أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

أخلاقيات متجاوزة للأديان

قداسة الدالاي لاما الرابع عشر
فريبورغ، سويسرا، أبريل ٢٠١٣
تنقيح طفيف بواسطة الكسندر بيرزين

سلبيات التركيز على الاختلافات الثانوية

إخواني وأخواتي الأعزاء، أنا مسرور بشدة لحصولي على فرصة التحدث إليكم. في البداية، دائمًا أحب أن أوضح عندما أتحدث، رجاء فكروا في أنفسكم كبشر. لنقل على سبيل المثال، لا تفكر "أنا سويسري"، "أنا إيطالي"، أو "أنا فرنسي.” المترجم الخاص بي يجب ألا يفكر في أنه فرنسي! وأنا أيضًا يجب ألا أفكر في أنني تبتي. علاوة على ذلك، لا يجب أن أفكر في نفسي كبوذي، لإنه عادة في حديثي، الطريقة التي نعيش بها سعداء، حياة أقل اضطرابًا، تكون على أساس من أننا جميعًا بشر.

كل شخص من السبعة مليارات بشري يرغب في الحياة السعيدة، ولكل واحد منهم كامل الحق في تحقيق هذا الهدف. إذا أكدنا على الاختلافات الثانوية مثل "أنا تبتي"، عندها سيجعلني هذا أبدوا أكثر تركيزًا على التبت. أيضًا، "أنا بوذي" يعطي نوعًا من الإحساس بالتقرب من البوذيين الآخرين، لكن بشكل تلقائي يخلق نوعًا من التباعد قليلًا عن الديانات الأخرى.

هذه الرؤية في الحقيقة هي مصدر المشاكل، بما في ذلك العديد من المشاكل والعنف الهائل الذي واجهه الجنس البشري في الماضي ويستمر في مواجهته في القرن الواحد والعشرين. العنف لن يحدث أبدًا إذا اعتبرت الآخرين بشرًا، مثلك. لا يوجد سبب لقتل بعضنا البعض؛ لكن عندنا ننسى وحدة الإنسانية وبدلًا من ذلك نضع تركيزنا على الاختلافات الثانوي مثل "شعبي" و"شعبهم"، "ديني" و "دينهم"، نحن نخلق التفرقة ويكون لدينا المزيد من الاهتمام بمواطنينا وأتباع ديانتنا. ثم نغفل حقوق الآخرين ولا يكون لدينا حتى احترام لحياتهم. العديد من المشاكل التي نواجهها اليوم تنشأ من هذا الأساس، من وضع الكثير من التركيز والأهمية على الاختلافات من المستوى الثانوي.

والعلاج الوحيد لذلك هو أن نفكر بشكل منطقي في أنفسنا على مستوى كوننا بشر، دون وضع حدود أو حواجز. عندما أتحدث على سبيل المثال، إذا اعتبرت نفسي كبوذي تبتي ولربما أكثر من ذلك، إذا فكرت في نفسي بأني "قداسة الدلاي لاما "، هذا سيخلق نوعًا من المسافة بيني وبين المستمعين، وهذه حماقة. إذا كنت اهتم بإخلاص برفاهيتكم، فيجب علي أن أتحدث لكم من مستوى الأخوة البشرية، نفس البشر مثلي. في الحقيقة كلنا متماثلين: ذهنيًا، شعوريًا وجسديًا. الأكثر أهمية، أن الجميع يرغبون في حياة سعيدة دون معاناة، وأنا مثلكم، لذا سنتحدث على هذا المستوى.

الأخلاق العلمانية

الأخلاق العلمانية شديدة الصلة بالعناصر البيولوجية، بينما الإيمان الديني هو شيء يمتلكه البشر فقط. بين البشرية، نمى الإيمان، لكن بالتأكيد ليس كأحد العناصر البيولوجية. الأخلاق العلمانية تغطي كامل كامل عدد السكان من السبعة مليارات إنسان. كما ذكرت في الأمس، من السبعة مليارات إنسان، هناك واحد مليار منهم أعلنوا بوضوح أنهم غير مؤمنين، وإذا فكرنا في الستة مليارات الآخرين الذين يُفترض بهم أنهم مؤمنين، سنجد الكثير من الأُناس الفاسدين. هناك الكثير من الفضائح، التفجيرات، الفساد، الغش، الكذب، والتنمر. هذا ما أُرجعه إلى نقص الاقتناع الحقيقي بالمبادئ الأخلاقية. لذا فحتى الأديان تُستخدم لأهداف خاطئة. سواء ذكرتها بالأمس أم لا، أحيانًا أشعر أن الأديان تعلمنا كيف نتصرف بنفاق. نحن نقول أشياء لطيفة مثل "الحب" و "الشفقة"، ولكن في الحقيقة نحن لا نتصرف بهذه الطريقة، وهناك الكثير من الظلم.

