أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

التفاعل التاريخي بين الثقافتين البوذية والإسلامية قبل الإمبراطورية المنغولية

ألكسندر بيرزين، ١٩٩٦ م
روجع بشكل بسيط في يناير سنة ٢٠٠٣ م وديسمبر سنة ٢٠٠٦ م

القسم الثالث: انتشار الإسلام بين الشعوب التركية ثم من خلالها بعد ذلك (٨٤٠ – ١٢٠٦ م)

١٣ تأسيس إمبراطوريات جديدة في آسيا الوسطى

إنشاء الإمبراطورية القراخانية

عندما طَردَ الاحتلال القرغيزي الأتراكَ الأويغوريين الأورخون من منغوليا عام ٨٤٠ م خسروا ملكيَّتهم على جبل آلهة الأرض المقدَّسة أوتوكان، بالقرب من عاصمتهم السابقة أوردوباليق. ووفقًا لاعتقادات الأتراك القديمة السابقة للبوذية والتنغرية والمانوية فإن أي شخص سيطر على هذا الجبل يُعتبَر الحاكم النظري للعالم التركي كاملاً. فهو ونسله فقط يملكون السُّلطة الروحية لاتخاذ لقب الخاقان، وهو وقبيلته فقط يستطيعون أن يكونوا قادةً سياسيِّين على القبائل التركية الأخرى. وتمثَّل القوة الروحية حظ الأتراك كلِّيةً، الذين سكنوا هذا الجبل، ويتجسَّد هذا الحظ في الخاقان في أنه يمثل قوَّته الحيوية الخاصة، أو قوته الكاريزماتية المسئولة عن نجاحه أو فشله.

إن حُكَّام المملكتيْن الكبيرتيْن الذين يتألَّفون من اللاجئين الأويغوريين، والأويغوريين القوتشو في شمال حوض تاريم، واليوغوريين الصُّفر في ممر قانسو، لم يكونوا مؤهَّلين لهذا اللقب السياسي-الديني؛ لأن مُلكهم لم يمتد إلى منغوليا، ولم يكن الحاكم القرغيزي لمنغوليا نفسها مؤهَّلاً لذلك أيضًا؛ لأن القرغيز كانوا – عِرقيًّا – شعبًا منغوليًّا، ولم يتكلَّموا اللغة التركية أصلاً، وكانوا شعبًا من غابة سيبيريا، وليسوا من السهول، ولم يؤمنوا بقداسة أوتوكان.

لكن كان هناك جبل مقدَّس آخر، وهو بلاساغون على نهر تشو في شمال قرغيزستان قريبًا من بحيرة إيسيك كول. وقد سيطر عليه الأتراك الغربيُّون، الذين بنوا عدة أديرة بوذية على منحدراته. وبما أن الجبل بات يقع الآن ضمن نطاق الأتراك القارلوق أعلن حاكم القارلوق بيلغا كول قدير عام ٨٤٠ نفسه "خاقانا"، أي: القائد والحامي الطبيعي لكل القبائل التركية، وغيَّر اسم مملكته وسلالته الحاكمة إلى المملكة والسلالة القراخانية.

وقد انقسمت الإمبراطورية القراخانية إلى قسمَين بعد تأسيسها بفترةٍ قصيرة: القسم الجنوبي: الذي جعل عاصمته تاراز على نهر طلاس، وضم دويلات مدن كاشغار إلى الجنوب الشرقيِّ، عبرَ جبال تيانشان في أقصى غرب حوض تاريم. القسم الشرقي: الذي امتد إلى الشمال نحو سلسلة جبال قرغيز، وتمركز حول جبل بلاساغون المقدَّس في تشو.

[شاهد الخريطة الثانية والعشرين: شمال آسيا الوسطى، نحو ٨٥٠ م]

العلاقات بين القراخانيِّين والأويغوريين

لم يطلق القراخانيُّون خلال فترة حكمهم (٨٤٠ – ١١٣٧ م) حملةً عسكرية ضد أسيادهم السابقين الأويغوريين، رغم أنهم حاربوهم كثيرًا في السابق، مثل القارلوق. وكانت هناك أقليَّتان من أصل أربع من الأويغوريين الأورخون صغيرتين جدًّا، ومكثتا في الإمبراطورية القراخانية في كاشغار، وعلى طول وادي نهر تشو. وليس واضحًا مدى انغماسهم هناك، أو مدى حفاظهم على هويَّتهم بوصفهم أقليَّاتٍ غريبة. غير أن القراخانيِّين حافظوا على التنافس الحضاري مع المجموعتيْن الأخرييْن اللتيْن تفوقان المجموعتيْن السابقتيْن حجمًا بكثير: الأويغوريين القوتشو واليوغوريين الصُّفر. وكانوا يستخدمون وسائل أخرى غير عسكرية لفرض السيادة عليهم.

