أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الصفحة الرئيسة > كتب إلكترونية > مخطوطات غير منشورة > مسحٌ للتاريخ التبتي > ١ إمبراطورية ملوك التبت الأوائل

مسحٌ للتاريخ التبتي

١ إمبراطورية ملوك التبت الأوائل

دوَّن ملاحظات القراءة ألكسندر بيرزين من
Tsepon, W. D. Shakabpa, Tibet: A Political History.
New Haven, Yale University Press, 1967

[أعيد ترقيم الفصول وتعديل المحتويات وتكملتها باللون البنفسجي بين الأقواس المربعة، مع قائمة مراجع لأعمال تبتية موسَّعة، من ضمن مصادر أخرى:
Zhva-skab-pa dBang-phyug bde-ldan, Bod-kyi srid-don rgyal-rabs, 2 vols. Kalimpong, India: Shakabpa House, 1976.]

ملوك اليارلونغ الأوائل

كما ذكرت القصص الشعبية وَصَل أول ملك من سلالة اليارلونغ إلى التبت الوسطى من وسط مملكة الهند الشمالية في ماجادا، وكان يُدعى نياتري تسينبو، ويُعتقَد أنه نزل من السماء. [يبدأ التقويم التبتي العَدَّ من "السنوات الملكية التبتية" منذ هذا التاريخ، ١٢٧ ق.م.] ويُعتقد أنه مع الملوك الستة الذين خَلَفوه قد عادوا إلى السماء، مُستعينين بـ"حبل سماوي" لدى موتهم، وذلك أنهم لم يُدفَنوا في قبور. ولكن من عهد الملك اليارلونغي الثامن دريغوم تسينبو والقبور موجودة، وبالتالي وبطريقةٍ ما يبدأ التاريخ التبتي.

كان تشاتري تسينبو خليفة دريغوم تسينبو – وكان يُدعَى أيضًا بوديكونغييل، وهو الملك العاشر في سلالة الملوك هذه – ملكًا مُعاصِرًا لإمبراطور الصين الهاني هان وودي (١٤٠ – ٨٥ ق.م)، وقد جلب بوديكونغييل الكثير من التقدُّم المادي إلى التبت؛ حيث يُعرَف عنه تفويضه ببناء القنوات والجسور، وفي ظله اكتُشف الحديد والنحاس الخام في التبت.

وبعد ثمانية عشر جيلاً من الملوك تَلقَّى ملك اليارلونغ الثامن والعشرون لاتوتوري نيينتسين (المولود عام ١٧٣ م) [سلة مليئة بـ] نصوص بوذية مقدسة من الهند ومكتوبة بالسنسكريتية، وكانت تُعرَف باسم "اللغزُ العسير". [وكما ذكرت المصادر التاريخية وقعت سَلَّةٌ ما من السماء، وكان فيها السوترا السنسكريتية، التي تُدعى بـ "السوترا على الصفيف تشبه سلةً منسوجةً"، وتتعلَّق بعمل الخير الخاص بشخص بوذا العَطوف تجاه الآخرين، وهو أفالوكيتيشفارا. واحتوت السَّلَّة كذلك على مانترا بستة مقاطعَ لفظية خاصة بأفالوكيتيشفارا، وتُدعى سوترا الخَتْم للتطهير والإحياء التي تتعلق بأساليب ترويض الناغا، وهم أنصاف بشر وأنصاف أفاعٍ. والستوبا، وهي صندوق الذخائر الذهبي. ويُشير "اللغزُ العسير" إلى كل الأغراض الأربعة في السلة.] وحدث ذلك عام ٢٣٣ م. ولإحياء ذكرى هذا الحدث الهام أُرِّخَت الأوراق النقدية التبتية تبعًا لعدد السنوات التي مَرَّت من حينها.

ويقول البعض إن النصوص السنسكريتية وصلت من ليتيسي والمترجم التوخاري بوديراكشيتا، الذي تنَبَّأ بأن التبتيين سيكونون قادرين على قراءتها بعد أربعة أجيال. [كانت توخاريا مملكة بوذية تقع على طريق الحرير، وتتوسَّط كوتشا وتورفان، على طول الحافة الشمالية لحوض تاريم في مقاطعة شينجيانغ الحالية في الصين بشمال التبت، وكان التوخاريون شعبًا هندو-أوروبيًّا، قدِموا إلى هذه المنطقة أصلاً من الإمبراطورية الرومانية، وأخذوا البوذية من الهند، وكانوا مُؤثِّرين في ترجمة النصوص إلى الصينية والتركية القديمة.]

ويُفترَض إذًا أن تري ديسونغتسين، المشهور أكثر بـ: سونغتسين غامبو، وهو ملك اليارلونغ الثاني والثلاثون، وقد تَبوَّأ العرش بعد أربعة أجيال فقط من لاتوتوري نيينتسين. ولكن سونغتسين غامبو وُلدَ عام ٦١٧ م، وهو ما يُشير إلى فترات رهيبة الطول للملوك الثلاثة الدخلاء. [وهكذا تقدم مختلف المصادر التبتية التقليدية الأخرى تواريخَ بديلة تعود إلى لاتوتوري نيينتسين، مثل ٢٥٤ – ٣٧٣ م و٣٧٤ – ٤٩٣ م، مع تسلمه النصوص، الذي حدث إمَّا في ٣٣٣ م، وإمَّا في ٤٦٨ م] وبعد مرور سنة واحدة على ولادة سونغتسين غامبو في عام ٦١٨ م أَسَّس تانغ غاوزو (حكم من سنة ٦١٨ إلى ٦٢٧ م) السلالة التانغية الحاكمة (٦١٨ – ٩٠٧ م) في الصين.

