أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

التفاعل التاريخي بين الثقافتين البوذية والإسلامية قبل الإمبراطورية المنغولية

ألكسندر بيرزين، ١٩٩٦ م
روجع بشكل بسيط في يناير سنة ٢٠٠٣ م وديسمبر سنة ٢٠٠٦ م

القسم الأول: الخِلافة الأمويَّة (٦٦١ – ٧٥٠ م)

٦ التوسع الأموي اللاحق في تركستان الغربية

شهد ما تبقى من الفترة الأموية تغيرًا متكررًا ومذهلاً للحلفاء، وذلك خلال السنوات اللاحقة للنصف الأول من القرن الثامن؛ نتيجةً لدخول قوى إضافية كذلك إلى الصراع على سلطة تركستان الغربية وطريق الحرير. ومن خلال مراجعة الأحداث الرئيسة سيكون من الواضح أن العرب الأمويين لم يكونوا متطرفين دينيين متعصبين، يديرون حملةً لنشر الإسلام إلى بحرٍ من الكفار، بل إنهم كانوا فحسب أحد الشعوب الطموحة الكثيرة التي تحارب لمكسبٍ سياسي أو اقتصادي. فإن كل القوى – بمن فيهم الأمويين – قد عقدوا تحالفات ونقضوها، وهذا ليس ارتكازًا على الدين، بل على أسس نفعية وعسكرية.

تحول التحالفات والسيطرة على المناطق

مع حلول منتصف عهد حُكم عمر الثاني (حكم من سنة ٧١٧ إلى ٧٢٠ م) سيطر الأمويون على باكتريا ومدن بخارى وسمرقند وفرغانة في صغديا. وكان حلفاؤهم حينذاك التبتيين. في حين سيطر الأتراك الترغيشيون على باقي صغديا، وخاصة طشقند، إضافةً إلى كاشغار وكوتشا غرب حوض تاريم. وكانت القوات الصينية التانغية موجودة في تورفان في أقصى شرق حوض تاريم وفي بشباليق عبر جبال تيانشان، وحتى شمال تورفان. وسيطر الأتراك الشرقيون على باقي تركستان الغربية شمال صغديا، بما في ذلك سُياب، في حين حافظ التبتيون على حضورهم على طول جنوب طريق تاريم. وكان أحد المتعاطفين مع التانغ على عرش خوتان. أما الشاهيون الأتراك فكانوا محصورين في غندهارا. وباستثناء العرب الأمويين كانت جميع القوى الأخرى في آسيا الوسطى تدعم البوذية بدرجات متفاوتة، لكن لا يبدو أن ذلك كان له تأثيرٌ على الأحداث اللاحقة.

[ شاهد الخريطة العاشرة: آسيا الوسطى، نحو ٧٢٠ م.]

كانت القوات التانغية أول من تحرك استغلالاً لوفاة القائد الأموي قتيبة؛ حيث انطلقوا من حاميتهم في تورفان، وعبروا تركستان الشرقية شمال جبال التيانشان، وانتزعوا كوتشا وكاشغار من الترغيشيين؛ إذ هاجموهم من المؤخرة، بعد مرورهم من أقصى السلسلة الغربية من جبال التيانشان نحو تركستان الغربية، واستولوا على سُياب من الأتراك الغربيين، وعلى فراغانة من الأمويين، وعلى طشقند كذلك من الترغيشيين.

عند ذلك وضع الترغيشيون أنفسهم تحت إمرة قائدٍ آخر، لتدخل مجموعةٌ تركية جديدة إلى الساحة وهم القارلوق في جونغاريا، الذين كانوا أيضًا رعاةً للبوذية. واستبدل القارلوق الأتراك الشرقيين في منطقة شمال تركستان الغربية فما بعد سُياب التي يحوزها التانغيون، وتحالفوا مع الصين الهانية، فانضم الترغيشيون إلى التحالف العربي-التبتي، وعندها استعاد التورغانيون موطنهم في سُياب، واسترد الأمويون كذلك فرغانة. وأصبحت طشقند مستقلةً بشكلٍ مؤقت، وتُركَت القوات التانغية مسيطرة على كاشغار وكوتشا فقط.

[ شاهد الخريطة الحادية عشرة: آسيا الوسطى، نحو ٧٢٥ م.]

