أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

التفاعل التاريخي بين الثقافتين البوذية والإسلامية قبل الإمبراطورية المنغولية

ألكسندر بيرزين، ١٩٩٦ م
روجع بشكل بسيط في يناير سنة ٢٠٠٣ م وديسمبر سنة ٢٠٠٦ م

القسم الثالث: انتشار الإسلام بين الشعوب التركية ثم من خلالها بعد ذلك (٨٤٠ – ١٢٠٦ م)

١٦ تحليل حصار خوتان

المناخ السياسي والديني بين التانغوت

بعد أن أسَّس سلالة لياو الخيتانية الحاكمة في منغوليا ومنشوريا وأجزاءٍ من الصين الهانية عام ٩٤٧ م، وبعد توحيد سونغ الشمالية فيما تبقى من الصين الهانية عام ٩٦٠ م، أصبح التانغوتيون يواجهون ضغوطًا من الشمال والشرق معًا. فقد احتلَّوا في جنوب قانسو ونينغشيا وجنوب شانشي منطقة إستراتيجية على المدخل الرئيس من آسيا الوسطى إلى تشانغآن، المحطة الشرقية الأخيرة لطريق الحرير، التي كانت خاضعة لسلطة السونغ الشماليين. ورغم أن التجارة من الغرب كان يمكن أن تتفادى التانغوتين، من خلال العبور في ممر قانسو عبر تسونغكا، إلا أن الطريق المباشرة بصورة أكبر كانت تمر من أراضيهم، إضافةً إلى أن الكثير من القوى كانت حريصة على الاستيلاء على المنطقة منهم. لكنَّ التانغوتيين صمدوا أمام كل الهجمات، وبعد حروبٍ طويلة ضد كل من الخيتانيين والسونغ الشماليين أعلن الحاكم التانغوتي جيتشيان (حكم من سنة ٩٨٢ إلى ١٠٠٤ م) نفسه في عام ٩٨٢ م أول إمبراطورٍ لسلالة التانغوت المستقلة (٩٨٢ – ١٢٢٦ م)، المعروف باللغة الصينية باسم شيشيا، وباللغة التبتية باسم مينياغ.

وخلال الخمسين سنة اللاحقة شنَّ التانغوتيون حروبًا متواصلة ضد حِلفِ جيرانهم المباشرين اليوغوريين الصُّفْر وتبتيِّي تسونغكا، الذين رغبوا في توسيع إمبراطوريتهم غربًا للسيطرة على المزيد من طريق الحرير. وكان البلاط السونغي الشمالي ودودًا مع كليهما، في محاولةٍ منه للتقرب منهما من محيط التأثير الخيتاني. وبالتالي استمر التانغوتيون في علاقاتهم العدائية مع كلٍّ من الصينيين الهانيين، والخيتانيين أصحاب التهديد الذي لا ينتهي في الشمال.

قَدِمَت البوذية أساسًا إلى التانغوتيين من الصين الهانية في القرن السابع الميلادي، وعندما وصل الرهبان التبتيون الثلاثة، الذين هربوا من الاضطهاد الذي تعرضت له البوذية في التبت على يد الإمبراطور لانغدارما (حكم من سنة ٨٣٦ إلى ٨٤٢ م) إلى تسونغكا، قدَّموا التعليمات الدينية إلى بوذي محلي، الذي منحوه الاسم الروحي غيواسانغ . وتوجيه هذه المبادَرة لاحقًا إلى المناطق التانغوتية لإجراء مزيدٍ من الدراسات حقيقةٌ تُشير إلى أن البوذية قد أصبحت مُنتشرة بصورةٍ لا بأس بها بين التانغوتيين في ذلك الوقت، على الأقل في الأوساط الأرستقراطية.

