أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

التفاعل التاريخي بين الثقافتين البوذية والإسلامية قبل الإمبراطورية المنغولية

ألكسندر بيرزين، ١٩٩٦ م
روجع بشكل بسيط في يناير سنة ٢٠٠٣ م وديسمبر سنة ٢٠٠٦ م

القسم الثاني: الفترة العباسية في عهدها المبكر (٧٥٠ – منتصف القرن التاسع بعد الميلاد)

١٢ تأسيس الأويغوريين للممالك البوذيَّة

غزو القرغيز لمنغوليا

كان القرغيز في الأساس شعبًا منغوليًّا من غابات جبال مقاطعتيْ ألطاي وتوفا الحاليّتيْن في جنوب سيبيريا شمال جونغاريا، وقد عاشت بعض قبائلهم كذلك في الروافد الغربية لسلسلة جبال تيانشان حتى جنوب جونغاريا. وقد ضمت الإمبراطورية التركية الشرقية مناطق ألطاي التقليدية للقرغيز، وعندما استولى الأويغوريون على الإمبراطورية احتلوها ودمروها عام ٧٥٨ م. فظل القرغيز والأويغوريون بعد ذلك أعداءً إلى الأبد، ثم انتقل الكثير من القرغيز إلى منطقة غرب تيانشان؛ حيث تحالفوا مع القارلوق والتبتيين والعباسيين ضد الأويغوريين والصين التانغية.

ومنذ النصف الثاني من القرن الثامن كانت التجارة التبتية-العربية تمر من غرب التبت عبر ممر واخان، وصولاً إلى غرب باكتريا وصغديا. لكن التجارة كانت تمر كذلك عبر طريقٍ ثانٍ من شمال شرق التبت، عبر المستعمرات التبتية في ممر قانسو، إلى المناطق الحساسة في تورفان وبشباليق، التي يتنازع عليها التبتيون والأويغوريون والصين الهانية، حتى استقر الأمر لصالح التبتيين عام ٨٢١ م. ثم تابعت طريقها بعد ذلك عبر جنوب جونغاريا مرورًا بالسهول الغربية لجبال تيانشان، وصولاً إلى شمال غرب تركستان، التي كانت كلها تحت سيطرة القارلوق حتى التسعينيات من القرن الثامن الميلادي، ثم تحت سيطرة الأويغوريين، ثم انتقلت في النهاية إلى صغديا التي تقع تحت سيطرة العرب. وكان قاطعو الطرق الأويغوريون يسكنون في جزءٍ من الطريق التي كانت تمر عبر جبال تيانشان، وكان للقرغيز دور مهمٌّ في محاربتهم، والمحافظة على طريق التجارة مفتوحًا وآمنًا.

[ شاهد الخريطة التاسعة عشرة: طريق التجارة التبتية-العربية.]

كان التجار التبتيون على هذا الطريق بوذيين، كما تدل على ذلك المانترات البوذية (المقاطع المقدسة)، التي حفروا نصها التبتي على صخورٍ عُثِرَ عليها بالقرب من بحيرة إيسيك كول في شرق قرغيزستان الحالية. ولم يكونوا عُرضةً للاضطهاد أو التقييد الديني في الأراضي المسلمة في الحد الغربي من طريق الحرير في آسيا الوسطى. ولولا ذلك لما كانوا خاطروا بالمرور فيه في رحلاتهم. وهذا مؤشر آخر على أن الجهاد الذي أعلنه الخليفة المأمون عام ٨١٥ م ضد الحلف التبتي-الشاهي التركي-القارلوقي-الأوغوزي كان موجهًا لأهداف سياسية، وليس من أجل دعوة جماعية إلى الإسلام بالقوة لأناس كانوا في نظره كُفَّارًا.

وبعد معاهدات السلام مع التبتيين والصين الهانية عام ٨٢١ م أصبح الأويغوريون تدريجيًّا في حالة من الضعف نتيجةً للنزاع الداخلي، والصعوبات التي فرضها التدخل التبتي في تقسيم مناطقهم في منغوليا وجونغاريا. وفي عام ٨٤٠ م – بعد شتاءٍ عصيبٍ، وثلوجٍ كثيرة جدًّا قضت على القطيع الأويغوري – أطاح القرغيز بإمبراطورية أورخون في منغوليا وجونغاريا والجزء الشرقي من شمال تركستان الغربية، حينئذ حكم القرغيز المنطقة التي تمتد من قاعدتهم في جبال ألطاي، إلى أن استُبدلوا هم أنفسهم بالخيتانيين (خيتان) عام ٩٢٤ م.