إعادة التأكيد على حُكم الأمويين في السند

في عام ٧٢٤ م أرسل الخليفة الأموي الجديد هشام (حكم من سنة ٧٢٤ إلى ٧٤٣ م) القائد جُنيْدًا إلى الجنوب؛ لإعادة تثبيت السلطة في السند. فنجحت القوات التي يقودها العرب في السند، لكنها فشلت في محاولتها الاستيلاء على غوجارات وبنجاب الغربية. وبصفته حاكم السند استمر القائد جُنيْد في السياسة الأموية السابقة في فرض جزيةٍ على الهندوس والبوذيين، إضافةً إلى فرض ضريبة على حجاج الأماكن المقدسة من هاتيْن الديانتيْن.

ورغم أن حُكام براتيهارا الهندوس في بنجاب الغربية كانت لديهم القوة على طرد القوات الأموية من السند، إلا أنهم أحجموا عن فعل ذلك. فقد هدد المسلمون بتدمير الأضرحة والصور الهندوسية الرئيسة إذا هاجمَهم البراتيهاريون، فاعتبر البراتيهاريون أن الحفاظ على أماكنهم المقدس أكثر أهميةً من استعادة السيطرة على المنطقة التقليدية. وفي ذلك إشارة أخرى إلى أن العرب الأمويين اعتبروا أن تدمير الأماكن الدينية غير الإسلامية ليس إلا تحركات أولية للصراع على السلطة.

خسارة الأمويين صغديا واستعادتها

في تلك الأثناء أنهى الترغيشيون – الذين ازدادت ثقتهم بعودة موطنهم في سُياب – تحالفهم القصير الأمد مع الأمويين، مستغلين انتشار قسمٍ كبيرٍ من قوات العرب في السند، فانقلب الترغيشيون على الأمويين، وطردوهم من فرغانة والمناطق المجاورة من صغديا، وتبع التبتيون القيادة الترغيشينية، واستبدلوا موقفهم كذلك. وعندها انقلب التحالف الترغيشيني-التبتي على الأمويين، ومع حلول عام ٧٢٩ م طردوهم ممَّا تبقى من صغديا وباكتريا، ولم يُترك من معاقل العرب إلا سمرقند.

في ذلك الوقت تحالف الأمويون – بصورةٍ مؤقتة – مع الصين التانغية لمواجهة التحالف الترغيشيني-التبتي القوي، فهزموا الترغيشيين في سُياب عام ٧٣٦ م، ومع وفاة ملكهم بعد سنتيْن تفككت القبائل الترغيشينية، وأصبحت ضعيفةً جدًّا. فاحتفظ الصينيون الهانيون بسُياب، واستمروا في حروبهم ضد التبتيين، في حين تراجع الأمويون نحو باكتريا وباقي صغديا. فدفع ذلك بالتبتيين إلى العودة إلى تحالفهم مع الشاهيين الأتراك، من خلال زيارة الإمبراطور التبتي إلى كابُل عام ٧٣٩ م للاحتفال بتحالف بين كابُل وخوتان عن طريق المصاهرة.

بدأ البلاط التانغي الآن سياسةَ دعمٍ للمنشقين في المُدن التي في أيدي الأمويين في صغديا، وفي إحدى المراحل وصل بهم الأمر إلى الارتداد عن سُياب ونهب طقشند، التي سبق أن كانت في حوزتهم لفترةٍ قصيرة، فأصبحت العلاقات الصغديانية-العربية متوترة، إلا أن الصراع لم يكن يرتكز على أسس دينية، بل كان مدفوعًا بمصالح سياسية محضة. فدعونا نعاين ذلك عن قرب.

[ شاهد الخريطة الثانية عشرة: آسيا الوسطى، نحو ٧٤٠ م .]

تحليل هجمات التانغ على صغديا التي في حوزة الأمويين

من خلال استكشاف بعض سياسات شوانزونغ الإمبراطور الصيني التانغي في ذلك الوقت، يمكننا – وبشكلٍ أكثر وضوحًا – فهم أن الأمويين اللاحقين لم يكونوا يسعون بعدوانية إلى اكتساب أتباع للإسلام، وأن دعم الإمبراطور للمنشقين المناهِضين للأمويين في صغديا لم يكن نتيجة النفور البوذي من الإسلام.

هناك حدثانِ مهدا لسياسات الإمبراطور: أولاً: عندما أطاحت جدة شوانزونغ – الإمبراطورة وو – بأسرة تانغ الحاكمة، من خلال اللجوء إلى الحُكم الألفي البوذي، أعفت جميع الرهبان البوذيين من الضرائب لتكسب دعمهم. ثانيًا: وبعد فترةٍ وجيزة من صعود الإمبراطور إلى العرش توافد عدد كبير من الصغديانيين الذين سكنوا في منغوليا إلى الصين الهانية. وفي النهاية أدت ردود الإمبراطور على هذين التطورين إلى أفعاله في صغديا.