كانت الديانة التقليدية التانغوتية مزيجًا من النوع غير الكونفشيوسي لعبادة الأجداد مع الشامانية والتنغرية التي اعتنقها معظم شعب آسيا الوسطى والسهول المنغولية. ومثل الأتراك كان للتانغوتيين طائفةٌ للجبال المقدسة التي اعتقدت بأن تلك الجبال هي عروش حكمهم. ورغم أن الإمبراطور التانغوتي جيقيان الذي احترم تقليده الأصلي من خلال بناء معبد للأجداد فور استيلائه على العرش الملكي، وهو الأمر الذي لَقِيَ دعمًا شعبيًّا حماسيًّا، إلا أنه احترم البوذية كذلك. فعلى سبيل المثال جعل ابنَه ديمينغ – وهو الإمبراطور المستقبلي (حكم من سنة ١٠٠٤ إلى ١٠٣١ م) – يدرس النصوص البوذية وهو طفل.

الوضع في المناطق التبتية

في هذه الأثناء كانت التبت تتعافى ببطء من الفتنة الأهلية التي تبعت اغتيال لانغدارما عام ٨٤٢ م. فبعد عدة فترات حُكم ضعيفة في عهد ابن الإمبراطور الأخير بالتبني وخُلفائه انقسمت التبت عام ٩٢٩ م إلى مملكتيْنِ: واحدة استمرت بمستوى سياسي ضعيف في التبت الوسطى. والأخرى: سلالة النغاري الحاكمة التي وطَّنت نفسها في موطن الشانغ-شُنغ القديم في الغرب. وفي النهاية أصبحت كِلتا المملكتين مهتمَّتَيْنِ بإحياء التقليد الرهباني البوذي من الرهبان في تسونغكا.

استمرت البوذية في تسونغكا في الازدهار دون أن تتأثر باضطهاد لانغدارما لهم عام ٩٣٠ م، وقد بدأ تبتيُّو هذه المنطقة بالمساعدة في ترجمة النصوص بوذية من لغتهم إلى لغة الأويغوريين، وكان ذلك بعد مرور خمس سنوات على تبنِّي الخيتانيين لأحرف الكتابة الأويغورية لتكون نظامًا ثانويًّا للكتابةٍ، وهكذا حلَّت الفترة التي كان فيها أثر الحضارة الأويغورية على الخيتانيين في أحسن حالاته. وليس من الواضح هل كان التعاون الديني بين تبتيِّي تسونغكا مع الأويغوريين محصورًا على جيرانهم المباشرين في الشمال اليوغوريين الصفر، أو مع الأويغوريين القوتشو كذلك في الغرب؟ فقد تقاسمت المجموعتان التركيتان اللغة والحضارة أنفسهما.

ونمت الترجمة الدينية بين التبتيين والأويغوريين خلال النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي، وزاد التواصل بينهما، خاصَّةً في الوقت الذي كان فيه التبتيون واليوغوريين الصفر حليفيْنِ في حربهما ضد التانغوت. وقد زار الحاج الصيني الهاني وانغ ياندي عاصمة اليوغوريين الصفر عام ٩٨٢ م، وهي السنة التي تأسَّست فيها الإمبراطورية التانغوتية، وذكرَ أن بها أكثرَ من خمسين ديرًا.

جهود الملك يشي-وو لإنعاش البوذية في التبت الغربية

أعاد ثلاثة رهبان تبتيين أوسطيين انتقلوا للعيش من تسونغكا إلى خام الحياةَ مرةً أخرى لسلالة الرسامة الرهبانية البوذية في التبت الوسطى في منتصف القرن العاشر الميلادي. وبالتالي بذل ملوك النغاري في غرب التبت الغربية جهودًا عظيمة لاستعادة البوذية ولو إلى مرحلة تتجاوز مرحلتها السابقة. وفي عام ٩٧١ م أرسل الملك يشي-وو رينتشين-سانغبو (٩٥٨ – ١٠٥٥ م) واحدًا وعشرين شابًّا إلى كشمير لتعلُّم الدين واللغة، كما أنهم زاروا جامعة فيكراماشيلا الرهبانية في الجزء الأوسط من شمال الهند.