الإمبراطور سونغتسين-غامبو

تَبوَّأ سونغتسين-غامبو العرش وعمره ثلاث عشرة سنة، ثم أرسل إلى نيبال وزيرًا لترتيب زواجه من الأميرة بركوتي ديفي، وذلك لإنشاء تحالف معها، وعندما قَدِمَت إلى التبت للزواج جلبَت معها تمثالَ أكشوبيا لشخص بوذا.

إنَّ زمن إرسال سونغتسين-غامبو لوزيره تونمي سامبوتا لتعلُّم السنسكريتية غير واضح. إلا أنه درس في كشمير على يد المعلميْنِ ليبيكارا وديفافيدياسيمها، وعندما عاد تونمي سامبوتا إلى التبت طَوَّر نص لكتابة اللغة التبتية، اعتمادًا على النصيْنِ: البرهمي الهندي والجوبتي، ثم ترجم نصوص اللغز العسير إلى التبتية.

[حسب أ.ف. رودولف هورنلي (A. F. Rudolf Hoernle) (بقايا مخطوطة الأدبيات البوذية التي عُثر عليها في تركستان الشرقية); (Manuscript Remains of Buddhist Literature Found in Eastern Turkistan) طُوِّر النص التبتي أساسًا من الترجمة الخوتانية لنص الجوبتا العمودية الهندية، ويُستدلُّ على ذلك من النصوص التبتية والخوتانية التي تُوظِّف أساليب للإشارة إلى حروف العِلَّة الأولية والطويلة، وترتيب حروف العلة حسب ترتيب حروفها الأبجدية. وتختلف هذه الأساليب بشكل كبير عن تلك المُستخدمة في النصوص الأخرى المأخوذة عن الهندية.

كانت خوتان مملكة هندية تقع على طريق الحرير على طول الحافة الشمالية الغربية لحوض تاريم، شمالَ التبت الغربية، وكان شعبُها ينحدر من أصولٍ إيرانية، وكان مصدر نموذجها الخاص بالبوذية هو الهند، وقد امتدَّ ممرٌّ تجاري من خوتان إلى التبت عبر كشمير، ولذلك – كما يؤكد أ.هـ. فرانكي (A. H. Francke) ("الأبجدية التبتية"; ((“The Tibetan Alphabet,” Epigraphia India، المجلد ١١) – ليس من المستبعد أن يكون تونمي سامبوتا قد التقى معلمًا خوتانيًّا في كشمير ودرَسَ معه.

ويُترجَم "لي-بيين"، وهو الاسم التبتي للمعلم ليبيكارا، إلى: "صانع النصوص" أو: "مانح النصوص". ويُعتقَد أنه كان برهميًّا من جنوب الهند، غير أنَّ المقطع اللفظي الأول من اسمه التبتي قد يُشير إلى هذا الأصل الخوتاني؛ لأن "لي" هو الاسم التبتي لـ"خوتان". وهكذا يمكن لـ"لي-بيين" أن تعني: "(مانح) النصوص من خوتان". ولكن يمكن أن تكون "لي" كذلك هي النسخ الحرفي للمقطع اللفظي الأول من "ليبيكارا"؛ لأن اللغة البوذية لم تكن تحوي كلمة أصلية تُشير إلى "نص" في ذلك الوقت.

ويؤكد نمكاي نوربو في (قلادة غزي) أن صيغة الرسائل في النص التبتي مُشتقة من الأبجدية الشانغ-شُنغية، التي تُدعى "مارييغ"، وهي المشتقة بدورها من نص هندي. وكانت شانغ-شُنغ مملكة تقع في نغاري، في التبت الغربية يعود تاريخ إلى ما قبل سنوغتسين-غامبو، وكانت منشأ ديانة البون التبتية الأصلية. وتعاقب على حُكمها ثمانية عشر مَلِكًا قَبل حاكم اليارلونغ الأول نياتري تسينبو، وكان على تونمي سامبوتا أن يمر من شانغ-شُنغ ليصل إلى كشمير. و"لي" هو اسم إحدى مقاطعات شانغ-شُنغ كذلك، وقد كان جزءًا من اسم أسرة شانغ-شُنغ الحاكمة. وهكذا يمكن لـ"لي-بيين" أن يعني بالتبادل: "مانح (النصوص) من عائلة شانغ-شُنغ الحاكمة". إذًا من المرجَّح بِشدَّة أن النص التبتي قد تأثَّر بالمصادر الثلاثة جميعها: الهندية والخوتانية والشانغ-شُنغية.

وقد رغبَ سونغتسين-غامبو الآن في عقد معاهدة مشابهة مع الصين، وذلك من خلال الزواج بالأميرة وينتشينغ، وهي ابنة الإمبراطور التانغي تايزونغ (حكم من سنة ٦٢٧ إلى ٦٥٠ م). غير أن هذا الترتيب قد أُرجِئ؛ لأن توكيكي حاكم مملكة التويوهون في منطقة كوكونور [في شمال أمدو، وهي مقاطعة شنغهاي الحالية في الصين]، وكان يرغب بالزواج من الأميرة كذلك، وقد حكم التويوهون هذه المنطقة منذ بداية القرن الرابع الميلادي.

وكان سونغتسين-غامبو ينوي بناء إمبراطورية مترامية الأطراف تتجاوز التبت الوسطى، نحو الشمال والشرق أولاً. وقد نشبت الحروب فترةً طويلة أثناء احتلاله قبائل تشيانغ وبايلان ودانغشيان. والآن طَلَب الإمبراطور التبتي سونغتسين-غامبو – بعد أن أصبح حاكمًا على مملكة أكبر من ذي قَبل – من الإمبراطور الصيني تايزونغ مرة أخرى يد ابنته للزواج. وعندما قوبل سونغتسين غامبو بالرفض هاجم إقليم الحدود الصيني لسونجو التي تقع في مقاطعة سيجوان الحالية، وفي نهاية المطاف حصل على الأميرة الصينية عروسًا له عام ٦٤١ م، وقد أحضرت معها إلى التبت صورةً أخرى لبوذا.