تمدَّن الأويغوريون القوتشو بشكلٍ أساسي في الواحات الشمالية من حوض تاريم، وبعد أن تركوا تقاليدهم الحربية السابقة الخاصة بالسهول واعتنقوا البوذية عاشوا غالبًا بسلامٍ مع الممالك المحيطة. وكما تمدَّن اليوغوريون الصُّفر أيضًا في دويلات المدن المستقلة في ممر قانسو، وأصبحوا بوذيِّين. غير أنهم كانوا على حرب شبه دائمة مع جيرانهم التانغوت في الشمال، الذين كانوا يهددونهم بشكل مستمر. وتمتَّع فرعا الأويغوريين بعلاقات ودية مع الصين الهانية؛ لأن السكُّان الهانيِّين المحليِّين في المنطقة كانوا قد ساعدوهم على خلع الحُكَّام التبتيِّين السابقين للمنطقة، وساعدوهم على تأسيس ممالكهم.

شكَّل شعبا الأويغوريين معًا المجموعةَ التركية الوحيدة في ذلك الوقت، لهما لغة مكتوبة وحضارة رفيعة، وهو ما توصَّلا إليه بمساعدة التجُّار والرهبان الصغديانيِّين الذين يعيشون في مملكتيْهما. في حين افتقر القراخانيُّون إلى هذه الميزات، رغم سيطرتهم على كاشغار، التي كان بها حضورٌ صغدياني كذلك. لكن مع حيازة بلاساغون كانوا يطالبون بقوة قيادة الشعب التركيِّ.

العلاقات المبكِّرة بين القراخانيِّين والتبت

حافظ القراخانيُّون على عادة القالوق في دعم مزيجٍ البوذية: الشامانية التركية، والتنغرية. كما فعل الأتراك الغربيُّون من قبلهم. كما أنهم تابعوا علاقاتهم الودية التقليدية مع التبت، وهي حليفتهم العسكرية السابقة لفترةٍ طويلة. لكن الأخيرة، ورغم ضعفها السياسيِّ، كانت تمارس تأثيرًا حضاريًّا قويًّا على المناطق التي تقع شرق القراخانيِّين مباشرةً. وكانت اللغة التبتية – مدةً تزيد على قرنٍ من الزمن بعد اغتيال لانغدارما عام ٨٤٢ م – هي اللغة الدولية للتجارة والدبلوماسية التي كانت تُستخدَم من خوتان حتى قانسو. وبسبب الاحتلال التبتي الطويل للمنطقة كانت اللغة التبتية هي الوحيدة المتداوَلة في المنطقة؛ حيث تُرجمَ كثير من المؤلفات البوذية الصينية الهانية والأويغورية صوتيًّا إلى الأحرف التبتية للاستخدام الأكثر شيوعًا، حتى إن بعض الترجمات حصلت على رعاية أسرة القرغيز الحاكمة.

وهناك دلالةٌ أخرى على العلاقة الوطيدة التي كانت تربط القراخانيِّين والتبتيِّين، فبعد الاضطهاد الذي مارسه لانغدارما تجاه التقاليد الرهبانية البوذية هرب ثلاثة رهبان تبتيِّين أوسطيِّين من الاضطهاد، من خلال المرور عبر غرب التبت، وقبول اللجوء المؤقَّت إلى منطقة كاشغار القراخانية. وقد تعاطف القراخانيُّون مع محنتهم، فبالنسبة إليهم كانت البوذية مستقرة بما فيه الكافية في تلك المنطقة ليشعروا بالأمان. وبعد توجّههم شرقًا على طول حافة حوض تاريم، وبعد أن علَّموا الكثير من رفاقهم في قانسو، استقرُّوا أخيرًا في منطقة كوكونور شمال شرق التبت، التي سرعان ما شهدت ظهور مملكة التسونغكا.