كانت كشمير في هذا الوقت تلفظ أنفاسها الأخيرة في ظل سلالة أوتبالا الحاكمة (٨٥٦ – ١٠٠٣ م) التي تلت حُكم كاركوتا. وشهدت فترة أوتبالا الكثير من الحروب الأهلية وأحداث العنف في كشمير، واختلطت بعض جوانب البوذية بالنموذج الشايفيني للهندوسية. ولكن مع بداية القرن العاشر حصلت البوذية الكشميرية دفعة جديدة بعد إحياء المنطق البوذي في الجامعات الرهبانية شمالَ الهند، إلا أن نكسةً قصيرة حدثت أثناء حُكم الملك كشيماغوبتا (حكم من سنة ٩٥٠ إلى ٩٥٨ م)، عندما دمَّر هذا الحاكم الهندوسي المتعصب الكثير من الأديرة، ولكن البوذية كانت تمر بمرحلة إعادة بناء بطيئة أثناء زيارة رينتشين-سانغبو.

ورغم أن البوذية كانت قد وصلت مؤخرًا إلى قمة ازدهارها في خوتان، التي كانت على علاقة قريبة مع التبت الغربية لقرونٍ مضت، إلا أن النزاع الذي نشب بين خوتان والقراخانيين كان قد بدأ في كاشغار في السنة التي غادر فيها رينتشين-سانغبو عائدًا إلى دياره. ولم تعد خوتان مكانًا آمنًا لدراسة البوذية. وبالإضافة إلى ذلك رغب التبتيون في تعلم السنسكريتية من مصدرها في شبه القارة الهندية وترجمتها بأنفسهم من اللغة الأم. كانت ترجمات الخوتانيين للنصوص البوذية السنسكريتية غالبًا عبارة عن إعادة صياغة لهذه النصوص، في حين أن التبتيين، الذين أصابتهم بلبلة تجاه العقيدة البوذية، رغبوا في مزيدٍ من الدقة. وهكذا، ورغم أن وضع البوذية كان مضطربًا في كشمير، إلا أنها كانت العنوان الوحيد والقريب الآن نسبيًّا؛ حيث يستطيع التبتيُّون الحصول على تعليمٍ يُعتمَد عليه.

رينتشين-سانغبو وليغباي-شيراب وحدهما نَجَوَا من الرحلة والتدريب في كشمير، وفي سهول نهر الغانج الهندي الشمالي. وبعد عودة يشي-وو من التبت الغربية عام ٩٨٨ م أسَّس عدة مراكز لترجمة البوذية مع العلماء الرهبان من الكشميريين والهنود، الذين أعادهم رينتشين-سانغبو إلى التبت مُحمَّلين بأعداد كبيرة من الكتب، فبدأ الرهبان الذين دُعوا من دير فيكراماشيلا سلالة ثانية من الرسامة الرهبانية.

وخلال السنوات الأخيرة من القرن العاشر بنى رينتشين-سانغبو عدة أديرة في التبت الغربية، ضمت آنذاك أجزاءً من لداخ وسبيتي في الهند عبر جبال الهيمالايا، كما أنه زار كشمير مرتين إضافيتيْنِ ليدعو الفنانين من أجل تزيين هذه الأديرة لكسب إخلاص العامَّة في التبت. وكان ذلك – رغم تغير السلالة الحاكمة في كشمير – مع تأسيس سلالة لوهارا الأولى (١٠٠٣ – ١١٠١ م)، وكان الانتقال من سلالة حاكمة إلى أخرى سِلميًّا، ولم يؤثر سلبًا على وضع البوذية في كشمير.