غزو الصغديانيين لمنغوليا واستردادهم اللاحق لها

رغم وجود تجار صغديانيين على طول طريق الحرير في الصين التانغية لقرونٍ سابقة إلا أن عددًا كبيرًا من المهاجرين الصغديانيين قدِموا إلى المنطقة في منتصف القرن السادس، وكان تدفقهم ناتجًا عن اضطهادهم الديني من قبَل الإمبراطور الساساني كسرى الأول (حكم من سنة ٥٣١ إلى ٥٧٨ م). وخلال فترة الإمبراطورية التركية الشرقية الأولى (٥٥٣ – ٦٣٠ م) حظي هؤلاء الصغديانيون بمكانةٍ رفيعة لدي الأتراك الشرقيين؛ حيث دُعي الكثير منهم إلى منغوليا من مجتمعهم في تورفان، وكانوا مساهمين في ترجمة النصوص البوذية إلى اللغة التركية القديمة، واستخدمت الحكومة اللغة والنص الصغديانييْنِ لمصالحها التجارية الاقتصادية. ولكن خلال فترة الأتراك الشرقيين الثانية (٦٨٢ – ٧٤٤ م) تولى الوزير القوي طونيوقوق القيادة بأسلوبٍ مناهِضٍ للبوذية.

وألقى طونيوقوق أسباب انتصار التانغيين على الأسرة الحاكمة التركية الشرقية الأولى إلى تأثير البوذية السلبي على الأتراك. فقد علَّمت البوذية التسامح والبعد عن العنف، وهو الأمر الذي سلَبَ الأتراك روحَهم العسكرية، فدعا إلى العودة إلى الطائفة التركية الموحدة من المحاربين الرُّحَّل، راغبًا في استخدام روح شعبها القوية لتوحيد كل القبائل التركية خلفه ومحاربة الصين الهانية.

وكان الأتراك الشرقيون مستحوذين على أوتوكان، الجبل المنغولي المقدس لدى جميع الأتراك حسب دياناتهم التنغرية والشامانية السابقتيْن للبوذية. ولذلك زعم طونيوقوق بأن الحُكام الذين خدمهم كانوا مُلزَمين أخلاقيًّا بدعم الثقافة والقيَم التركية. وبربطه بين الصغديانيين والبوذية والصينيين الهانيين أثر طونيوقوق على خابقان خاقان (حكم من سنة ٦٩٢ إلى ٧١٦ م) حتى يستغني عن اللغة الصغديانية، ويستخدم اللغة التركية القديمة المكتوبة بخط ذي نمطٍ روني بدلاً منها لأهدافٍ إدارية. وبما أن السكان الصغديانيين في منغوليا باتوا غير مرغوب فيهم بشكلٍ متزايد، هاجروا مجموعةً واحدة إلى شمال الصين عام ٧١٣ م، واستقروا - بشكلٍ خاص – في تشانغآن وفي لويانغ، وهما آخر مدينتيْن على طريق الحرير.

[ شاهد الخريطة الثالثة عشرة: الهجرات الصغديانية.]

العامل المانوي

لم يكن المجتمع الصغدياني في منغوليا بوذيًّا فقط، فقد اتبع غالبيتهم المانويةَ في الحقيقة. وكانت هذه الديانة المانوية، التي نشأت في بابل على يد ماني (٢١٧ – ٢٧٦ م) إيمانًا انتقائيا تبنَّى كثيرًا من ملامح الاعتقادات المحلية التي واجهها أثناء انتشاره. ولهذه الديانة شكلان مهمان: شكلٌ غربي في الأناضول يتوافق مع الزرادشتية والمسيحية، وشكلٌ شرقي على طول طريق الحرير، يتبنى العناصر البوذية القوية. وكانت السريانية، ومن بعدها البارثية، هما اللغتيْن الرسميتيْن للشكل الأول، في حين كان للصغديانية دور مشابه بالنسبة للشكل الثاني.

كان للمانوية الشرقية في الصين الهانية فيما مضى حركة دعوية قوية وأتباعٌ صغديانيون، ادعوا بأنها شكلٌ من أشكال البوذية من أجل اكتساب أتباع جدد، وقدموها بهذا النمط إلى الإمبراطورة وو في البلاط الملكي الصيني عام ٦٩٤ م، وبعد هجرتهم من منغوليا قدموها من جديد إلى البلاط عام ٧١٩ م، كان ذلك بعد اغتصاب الحُكم الألفي البوذي عبر الإطاحة بالإمبراطورة، وإعادة استقرار الحُكم التانغي. لكن في عام ٧٣٦ م أصدر الإمبراطور شوانزونغ مرسومًا يحظر فيه على الصينيين الهانيين اتباع المانوية، ويمنع الديانة عن الرعايا غير الهانيين والأجانب. وكان السبب وراء ذلك هو أن المانوية كانت تقليدًا سطحيًّا للبوذية، وكانت تنتشر بوصفها عقيدة مدعية أساسها كذبة.