يتحدث الدين عن هذه الأشياء اللطيفة بطريقة تقليدية، لكن ليس بطريقة تتواصل بالفعل مع قلوبنا. وهذا بسبب افتقاد الناس للمبادئ الأخلاقية، أو غياب الاقتناع بقيمة المبادئ الأخلاقية. بغض النظر ما إذا كان الشخص مؤمنًا أم لا، نحن نحتاج أن نفكر بشكل أكثر جدية في الكيفية التي نعلم بها الناس المبادئ الأخلاقية. ثم وعلاوة على هذا يمكن أن نضيف الدين، وعندها تصبح ديانة حقيقية. فكل الديانات، كما ذكرت بالأمس، تتحدث عن هذه القيم.

تنمية عدم تعلق الشخص بمجاله الخاص

في القرن الماضي، بينما كان يقتل البشر بعضهم البعض، كلا الطرفين كان يصلي لله. هذا صعب! حتى اليوم أحيانًا نرى نزاعات باسم نفس الديانة، وأعتقد أن كلا الطرفين يصلي لله. أحيانًا ما أمزح قائلًا يبدوا أن الله مشوشًا! كيف يمكن له أن يقرر، وكلا الطرفين يصلي له، يسعى للحصول على ذات المباركة منه؟ هذا صعب. في إحدى المرات في الأرجنتين أثناء مناقشة مع بعض العلماء والقيادات الدينية، على الرغم من أنها لم تكن إحدى ملتقيات الأديان، قابلت عالم فيزياء أسمه ماتورانا. كان مُعلمًا للراحل فاريلا وكنت قد التقيت به من قبل في سويسرا، ثم في الأرجنتين، لكن ليس منذ ذلك الحين. أثناء الحديث معه ذكر أنه كفيزيائي، لا يجب عليه أن يُنمي التعلق تجاه مجاله العلمي. ولقد تعلمت من هذا التأكيد الرائع الحكيم.

أنا بوذي، لكن لا يجب أن أنمي تعلقًا تجاه البوذية لأن التعلق هو مشاعر سلبية. عندما تنمي التعلق، تصبح رؤيتك متحيزة. وبمجرد أن يصبح ذهنك متحيزًا، فلن تستطيع رؤية الأمور بموضوعية.

لهذا اعتقد أن السبب الحقيقي لهؤلاء المنخرطين في نزاعات باسم الدين، في أغلب الأحيان، لا يكون بسبب الإيمان الديني، ولكن بدلًا من ذلك للمصالح الاقتصادية، أو السياسية.

لكن في بعض الحالات، مثل المتعصبين، يصبحون متعلقين بشدة بدينهم وبسبب ذلك لا يمكنهم رؤية قيمة أي تقاليد أخرى.

تأكيد ماتورانا أصبح بالنسبة لي نصيحة عظيمة، وكنتيجة لمقابلتي للعديد من الأشخاص، أنا معجب بالكثير من التقاليد الأخرى، بالطبع أتمنى ألا أكون متطرف أو متعصب، في بعض الأحيان أذكُر أنني في إحدى المرات كنت في مدينة لورد بجنوب فرنسا، فقد ذهبت هناك كزائر للأماكن المقدسة، وأمام تمثال للمسيح شربت بعض المياه من هناك، وعند وقوفي أمام التمثال تفكرت في ملايين البشر على مر القرون، الذين زاروا هذا المكان، سعيًا للراحة مع مرضاهم، ومن خلال إيمانهم ونوعًا ما من البركة يتم شفائهم. لذا فقد تأملت في ذلك، وشعرت عميقًا بتقدير للمسيحية، وأوشكت عيناي أن تدمع، وبعدها في مرة أخرى، شيء غريب حدث في فاتيما بالبرتغال، محاطًا بالكاثوليك والمسيحين، حظينا بفترة صغيرة من التأمل الصامت أمام تمثال صغير للسيدة مريم، وعندما أوشكنا على المغادرة، أدرت ظهري وقد كان تمثال العذراء فعليًا يبتسم تجاهي، فأعدت النظرة مرة تلو الأخرى، وبالفعل فقد كانت تبتسم، وشعرت أن السيدة مريم تبدو وأن لديها إدراك لطريقتي في عدم التحيز، لربما إذا قضيت وقت أطول معها لمناقشة الفلسفة، لربما حدثت أشياء أكثر تعقيدًا!