بدأ الحصار القراخاني على خوتان عام ٩٨٢ م قبل ست سنوات من عودة رينتشين-سانغبو إلى دياره، وفور وصوله تدفَّقَ الكثير من البوذيين إلى التبت الغربية لاجئين بها، الأمر الذي ساعد بلا شكٍّ في إحياء البوذية هناك، وكانوا غالبًا من كاشغار، والمناطق الواقعة بين كاشغار وخوتان، التي امتدت على طول خط الدعم القراخاني. ورغم أن معظم الذين هربوا قد مرُّوا من طريق لداخ في طريقهم إلى التبت، إلا أنهم لم يعودوا إلى الغرب، ولم يستوطنوا كشمير القريبة، وهي رحلة أقل صعوبة وأقصر وقتًا. ولعل ذلك كان بسبب بروز مملكة النغاري، فقد كانت مستقرة أكثر من غيرها سياسيًّا ودينيًّا في وجه حُكم يشي-وو القوي ورعايته، وأحد العوامل الأخرى قد يكون الروابط الحضارية الطويلة بين المنطقة والتبت. وفي عام ٨٢١ م هرب رهبانٌ خوتانيون إلى التبت الغربية طالبين اللجوء ليهربوا من الاضطهاد.

الدعم العسكري التبتي لخوتان

لم يكد يمر على المملكة النغاريية التبتية الغربية عدة سنوات منذ تأسيسها حتى تحوَّل قراخانيو كاشغار من البوذية إلى الإسلام في الثلاثينيات من القرن العاشر الميلادي. وكانت نغاري في البداية ضعيفةً عسكريًّا؛ لِكَونها برزت هيئةً سياسيةً بعد الانقسام الذي حدث في التبت الوسطى حول مسألة الخلافة عام ٩٢٩ م. وبصعوبة بالغة كانت قادرة على المخاطرة بخلق عداوة مع القراخانيين بسبب الفروق الدينية، وكان عليها أن تحافظ على علاقات ودية مع جيرانها كي تنجو وتستمر.

لكن حسَب المصادر التاريخية البوذية التبتية اللاحقة فإن ملك نغاري – وهو يشي-وو – توجه إلى دعم خوتان الواقعة تحت الحصار مع حلول القرن الحادي عشر تقريبًا. وكان ذلك بلا شك بسبب الخوف الكبير من التوسع السياسي القراخاني المتزايد، كما كان بسبب القلق على الدفاع عن البوذية. ورغم أن التبتيين والقالوق/القراخانيين كانوا حلفاءَ منذ قرون سابقة، إلا أن بعضهم لم يهدد مناطق البعض الآخر أبدًا. بالإضافة إلى ذلك فإن التبت طالما اعتبرت خوتان ضمن نطاق تأثيرها الشرعي؛ لذلك تغيرت العلاقات بين الأمتيْنِ فورَ تخطِّي القراخانيين حدودَ هذا النطاق.

وحسَب المصادر التاريخية البوذية التقليدية فإن القراخانيين قد أسروا الملك يشي-وو، ولم يسمحوا لرعيته بدفع الفدية، فنصحهم الملك بتركه ليموتَ في السجن بدلاً من فدائه بالمال، وأن يستخدموه في دعوة المزيد من المعلمين البوذيين من شمال الهند، خاصةً أتيشا من دير فيكراماشيلا. وكان الكثير من المعلمين الكشميريين يزورون التبت الغربية مع بداية القرن الحادي عشر، وكان العديد منهم ينشرون أخبار الفساد الذي أصاب الممارسات البوذية هناك. وبما أن ذلك كان يضاعف المرحلة المتواضعة أساسًا من فهم البوذية في التبت؛ بسبب تدمير المراكز الرهبانية للدراسة في عهد لانغدارما، فقد رغب يشي-وو في إزالة تلك البلبلة الحادثة.

هناك الكثير من التناقضات التاريخية في هذه القصة التي تحكي تضحية يشي-وو؛ فقد انتهي الحصار المفروض على خوتان عام ١٠٠٦ م، في حين أن يشي-وو أصدر مرسومه الأخير من بلاطه عام ١٠٢٧ م لتنظيم ترجمة الكتب البوذية. وبذلك لم يمُت في السجن خلال الحرب، وحسب السيرة الذاتية التي كتبها رينتشين-سانغبو فإن الملك قد مات نتيجة مرضٍ ألمَّ به في عاصمته الخاصة.