وقد بنى الإمبراطور التبتي معبديْنِ في مدينة راسا، المعروفة لاحقًا باسم لاسا، لإيواء صورتيْ بوذا اللَّتيْن أحضرتهما الزوجتان النيبالية والصينية. وقد بُنِيَ راموتشي تسوغلاغكانج للتمثال النيبالي، كما بُنِيَ راسا ترولنانج تسوغلاغكانج – الذي دُعيَ لاحقًا جوكانغ – للتمثال الصيني. ولأسباب أمنية تبادَل التمثالانِ مكانهما فيما بعد.

وخلال هذه الفترة وسَّع سونغتسين-غامبو الإمبراطورية التبتية حتى وصل إلى أجزاء من بورما، وفي عام ٦٤٠ م وصل إلى نيبال كذلك. وكان ذلك منشأ قبائل العائلة التبتية في نيبال: التسانغ واللاما والشيربا والتامانغ. وفي عام ٦٤٣ م وسَّع الإمبراطور التبتي حدود إمبراطوريته أكثر عندما استسلم ليغمي [المعروف أكثر في التبت باسم لي ميغكيا]، وهو آخر حُكَّام شانغ-شُنغ، ثُمَّ تحولت جانغ-جانغ إلى ولاية تابعة له.

[استشهادًا بالمصادر التبتية التاريخية يذكر نامخاي نوربو (قلادة غزي) أن علاقات سنوغتسين-غامبو الأولية مع شانغ-شُنغ كانت سِلمية. وفي الحقيقة كانت زوجة الحاكم التبتي الأولى هي ابنة الملك لي ميغكيا لي تيغمين؛ حيث زوَّج أخته إلى ملك شانغ-شُنغ مقابل ابنته، وقد أحضرت الأميرة الشانغ-شُنغية معها الكثير من جوانب الثقافة البونية إلى البلاط اليارلونغي. لكن في عام ٦٤٣ م هاجم سونغتسين-غامبو شانغ-شُنغ واحتلَّها، وقَتل الملك لي ميغكيا.]

ومن خلال الاستفادة من العلاقات الجيدة بين التبت والصين أرسل سونغتسين-غامبو في عام ٦٤٥ م طلبًا إلى الإمبراطور التانغي؛ حتى يَبنِيَ معبدًا لشخص بوذا في مانجوشجري [في مقاطعة شانجي حاليا] على جبل ووتايشان، وهو الجبل المقدس ذو القمم الخمس.

وفي عام ٦٤٨ م أرسل الإمبراطور الصيني تايزونغ بعثة نوايا حسَنة إلى الإمبراطور الهندي هارشا (حكم من سنة ٦٠٦ إلى ٦٤٧ م). وعند وصول البعثة كان هارشا قد تُوفِّيَ، فخلفه وزيره أرجونا، وكان أرجونا متعصبًا ضد البوذية، وبالتالي قَتل معظم أفراد البعثة الصينية، وفرَّ الناجون إلى نيبال، وطلبوا المساعدة التبتية هناك؛ فغزت الجيوش التبتية أرجونا في بيهار وهزمته. ولكن هذه الهزيمة لم تُسجل في مصادر التاريخ الهندية، وقد تُوفِّي سونغتسين-غامبو بعد ذلك بفترة قصيرة عام ٦٤٩ م.

الإمبراطور مانغسونغ-مانغتسين

كان مانغسونغ-مانغتسين (حكم من سنة ٦٤٩ إلى ٦٧٦ م) هو الإمبراطور التبتي اللاحق، وكان وزيره هو غار تونغتسين-يولسونغ (وقد تُوفِّيَ عام ٦٦٧ م)، فاحتلت الجيوش التبتية مملكة تويوهون عبر حملات طويلة امتدت من عام ٦٥٥ حتى عام ٦٦٦ م [عند هزيمتهم النهائية عام ٦٧٢ م]، وقد أعاد الكثير من لاجئي التويوهون استيطانهم في منطقة ليانغجو [الواقعة في مقاطعة غرب قانسو الحالية] تحت حماية الصين الهانية.

وقد تقدمت الجيوش التبتية عبر ممر قانسو، فاستولت على المدن المهمَّة من الصين على طول طريق الحرير. وفي عام ٦٦٨ م بنوا حامية عسكرية في دريماكول [على الحافة الشرقية من حوض تاريم.] وفي السنة التالية دَانَ الكثير من القادة الأتراك الشرقيين في المنطقة بالولاء للإمبراطور التبتي. [كان ذلك خلال الفترة الواقعة بين سقوط الإمبراطورية التركية الأولى (٥٥٢ – ٦٣٠ م) وتأسيس الإمبراطورية التركية الشرقية الثانية (٦٨٢ – ٧٤٤ م).]

ومع حلول عام ٦٧٠ م احتلت القوات التبتية الحاميات الأربع كلها الواقعة على حوض تاريم. [كانت حاميات أنشي الأربع تقع في المُدن الرئيسة لممالك الواحات: كوتشا وخوتان وكاشغار، وقراشاهر (المعروفة أيضًا باسم أغني)، بالقرب من الطرف الغربي لحوض تاريم في مقاطعة شينجيانغ الحالية. وقد بَنَتِ الصين التانغية هذه الحاميات العسكرية هناك بين ٦٤٨ و ٦٥٨ م.]

[لمزيد من التفاصيل، انظر: التفاعل التاريخي بين الثقافتين البوذية والإسلامية قبل الإمبراطورية المنغولية، الفصل ٣].

