أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

التفاعل التاريخي بين الثقافتين البوذية والإسلامية قبل الإمبراطورية المنغولية

ألكسندر بيرزين، ١٩٩٦ م
روجع بشكل بسيط في يناير سنة ٢٠٠٣ م وديسمبر سنة ٢٠٠٦ م

مقدِّمة: التحيُّز في كتابة التاريخ

النظر إلى المسلمين على أنهم قوى الشيطان له تاريخ طويل في الغرب المسيحي، فقد بدأ ذلك في نهاية القرن الحادي عشر ب.م. مع الحروب الصليبية التي أرادت انتزاع الأرض المقدسة من المسلمين، وتواصل الأمر مع سقوط مركز المسيحية الأرثوذكسية الشرقية في القسطنطينية على أيدي الأتراك في أواسط القرن الخامس عشر، ثم تجدد بسبب الهزيمة الساحقة التي ألحقها الأتراك بالبريطانيين والأستراليين في شبه جزيرة غاليبولي خلال الحرب العالمية الأولى. وغالبًا ما يصوِّر الإعلام الشعبي الأوربي الشخصيات الدينية الإسلامية بأنها "ملالي مجانين"، ويخلعُ على الزعماء المسلمين مثل العقيد القذافي وصدام حسين وعيدي أمين وآية الله الخميني وياسر عرفات الصورةَ الشيطانيَّة، ويصوِّر العديد من الغربيين جميع المسلمين إرهابيين متعصبين، ويشكُّون دائمًا بوجود يد إسلامية أصولية خلف أية أحداث عنف وحشية؛ مثل تفجير المبنى الفيدرالي في مدينة أوكلاهوما عام ١٩٩٥ م. وفي المقابل ينظر المسلمون – ردًّا على انعدام الاحترام لقادتهم ودينهم وثقافتهم – إلى الغرب على أنها بلاد الشيطان التي تهدد قيمهم وأماكنهم المقدسة، وتُمثل هذه المواقف من الارتياب المتبادَل عائقًا كبيرًا أمام التفاهم والتعاون بين العالم غير المسلم وبين العالم الإسلامي.

وانتقل هذا الارتياب والتحامل نحو المسلمين إلى الطرح الغربي لتاريخ آسيا، وخصوصًا فيما يتعلق بالتفاعل بين المسلمين والبوذيين خلال نشر الإسلام في آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية، وبصورةٍ موازيةٍ لقيام الصحافة الغربية بالكتابة عن المسلمين بشكلٍ أساسيٍّ، بخصوص حضور عنصرهم التعصبيِّ في الأعمال الإرهابيَّة – وكأنه يمثل عالم الإسلام بأكمله – فإن السجلات التاريخية الغربية الشائعة حول هذه الفترة تدور حول تدمير الأديرة البوذية، والمجازر ضد الرهبان الذين لم يعتنقوا الإسلام؛ لذا يتلقى الناس الانطباع المشوَّه بأن التفاعل بين المسلمين والبوذيين كان سلبيًّا وعنيفًا فقط، وذلك من خلال التشديد على الأحداث الوحشية التي وقعت فعلاً.

وأحد مصادر التشويه كان الأجندة الخفيَّة لدى العديد من مؤرِّخي الإدارة البريطانيَّة خلال الاستعمار البريطاني للهند، خصوصًا خلال القرن التاسع عشر. فمن أجل حشد ولاء الهنود الذين يسيطرون عليهم، وجعل الحكم الاستعماري شرعيًّا حاول العديد من أولئك المؤرخين إظهار كيفية كون الحكم البريطاني أكثرَ إنسانية، وسياسته الضريبية أكثرَ عدالة من أية سلالة مسلمة حاكمة سابقة. وحينما كان علماء الآثار يجدون بعض المعابد تحت الأنقاض فقد كانوا يفسرون هذا بأن المتعصبين المسلمين دمروها، وحينما تُفقَد بعض التماثيل أو أية كنوز أخرى كانوا يستنتجون أن غزاة مسلمين قد نهبوها، أو أن البوذيين قد أخفوها خوفًا من النهب الإسلامي، ولو أعطى الحكام المسلمون ترخيصًا لترميم المعابد كانوا يفترضون أن الجيوش الإسلامية سبق أن دمرتها. ومن خلال إلغاء الدوافع الاقتصادية أو الجغرافية، والخلط بين السياسة العسكرية وبين السياسة الدينية أشاعوا فكرة أن الرغبة في نشر الإسلام وهداية الكفار بالسيف شكَّلت الدافع لجميع غزوات الجيوش الإسلامية، فلقد ساووا بين الغزو واعتناق الإسلام وبين التمرد اللاحق مع الرغبة في التخلص من الإسلام.

لقد أيَّد المبشرون البريطانيون – بشكل خاص – هذه الرؤية، من خلال التشديد على عدم تسامح المسلمين، وذلك بغية عرض أنفسهم بصورة أفضل. وهكذا فإن العديد من المؤرخين البريطانيين جمعوا بين الغزو العربي والتركي – على اختلافه – والمنغولي لشبه القارة الهندية، وصوروه كله على أنه غزو إسلامي، بدلاً من كونه غزوات (هذه الغزوات قامت بها كيانات سياسية منفردة، وليس غزوًا لهذه الكيانات) لكيانات سياسية منفردة تختلف بشكل كبير عن بعضها البعض، وهناك مؤرخون غربيون آخرون حذوا حذوهم أيضًا. وحتى في أيامنا هذه أيضًا عادةً ما نجد زعماء سياسيين ووسائل إعلام يتحدثون عن إرهابيين مسلمين، وليس عن مسيحيين أو يهود أو هندوس أبدًا.

