال الهند، وليس نموذج الصين الهانية. وقد عقدت مناظرة مشابهة وكانت نتيجتها تتعلق بالنظام الطبي الذي سيُعتمَد هناك، لكن هذا التطور لم يكن انتصارًا كبيرًا للنظرة السياسية لدى المجموعة المناهضة للصين الهانية، كما هي الحال بالنسبة للعقائد الفلسفية البوذية الهندية وممارسة الطب. بالإضافة إلى ذلك فكَوْن سيلنانغ هو المترجم الفوري لنسبة كبيرة من المناظرة حقيقة تشير إلى فرصته في التأثير في النتيجة.

ملخص السياسة التبتية في صغديا

توفي الإمبراطور تري سونغديتسين عام ٧٩٧ م، فورثه ابنه ميوني-تسينبو (حكم من سنة ٧٩٧ إلى ٨٠٠ م)، ثم ورثه ابنه تري ديسونغديتسين (حكم من سنة ٨٠٠ إلى ٨١٥ م)، الذي عُرف أيضًا بـ سايناليغ. خلال عهد الأخير، كان هناك ما يبرر تمامًا للخليفة المأمون النظر إلى التبت على أنها أمةً قوية تشكل تهديدًا له، خاصة عندما كانت التبت وحلفاؤها يهددون صغديا ويدعمون التمرد، ولكن تحليله لدوافع التبت، ثم إعلانه بعد ذلك أن الصراعَ بينهم حربٌ مقدسة، كانا خاطئين.

كانت التبت بالطبع ترغب في توسيع منطقتها حتى تركستان الغربية، وذلك بعد إعادة سيطرتها على تركستان الشرقية. ولذلك حاولت أن تزعزع استقرار حُكم أعدائها، ولكن التبت لم تكن مهتمة بتقويض ديانة عدوها، فقد كان المجلس الديني للرهبان مهووسًا جدًّا باكتساب قوة داخلية بالتزكية داخل التبت لضمان نمو البوذية في الدولة. وفور تخلص المجلس من حكومة المجموعات التي قد تعارض أو تحاول السيطرة عليه، كان نشاطه الرئيس هو تجميع قاموس يحتوي على ترجمات موحدة من السنسكريتية إلى التبتية، وتنظيم النص المُختار للترجمة، بحيث تُفهَم البوذية بأفضل طريقة ممكنة، وتحافظ على بقائها نقية. لم يكن لذلك علاقة بالديانات الأخرى، أو بنشر البوذية، سواء أكان داخل التبت أم خارجها.

بالإضافة إلى أن التبت لم تكن تظهر امتنانها لطوائف الإسلام المسيلمية والشيعة المانوية الصغديانيين الدينية، وذلك من خلال دعمها لأتباع تلك الطوائف في تمردهم المناهض للعباسيين. فالمراسم التي أداها الإمبراطور تري سونغديتسين، التي تتعلق باختيار البوذية الهندية بصفتها الدعامة الأساسية للتبت، قد رفضتها المانوية علانيةً. وهم يكررون النقد الذي وجهه الإمبراطور الصيني الهاني شوانزونغ، وهو أن المانوية تقليدٌ سطحي للبوذية، وأنها تقوم على كذبة.

الإمبراطور تري ريلباتشين

أحد الأسباب الرئيسة التي مكنت العباسيين من هزيمة التابع التبتي شاه كابول عام ٨١٥ م، وجعلتهم يتوغلون أكثر داخل جيلجيت الواقعة تحت سيطرة تبتية على امتداد السنوات اللاحقة، وكانت وفاة تري سونغديتسين في العام نفسه، فأصبح ابنه تري ريلباتشين (حكم من سنة ٨١٥ إلى ٨٣٦ م) الإمبراطور التبتي الجديد، وكان شابًّا صغيرًا، ولم تكن لدى التبت قيادة قوية في ذلك الحين، ولكن بعد ذلك بلغ تري ريلباتشين سن الرشد، وأصبح شديد القوة، وعزز من مكانة البوذية كثيرًا جدًّا.