هجرة الأويغوريين إلى تركستان وممر قانسو

نتيجةً لاستيلاء القرغيز على إمبراطوريتهم هاجر معظم الأويغوريين الأورخونيين نحو الجنوب، فذهب معظمهم إلى تورفان (قوتشو) وبشباليق وكوتشا. وكانت ولايات المدن المستقلة هذه على طول الحوض الشمالي لحوض تاريم أو على جانبيه مع الحضارة التوخارية، إضافةً إلى الأقليات الكثيرة في صغديا والصين الهانية، هي الوُجهات الطبيعية التي قصدوها.

وقد حافظ الأويغوريون على حضورٍ صغير في تورفان منذ القرن الرابع بعد الميلاد على الأقل، وحكموها فترةً قصيرة من عام ٦٠٥ إلى الثلاثينيَّات من القرن السابع الميلادي. وقد سيطروا عليها وعلى بشباليق كذلك بشكل دوري من تسعينيات القرن الثامن إلى عام ٨٢١ م. وقد وقعوا على معاهدة سلامٍ مع التبتيين الذين كانوا يحكمون دُوَيلتَي المدن المستقلتين آنذاك. وإضافة إلى ذلك كان لهم حضورٌ في كوتشا منذ تسعينيَّات القرن الثامن الميلادي بعد أن استولوا عليها من الصين التانغية.

كانت كوتشا كذلك مصدر نزاعٍ للقارلوق من كاشغار والتبتيين من تورفان، وليس واضحًا حقيقةً مَن كان يحكمها آنذاك. ولكن حتى لو كان القارلوق هم من حكموا فقد كانوا تابعين ظاهريًّا للأويغوريين، رغم معاركهم المتواصلة تقريبًا معهم عبر القرن الأخير. ولم يطرد القارلوق الأويغوريين، ولم يحرموا عليهم الدخول من جديد. وهكذا لم يكن صعبًا بالنسبة للاجئين الأويغوريين الانتقال إلى هناك، والانتقال من نمط حياة السهول المتنقلة، وذلك مع الإلمام الطويل بالحضارة المدنية لولايات هذه الواحات.

كانت هناك ثلاث فرَق أخرى أصغر حجمًا من الأويغوريين الأورخون، لم تُقِم في دويلات المدن المستقلة في شمال تاريم. هاجرت أكبر هذه الفرَق إلى دويلات المدن المستقلة في ممر قانسو التي حكمها التبتيون، والذين باتوا يُعرَفون لاحقًا باليوغوريين الصفر. أما الفرقتان المتبقيتان فقد هاجرت إحداهما إلى الغرب من المناطق الشرقية التي يحكمها الأويغوريون في شمال تركستان الغربية، ومكثت عند القارلوق في وادي نهر تشو في شمال قرغيزستان، في حين مكثت الفرقة الأخرى بين القارلوق في كاشغار، واتجهت مجموعة صغيرة منهم إلى الشرق من منشوريا، وذابت بسرعة هناك ولم تظهر في التاريخ من جديد.

[ شاهد الخريطة العشرين: تشتت الأويغوريين الأورخون من منغوليا وجونغاريا.]

اعتنقت المجموعات الأربع كلها البوذيةَ بعد الهجرة؛ حيث اعتنق الذين أقاموا على الحافة الشمالية من حوض تاريم النموذجَ التوخاري/الصغدياني/الصيني الهاني المتداول في تورفان وكوتشا، أما الذين أقاموا في ممر قانسو فاعتنقوا النموذج الذي يمزج بين النوعين: الصيني الهاني والتبتي، في حين اعتنق الذين أقاموا في وادي تشو النمطَ الصغدياني التركستاني الغربي، في الوقت الذي اعتنق فيه المقيمون في كاشغار النموذجَ الكاشغاري. وباستثناء اليوغوريين الصفر، تحولت جميع فروع الأويغوريين في نهاية المطاف إلى الإسلام بعد قرنٍ واحد، ولفهم آلية التحول الديني بشكل أفضل بين الأتراك دعونا نعاين مرةً أخرى الأسباب التي دفعت الأويغوريين إلى تبديل ديانتهم من المانوية إلى البوذية، هذه المرة سنركز نقاشنا على أكبر مجموعتيْنِ: الأويغوريين القوتشو، واليوغوريين الصفر.