لكن إمبراطور التانغ لم يكن متعاطفًا مع البوذية، ولم يكن هذا الانتقاد تحقيقًا لرغبته في دعم التعاليم البوذية الخالصة عبر تطهيرها من الهرطقة. كان هناك كثيرٌ من الصينيين الهانيين الذين لم يكونوا راضين عن حملات الإمبراطور الطموحة في آسيا الوسطى؛ بسبب الطلب المرتفع لاحقًا على صعيديْ فرض الضرائب والخدمة العسكرية. وبدون شك كان شوانزونغ سيرغب بتفادي وجود ديانة أجنبية شبه بوذية، تكون متاحة للصينيين الهانيين، الذين استطاعوا العمل بوصفهم نقطة حشد للقوات لتركيز انشقاقهم، وإشعال ثورةٍ محتمَلة.

خلعَت جدة الإمبراطور السلالة التانغية من خلال التودد إلى طائفة المايتريا بوذا، وبما أن ماني رُبِط مرارًا وتكرارًا في النصوص الصغديانية بمايتريا، إضافةً إلى أن جدة الإمبراطور كانت قد حسمت الأمر لصالح المانوية، فلا شك أن المخاوف من ثورةٍ ألفيةٍ مشابهةٍ تكون موجهةً نحوه قد دفعت الإمبراطور إلى التحرك ضد الديانة الإيرانية.

ومن بين الديانات الثلاث للتجار الصغديانيين في الصين الهانية: المانوية والمسيحية النسطورية والبوذية، كانت الأولى حتى تلك اللحظة أكثر الديانات عنفًا لاكتساب أتباع جدد. وقبل عدة عقود بدأ التجار العرب والمسلمون الإيرانيون السفر إلى الصين الهانية، وقد وصلوا إلى هناك في البداية بحرًا وليس برًّا عبر طريق الحرير، وسكنوا في المدن الساحلية لجنوب شرق الصين. وكان أحد المعلمين المسلمين سعد بن أبي وقاص (الذي توفي عام ٦٨١ م) قد جاء معهم. ومع ذلك لم يُصدر شوانزونغ أبدًا مرسومًا مشابهًا يمنع فيه الصينيين الهانيين من اتباع الإسلام. وفي الحقيقة لم يفعل ذلك أي من الأباطرة الصينيين اللاحقين، سواء أكانوا بوذيين أم غير ذلك، طالما اتبعوا سياسة التسامح الدينية مع الإسلام. إن ذلك يُشير إلى أن الجهد المبذول للمسلمين الأوائل في الصين الهانية في محاولة نشر دينهم لم يكن جهدًا كبيرًا، ولم يُعتبَر تهديدًا أبدًا.

طرد الرهبان البوذيين غير الهانيين من الصين التانغية

مع مرور السنوات أصبحت الحكومة التانغية بحاجةٍ متزايدة إلى الموارد المالية لتمويل حملات الإمبراطور الكثيرة في آسيا الوسطى، فوَضْعُ الإعفاء من الضرائب الخاص بالأديرة البوذية منذ عهد اغتصاب الإمبراطورة وو للعرش قد حدَّد بشكلٍ جدِّيٍّ دَخْل الحكومة. لذلك في عام ٧٤٠ م حوَّل شوانزونغ دعمه بقوة أكبر نحو الطاوية؛ ليعيد فرض الضرائب على الأديرة البوذية، ويحدد بشدة عدد الرهبان والراهبات الصينيين الهانيين في مملكته، كما أنه طرد جميع الرهبان البوذيين غير الهانيين، باعتبارهم استنزافًا ماديًّا للشعب، ولا ضرورة له.

إن دعم شوانزونغ للمنشقين المناهِضين للأمويين في صغديا آنذاك كان بدافعٍ سياسي واقتصادي واضح، وليس له أية علاقة بالعلاقات الإسلامية-البوذية. فالإمبراطور لم يكن بوذيًّا، وكان من الواضح أن ترحيله للرهبان الصغديانيين من الصين الهانية لم يكن خطوةً لإعادتهم إلى صغديا من أجل تعزيز الحركة المناهِضة للإسلام بين البوذيين الصغديانيين، فقد طرد الرهبان أصحاب القوميات غير الهانية الأخرى، وليس الصغديانيين فقط. وكانت الصين التانغية وحدها مهتمةً باكتساب المزيد من المناطق في آسيا الوسطى على حساب الأمويين، والسيطرة على المزيد من تجارة طريق الحرير المربِحة.