وقد انسحب العباسيون من كابول وجيلجيت عام ٨١٩ م مع تأسيس الدولة الطاهرية. وفي عام ٨٢١ م وقعت التبت اتفاقية سلامٍ ثانية مع الصين الهانية، وفي السنة التالية توصلت إلى اتفاقية شبيهة مع الأويغوريين، حافظ التبتيون على ممر قانسو ودونهوانغ، إضافةً إلى تورفان وبشباليق. وتبدلت السيطرة على المدينتيْن الأخيرتيْن بين التبتيين والأويغوريين عدة مرات خلال العقود الثلاثة السابقة.

وقد بنى الإمبراطور تري ريلباتشين مستندًا على انتصاراته الكثير من المعابد البوذية الجديدة احتفالاً بالسلام، ونقل عاصمته من وادي يارلونغ إلى لاسا موقع الضريح البوذي الرئيس في التبت. ووفقًا للمصادر التاريخية الدينية التبتية أنشأ تري ريلباتشين مكتبَ ترجمة لوضع قاموس سنسكريتي-تبتي، وتوحيد مصطلحات ترجمة النصوص البوذية وأساليبها. وفي الحقيقة كانت هذه المشروعات قد بدأت في عهد أبيه تري ديسونغتسين. لكن المصادر التاريخية نسَبَتها إليه لتعزيز تحديدهم لسونغتسين-غامبو وتري سونغديتسين وتري ريلباتشين بصفتهم الأوصياء الأساسيين على البوذية في ذلك الوقت، وبالتالي تقمَّص رموز بوذا فاجراباني ومانجوشري وأفالوكيتيشفارا. ويتردد في هذه المصادر صدى رموز بوذا الثلاثة كما تجلت في التبت والصين ومانشو ومنغوليا على التوالي، ومؤسس جيلوغ تسونغخابا ، (١٣٥٧ – ١٤١٩ م) بوصفه تجسدًا للثلاثة معًا.

لكن تحول الإمبراطور تري ريلباتشين إلى شخصٍ متعصبٍ بعض الشيء بسبب حماسه الديني هو أشبه برمز فاجراباني القاسي؛ إذ إنه لم يكتف برفع عدد العائلات التي كلفها بدعم كل راهب من ثلاث عائلات إلى سبع، واضعًا عبئًا جديدًا على اقتصاد الدولة، بل إنه فرض عقوبة على كل شخص يشير بإصبعه إلى أي راهب سخريةً منه تكون بقطع إصبعه. ومع تمتع البوذية بهذه المكانة القوية، وتحول أنظار العباسيين إلى مكانٍ آخر، كان لاعتناق شاه كابول الإسلامَ تأثير ضئيل على انتشار الإسلام في التبت أو ولاياتها التابعة في كابل وجيلجيت.

انهيار الإمبراطورية التبتية

في عام ٨٣٦ م – قبل أربع سنوات من استيلاء القرغيز على مملكة الأويغوريين الأورخون – اغتال إمبراطورَ التبت ريلباتشين أخوه لانغدارما (حكم من سنة ٨٣٦ إلى ٨٤٢ م). وبادعائه الحق في العرش شرع الإمبراطور الجديد في اضطهاد البوذية بقوة في أنحاء التبت، وكان الهدف من ذلك هو إنهاء تدخل المجلس الديني في السياسة، واستنزاف الموارد الاقتصادية الناتجة عن سياسة تري ريلباتشين التي كانت لزيادة الدعم الشعبي الكبير للأديرة، وأغلق لانغدارما الأديرة كلها، وأرغم الرهبان على خلع ثياب الرهبانية، لكنه لم يدمر هذه البنايات أو مكتباتها. وحتى بدون الدخول في الأدب الديني، كانت البوذية موجودة بقوة بين الكثير من أتباعها العلمانيين التبتيين.

وفي عام ٨٤٢ م اغتال لانغدارما راهبٌ كان – كما ذكر أحد الباحثين – الرئيسَ المخلوع للمجلس الديني، والرئيس السابق لدير ساميي، ثم نشبت حربٌ أهلية عقب الخلاف على العرش، مما أدى إلى انهيار الإمبراطورية التبتية. وخلال العقديْن التالييْن انسحبت التبت تدريجيًّا من مستعمراتها في قانسو وتركستان الشرقية، وتحولت بعضها إلى ولاياتٍ سياسية مستقلة: أولها دونهوانغ، التي باتت تُعرف بدولة غوييجيون، (٨٤٨ – الأربعينيات من القرن التاسع الميلادي) التي حكمتها عشيرة صينية هانية محلية، ثم خوتان (٨٥١ – ١٠٠٦ م) التي حكمتها سلالتها الحاكمة التي لم تنقطع. وفي ولايات أخرى استولى الصينيون الهانيون المحليون على السلطة مبدئيًّا، ولكنهم لم يؤسسوا حُكمًا قويًّا مثل تورفان بدءًا من عام ٨٥١ م. ولكن مع حلول عام ٨٦٦ م أصبحت مجتمعات المهاجرين الأويغوريين في هذه المستعمرات التبتية السابقة قوية بما فيه الكفاية لتأسيس حُكمها الخاص.