وقد تصارع الجيشان التبتي والصيني التانغي خلال هذه الفترة، وتلقى الجيش التانغي أسوأ هزيمة في التاريخ التانغي في دافيتشوان [جنوب بحيرة كوكونور في شنغهاي الحالية، وذلك عندما أباد ٢٠٠٠٠٠ عسكري تبتي جيش الجنرال التانغي شوي رينغوي المؤلف من ١٠٠٠٠٠ عسكري.] ثم غزا التبتيون الكثير من القرى التانغية في قانسو، لكن المعركة لم تكن حاسمة، فلم تتمكن التبت من احتلال المنطقة كلها.

الإمبراطور تري دوسونغ-مانغجي

تُوفِّي الإمبراطور مانغسونغ-مانغتسين عام ٦٧٩ م، فخلفه الإمبراطور الرضيع تري دوسونغ-مانغجي، (حكم من سنة ٦٧٧ إلى ٧٠٤ م). وفي فترة صبا الإمبراطور استمرَّت قبيلة غار التابعة لوزير مانغسونغ-مانغتسين في التحكم بالسلطة بصفتهم أوصياء. وفي ظلِّ سُلطتهم تابعت الجيوش التبتية محاربة الصينيين التانغيين.

ثم تُوفِّي تري دوسونغ-مانغجي عام ٧٠٤ في نانجاو [الواقعة في مقاطعة يُنان الحالية في الصين، وقد أسَّست إحدى قبائل الباي، وهي من أوائل شعب التايلاندي، مملكةً صغيرة هناك عام ٦٤٩ م، ثم احتلتها الجيوش التبتية عام ٦٨٠ م، ولكن بعد ذلك في عام ٧٠٣ م تحوَّلت المملكة إلى دولة مهيمنة في ظل الحكم التبتي. وعند توحدها مع عدة ممالك باي صغيرة أخرى في المنطقة تَطوَّرت فأصبحت مملكةً فِعلية تحمل اسم "نانجاو" (٧٣٧ – ٩٠٢ م). واعتمدت هذه المنطقة على الطريق التجاري الممتد بين الهند والصين، الذي يمر من شمال بورما. وقبل وصول التبتيين كانت الثريفادا والنماذج المبكرة من البوذية الماهايانية الصينية حاضرةً هناك، وحسَب المصادر التاريخية البوذية نشأت الريفادا في هذه المنطقة من الأبناء الثلاثة للملك أشوكا (حوالي ٢٧٣ – ٢٣٢ ق.م) من أسرة موريا الحاكمة في الهند.]

الإمبراطور مي-أغتسوم

كان الإمبراطور تري ديتسوغتين، المعروف كذلك باسم مي-أغتسوم في السابعة من العمر عندما تبوَّأ والده تري دوسونغ-مانغجي العرش الملكي التبتي، وإلى أن يبلغ سن الرشد تصرفت جدته الإمبراطورة دواغير تريما لو بوصفها وَصيَّةً عليه (حكمت من سنة ٧٠٤ إلى ٧١٢ م). وخلال فترة حكم مي-أغتسوم ( حكم من سنة ٧١٢ إلى ٧٥٥ م) بنى ثلاثة معابد غرب لاسا. [وذكرت مصادر تاريخية تبتية أخرى أنه بنى خمسة معابد بوذية دفعة واحدة.]

وفي عام ٧١٠ م تزوَّجت أميرة صينية تُدعى جينتشينغ [الابنة المُتبنَاة لإمبراطور التانغ شونجزونج (حكم من سنة ٧٠٥ إلى ٧١٠)] من مي-أغتسوم، وقد حدث ذلك بناءً على طلب تريما لو، الذي وافق عليه إمبراطور التانغ أملاً في تخفيف التوتر بين التبت والصين. ولكن ذلك الهدف لم يتحقق، فلم تكن جينتشينغ سعيدةً في التبت؛ كانت تشعر بالوحدة، وتُعامَلها زوجات مي-أغتسوم الأخريات بسوء نتيجة الغيرة. [كانت جينتشينغ بوذية محافظة، وفي عام ٧٣٧ م لجأت إلى الرهبان اللاجئين البوذيين الفارين من الاضطهاد الموجَّه إلى البوذيين في خوتان.]

وفي عام ٧١٩ م رفع الإمبراطور الصيني شونجزونج (حكم من سنة ٧١٣ إلى ٧٥٦ م) الجهود العسكرية ليحول دون تقدُّم الجيوش العربية والتبتية. وقد تحالفت التبت مع جارها الخليفة الأموي العربي (حكم من سنة ٦٦١ إلى ٧٥٠ م) في أوقات مختلفة، قبل هذه الفترة وخلالها، وأقامت علاقة تجارية معه. [فعلى سبيل المثال، في عام ٧١٧ م وَحَّد التبتيون والعرب قواتهم لمحاربة الصينيين في كوتشا، وقد حكمت الإمبراطورية الأموية مع عاصمتها في دمشق الشرق الأوسط كُلَّه تقريبًا، إلى جانب أجزاء من تركستان الغربية.

ولكن، في عام ٧٣٠ م وَقَّعت التبت مع الصين اتفاقية سلام، فتأسَّست بذلك الحدود بين الإمبراطوريتيْنِ شرق بحيرة كوكونور، واستمر السلام عشر سنوات، وقد سافر الرسُل خلالها بشكل عادي بين العاصمتيْنِ: لاسا وتشانغآن (شيآن الحالية). غير أن القوات التانغية في عام ٧٤٠ م هاجمت مناطق الثروات الطبيعية، واستعادت السيطرة عليها، على طول الحد الصيني-التبتي.]

وفي عام ٧٤١ م أرسلت التبت بعثة إلى الصين لإعلان موت الأميرة جينتشينغ وطلب السلام، لكن الصين رفضت، فأرسلت التبت جيشها إلى المناطق التي تسيطر عليها الصين واستولت على عدة مُدن حدودية [في شنغهاي الحالية ومقاطعات سيتشوان. ولكن، في عام ٧٤٧ م طَرد الصينيون، تحت قيادة الجنرال الكوري غاو شيانجي، التبتيين من المنطقة.