المملكة الصفارية

بعد أن أسس القائد الطاهر الدولة الطاهرية في باكتريا عام ٨١٩ م كان الزعيم الإسلامي المحلي التالي الذي انفصل عن العباسيِّين هو يعقوب بن الصفار مؤسِّس السلالة الصفارية الحاكمة (٨٦١ – ٩١٠ م) من معقله في سيستان جنوبَ شرق إيران. وكان حُكمه حُكمًا عسكريًّا طموحًا إلى أبعد الحدود، فقد انطلق عام ٨٦٧ م لاحتلال إيران، وفي عام ٨٧٠ غزا الصفاريُّون كابول. وفي مواجهةِ هزيمةٍ وشيكة عَزَل آخرَ حُكَّام الشاهيين الأتراك البوذيِّين وزيرُه البرهميُّ كالاَّر، الذي ترك كابول للصفاريِّين، وأسَّس سلالة الشاهية الهندو الحاكمة (٨٧٠ – ١٠١٥ م) في غندهارا وأوديانا.

[شاهد الخريطة الثالثة والعشرين: جنوب آسيا الوسطى، نهاية القرن التاسع.]

نهبَ الزعيم الصفاري الأديرةَ في وادي كابول، وأرسل تماثيل بوذا منها إلى الخليفة العباسي في بغداد غنائمَ حرب. وكان هذا الاحتلال الإسلامي العسكري لكابول الضربة الجدية الأولى ضد البوذية هناك، فلم يكن لهزيمة شاه كابول واعتناقه الإسلام عام ٨١٥ م سوى أثر ضئيل على الوضع العام للبوذية في المنطقة.

ثم تابع الصفاريُّون حملتهم من الفتح والتدمير شمالاً، فاستولوا على باكتريا، وطردوا الطاهريِّين عام ٨٧٣ م. لكن مجدهم كان قصير الأمد؛ ففي عام ٨٧٩ م استعاد الشاهيون الهندو السيطرة على منطقة كابول، وتعاملوا مع الهندوسية والبوذية بتسامح كبير، وانتعشت البوذية في المنطقة كلها.

وسرعان ما استعادت الأديرة البوذية في كابول رخاءها ومجدها السابقيْن. ويصف أسدي الطوسي في كتابه "غرشاسب نامه" – الذي ألَّفه عام ١٠٤٨ م – ديرَ سوباهار الذي وجده الغزنويُّون عندما استولوا على كابول من أيدي الشاهيين الهندو قبل خمسين عامًا تقريبًا. وهو دير يضم أحدى معابد جدرانًا رخامية، وأبوابًا مطلية بالذهب، وأرضية من الفضة، وفي وسطها تمثال بوذا على عرشٍ مصنوعٍ من الذهب، وقد صُمِّمت جدرانه مع رسوماتٍ للكواكب والعلامات الاثنتي عشرة من دائرة الأبراج، المطابقة لروح الرسومات الزورفانية التي وُجدَت في غرفة العرش الخاصة بالقصر السَّاساني الإيرانيِّ تاقديس في الماضي.

المملكة السَّامانية والمملكة البويهية

في هذه الأثناء استقل الحُكَّام الفارسيُّون في بخارى وسمرقند عن العباسيِّين، وأسَّسوا السلالة السَّامانية الحاكمة (٨٧٤ – ٩٩٩ م). وفي عام ٨٩٢ م استولى مؤسِّس السَّامانية إسماعيل بن أحمد (حكم من سنة ٨٧٤ إلى ٩٠٧ م) على تاراز عاصمة سمرقند الغربية، مما جعل حاكمها أوغولتشاق ينقل عاصمته إلى كاشغار. وبعد ذلك استولى إسماعيل بن أحمد على باكتريا من الصفاريِّين عام ٩٠٣ م، وجعل حُكَّامهم القساة ينسحبون إلى وسط إيران.

نادى السَّامانيُّون بعودة الحضارة الإيرانية التقليدية، لكنَّهم استمروا على ولائهم السياسي للعرب، وكانوا أول من كتب الفارسية بحروفٍ عربية، وقدَّموا الكثير لتطوير الأدب الفارسيِّ، وفي ذروة حكمهم في ظل نصر الثاني (حكم من سنة ٩١٣ إلى ٩٤٢ م) ساد السلام في صغديا وباكتريا، وازدهرت الحضارة بشكلٍ كبير.