إلمام الأويغوريين السابق بالبوذية

قبل تحوُّل طبقة النبلاء الأويغوريين الأورخون إلى المانوية كان الأويغوريون قد اعتنقوا البوذية عندما حكموا تورفان في أوائل القرن السابع، وقد حافظ محاربو الأويغوريين وعامة الشعب على مستوى معين من الإخلاص للبوذية خلال فترة إمبراطورية الأويغوريين الأورخون، وتدل على ذلك الخطابات المناهضة للبوذية لبعض خاقانات الأويغوريين المتأخرين. ورغم ذلك ضمت النصوص المانوية للأويغوريين في هذه الفترة عناصر بوذية قوية نتيجةً لخلفية المترجمين الصغديانيين. بالإضافة إلى ذلك فلم تكن الطبقة الأرستقراطية وحدها هي من اعتنقت المانوية، فقد تبع الكثيرون أيضًا العقيدة المسيحية النسطورية، في حين قَبِلَ بعضهم البوذية دينًا له، ويدل على ذلك الأمر الذي أصدره الإمبراطور التبتي تري ريلباتشين بإعداد ترجمات متعددة لنصوصٍ بوذية من التبتية إلى لغة الأويغوريين بعد فترة وجيزةٍ من معاهدة السلام التي وُقِّعت عام ٨٢١ م. لكن كانت هناك أسبابٌ غير معروفة ساهمت بلا شك في تبديل الأويغوريين لدياناتهم.

انهيار الإمبراطورية التبتية

في عام ٨٣٦ م – قبل أربع سنوات من استيلاء القرغيز على مملكة الأويغوريين الأورخون – اغتال إمبراطورَ التبت ريلباتشين أخوه لانغدارما (حكم من سنة ٨٣٦ إلى ٨٤٢ م). وبادعائه الحق في العرش شرع الإمبراطور الجديد في اضطهاد البوذية بقوة في أنحاء التبت، وكان الهدف من ذلك هو إنهاء تدخل المجلس الديني في السياسة، واستنزاف الموارد الاقتصادية الناتجة عن سياسة تري ريلباتشين التي كانت لزيادة الدعم الشعبي الكبير للأديرة، وأغلق لانغدارما الأديرة كلها، وأرغم الرهبان على خلع ثياب الرهبانية، لكنه لم يدمر هذه البنايات أو مكتباتها. حتى بدون الدخول في الأدب الديني كانت البوذية موجودة بقوة بين الكثير من أتباعها العلمانيين التبتيين.

وفي عام ٨٤٢ م اغتال لانغدارما راهبٌ كان – كما ذكر أحد الباحثين – الرئيسَ المخلوع للمجلس الديني، والرئيس السابق لدير ساميي، ثم نشبت حربٌ أهلية عقب الخلاف على العرش، مما أدى إلى انهيار الإمبراطورية التبتية. وخلال العقديْن التالييْن انسحبت التبت تدريجيًّا من مستعمراتها في قانسو وتركستان الشرقية، وتحولت بعضها إلى ولاياتٍ سياسية مستقلة: أولها دونهوانغ، التي باتت تُعرف بدولة غوييجيون، (٨٤٨ – العقد الرابع من القرن التاسع الميلادي) التي حكمتها عشيرة صينية هانية محلية، ثم خوتان (٨٥١ – ١٠٠٦ م) التي حكمتها سلالتها الحاكمة التي لم تنقطع. وفي ولايات أخرى استولى الصينيون الهانيون المحليون على السلطة مبدئيًّا، ولكنهم لم يؤسسوا حُكمًا قويًّا مثل تورفان بدءًا من عام ٨٥١ م. ولكن مع حلول عام ٨٦٦ م أصبحت مجتمعات المهاجرين الأويغوريين في هذه المستعمرات التبتية السابقة قوية بما فيه الكفاية لتأسيس حُكمها الخاص.