ورغم هذه المعارك أرسل مي أغتسوم بعثة أخرى إلى البلاط التانغي عام ٧٥١ م لمعرفة المزيد عن بوذية الصين الهانية. وفي العام نفسِه نشأت الخلافة العباسية العربية حديثة العهد (٧٥٠ – ١٢٥٨ م)، التي حلَّت مكان الخلافة الأموية، وقد هزمت القوات الصينية التانغية عند نهر تالاس، مُنهيةً بذلك توسُّعَ المنطقة الصينية إلى تركستان الغربية.]

وفي عام ٧٥٥ م اغتالَ مي-أغتسوم وزيرانِ [كانا عضويْنِ في طائفة البون المحافظة الكارهة لكل ما هو أجنبي في البلاط التبتي، الذي عارض اهتمام الإمبراطور بالبوذية، وتوجُّهَه المستمر نحو الصلح مع الصين. وكانت تلك هي السنة نفسها التي اندلع فيها تمرد لوشان في الصين (٧٥٥ – ٧٦٣ م)، الذي أطاح بالسلالة التانغية الحاكمة مؤقتًا.]

وأصبح ابن مي-أغتسوم الصغير تري سونغديتسين، (٧٤٢ – ٧٩٧ م) إمبراطور التبت التالي.

[لمزيد من التفاصيل، انظر: تاريخ الفترة المبكرة للبوذية والبونية في التبت، الفصل ١].

الإمبراطور تري سونغديتسين

كان تري سونغديتسين (تريسونغ ديتسين) مَيَّالاً للبوذية كذلك، وقد لاقى معارضة – مثل والده – من قبَل الكثير من وزرائه المحافظين الكارهين لكل ما هو أجنبي، الذين فضلوا الديانة البوذية. وفي [عام ٧٦١ م] أرسل وزيرَه [سيلنانغ] إلى نيبال [ومنها إلى الهند] لدعوة المعلم البوذي شانتاراكشيتا، [رئيس دير نالاندا، وهو أكثر المراكز التعليمية تقديرًا في شمال الهند.] ويُفترض أن وصول المعلم الهندي وتعليمه في التبت لم يُعجِب الأرواح البونية المحلية، ممَّا أدَّى إلى حدوث الكثير من العواصف والفيضانات. [ووفق مصادر أخرى فقد تفشَّى وباء الجدري كذلك، واشتدَّ ضغط الوزراء المؤيدين للبونية والكارهين لكل ما هو أجنبي على الملك]، فقد أرجعوا السبب إلى شانتاراكشيتا [لوقوع الكوارث] و[طُرِد من التبت، ولكنه قبل مغادرة الهند اقترح على الإمبراطور أن يدعو المعلم البوذي القوي باداماسامبافا] من أوديانا، [الواقعة في وادي سوات الحالي في شمال غرب باكستان] لترويض الأرواح البونية، وفعل سونغديتسين ذلك، ودعا شانتاراكشيتا إلى العودة كذلك [من جديد، وقاد سيلنانغ البعثة التبتية لمرافقة المعلم الهندي.]

وبنى الإمبراطور تري سونغديتسين الدير الأول في التبت. [وكما ذكرت معظم المصادر فقد بدأ البناء عام ٧٦٦ م وانتهى عام ٧٧٥ م.] وأُطلقَ عليه اسم سمياي، وصُمِّم على طراز أودانتابوري [الدير الهندي الجديد الذي بُنيَ قبل بضع سنوات تحت رعاية الإمبراطور غوبالا (حكم من سنة ٧٥٠ إلى ٧٧٠ م)، وهو مؤسس سلالة بالا الحاكمة في الهند.

وقبل اكتمال بناء سمياي غادر باداماسامبافا التبت، وقبل أن يغادر أَخْفَى نصوصًا مختلفة، تتعلَّق بالنظام التأمُّلي المتقدِّم الذي يُدعى "دزوغتشين" في جدران الدير؛ فقد شعر باداماسامبافا أن التبتيين لم يكونوا على درجة من الثقافة تمكنهم مِن فَهم هذه النصوص في هذا الوقت، وهكذا أُخْفِيَ كـ"نصوص ثمينة"، وسيُكشَف عنها لاحقًا عندما يكون التبتيون جاهزين لفهمها وممارستها بالشكل الصحيح.]

وكما ذكرت بعض المصادر التاريخية التبتية أطلق الإمبراطور تري سونغديتسين حملةً ضد الباتا هور في منطقة بحيرة بايكال؛ من أجل إحضار الحامي بيهار إلى التبت. [تُشير الباتا هور إلى الأتراك الأويغوريين في إمبراطورية الأويغور أورخون (٧٤٥ – ٨٤٠ م)، وضمت تلك الإمبراطورية منغوليا ومنطقة بحيرة بايكال في جنوب سيبيريا وشمال منغوليا، أما بيهار فتُشير إلى مجموعة مُؤلَّفة من خمس أرواحٍ حامية، تُعرَف باسم الملوك الخمسة بتجلياتهم الجسدية، أو إلى أحدهم فقط، وهو ملك التأثير المستنير. فمن خلال قواه الخاصة تنبَّأ باداماسامبافا بأن بيهار ستكون الحامي الروحي المناسب للتبت. وكان الباتا هور حُرَّاس قناع الجلد الشيطاني راكشا، وهو تمثالٌ فيروزي لِتارا شخص بوذا الأنثوي، وتمثال أم اللآلئ، الذي يعبر عن شخص بوذا الذكر أفالوكيتيشارا، وكانت هذه الثلاثة قاعدة جسدية ومستَقرًّا للإرسال في طلب بيهار. ووفق مصادر تاريخية تبتية أخرى فقد كان ابن تري سونغديتسين وخليفته الإمبراطور موني-تسينبو (حكم من سنة ٧٩٧ إلى ٨٠٠ م) هما مَن أوفدا البعثة إلى باتا هور.] واستولى التبتيون على هذه الأغراض الثلاثة، وأحضروها معهم إلى التبت، ووضعوها في سمياي.