ورغم ذلك تُشير هذه القصة الملفقة – بصورةٍ غير مباشرة – إلى أن التبتيين الغربيين لم يكونوا يتمتعون بقوة عسكرية قوية في ذلك الوقت، فلم يكونوا فعَّالين في رفع الحصار عن خوتان، ولم يشكلوا تهديدًا جديًّا لأي توسع قراخاني مستقبلي على طول فرع تاريم الجنوبي من طريق الحرير. ولم يكن بمقدورهم الدفاع عن المرتحلين التبتيين الذين يعيشون هناك.

إستراتيجية عسكرية قراخانية مُحتمَلة

سيطر الأويغوريون القوتشو على الفرع الشمالي من طريق الحرير، رغم أن هذا الشعب التركي المنافِس لم يكن يتمتع بنزعات حربية، إلا أنه كان تابعًا للخيتانيين الذين كانوا قوة عسكرية لا يُستهان بها في ذلك الوقت. ولو أراد القراخانيون غزو مملكة القوتشو في كوتشا القريبة مثلاً لخاض الخيتانيون هذه الحرب بلا تردُّد. ومن جهةٍ أخرى فخوتان – التي كانت تفتقر أيضًا إلى الخبرة الحربية – كانت أكثر عُرضة للهجوم من غيرها بكثير، رغم أنها كانت تُرسل بعثات إلى مختلف البلاطات الصينية الهانية، في محاولةٍ منها للحصول على الدعم، إلا أنها كانت معزولةً بشكل أساسي، ولم يكن باستطاعة نغاري المساعدة في تقديم دفاعٍ قوي.

بعد تَرْكِ طريق الفرع الجنوبي من طريق الحرير قرنًا ونصفًا من الزمن فتحه الخوتانيون مرة أخرى عام ٩٣٨ م، وأصبح يحمل تجارة اليشم إلى الصين الهانية، ولكنه كان مهجورًا في الغالب، إلا من قِلةٍ من المرتحلين التبتيين الذين كانوا يفتقدون القدرة الدفاعية. فاحتلال المسلك الشمالي سيتطلب سلسلة من المعارك للاستيلاء على كل واحة من واحات الأويغوريون القوتشو من كوتشا إلى تورفان، في حين أنه يمكن الاستيلاء على المسلك الجنوبي من خلال الفوز بمعركة واحدة لا غير؛ وهي معركة خوتان.

لو استطاع القراخانيون الاستيلاء على خوتان، وضمها إلى إمبراطوريتهم التي توسعت غربَ خوتان عبر كاشغار، وصولاً إلى المدن الرئيسة في صغديا، لَكانوا سيطروا بشكلٍ آلي على كل الفرع الجنوبي من طريق الحرير في آسيا الوسطى وحتى دونهوانغ؛ حيث اتَّحَدَ الفرع الجنوبي مع الفرع الشمالي. حينئذٍ كان يمكنهم السيطرة على طريق تجاري بديل يمر عبر تاريم الشمالية تحت حُكم القوتشو، وكانوا سيحققون مكاسب كبيرة على المستوى المالي، وعلى مستوى إظهار القوة. وبذلك فلن يكونوا بحاجة إلى شنِّ حملة عسكرية للفوز بالسيادة على القوتشو، وإنما يمكنهم بدلاً من ذلك نزعهم اقتصاديًّا، وذلك من خلال عزلهم عن تجارة طريق الحرير. لكن أحد العوامل العامة في بلوَرة إستراتيجية عسكرية للاستيلاء على الفرع الجنوبي من طريق الحرير كان الطريقة التي ستردُّ فيها الدوَل الواقعة شرقًا على الزحف القراخاني.