الوضع في المناطق التبتية

في هذه الأثناء كانت التبت تتعافى ببطء من الفتنة الأهلية التي تبعت اغتيال لانغدارما عام ٨٤٢ م. فبعد عدة فترات حُكم ضعيفة في عهد ابن الإمبراطور الأخير بالتبني وخُلفائه انقسمت التبت عام ٩٢٩ م إلى مملكتيْن: واحدة استمرت بمستوى سياسي ضعيف في التبت الوسطى. والأخرى: سلالة النغاري الحاكمة التي وطَّنت نفسها في موطن الشانغ-شُنغ القديم في الغرب. وفي النهاية أصبحت كِلتا المملكتين مهتمتين بإحياء التقليد الرهباني البوذي من الرهبان في تسونغكا، شمال شرق التبت.

استمرت البوذية في تسونغكا في الازدهار دون أن تتأثر باضطهاد لانغدارما لهم عام ٩٣٠ م، وقد بدأ تبتيو هذه المنطقة بالمساعدة في ترجمة النصوص بوذية من لغتهم إلى لغة الأويغوريين، وكان ذلك بعد مرور خمس سنوات على تبني الخيتانيين لأحرف الكتابة الأويغورية لتكون نظامًا ثانويًّا للكتابةٍ، وهكذا حلَّت الفترة التي كان فيها أثر الحضارة الأويغورية على الخيتانيين في أحسن حالاته. وليس من الواضح هل كان التعاون الديني بين تبتيي تسونغكا مع الأويغوريين محصورًا على جيرانهم المباشرين في الشمال اليوغوريين الصفر، أو مع الأويغوريين القوتشو كذلك في الغرب؟ فقد تقاسمت المجموعتان التركيتان اللغة والحضارة أنفسهما.

ونمت الترجمة الدينية بين التبتيين والأويغوريين خلال النصف الثاني من القرن العاشر، وزاد التواصل بينهما، خاصة في الوقت الذي كان فيه التبتيون واليوغوريين الصفر حليفيْن في حربهما ضد التانغوت. وقد زار الحاج الصيني الهاني وانغ ياندي عاصمة اليوغوريين الصفر عام ٩٨٢ م، وهي السنة التي تأسَّست فيها الإمبراطورية التانغوتية، وذكرَ أن بها أكثرَ من خمسين ديرًا.

جهود الملك يشي-وو لإنعاش البوذية في التبت الغربية

أعاد ثلاثة رهبان تبتيين أوسطيين انتقلوا للعيش من تسونغكا إلى خام الحياةَ مرةً أخرى لسلالة الرسامة الرهبانية البوذية في التبت الوسطى في منتصف القرن العاشر الميلادي.

[انظر: أصل القبعة الصَّفراء التي يرتديها الرهبان في تقليد الغيلوغ .]

وبالتالي بذل ملوك النغاري في غرب التبت الغربية جهودًا عظيمة لاستعادة البوذية ولو إلى مرحلة تتجاوز مرحلتها السابقة. وفي عام ٩٧١ م أرسل الملك يشي-وو رينتشين-سانغبو (٩٥٨ – ١٠٥٥ م) واحدًا وعشرين شابًّا إلى كشمير لتعلم الدين واللغة، كما أنهم زاروا جامعة فيكراماشيلا الرهبانية في الجزء الأوسط من شمال الهند.