[واستطاع باداماسامبافا ترويض بيهار وإلزامه بعهدٍ قطعه على نفسه لحماية التبت. وبعد ذلك أصبح سمياي يُعرف باسم نيتشين، أي "المكان العظيم". وفي زمن الدالاي لاما الثالث سونام-غياتسو (١٥٤٣ – ١٥٨٨ م) بدأ بيهار بالظهور بوصفه عَرَّافًا يتحدث من خلال وسيط. أما الدالاي لاما الخامس نغاوانغ-لوزانغ-غياتسو (١٦١٧ – ١٦٨٢ م) فقد عينَ بيهار عرَّافَ الدولة للحكومة التبتية حديثة التأسيس، وأعطى أمره ببناء دير جديد، وهو نيتشُنغ، أي المكان الصغير، باعتباره كرسي العراف. وقد تم الانتهاء من بناء الدير لبيهار عام ١٦٨٣ م، وبالتالي أصبح بيهار مشهورًا بين الناس باسم "عراف النيتشُنغ".]

وقد سكنَ ديرَ سمياي في البداية الرهبانُ التبتيون الأصليون السبعة الأوائل، الذين أسَّسوا مدرسة هناك لتعلم السنسكريتية والترجمة. [وقد أكمل شانتاراكشيتا وتلاميذه الهنود الذين رافقوه إلى التبت سيامتهم رُهبانًا، وترجمَ الباحثون في سمياي نصوصًا بوذية من السنسكريتية والصينية إلى التبتية، في حين ترجمَ آخرون نصوصًا بونية إلى التبتية من اللغة الشانغ-شُنغية.

وتوفي شانتاراكشيتا في سمياي عام ٧٨٣ م، وفي السنة نفسها أنشأ الإمبراطور تري سونغديتسين مجلسًا دينيًّا للبت في جميع الشئون الدينية، وقد عينَ خليفة شانتاراكشيتا، وهو سيلنانغ، ليكون رئيسًا لدير سمياي، وبصفته رئيس وزراء المجلس قاد سيلنانغ الطائفة المؤيدة للهنود في التبت، ومن أجل أن يضمن الاتجاه الذي ستتطور فيه التبت أثَّر على الإمبراطور؛ بحيث يعطي الصلاحية للمجلس بأن يُبطل أية قرارات يتخذها وزراءُ آخرون.

وفي عام ٧٨٤ م اتخذ المجلس أولى خطواته بطرد طائفة البون المحافظة الكارهة لكل ما هو أجنبي من البلاط الملكي إلى جيلجيت (شمال باكستان الحالية) ونانجاو. وأسوةً ببادماسابافا فقد أخفى الوزير البوني درينبا-نامكا كذلك نصوصًا بونية مختلفة في جدران دير سمياي الطينية لحمايتها.]

مناظرة سمياي

قبل وفاة شانتاراكشيتا تنبَّأ بنشوب صراعٍ بين مدرستَيِ البوذية: المدرسة الشانية الصينية التي تُعلِّم التنوير الفوري من خلال وقْف كل تفكير ونشاط، وبين المدرسة الهندية التي تنادي بالطريق التدريجي للدراسة والبحث والانضباط الأخلاقي. وقد أصدر تعليماته بأن يُدعَى تلميذه كامالاشيلا، لتمثيل النظام الهندي. ونشب صراعٌ طويل الأمد بين المدرستيْن في سمياي من ٧٩٢ حتى ٧٩٤ م. ودافع عن النظام الصيني رهبانٌ صينيون يُدعَوْن "هوشانغ" [هوشانغ هي كلمة صينية تعني "راهب"]، ودافع عن النظام الهندي كامالاشيلا، وفازت المدرسة الهندية في النهاية، وبالتالي أعلنها تري سونغديتسين ديانةً رسمية للتبت.

ولعل نتيجة المناظرة قد تأثرت بالأحداث السياسية؛ حيث كانت هناك نزاعات مستمرَّة على الحدود مع الصين في النصف الثاني من القرن الثامن. [يُشير هوف ريتشاردسون (Hugh Richardson) في "الأوجه السياسية لسنغا-دار، الانتشار الأول للبوذية في التبت"؛ "Political Aspects of the Snga-dar, the First Diffusion of Buddhism in Tibet,” Bulletin of the Department of Sanskrit and Indian Studies, Harvard University, المجلد ٢، العدد ٣] وللدلالة على النضال السياسي وراء المناظرة فإن الرهبان القادمين من العائلة النبيلة التبتية المنافِسة كانوا مؤيدين للصين، وقد كان الجو المناهض للصين حاضرًا أثناء النقاش.]

وفي عام ٧٦٣ م [بين طرد شانتاراكشيتا من التبت وعودته إليها بعد بضع سنوات] تمكَّن الجيش التبتي من الاستيلاء على تشانغآن العاصمة التانغية، وجعلوها في قبضتهم خمسة عشر يومًا قبل إجبارهم على الانسحاب. [حدث ذلك خلال الفترة الهادئة بين القمع الصيني لتمرد آن لوشان وعودة الإمبراطور التانغي الجديد دايزونغ من لوويانغ إلى تشانغآن.

غير أن القتال بين التبتيين والصينيين لم يتوقَّف، وفي عام ٧٨١ م – وهو العام الذي تُوفِّيَ فيه شانتاراكشيتا – استولت القوات التبتية على دونهوانغ في أقصى شمال حوض تاريم، وتَحوَّل مبنى دير الكهف الكبير هناك إلى مركز لترجمة النصوص البوذية من الصينية إلى التبتية. وجاءت الدجوغتشين وشكل تبتي من التشان البوذية لتزدهر هنا.]