علاقة التانغوت

منذ التسعينيَّات من القرن التاسع الميلادي كان اليوغوريون الصفر يحكمون دونهوانغ في أقصى شرق طريق تاريم الجنوبي، وذلك بعد احتلالهم دولة غوييجيون؛ حيث اتحد الطريق الجنوبي بالفرع الشمالي. وقد امتدت منطقة اليوغوريين الصفر – في ظل السيادة الخيتانية منذ التسعينيات من القرن التاسع الميلادي - جنوبًا من هناك حتى ضمت ممر قانسو الذي يتخلله طريق الحرير، وامتد الطريق عندها عبر قانسو الجنوبية الواقعة في قبضة التانغوتيين قبل استمراره إلى الصين الهانية، أو انقسامه جنوبًا إلى منطقة كوكونور، وهي المحطة الأخيرة للتجارة العربية-التبتية، التي كانت تخضع وقتها لحُكم مملكة تسونغكا التبتية.

وبما أن التانغوتيين كانوا عدائيين إلى أبعد الحدود تجاه السونغ الشماليين في ذلك الوقت، فقد سدُّوا كل منافذ التجارة التي تمر في منطقتهم، التي يفترض أن تصل إلى الصين الهانية، ليتحولوا أنفسهم إلى المتلقي الرئيس للبضائع. وبالتالي انحرف الطريق التجاري إلى تشانغآن ليتفادى التانغوت، من خلال المرور جنوب منطقة اليوغوريين الصفر إلى تسونغكا، ومن هناك إلى الصين الهانية. وهكذا في عام ٩٨٢ م، ومع تأسيس سلالته شن الإمبراطور التانغوتي جيقيان حربًا سريعة توسعية للاستيلاء على مناطق اليوغوريين الصفر وتسونغكا، ولقطع كل إمكانيات دخول السونغ الشماليين إلى أراضي آسيا الوسطى غربًا.

وتبعًا للإستراتيجية الكلاسيكية: "عدو عدوي صديقي". فسرعان ما أنشأ القراخانيون علاقات ودية مع التانغوتيين. ولم يبدُ أن أفضلية التانغوتيين بالنسبة للبوذية قد شكَّلت عائقًا أمام المفاوضات الدبلوماسية، ويبدو أن الاعتبارات الجغرافية كانت تأخذ أفضلية على الاعتبارات الدينية عندما تكون المكاسب الاقتصادية على حافة الهاوية.

اتفاقيات عسكرية مُحتملة مع التانغوتيين

إنَّ فَرْضَ القراخانيين الحصارَ على خوتان في عام ٩٨٢ م حقيقةٌ تجعلنا نعتقد – رغم عدم وجود أية دلائل واضحة – أن القراخانيين والتانغوتيين قد أبرموا اتفاقية فيما بينهم. ويتناول أحد الاحتمالات بالنسبة للشروط فرضية أنه في حال لم يعرقل التانغوتيون الاستيلاء القراخاني على خوتان وتاريم الجنوبية فلن يتدخل القراخانيون بدورهم مع الغزو التانغوتي لما تبقَّى من قانسو ومنطقة كوكونور. وفي حال لجأ الخيتانيون إلى حماية اليوغوريين الصفر سيكون التانغوتيون في موضع أفضل بكثير من الموضع الذي سيكون فيه القرخانيون لصدهم. فبالنسبة للقراخانيين فشَنُّ هجومهم الخاص على اليوغوريين الصفر، واضطرارهم إلى محاربة الخيتانيين كذلك، سيتطلب خطَّ دعمٍ لا يمكن تحمله، يمر عبر نفايات صحراء تاريم الجنوبية.