ليس التاريخ الغربي وحده من يعرض صورة أُحادية الجانب، فالتاريخ الديني الإسلامي والبوذي للتقاليد التبتية والمنغولية والعربية والفارسية والتركية فسَّر – في معظم الحالات – العلاقات المتبادَلة بين دول آسيا الوُسطى جميع هذه الأحداث بأنها كانت بسبب الرغبة في نشر الدين والدفاع عنه. وقدَّم التاريخ الديني البوذي صورة عنيفة لهذا الأمر، ووصف اعتناق الأديان كما لو أنه كان بالقوة فقط. ومن جهته عرض التاريخ الديني الإسلامي صورة سِلمية أفضل؛ فقد سعى إلى تفسير دخول البوذيين الإسلام بسبب تفوق الإيمان الإسلامي، أو بالرغبة في التخلص من القمع الهندوسي، والافتراض هو أن الميزة الحاسمة للطغاة الهنود كانت ديانتهم الهندوسيَّة، وليست سياساتهم السياسية والاقتصادية.

كان للتاريخ الصينيِّ للسلالات الحاكمة أولويات أخرى، وهي تصوير التفوق الأخلاقي للأسرة الحاكمة الصينية، وخضوع جميع الثقافات الأجنبية لها، وقد شوَّهت هذه الأجندة الخفيَّة – أيضًا – الصورة التي عرضوها للعلاقات الدولية والعلاقات بين الأديان.

فهناك بعض النصوص بها أحداث من الماضي البعيد أدَّت إلى سوء طرح العلاقة بين البوذية والإسلام. فقد شرح رشيد الدين الكاتب المسلم الكشميري من أوائل القرن الرابع عشر – على سبيل المثال – في كتابه "حياة بوذا وتعاليمه" الذي ظل بالعربية والفارسية أن سكان مكة والمدينة كانوا بوذيين جميعًا قبل عهد النبيِّ، وقد عبدوا أوثانًا في الكعبة على هيئة بوذا.

وحتى النبوءات المستقبلية لم تسلم من التحيُّز الديني، فالبوذيون والمسلمون على السواء مَثلاً يتحدَّثون عن قدوم قائد روحي عظيم، سوف يهزم قوى الشر في حرب نهائية، والتصوُّر البوذي مشتق من "التانترا كلاتشاكرا"، وهو نص ظهر في الهند بين أواخر القرن العاشر ومطلع القرن الحادي عشر، وهو شائع جدًّا في صفوف التبتيين والمنغوليين. ومن خلال التحذير من غزو مستقبلي تنفذه قوات تدعي ولاءها لمكة وبغداد ضد بلاد بها خليط من السكان البوذيين والهندوس، يضع هذا النص الملك البوذي رادراتشاكرين في مواجهة آخر أنبياء المسلمين وهو المهدي، فالنص يصف الأخير على أنه قائد لقوات بربرية غير هندية ستحاول إخضاع الكون وتدمير الروحانية، ومن خلال تسمية رادراتشاكرين حاكم "كالكي" يضم النص الهندوسَ أيضًا إلى هذه الرؤية الطائفية للمستقبل. و"كالكي" هو التجسُّد العاشر والأخير للإله الهندوسي فيشنو، الذي سيحارب أيضًا في الحرب النهائية.

وطوَّرَت العلاقة التاريخيَّة بين المناطق المسلمة مثل بالطستان شمال باكستان، وبين المناطق ذات الثقافة البوذية التبتية – بدورها – رواية أخرى للحرب النهائية. ويُعرَّف فيها الدجَّال - عدوُّ المهدي – بكونه الملك غيسار، بطل آسيا الوسطى الأسطوري، والذي يعد في نظر الشعوب البوذيَّة على امتداد القرون تجليًا لجنكيز خان نفسه، وليس للملك رودراتشاكرا فقط.

[.يُنظر: عرض "الكالاتشاكرا" لأنبياء الغزاة غير الهنود.]

ولكن حين ينظر المرء إلى التاريخ بتعمُّق أكبر فسوف يجد العديد من الأدلة على التفاعل والتعاون الودِّيينِ بين البوذيين والمسلمين في آسيا الوسطى والجنوبيَّة في المجالات السياسية والاقتصادية والفلسفية. فقد كان هناك العديد من التحالفات وقدر واسع من التجارة وتبادل كبير للمناهج الروحية من أجل التطور الذاتي. ولا ينكر هذا حقيقة أن عددًا من الحوادث السلبية قد وقعت بين الشعبين، ولكن الدوافع الجغرافية-السياسية، والرغبة في التوسع الاقتصادي والجغرافي فاق العناصر الدينية بكثير في تحريك معظم هذه الصراعات، على الرغم من وجود زعماء متعصبين في الوقت نفسه قد استخدموا الدعوة إلى حرب مقدسة بغرض تحريك الجيوش. زيادة على ذلك فقد فاق عدد الحكام العقلانيين والمسئولين بكثير عددَ الحكام المتعصبين في كلا الطرفين، فيما يخص صياغة السياسات والأحداث.

ولا يزال المسلمون والبوذيون يشكِّلون نسبة عالية من السكان، وخصوصًا في مركز آسيا. وتناول تاريخ العلاقات بين الديانتينِ والشعبينِ بشكل أكثر نزاهة أمر حيوي، ليس لغرض المعرفة غير المنحازة فحسب، وإنما من أجل التطور السِّلمي المستقبلي للمنطقة.