الانقسام السياسي اللاحق لتركستان الشرقية وقانسو

في البداية ضمت مملكة القوتشو أويغور (٨٦٦ – ١٢٠٩ م) المنطقةَ الواقعة بين تورفان وبشباليق، ثم امتدت أخيرًا عبر شمال حافة حوض تاريم وصولاً إلى كوتشا. وأصبح الجزء الشرقي من الحافة الغربية حتى حدود خوتان منطقةً محايدة، تخلفت فيها بضعة قبائل تبتية، فركدت فيها التجارة بين الصين الهانية وخوتان وفي الغرب منها كذلك، وبقيَت كاشغار في قبضة القارلوق.

[ شاهد الخريطة الحادية والعشرين: آسيا الوسطى، منتصف القرن التاسع.]

احتلت مملكة اليوغوريين الصفر (٨٦٦ – ١٠٢٨ م) ممر قانسو، وقد ساعدت غوييجيون المهاجرين الأويغوريين على تأسيسها، بدعمها عسكريًّا لطرد البقية المتبقية من الحُكم التبتي. وقد فر الكثير من التبتيين جنوبًا إلى منطقة كوكونور؛ حيث تعود أصول معظمهم إليها، وحيث بزغ فجر مملكة التسونغكا. وفي النهاية سرعان ما انقلب اليوغوريون الصُّفْر على حلفائهم في غوييجيون، وسيطروا عليها في التسعينيَّات من القرن التاسع الميلادي.

عاشت مجموعة أخرى في المنطقة، وهم التانغوتيُّون، الذين سرعان ما تحولوا إلى قوة لا يُستهان بها في التطور التاريخي. وكانت لهم صلة قرابة بينهم وبين التبتيين، وفصلت منطقتهم في شرق قانسو اليوغوريين الصفر عن الصين الهانية في تشانغآن. وفي منتصف القرن السابع فر التانغوتيُّون من موطنهم في منطقة كوكونور؛ نتيجةً للهجمات المستمرة من التبت الوسطى، ولجئوا إلى شرق قانسو تحت حماية تانغية، وهناك عرفوا البوذية أول مرة. وبعد قرنٍ من الزمن ارتفعت منزلتهم بعد فرار المزيد من اللاجئين التانغوتيين من النشاطات العسكرية التبتية في المنطقة بعد تمرد آن لوشان.

تتميز جميع هذه المناطق في قانسو وتركستان الشرقية التي انتشرت فيها الحضارة التبتية بعدم وصول اضطهاد لانغدارما للبوذية لهم. وفي الحقيقة طلب الكثير من اللاجئين البوذيين التبتيين حق اللجوء هناك، وهو الأمر الذي أدى إلى ازدهار البوذية في هذه المناطق عند وصول الأويغوريين الأورخون. غير أن البوذية بنمطها الصيني الهاني كانت النموذج السائد هناك، لكن التأثيراتٍ التبتية فيها كانت قوية، كما أنها ضمت عناصر صغديانية وتوخارية كثيرة في تورفان.

اضطهاد البوذية في الصين الهانية

في هذه الأثناء كانت البوذية في الصين الهانية تعاني من اضطهادٍ أشد سوءًا منه في التبت. وخلال القرن اللاحق لإصلاحات الإمبراطور التانغي شوانزونغ في قمع السلطة البوذية، وعادت الأديرة البوذية الصينية من جديد إلى وضع الإعفاء من الجزية. فقد امتلكوا حصة غير متكافئة من ثروة الأمة، خاصة المعادن الثمينة التي استُخدمَت في صوَر المعابد، كما أنهم وظفوا عددًا كبيرًا من العلمانيين في عقارات كبيرة كانوا يمتلكونها، وكانت السيدات والخِصْيان التابعون لقصر الحريم الملكي موجودين للرهبان والراهبات، وقد أثروا على الإمبراطور ليغضَّ الطَّرْف عن التجاوزات.