ولو نجح كلٌّ من القراخانيين والتانغوتيين في هجماتهم العسكرية لَفازوا بسيطرة لا مثيل لها على جنوب طريق الحرير، من شمال شرق التبت والحدود مع الصين الهانية إلى سمرقند، ولَحدُّوا بشكلٍ كبير أية مشاركة تجارية للسونغ الشماليين والأويغوريين القوتشو. ورغم أن البوذيين الخوتانيين قد قدموا الدعم للمقاومة الكاشغارية للإسلام، إلا أن ذلك بلا شكٍّ كان قد زوَّد القراخانيين فقط بظرف أخلاقي لفرض حصارهم. لكن في تلك الأوقات لم تسعَ الأمم إلى التماسِ أعذارٍ لشن الهجماتٍ العسكرية.

من الممكن كذلك تفسير مجرى الأحداث دون تخيل إبرام عقد سلمي متبادَل بين القراخانيين والتانغوتيين فيما يخص خوتان وممر قانسو. فرغم أن كِلتا الأمتيْن كانتا بحاجة إلى تقسيم السيطرة على تجارة طريق الحرير، إلا أن الخاقان القراخاني كان بلا شك يريد هو أيضًا أن يضم اليوغوريين الصفر إلى إطار تأثيره بوصفه قائدًا على كل القبائل التركية. فإذا كانت المواجهة العسكرية المباشرة مع الأويغوريين القوتشو أو اليوغوريين الصفر عبارة عن مُخاطَرة شديدة بسبب التدخل الخيتاني المُحتمَل، فقد كان كانت هناك وسائل أخرى لكسب ولائهم.

فعلى سبيل المثال لو تمتع الخاقان القراخاني بنجاح عسكري واقتصادي كبيريْنِ في احتلاله طريق تاريم التجاري، وضمه إلى مناطقه في تركستان الشرقية، لاقتنعت مجموعتا الأويغوريين بقوته الروحية العُليا. إن الاعتراف بنصر الخاقان بصفته تمثيلاً جليًّا لسلطته الشرعية على كل الأتراك، وبوصفه محافظًا على أمن جبل بلاساغون المقدس قد يجعلهم يتنازلون عن آمالهم في استعادة أوتوكان من الخيتانيين، واللجوء بدلاً من ذلك إلى قائدهم الشرعي. وبعد رؤيتهم للخاقان وقد اختار دياناته بشكل صحيح عندما اعتنق الإسلام، وحاز القوة العُليا للفوز ببلاساغون وتاريم الجنوبية، فإنهم سيتحولون بشكل طبيعي من البوذية إلى الإسلام، وذلك ليس علامة خضوعٍ لله، وإنما خضوع للخاقان القراخاني.

إذًا كان الهدف الرئيس للخاقان في حملته على تاريم الجنوبية بلا شكٍّ ليس الانتشار الفعلي للإسلام من أجل الصلاح والانتقام للشهداء، وإنما كان على المدى القصير كسب امتيازات اقتصادية وإقليمية على الأرجح، وعلى المدى الطويل لكسب أتباع جدد من الأتراك، بوصفهم وسيلةً لكسب ولائهم السياسي الموحد له من خلال تجميعهم تحت راية العقيدة الأجنبية. هذه هي الخُلاصة التي تنبع من النمط التاريخي للحُكام الأتراك السابقين الذين قادوا شعبهم إلى اعتناق البوذية والشامانية والمانوية. ولكن، وبصرف النظر عن دوافع الخاقان، كان الكثير من الأتراك بلا شكٍّ مُخلصين في اعتناقهم الإسلام.

اختفاء البوذية في خوتان

إن المصادر التاريخية التي تذكر الاحتلال القراخاني لخوتان الذي تلا الحصار والتمرد اللاحق، لا تذكر شيئًا يخص المجموعة السكانية الأصلية. وبعد سنة واحدة من قمع العصيان أصبح التجار الخوتانيون وبعثات دفع الضرائب القادمة إلى الصين الهانية لا تضم إلا المسلمين الأتراك. وحلَّت لغة القراخانيين التركية محل الخوتانية، وأصبحت الدولة كلُّها إسلامية، واختفت البوذية تمامًا.