كانت كشمير في هذا الوقت تلفظ أنفاسها الأخيرة في ظل سلالة أوتبالا الحاكمة (٨٥٦ – ١٠٠٣ م) التي تلت حُكم كاركوتا. وشهدت فترة أوتبالا الكثير من الحروب الأهلية وأحداث العنف في كشمير، واختلطت بعض جوانب البوذية بالنموذج الشايفيني للهندوسية. ولكن مع بداية القرن العاشر حصلت البوذية الكشميرية دفعة جديدة بعد إحياء المنطق البوذي في الجامعات الرهبانية شمالَ الهند، إلا أن نكسةً قصيرة حدثت أثناء حُكم الملك كشيماغوبتا (حكم من سنة ٩٥٠ إلى ٩٥٨ م)، عندما دمَّر هذا الحاكم الهندوسي المتعصب الكثير من الأديرة، ولكن البوذية كانت تمر بمرحلة إعادة بناء بطيئة أثناء زيارة رينتشين-سانغبو.

ورغم أن البوذية كانت قد وصلت مؤخرًا إلى قمة ازدهارها في خوتان، التي كانت على علاقة قريبة مع التبت الغربية لقرونٍ مضت، إلا أن النزاع الذي نشب بين خوتان والقراخانيين كان قد بدأ في كاشغار في السنة التي غادر فيها رينتشين-سانغبو عائدًا إلى دياره. ولم تعد خوتان مكانًا آمنًا لدراسة البوذية. وبالإضافة إلى ذلك رغب التبتيون في تعلم السنسكريتية من مصدرها في شبه القارة الهندية وترجمتها بأنفسهم من اللغة الأم. كانت ترجمات الخوتانيين للنصوص البوذية السنسكريتية غالبًا عبارة عن إعادة صياغة لهذه النصوص، في حين أن التبتيين الذين أصابتهم بلبلة تجاه العقيدة البوذية رغبوا في مزيدٍ من الدقة. وهكذا، ورغم أن وضع البوذية مضطربًا في كشمير، إلا أنها كانت العنوان الوحيد والقريب الآن نسبيًّا؛ حيث يستطيع التبتيون الحصول على تعليمٍ يُعتمَد عليه.

رينتشين-سانغبو وليغباي-شيراب وحدهما نجَوَا من الرحلة والتدريب في كشمير، وفي سهول نهر الغانج الهندي الشمالي. وفور عودته من التبت الغربية عام ٩٨٨ م كان يشي-وو قد أسَّس عدة مراكز لترجمة البوذية مع العلماء الرهبان من الكشميريين والهنود، الذين أعادهم رينتشين-سانغبو إلى التبت مُحملين بأعداد كبيرة من الكتب. فبدأ الرهبان الذين دُعوا من دير فيكراماشيلا سلالة ثانية من الرسامة الرهبانية.

وخلال السنوات الأخيرة من القرن العاشر بنى رينتشين-سانغبو عدة أديرة في التبت الغربية، ضمت آنذاك أجزاءً من لداخ وسبيتي في الهند عبر جبال الهيمالايا، كما أنه زار كشمير مرتين إضافيتيْن ليدعو الفنانين من أجل تزيين هذه الأديرة لكسب إخلاص العامة في التبت. وكان ذلك – رغم تغير السلالة الحاكمة في كشمير – مع تأسيس سلالة لوهارا الأولى (١٠٠٣ – ١١٠١ م) كان الانتقال من سلالة حاكمة إلى أخرى سلميًّا، ولم يؤثر سلبًا على وضع البوذية في كشمير.

بدأ الحصار القراخاني على خوتان عام ٩٨٢ م قبل ست سنوات من عودة رينتشين-سانغبو إلى دياره، وفور وصوله كان الكثير من البوذيين يتدفقون إلى التبت الغربية لاجئين بها، الأمر الذي ساعد بلا شك في إحياء البوذية هناك. وكانوا غالبًا من كاشغار، والمناطق الواقعة بين كاشغار وخوتان، التي امتدت على طول خط الدعم القراخاني. ورغم أن معظم الذين هربوا لا بد أنهم مروا من طريق لداخ في طريقهم إلى التبت، إلا أنهم لم يعودوا إلى الغرب، ولم يستوطنوا كشمير القريبة، وهي رحلة أقل صعوبة وأقصر وقتًا. ولعل ذلك كان بسبب بروز مملكة النغاري، فقد كانت مستقرة أكثر من غيرها سياسيًّا ودينيًّا في وجه حُكم يشي-وو القوي ورعايته، وأحد العوامل الأخرى قد يكون الروابط الحضارية الطويلة بين المنطقة والتبت. وفي عام ٨٢١ م هرب رهبانٌ خوتانيون إلى التبت الغربية طالبين اللجوء ليهربوا من الاضطهاد.