وعندما صعد الإمبراطور ووزونغ إلى العرش (حكم من سنة ٨٤١ إلى ٨٤٧ م) أقنعه مسئولو البلاط الطاوي بالتخلي عن سياسة الإمبراطور السابقة تجاه الأديرة البوذية. فبدأ ووزونغ خطوات عملية لتغيير السياسة السابقة، مدفوعًا بقلق هؤلاء المسئولين من تأثير النساء على السياسة، وكذلك اهتمامهم بالاقتصاد القومي؛ حيث أمر في عام ٨٤١ م جميع الرهبان الذين يحتفظون بنساءٍ ويعيشون على خرافات الناس أن يخلعوا أثوابهم، وأمر بمصادرة كل الأموال الزائدة والعقارات التي كانت ملكًا للأديرة. وبذلك كان الإمبراطور يسير على النهج نفسه للأباطرة الصينيين الهانيين الشماليين، بصفتهم حُماةً لنقاء العقيدة البوذية.

لكنِ الوزراء الطاويُّون لم يكونوا راضين عن تصرف الإمبراطور، فدعوا إلى إزالة كل التأثيرات الأجنبية في الصين الهانية، والعودة إلى القيَم والأخلاق التقليدية. ولما جعلوا المانوية والمسيحية النسطورية دياناتٍ أجنبيةً، بالإضافة إلى البوذية كذلك، بدءوا بهما أولاً؛ لأنهما كانتا حاضرتين في الصين الهانية على نطاقٍ أكبر. وفي عام ٨٤٣ م أثروا على الإمبراطور ليمنع المانوية والمسيحية النسطورية تمامًا في الإمبراطورية كلها، ويطرد رجال الدين. وقد أثَّر ذلك على مجتمع التجار الصغدياني، بالإضافة إلى نبلاء الأويغوريين كلهم أيضًا، وهم الذين قد يرغبون في اللجوء إلى الصين الهانية. وفي عام ٨٤٥ م أقنعت الطائفة الطاويةُ الإمبراطورَ بتدمير معظم المعابد والأديرة البوذية، ومصادرة صُوَرها المصنوعة من المعادن الثمينة وإذابتها، وإعادة جميع الرهبان والراهبات إلى الحياة العلمانية، وصرف كل الأشخاص العلمانيين الذين يعملون في أراضي الأديرة، والاستيلاء على كل ممتلكات الأديرة.

تحليل أسباب الاضطهاد

تجدر الملاحظة إلى أن هذا الاضطهاد والتحريم للديانات الأجنبية لم يمتد إلى الإسلام؛ فقد مكان مجتمع تجار المسلمين محدودًا في المدن الساحلية في الجنوب الشرقي، ولم يستعملوا طريق الحرير حتى قرون لاحقة. وقد عمل الصغديانيون والصينيون الهانيون والتبتيون بالتجارة مع الأويغوريين، في ظل حرصهم على الحصول على حصتهم، وكانت المنافسة بينهم شرسة. ولأن قسوة الوزراء الطاويين لم تكن موجهة تجاه البوذية فحسب، بل ضد المانويين والمسيحيين النسطوريين كذلك، فهذه حقيقة تدل على أن الدافع لديهم كان المخاوف الاقتصادية.

كانت التبت تواجه حربًا أهلية، وكان من الواضح أنها ستخسر فيها سلطتها على قانسو وتركستان الشرقية. وكان المنافس الوحيد على السلطة التي سيتركها التبتيون على طريق الحرير هم الأويغوريون والصغديانيين. وتركيز سياسة الوزراء التانغيين على طريق الحرير وآسيا الوسطى، وليس على البحار الجنوبية يؤكد أن الاضطهاد كان موجهًا فقط تجاه ديانات تبعها الصغديانيون والصينيون الهانيون والتبتيون والأويغوريُّون، وليس تجاه ديانات تبعها العرب أو الفُرس. لو لم يكن الاضطهاد الديني في آسيا الوسطى لأسباب سياسية لَكان بسبب مخاوف اقتصادية، ومن الصعب أن نعتقد أنها كانت تُمارَس اعتمادًا على ركائز روحية أو عقائدية.

النتائج اللاحقة

إثْرَ وفاة ووزونغ عام ٨٤٧ م أعدم الإمبراطور الجديد شوانزونغ (حكم من سنة ٨٤٧ إلى ٨٦٠ م) الزعماء الطاويين، وسرعان ما سمح بعودة البوذية. لكن معظم الطوائف البوذية الصينية الهانية لم تتمكن من التغلب على هذا الاضطهاد المرير، ولم تتعافَ سوى مدارس تشان وأرض الخالص، الأولى بسبب موقعها في المناطق الجبلية البعيدة جدًّا عن الصين الهانية، وعدم اعتمادها على المكتبات الرهبانية، والأخيرة بسبب قاعدتها الشعبية غير العلمية.