كان السَّامانيُّون سُنِّيين، لكن نصر الثاني كان متعاطفًا مع الشيعة والطوائف الإسماعيلية، كما أنه كان متسامحًا مع البوذية، كما يدل على ذلك استمرار صُنع صوَر بوذا المنحوتة وبيعها في العاصمة السَّامانية بخارى خلال تلك الفترة. حتى إنَّ السَّامانيِّين كانوا متعاطفين مع المانويِّين الذين اضطُهدوا بشكلٍ كبير، وقد وجد كثيرون منهم ملجأً لهم في سمرقند أثناء حُكمه.

المجموعة الدينية الوحيدة التي شعرت بأنه غير مرغوبٍ فيها كانت الزرادشتيَّة، وكانت ديانة مؤسِّس السَّامانية قبل اعتناقه الإسلام، فقد هاجرت نسبة كبيرة من الزرادشتيين إلى الهند، واستقرُّوا في غوجارات إلى جانب البحر عام ٩٣٦ م. وعُرفوا هناك باسم البارسيِّين، وبعدها بفترة وجيزة اضطهد خليفة نوح بن نصر وهو خليفة نصر الثاني (حكم من سنة ٩٤٣ إلى ٩٥٤ م) الطوائف الإسماعيلية المنتسبة للإسلام بشدة.

خلال هذه الفترة زاد ضعف الخلفاء العباسيِّين في بغداد أكثر فأكثر، وسرعان ما أسَّس البويهيُّون سلالتهم الحاكمة في معظم إيران (٩٣٢ – ١٠٦٢ م) بعد سقوط الصفاريِّين عام ٩١٠ م. وكان البويهيُّون شيعيِّين، وخلال فترة حُكمهم سيطروا بشكلٍ كبير على خُلفاء بغداد، لكنَّهم استمرُّوا في دعم الاهتمام العباسي بالتعلُّم الأجنبيِّ، وخاصة بالعلوم. وفي عام ٩٧٠ م نشرت مجموعة من علماء بغداد تعرف بـ"إخوان الصفا" موسوعةً من خمسين مجلَّدًا تغطِّي كل مجالات المعرفة المعاصِرة، بما في ذلك المواد المُترجمة عن المصادر اليونانية والفارسية والهندية.

الإمبراطورية الخيتانية

في هذه الفترة كانت هناك إمبراطورية أخرى في مرحلة النشوء في جنوب غرب منشوريا، وبعد ذلك سيكون لها تأثير كبير على توازن القوى في آسيا الوسطى، ألا وهي إمبراطورية الخيتانيِّين، فقد وحَّد أباوتشي (٨٧٢ – ٩٢٦ م) القبائل الخيتانية المختلفة في المنطقة، وأعلن نافسه "خانًا" عام ٩٠٧ م، وبعد سنة من سقوط السلالة التانغية الصينية الحاكمة تبع الخيتانيُّون مزيجًا من التقاليد الصينية الهانية والكورية من البوذية، إضافةً إلى نموذجهم الأصلي من الشامانية. وكان أباوتشي قد بني معبدًا بوذيًّا خيتانيًّا عام ٩٠٢ م، وأعلنَ البوذيةَ عام ٩١٧ م ديانةً رسمية للدولة.

[شاهد الخريطة الرابعة والعشرين: آسيا الوسطى، بداية القرن العاشر.]

كان الخيتانيون أول شعبٍ معروفٍ تكلَّم اللغة المنغولية، فقد كانت لديهم حضارةٌ متطوِّرة جدًّا، تخلَّلتها مهارةٌ خاصة في صنع المعادن. ولرغبته في أن يتمتَّع شعبه بهوية مميَّزة أمرَ أباوتشي عام ٩٢٠ م بنص مكتوبٍ باللغةِ الخيتانية، ولكنه مدوَّنٌ بحروفٍ صينية هانية، ولكنه أكثر تعقيدًا، ثم تحوَّل النص خلال القرون اللاحقة إلى قاعدةٍ لأنظمة الكتابة الجورتشينية والتانغوتية.