آخر أحداث الفترة الأموية

كان الحدث المركزي الأخير في الفترة الأموية، ذو الأهمية الشديدة للعلاقات المستقبلية بين الإسلام والهندوسية في وسط آسيا، قد وقع عام ٧٤٤ م، فقد عاش الأتراك الأويغوريين أصلاً في جبال شمال غرب منغوليا، وبعض قبائلهم ترتحل حتى أقصى منطقة تورفان التي تقع تحت حكم التوخاريين، وصولاً إلى الجنوب ومنطقة بحيرة بايكال التابعة لصربيا نحو الجهة الشمالية الشرقية. وكانوا حلفاءَ تقليديين للصينيين الهانيين ضد الأتراك الشرقيين الذين سيطروا على المناطق المنغولية المحصورة بينهما.

[ شاهد الخريطة الرابعة عشرة: القبائل التركية، ونهاية الفترة الأموية .]

في عام ٦٠٥ م، عندما انتقل الصينيون الهانيون الأوائل إلى حوض تاريم عبر ما يزيد عن أربعة قرون، قدم الإمبراطور السوي الصيني ويندي مساعدته للأويغوريين في احتلال تورفان، مركز بوذية الأتراك القدامى. وسرعان ما اعتنق الأويغوريون العقيدة البوذية، خصوصًا على ضوء إعلان ويندي نفسه إمبراطورًا عالميًّا بوذيًّا. وفي عام ٦٢٩ م اتخذت الأميرة الأويغورية الأولى الاسم البوذي: "بوديساتفا"، وهو لقبٌ استخدمه الحُكام الدينيون من الأتراك الشرقيين كذلك. وخلال الثلاثينيات من القرن السابع الميلادي استولت الصين التانغية على تورفان من أيدي الأويغوريين، ولكن الأويغوريين كانوا لا يزالون يساعدون الصين الهانية في وضع حدٍّ للأسرة الحاكمة التركية الشرقية الأولى بعد وقتٍ قصير.

وبعد قرنٍ ونصف احتلت الأسرة الحاكمة التركية الشرقية الثانية موطن الأويغوريين بسياستها العسكرية ذات الفِكر التركي الموحد بشكلٍ عنيف. ولكن في عام ٧١٦ م، وبعد فترةٍ قصيرة من هروب الصغديانيين إلى منغوليا، نال الأويغوريون استقلالهم. وبالتالي استمروا في مساعدة حلفائهم الصينيين الهانيين في مضايقة الأتراك الشرقيين. والآن، وفي عام ٧٤٤ م، وبمساعدةٍ من القارلوق في جونغاريا وشمال تركستان الغربية، هاجم الأويغوريون الأتراك الشرقيين وهزموهم، وأسسوا إمبراطورية الأورخون الخاصة بهم في منغوليا.

وقد هاجرت قبيلة الأوغوز من الأتراك الشرقيين، الذين يُعرفون بالأتراك ذوي الرداء الأبيض، في تلك الفترة من منغوليا الحالية إلى الضاحية الشمالية الشرقية من صغديا، بالقرب من فرغانة. وسرعان ما كان لهم دور مهم في التطورات المعقدة في صغديا، في بداية الفترة العباسية. بالإضافة إلى ذلك، وفور توليهم السلطة، حارب الأويغوريون مع أتباعهم القارلوق كثيرًا، وورث الأويغوريون والقارلوق الآن أدوارَ القادة المتنافسين على الفرعيْن الشرقي والغربي من القبائل التركية، لكن السيادة كانت للأويغوريين؛ لأنهم كانوا يسيطرون على أوتوكان جبل الأتراك المقدس في منغوليا الوسطى، بالقرب من عاصمة أورخون: أوردوباليق. فتنافس هذيْن الشعبيْن التركييْن مهد الطريق كذلك لتطورات مستقبلية.

وهكذا انتهت الحقبة الأموية عام ٧٥٠ م مع خسارة العرب لباكتريا وصغديا، واستردادهما بعد ذلك، لكن سيطرتهم على المنطقة كانت مزعزعةً، وعلاقاتهم مع البوذيين – الذين يكونون أحيانًا رعاياهم، وأحيانًا حلفاءهم، وأحيانًا أخرى أعدائهم – كانت ترتكزُ غالبًا على المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية، كما كانت سابقًا.