ومع تراجع قوة سلالة التانغ الحاكمة حتى نهايتها عام ٩٠٧ م، وانهيار الصين الهانية خلال فترة السلالات الخمس الحاكمة (٩٠٧ – ٩٦٠ م)، خسر الصينيون الهانيون أي تأثيرٍ قوي لهم في آسيا الوسطى. أما إستراتيجية الوزراء الطاويين في القضاء على المنافسة على طريق الحرير واكتساب امتيازٍ اقتصادي للصين التانغية فقد باءت بالفشل.

تأثيرات هذه التطورات على تحول الأويغوريين إلى البوذية

إذًا كان ذلك هو السياق السياسي والاقتصادي الذي بدَّل فيه الأويغوريون الأورخون ديانتهم من المانوية إلى البوذية، أما بالنسبة لانتقال الأتراك الشرقيين من الشامانية إلى البوذية، ثم العودة إلى الأولى مرة أخرى، والتحوُّل المبكر للأويغوريين من الشامانية إلى البوذية، ثم إلى المانوية، فهناك ثلاثة عوامل أثرت بشكل أساسي على تبديل واختيار الديانة. أولاً: كانت هناك حاجة إلى توحيد القوة لحشد الناس خلف السلالة الجديدة. ثانيًا: كان هناك بحث عن قوة قاهرة لدعم الحُكم الجديد، اعتمادًا على تقييم نجاح الديانات السابقة المختلفة في دعم أنظمة حكم أجنبية أخرى. ثالثًا: كانت هناك الأولوية القصوى لكسب منفعة اقتصادية من السيطرة على تجارة طريق الحرير.

لم يكن الأويغوريون القوتشو واليوغوريون الصفر بدايةً لسلالتيْن حاكمتيْن جديدتيْن فحسب، بل كانوا بداية لأساليبَ جديدةٍ للحياة بالنسبة لسكان مدنيين دائمين في الواحات. وقد تأكد فشل المانوية الديانة الرسمية للدولة؛ من حيث قدرتها على توفير قوة قاهرة للحفاظ على إمبراطوريتهم الأورخونية السابقة. فكانوا بحاجة إلى ديانةٍ جديدة تحشد دعمًا فوق-دنيوي وتوفره لهم، وهذا ما يحتاجونه للانتقال بنجاح.

كانت الإمبراطورية التبتية قد انهارت حالاً، وكانت الصين الهانية على وشك الانهيار. وقد حارب الأويغوريون كليهما قديمًا، وعرفوا نقاط قوتهما ونقاط ضعفهما. ومن وجهة نظر شامانية يرجع فشل كليهما إلى اضطهادهما الأخير للبوذية. فقد أساء التبتيون والصين الهانية إلى الآلهة البوذية، وفقدوا دعمها. وبذلك أُثبِتَت القوى البوذية الخارقة للطبيعة بكل وضوح. وقبل قرنٍ من الزمن قرر الأويغوريون أن انتصار العباسيين وتمرد آن لوشان على الإمبراطور التانغي كان بسبب نقاط الضعف في البوذية، ولذلك تركوها واختاروا المانوية. لكن الأحداث قد أظهرت أن اعتقادهم كان خاطئًا.

بالإضافة إلى ذلك توقفت التبت والصين التانغية عن المرور في طريق الحرير، وكانتا أضعف من أن تفرضا سلطتيهما على تجارتها المربحة، التي كانت غالبًا تحت سلطة الصغديانيين. وكان الكثير من اللاجئين البوذيين التبتيين والصينيين الهانيين الفارين من الاضطهاد في بلادهم يتدفقون إلى المناطق التي كانت تمر منها طريق الحرير، أي: تورفان وغوييجيون وممر قانسو ومنطقة كوكونور في شمال شرق التبت ومملكة التانغوت. وكان ذلك بسبب استمرار البوذية في الازدهار في كل هذه المناطق دون عوائق حكومية. وهكذا كانت البوذية أقوى على طول الجزء الشرقي من طريق الحرير مما كانت عليه المانوية أو المسيحية النسطورية. بالإضافة إلى ذلك مع إنهاء كل من التبت والصين التانغية فترات اضطهاد البوذية، فإن أولئك الذين تبعوا هذه العقيدة على طول طريق الحرير لم يكونوا يتمتعون برعاية ملكية قوية. وكان الرهبان والعلمانيون على السواء يرحبون بحاكمٍ ديني يتولى هذا الأمر.