وفي عام ٩٢٤ م أطاح أباوتشي خان بالقرغيز وفتح منغوليا، لكنه كان متفتِّح الذِّهن إلى أبعد الحدود، وتعامل بتسامحٍ مع المؤمنين من المانويِّين والمسيحيِّين النسطوريين، الذين بقوا هناك بعد مغادرة الأويغوريين الأورخون، كما أنه وسَّع سيطرته على ممر قانسو وشمال حوض تاريم؛ حيث استسلم اليوغوريون الصُّفر والأويغوريون القوتشو بسلامٍ، وأصبحوا ولاياتٍ تابعة له. وفي عام ٩٢٥ م اعتمدَ أباوتشي النصَ الأويغوري نموذجًا ثانويًّا بسيطًا في كتابة الخيتانية، حتى إنه دعا المجموعتيْن الأويغوريّتيْن للعودة إلى أراضيهم السهلية. ولكن رفض الأويغوريون واليوغوريون تلك الدعوة؛ لأنَّهم تأقلموا جيِّدًا مع النمط المتمدِّن من الحياة، وربما لخوفهم كذلك من سيطرة الخيتان الكاملة على طريق الحرير في غيابهم.

اتَّسعت رقعة الإمبراطورية الخيتانية بسرعة في مختلف الاتجاهات، وسرعان ما باتت تضم كلاًّ من منشوريا، وجزءًا من كوريا الشمالية، وجزءًا ضخمًا من شمال شرق الصين الهانية وكذلك شرقها. وقد أعلن خُلفاء أباوتشي إنشاء سلالة لياو الحاكمة (٩٤٧ – ١١٢٥ م) التي كانت ندًّا وعدوًّا دائمًا لسلالة سونغ الشمالية الصينية الحاكمة (٩٦٠ – ١١٢٦ م). وقد نجحت الأخيرة في إعادة توحيد ما تبقَّى من الصين الهانية بعد نصف قرنٍ من التفسُّخ.

رغم أن طبقة النبلاء الخيتانية التي احتلَّت منطقة الصين الهانية قد انصهرت ثقافيًّا بشكلٍ كبير، إلا أن الخيتانيِّين خارج الصين الهانية قد حافظوا على تقاليدهم وهويَّتهم الحضارية الخاصة، فحافظ الحُكَّام الخيتانيُّون دائمًا على بلاطهم الملكي ومركز قوَّتهم العسكرية في جنوب غرب منشوريا، ولم يقدِّموا إلا خدماتٍ شفهية (بمعنى عن غير قناعة، وأتركك الصياغة لك) للشعائر الكونفشيوسية، وأكَّدوا على التقاليد البوذية القوية، بدل ذلك. فسادت القِيَم البوذية شيئًا فشيئًا. ويعود آخر ذِكر لقربان بشري في المدافن الملكية الخيتانية إلى عام ٩٨٣ م. فقد اعتمد الإمبراطور الخيتانيُّ شينغزانغ التعاليم البوذية عام ١٠٣٩ م، وحظر التضحية بالخيول والثيران في الجنازات عام ١٠٤٣ م.

وبما أن الخيتانيِّين كانوا على معرفةٍ بالبوذية الصينية الهانية قرونًا سبقت إعلان سلالتهم الحاكمة، ونتيجةً لأن أكثر الأدبيَّات البوذية شمولاً كانت متوافرةً باللغة الصينية، فسرعان ما طغت الحضارة الهانية على العناصر الأويغورية، ولكونها الأثر الأجنبي الرئيس للمجتمع الخيتانيِّ فقد شعر الأويغوريون القوتشو واليوغوريون الصُّفر بالإبعاد تدريجيًّا. وبالتالي سعى الأويغوريون القوتشو واليوغوريون الصُّفر، أثناء حفاظهم على العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع الخيتانيِّين، إلى الميل كثيرًا نحو الحُكمِ الذاتيِّ. لكنَّهم لم يتمرَّدوا أبدًا، لعددٍ من الأسباب. فقد كان الخيتانيون يتمتّعون بتفوُّقٍ عسكريٍّ؛ إذ لا يتوقّف الأمر عند عدم قدرة الأويغوريين واليوغوريين على هزيمتهم، بل على العكس سيكون بمقدورهم الاستفادة من وجودهم حماةً . بالإضافة إلى ذلك فلا شك أن مجموعتي الأويغوريين – رغم اعتناقهما البوذية – لم تنسيا جبل أوتوكان المقدَّس في منغوليا في ظل السيطرة الخيتانية، ولم ترغبا في خسارة أي اتصال معه. أمَّا البوذية الأويغورية – مثل سابقتها التركية القديمة، والنموذج الخيتاني الموازي لها – فقد امتزجت عقيدتها بعناصر تنغرية وشامانية.