وقد أرست معاهدة سلام تشينغشوي في عام ٧٨٣ م [وهو العام الذي تُوفِّي فيه شانتاراكشيتا] الحدود بين الصين والتبتيين في أمدو [شنغهاي الحالية]، مما منح التبت السلطة على مناطق الكوكونور، ولكن السلام بين الإمبراطوريتيْنِ لم يستمرَّ أكثر من ثلاث سنوات؛ حيث اندلعت الحرب من جديد في المنطقة عام ٧٨٦ م قبل ستِّ سنوات من مناظرة سمياي.

لم تكن النزاعات الصينية-التبتية محصورةً على حدود الأمدو ومناطق طريق الحرير. [دخلت التبت في تحالفات عسكرية مختلفة في ظل حُكم الإمبراطور تري سونغديتسنين، خاصَّةً مع الملك كولوفينغ، وهو ابن الملك بيلاوكو ملك سيام.] وكان الملك بيلاوكو (حكم من سنة ٧٢٨ إلى ٧٥٠ م) حاكمَ نانجو، وهي المملكة التايلاندية الأولى في يُنان، التي كوَّنَها من توحيد ولايات الباي عام ٧٣٠ م. وقد وافق بيلاوكو على الهيمنة الصينية التانغية عام ٧٣٥ م، وهاجمَ المناطق التبتية المجاورة عام ٧٤٥ م. ولكن ابنه وخليفته الملك كولوفينغ (حكم من سنة ٧٥٠ إلى ٧٧٩ م) تمرَّدَ على الصين، وتحالَفَ مع التبت عام ٧٥٠ م. وفي عام ٧٧٨ حاربَت التبت ونانجاو الصينيين معًا في سيتشوان، واستمرَّ هذا التحالف حتى ٧٨٦ م [عندما تحالف حاكم نانجاو التالي الملك إيموشون (حكم من سنة ٧٧٩ إلى ٨٠٨ م) مرة أخرى مع الصين، فاندلعت الحرب من جديد بين الصين والتبت. وهكذا نشبت الحرب بين الصين والتبت على جبهتيْنِ هذه المرة، وقد استمرَّت مملكة نانجاو حتى عام ٩٠٢ م.]

وفي عام ٧٩٠ م [قبل سنتيْنِ من مناظرة سمياي] استولت التبت مرة أخرى على حاميات أنغي الأربع، التي خسرتها عام ٦٩٢ م لصالح الصين في ظلِّ حُكم الإمبراطورة وو (حكمت من سنة ٦٨٤ إلى ٧٠٥ م). [من خلال إعلان نفسها مايترييا، أي بوذا المستقبل، وقادت الإمبراطورة وو انقلابًا مؤقتًا أطاحت من خلاله بالسلالة التانغية الحاكمة. وعلى وجه الخصوص استولت التبت مرة أخرى على خوتان عام ٧٩٠ م، فحصلت بذلك على السلطة على أفرع حوض تاريم الجنوبي كلها من طريق الحرير، ورغم أن التبت كانت تُسيطر على كاشغار في ذلك الوقت، إلا أنهم لم يحكموا حاميتيْ أنفي الأخريَيْنِ.]

وتابعت التبت هجماتها بشكل متواصل نحو الغرب من ٧٨٥ – ٨٠٥ م [كان التبتيون في ذلك الوقت متحالفين مع الأتراك القارلوق والشاهيين الأتراك في مواجهة العرب العباسيين، وعاش القارلوق في قرغيزستان الحالية، ثُمَّ أسَّسوا الإمبراطورية القراخانية (٨٤٠ – ١١٣٧ م)، التي يقع مركزها هناك. وقد حكم الشاهيون الأتراك وادي كابول وجنوب شرق أفغانستان الحالية من منتصف القرن الخامس حتى عام ٨٧٠ م، فقد كانت مملكتهم دولة تابعة للتبتيين في ذلك الوقت.]

وعبر الجيش التبتي جبال بامير، ووصل حتى نهر جيحون [يُدعى حاليًا: نهر أمور داريا، ويجري من جبال بامير على طول حدود طاجيكستان وأفغانستان، مرورًا بأوزباكستان، ووصولاً إلى بحر آرال.] وللتأكد من تقدمهم كَوَّن الخليفة العباسي هارون الرشيد (حكم من سنة ٧٨٦ إلى ٨٠٩ م) تحالفًا مع الصين، وامتد تقدم التبتيين في تركستان الغربية حتى وصل إلى إحدى البحيرات شمالَ نهر جيحون، واسمها "التوبات"، وبالتبتية: "البحيرة الصغيرة". [كانت " التوبات" هي الاسم العربي للتبت.

وهكذا، وفي أثناء مُناظرة سمياي، كانت التبت والصين تتحاربان، ليس على جبهتيْنِ فقط، بل على ثلاث جبهات، ولا شك أن ذلك أثَّر على خسارة الجانب الصيني المناظرة، ورَفْضِ التبت اللاحق للبوذية الصينية، وتبنيها البوذية الهندية بدلاً منها.]

[لمزيد من التفاصيل انظر: التفاعل التاريخي بين الثقافتيْنِ البوذية والإسلامية قبل الإمبراطورية المنغولية، الفصل ١١ والفصل ١٣].

الإمبراطوران موني-تسينبو وسايناليغ

تقاعد تري سونغديتسين عام ٧٩٧ م، وتوفي عام ٧٩٨ م، وخلال فترة حُكمه القصيرة حاول ابنه موني-تسينبو، حكم من سنة ٧٩٧ إلى ٧٩٩ م) تطبيق بعض الإصلاحات الزراعية التي لم تنجح في نهاية الأمر. وخلفه الابن الآخر لتري سونغديتسين، واسمه تري ديسونغتسين، حكم من سنة ٧٩٩ إلى ٨١٥ م)، الذي يُعرف كذلك باسم سايناليغ، واستمر الإمبراطور سايناليغ بدعم ترجمة النصوص البوذية، وخلال فترة حُكمه استمرت الجيوش التبتية في مضايقة العرب في الغرب، حتى إنهم حاصروا سمرقند عاصمة ما وراء النهر [في أوزبكستان الحالية، وحدث ذلك خلال تمرد رافع بن ليث، الذي أيَّده التحالف التبتي – القارلوقي – الشاهي التركي، وتوفي الخليفة هارون الرشيد وهو في الطريق للدفاع عن سمرقند.]