الدعم العسكري التبتي لخوتان

لم يكد يمر على المملكة النغاريية التبتية الغربية عدة سنوات منذ تأسيسها حتى تحول قراخانيو كاشغار من البوذية إلى الإسلام في الثلاثينيات من القرن العاشر. ولكونها برزت هيئةً سياسيةً بعد الانقسام الذي حدث في التبت الوسطى حول مسألة الخلافة عام ٩٢٩ م، كانت نغاري في البداية ضعيفةً عسكريًّا. وبصعوبة بالغة كانت قادرة على المخاطرة بخلق عداوة مع القراخانيين بسبب الفروق الدينية، وكان عليها أن تحافظ على علاقات ودية مع جيرانها كي تنجو وتستمر.

لكن حسب المصادر التاريخية البوذية التبتية اللاحقة فإن ملك نغاري يشي-وو توجه إلى دعم خوتان الواقعة تحت الحصار مع حلول القرن الحادي عشر تقريبًا. وكان ذلك بلا شك بسبب الخوف الكبير من التوسع السياسي القراخاني المتزايد، كما كان بسبب القلق على الدفاع عن البوذية. ورغم أن التبتيين والقالوق/القراخانيين كانوا حلفاءَ منذ قرون سابقة، إلا أن بعضهم لم يهدد مناطق البعض الآخر أبدًا. بالإضافة إلى ذلك فإن التبت طالما اعتبرت خوتان ضمن نطاق تأثيرها الشرعي؛ لذلك تغيرت العلاقات بين الأمتيْن فورَ تخطي القراخانيين حدودَ هذا النطاق.

وحسب المصادر التاريخية البوذية التقليدية فإن القراخانيين قد أسروا الملك يشي-وو، لكنهم لم يسمحوا لرعيته بدفع الفدية، فنصحهم الملك بتركه ليموتَ في السجن بدلاً من فدائه بالمال، وأن يستخدموه في دعوة المزيد من المعلمين البوذيين من شمال الهند، خاصةً أتيشا من دير فيكراماشيلا. وكان الكثير من المعلمين الكشميريين يزورون التبت الغربية مع بداية القرن الحادي عشر، وكان العديد منهم ينشرون الفساد حول الممارسات البوذية هناك. وبما أن ذلك كان يضاعف المرحلة المتواضعة أساسًا من فهم البوذية في التبت؛ بسبب تدمير المراكز الرهبانية للدراسة في عهد لانغدارما، فقد رغب يشي-وو في إزالة البلبلة الحادثة.

هناك الكثير من التناقضات التاريخية في هذه القصة التي تحكي تضحية يشي-وو؛ فقد انتهي الحصار المفروض على خوتان عام ١٠٠٦ م، في حين أن يشي-وو أصدر مرسومه الأخير من بلاطه عام ١٠٢٧ م لتنظيم ترجمة الكتب البوذية. وبذلك لم يمُت في السجن خلال الحرب، وحسب السيرة الذاتية التي كتبها رينتشين-سانغبو فإن الملك قد مات نتيجة مرضٍ ألمَّ به في عاصمته الخاصة.

ورغم ذلك تُشير هذه القصة الملفقة – بصورةٍ غير مباشرة – إلى أن التبتيين الغربيين لم يكونوا يتمتعون بقوة عسكرية قوية في ذلك الوقت، فلم يكونوا فعالين في رفع الحصار عن خوتان، ولم يشكلوا تهديدًا جديًّا لأي توسع قراخاني مستقبلي على طول فرع تاريم الجنوبي من طريق الحرير. ولم يكن بمقدورهم الدفاع عن المرتحلين التبتيين الذين يعيشون هناك.

[انظر: حياةُ أتيشا.]

اختفاء البوذية في خوتان

إن المصادر التاريخية التي تذكر الاحتلال القراخاني لخوتان الذي تلا الحصار والتمرد اللاحق، لا تذكر شيئًا يخص المجموعة السكانية الأصلية. وبعد سنة واحدة من قمع العصيان أصبح التجار الخوتانيون وبعثات دفع الضرائب القادمة إلى الصين الهانية لا تضم إلا المسلمين الأتراك. وحلَّت لغة القراخانيين التركية محلَّ الخوتانية، وأصبحت الدولة كلها إسلامية، واختفت البوذية تمامًا.