فَقَد التبتيون اتصالهم بأملاكهم السابقة، لدرجةِ أن الاسم التبتي لخوتان "لي" فقد معناه الأصلي، وأصبح يُشير إلى وادي كاتماندو في نيبال، بصفته اسمًا مختصَرًا للسلالة الحاكمة السابقة ليتشافي (٣٨٦ – ٧٥٠ م) التي سيطرت عليه. وحُوِّلت كل الأساطير البوذية المتعلقة بخوتان إلى كاتماندو كذلك، مثل نشوئها من تجفيف مانجوشري لإحدى البحيرت عبر شقه جبلاً بسيفه. ومع حلول القرنيْن الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين فقد التبتيون المعرفة بهذه الأساطير وأنها كانت ترتبط بخوتان. وهكذا فإن المصادر البوذية التبتية حول موت الملك يشي-وو في سِجنه على يد "غارلوغ" – أي القارلوق القراخانيين - تُشير إلى أنها حدثت بشكلٍ مفاجئ في نيبال. ورغم أن نيبال كانت تشهد حربًا أهلية بين عاميْ ١٠٣٩ و ١٠٤٥ م فإن القبائل التركية لم توجد هناك إلا نادرًا، وإنما كان هناك القارلوق وحدهم في ذلك الوقت.

من هذا الدليل الذي أُضيف إلى تحليلنا السابق يبدو أن اختفاء البوذية بين الخوتانيين كان نتيجةً لاندثار المجموعة السكانية في الحصار الذي دام أربعةً وعشرين عامًا، وسحق المتمردين الناجين لاحقًا، وليس نتيجةً لتحول البوذيين بالقوة إلى الإسلام. وكان الشاغل الرئيس للقراخانيين يرتكز على تحويل الأتراك إلى الإسلام – وليس الشعب الآخر تحت حكمهم – بوصفه جزءًا من جهدهم لتوحيد القبائل التركية تحت رايتهم، بصفتهم حُماةَ الجبل المقدس بلاساغون. فإنهم على سبيل المثال أجروا في عام ١٠٤٣ م طقسًا جماهيريًّا لتحويل عشرة آلاف تركي إلى الإسلام، وتخلل ذلك ذبح عشرين ألف رأس من الماشية، وهو ما يُشير إلى الأسلوب الشاماني التقليدي، وبالتالي الأهمية الإثنية للحَدَث نفسه.

وقد أخذ القراخانيون الدول الأموية والعباسية والسامانية قدوة لهم يقتدون بها في منح الحماية لرعاياهم غير الأتراك الذين اتبعوا ديانات أخرى. فعلاقتهم بالمسيحية النسطورية قوية جدًّا؛ حيث حافظت سمرقند على مطرانية نسطورية خلال فترتها القراخانية. بالإضافة إلى حصول كاشغار على مطرانية كذلك بعد الإطاحة بالإمبراطورية القراخانية عام ١١٣٧ م، وهو ما يُشير إلى أن المسيحية النسطورية كانت حاضرة وغير مضطهَدة خلال حُكمهم. ويمكن للمرء أن يستنتج أن الحال كانت نفسها بالنسبة للبوذية هناك، خاصةً أن هؤلاء الحكام اللاحقين لكاشغار فضلوا البوذية، وخلال فترة حُكمهم تميزت كاشغار بالعديد من رجال الدولة البوذيين.

ووجود مجتمع نسطوري صغير في خوتان مع كنيستيْن قبل الحصار، وعدم ذكر ذلك في مرحلة لاحقة، رغم التسامح القراخاني تجاه المسيحية، حقيقة تعطي ترجيحًا إضافيًّا إلى النتيجة القائلة بأن معظم المجموعة السكانية الأصلية في خوتان – من المسيحيين والبوذيين على حد سواء – قد هلكت خلال الاحتلال العسكري. ولولا ذلك لَعاد النسطوريون الخوتانيون إلى الظهور في المصادر التاريخية، كما كانت حال إخوتهم في كاشغار.