وقد توصل الخليفة المأمون – وهو الابن الثاني لهارون الرشيد – إلى اتفاق مع الحاكم التبتي لتركستان، الذي قدم له تمثالاً ذهبيًّا أُرسِلَ بعد ذلك إلى الكعبة في مكة. [بعد أن فقد العرب السلطة على سمرقند أبرمَ المأمونُ اتفاقية سلامٍ مع التبتيين والشاهيين الأتراك من أجل خوض حربٍ أهلية ضد أخيه، وبعد انتصاره هاجم الخليفةُ كابول، واستولى عليها عام ٨١٥ م. ويُشير "حاكم تُركستان التبتي" المهزوم إلى الملك سالاباتي التبتي التابع للشاهيين الأتراك، الذي أُرغِمَ على اعتناق الإسلام. وفي نهاية الأمر قدَّم تمثالاً ذهبيًّا ضخمًا لبوذا ليكون جِزيةً للغازين، وقد عُرضَ التمثال في الكعبة في مكة حتى إذابته عام ٨١٧ م.]

الإمبراطور ريلباتشين

خلفَ الإمبراطورَ التبتي سياناليغ عام ٨١٥ م ابنُهُ تري تسوغديتسين, حكم من سنة ٨١٥ إلى ٨٣٨ م) وكان يعرف كذلك باسم: ريلباتشين. وقد دعا ريلباتشين ثلاثة علماء هنود، وهم: شيليندرابودي وداناشيلا وجيناميترا إلى التبت الوُسطى. وقد نقَّح هؤلاء الثلاثة – إلى جانب المترجمين التبتيين: كاوا بيلتسيغ وتشوغ-رو لوي-غيالتسين الترجمات القديمة، وعَدلَّوا ترجمة المصطلحات البوذية من السنسكريتية، وجمَّعوا "(المُعجم) الضخم لفهم (المصطلحات) الخاصة"، الذي كان أول مُعجم سنسكريتي-تبتي.

وبعد تبوئه العرشَ التبتي أرسل الإمبراطور ريلباتشين عساكره إلى الحدود الصينية، وكان البوذيون على جانبَيِ الحدود يبحثون عن التأمُّل، وهو الأمر الذي أدَّى إلى معاهدة صُلح دورينغ عام ٨٢١ م، للتأكيد مرة أخرى على حدود اتفاقية عام ٧٨٣ م. وقد نُقشَت هذه المعاهدة على ثلاثة أعمدة حجرية؛ واحد في تشانغآن خارج قصر الإمبراطور التانغي الصيني [موزونغ (حكم من سنة ٨٢١ إلى ٨٢٥) م]، وآخر في غوغو ميرو على الحدود الصينية-التبتية، وثالثٌ منتصبٌ في لاسا [عمود دورينغ] عام ٨٢٣ م. وأكدت المعاهدة على أن التبت والصين متساويتان.

وبنى ريلباتشين ديرًا اشتهر باسم أوشانغدو، وطبقَ نظام فرض الضرائب لدعم الأديرة، فجعل كل سبع عائلات تدعم راهبًا واحدًا.

وفي عام ٨٣٦ م اغتيل ريلباتشين، فتبوَّأ أخوه الغيور تري أويدومتسين، حكم من سنة ٨٣٨ إلى ٨٤٢ م) العرشَ، وقد أغلق الإمبراطور الجديد – الذي يُشار إليه بين الشعب، ومن منطلق عدم الاحترام، باسم لانغدارما أي [الثور الصغير] – المعابد والأديرة، ومَنحَ الرهبان البوذيين فُرصة الزواج، والتحول إلى صيادين، أو اعتناق ديانة البون. أمَّا الذين عارضوا الأمر فقد أُعدِموا. وقضى هذا الأمر على البوذيةَ في التبت الوُسطى، ولكن ليس في شرق التبت أو غربها. [يحتجُّ توريل وايلي (Turrell Wylie) ("بعض العوامل السياسية في التاريخ المبكر للبوذية التبتية") ("Some Political Factors in the Early History of Tibetan Buddhism” في Studies in the History of Buddhism بأن الاضطهاد الذي مارسه لانغدارما كان سيُنهي الاستنزاف الاقتصادي الذي سببه تلاعُب أخيه في الإيرادات الضريبية للرهبان، كما كان سيُنهي التأثير القوي على العلاقات السياسية التي يبذلها المجلسُ الديني.]

وفي عام ٨٤٢ م اغتال لانغدارما راهبٌ يُدعى لالونغ بيلغيي-دورجي [وهو أحد تلاميذ غورو رينبوتشي بادماسامبافا الخمسة والعشرين، وحسَب سامتين غيالتسين كارماي، أو "الكَمالُ العظيم"، كان الراهبُ الرئيسَ المخلوع للمجلس الديني، والرئيسَ السابق لدير سمياي.] وبعد ذلك وقع شِقاقٌ بين السلالة الملكية، فتفكَّكت التبت إلى ممالك متعددة ذات سُلطة لامركزية.

[لمزيد من التفاصيل انظر: التفاعل التاريخي بين الثقافتيْنِ البوذية والإسلامية قبل الإمبراطورية المنغولية، الفصل ١٢. وانظر كذلك: تاريخ الفترة المبكرة من البوذية والبونية في التبت، الفصل ٢.]