لذلك فإن البوذية كانت الخيارَ المنطقي لتكون ديانة أمراء الأويغوريين القوتشو واليوغوريين الصفر؛ لأن البوذية كانت قوية ومستقرةً في تركستان الشرقية وقانسو بين شعوب آسيا الوسطى، وبين الصغديانيين أيضًا، وكان الكثير من الأويغوريين يعرفونها أساسًا، خاصة أولئك الذين يعيشون في تلك المناطق، فتحولهم إلى مؤيدين للبوذية سيضعهم في أقوى منزلةٍ ليكونوا أسياد طريق الحرير وحُماته؛ لذلك اتخذوا لقب "أمير بودافيستا"، كما فعل من قبلهم حُكام الأويغوريين قبل قرنٍ ونصف، عندما كانوا يسيطرون على تورفان بصورةٍ رسمية.

وقد بدأ الأويغوريون الآن ترجمة المؤلفات البوذية المقدسة إلى لغتهم، وذلك بمساعدة الصغديانيين الذين يعرفون لغات متعددة، ولكن ليس من النسَخ الصغديانية، بل من النصوص الصينية الهانية والتوخارية، مستعيرين ترجماتٍ تركية قديمة سابقة. ولعل الصغديانيين لم يترجموا نصوصهم الخاصة؛ لأنهم رغبوا في الحفاظ على هويتهم الحضارية المتميزة، وكي لا ينصهروا في حضارةٍ بوذية أويغورية؛ حيث اتبع الجميع التقليد الديني نفسه.

وضع الإسلام في نهاية الفترة العباسية الأولى

في منتصف القرن التاسع – عندما بدأ الخليفة العباسي تضعف قبضته المباشرة على آسيا الوسطى – كان الإسلام غالبًا محدودًا هناك في صغديا. ولكنه كان منتشرًا بين أحفاد العرب والسكان المحليين الذين قَبِلوا العقيدة الإسلامية طواعيةً بسبب انجذابهم للحضارة الإسلامية الراقية. وعندما بدأ العربُ الجهادَ ضد سوراشترا وكابول، ورغم أن خصومهم كانوا بوذيين، فإن حروبهم المقدسة لم تكن تهدف إلى القضاء على البوذية ذاتها. في كلتا الحاليْنِ خلط القادة المسلمون بين مؤيدي البوذية ومتمردي المسيلمية والشيعة المانوية المناهضين للعباسيين. وبشكلٍ عام كان العباسيون متسامحين مع البوذيين، وحافظوا على علاقات تجارية وحضارية مع الدول البوذية.

وخلال العقود اللاحقة حدث تحول مهم؛ فعندما أصبحت آسيا الوسطى تحت حكم شعوبٍ تركية مختلفة اعتنقت عدة ولايات تركية الإسلام؛ لأن زعماءهم كانوا رؤساء جيشٍ من العبيد في ظل العباسيين، وكسبوا حريتهم من خلال اعتناقهم الإسلام. لكن إحدى الولايات، وهي الولاية القراخانية قَبِلَت الإسلام طواعيةً لكثيرٍ من الأسباب المشابهة التي جعلت الشعوب التركية السابقة – مثل الأتراك الشرقيين والأويغوريين – يبدلون دياناتهم في مرحلةٍ مبكرة، وأن يعتنقوا البوذية والشامانية أو المانوية. فقد كانت مسائل القوة الخارقة لدعم دولتهم، والإستراتيجيات الجغرافية-السياسية لاكتساب السلطة على تجارة طريق الحرير، تُشكل أولويةً بالنسبة لتفكير الحكام الأتراك. وكلما انتشر الإسلام كثيرًا في آسيا الوسطى والهند، وتفاعل مع البوذية في كلٍّ من هاتيْن المنطقتيْنِ، أصبح من السهل جدًّا فَهم الأمر ضمن ذلك السياق.