فَقَد التبتيون اتصالهم بأملاكهم السابقة، لدرجةِ أن الاسم التبتي لخوتان "لي" فقد معناه الأصلي، وأصبح يُشير إلى وادي كاتماندو في نيبال، بصفته اسمًا مختصَرًا للسلالة الحاكمة السابقة ليتشافي (٣٨٦ – ٧٥٠ م) التي سيطرت عليه. وحُوِّلت كل الأساطير البوذية المتعلقة بخوتان إلى كاتماندو كذلك، مثل نشوئها من تجفيف مانجوشري لإحدى البحيرت عبر شقه جبلاً بسيفه. ومع حلول القرنيْن الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين فَقَدَ التبتيون المعرفة بهذه الأساطير، وأنها كانت ترتبط بخوتان. وهكذا فإن المصادر البوذية التبتية حول موت الملك يشي-وو في سجنه على يد "غارلوغ" – أي القارلوق القراخانيين - تُشير إلى أنها حدثت بشكلٍ مفاجئ في نيبال. ورغم أن نيبال كانت تشهد حربًا أهلية بين عاميْ ١٠٣٩ و ١٠٤٥ م فإن القبائل التركية لم توجد هناك إلا نادرًا، وإنما كان هناك القارلوق وحدهم في ذلك الوقت.

إحياء البوذية في التبت الوسطى

خلال القرن الحادي عشر الميلادي تَدفَّق حشد كبير من التبتيين إلى كشمير وشمال الهند لتعلُّم البوذية، وقد أحضروا معهم معلمين من هذه المناطق للمساعدة في إحياء البوذية في أديرة مُشيَّدة حديثًا في بلادهم. ورغم أن النشاط الأساسي في هذا الاتجاه جاء من مملكة نغاري شرقي التبت إلا أنه انتشر في الأقسام المركزية من البلاد أيضًا، ابتداءً بتأسيس دير شالو في عام ١٠٤٠ م.

وقد أحضر كلُّ معلم هندي وكلُّ طالب تبتي عائد معه – أو معها – سلالة نمط عيني من الممارسة البوذية معه. وبنى العديد منهم أديرة نشأت حولها جماعات دينية، بالإضافة إلى جماعات علمانية كذلك. ومع بداية القرن الثالث عشر اندمجت جماعات هذه البعثات المتبادلة في طوائف مختلفة تسمى مدارس "الفترة الجديدة" للبوذية التبتية – كادام، ساكيا، وعدد من التوجهات المختلفة من الكاغيو.

بدأ قسم آخر من مُعلِّمي التبت في القرن الحادي عشر في اكتشاف النصوص التي قد خُبِّئت لأجل الحفاظ عليها في التبت الوسطى وبوتان خلال سنوات الاضطراب في أواخر القرن الثامن ومطلع القرن التاسع. وقد تحولت النصوص البوذية التي عُثِر عليها إلى أساس مدرسة "الفترة القديمة" أو النيِنغما، في حين أن هذه النصوص المأخوذة من التقاليد التبتية الأصلية التي استُعِيدت مرة أخرى شكَّلت أساس تكوين دين البونية المنظم. واكتشف عدد من المعلمين كِلا النوعين من النصوص، التي كانت عادةً يشبه أحدها الآخر إلى حد كبير. لكن البونية المنظمة في الحقيقة قد اشتركت في العديد من المزايا مع كلٍّ من مدارس الترجمة البوذية القديمة والجديدة، التي ادَّعى معلمون لاحقون من كل الأديان أن الدين الآخر انبثق منها.

واصلت عائلة نغاري المالكة أداء دورها المهم في بسط رعايتها على ترجمة النصوص البوذية التي أُحضِرت حديثًا من كشمير وشمال الهند، وأيضًا إعادة صياغة ترجمات سابقة وتوضيح نصوص ملتبسة حول نقاط مهمة محددة في الدين. وقد جمع مجلس تولينغ – الذي عقده الملك تسيدي في دير تولينغ في نغاري عام ١٠٧٦ م – مترجمين من مناطق التبت الغربية والوسطى والشرقية، وكذلك عدد من معلمي كشمير وشمال الهند، وكان فعَّالاً في تنسيق العمل. وقد حدد مرسوم عام ١٠٩٢ م الذي أعلنه الأمير شيوا-وو المعاييرَ التي تعرف بها النصوص الموثوق بها.