على أي حال، التعلق حتى بإيمانك لهو شيء غير جيد. فأحيانًا تتسبب الأديان في الصراع والفرقة وهذا أمر في منتهى الخطورة. الأديان يجب أن تكون أداة لزيادة الشفقة والتسامح، واللذان يعتبران العلاج للغضب والكراهية. لذا فإذا تسبب الدين نفسه في خلق المزيد من الكراهية تجاه معتقدات الديانات الأخرى، فهذا مثل الدواء الذي يُفترض به أن يعالج المرض، لكن بدلًا من ذلك يتسبب في المزيد من المرض. ماذا نفعل؟ كل هذه الأشياء المُحزنة في الأساس سببها هو نقص الاقتناع بالمبادئ الأخلاقية، لذا أعتقد أننا نحتاج للعديد من التدريبات والعناصر من أجل أن نبذل جهدًا حقيقيًا للترويج للأخلاقيات العلمانية.

العلمانية واحترام الآخرين

الآن بخصوص الأخلاق العلمانية. عرفت بشكل جيد نائب رئيس الوزراء الهندي السابق أدفاني. بأحد المناسبات قام بمقابلة مع فريق التلفزيون الكندي وسألوه ما هو الأساس لممارسة الديمقراطية الناجحة في الهند. أجابهم أنه لألاف السنوات في الهند، كان التقليد قائم على احترام الآخرين، على الرغم من الجدالات والرؤى المختلفة. أخبرني أنه من ثلاثة ألاف عام مضت، التشارفاكا، أو الرؤى الفلسفية "العدمية" نمت في الهند. حاملي الرؤى الفلسفية الهندية الأخرى انتقدوهم وأدانوا رؤاهم، لكن كان لا يزال يشار إلى حاملي رؤى التشارفاكا بلقب"ريشي"، والذي يعني الحكيم. هذا يشير إلى أنه على الرغم من الخلافات أو المناقشات العنيفة، كان لا يزال هناك احترام. هذا يعني أننا يجب أن نحترم غير المؤمنين كذلك.

تحدثت بالأمس أن بعض أصدقائي، بعضهم مسيحي وبعضهم مسلم، لديهم القليل من التحفظ تحديدًا على كلمة "علمانية.” أعتقد لإنه أثناء الثورة الفرنسية أو الثورة البلشفية، كان هناك ميل لمعاداة الأديان. لكن أرغب في أن أقوم بتفرقة واضحة بين الدين والمؤسسات الدينية، وهم شيئين مختلفين. الدين يعني الحب والشفقة، ولا أحد يمكن أن ينتقد هذه الأشياء. على الرغم من ذلك فإن المؤسسات الدينية شيء مختلف. فأثناء الثورة الفرنسية والبلشفية، في كلا الحالتين قامت الطبقات الحاكمة حقًا باستغلال الجماهير. الأكثر من هذا، تلقت الطبقات الحاكمة كامل الدعم من المؤسسات الدينية لذا كان من المنطقي من أجل التعبئة ضد الطبقة الحاكمة، أن يتضمن ذلك معاداة المؤسسات الدينية أيضًا. لذا، كان هناك نوعًا من الميل لمعاداة الدين أو الله.

حتى اليوم، إذا حدث نوعًا من الاستغلال من المؤسسات الدينية بما فيها مجتمع البوذية التبتية، علينا جميعًا أن نقف ضد ذلك. تدريباتي الخاصة أنني منذ عامين أنهيت تقليدًا قديمًا من أربع قرون بأن يصبح الدالاي لاما تلقائيًا القيادة الدنيوية والروحانية للتبت. أنهيت هذا، طواعية، بسعادة وفخر. مثل هذه الأمور في الحقيقة تدمر القيم الدينية، أو الدارما. لذا، يجب أن نفرق بين المؤسسات الدينية، التدريبات والرسائل الدينية الحقيقية.

بناء على الفهم الهندي للعلمانية، أن لا يوجد أي شعور سلبي تجاه الدين، لكن بدلًا من ذلك احترام كل الأديان، وأيضًا احترام كل غير المؤمنين. أعتقد أن هذا في غاية الحكمة. كيف يمكننا الترويج لهذا؟ هل من خلال الوعظ؟ لا. إذًا لابد إنه من خلال الصلاة؟ لا. لكن من خلال التعليم، نعم. نحن نتلقى تعليم بشأن الصحة الجسدية، لذا لماذا لا نُدرس عن الصحة الشعورية والذهنية، معرفة بسيطة بكيفية الاعتناء بالذهن الصحي؟ لا داعي للتحدث عن الله أو الحياة الأخرى، أو بوذا أو النيرفانا، لكن ببساطة عن كيف ننمو كأشخاص سعداء ذهنيًا. شخص سعيد يُكَوِن عائلة سعيدة، والتي تُكَوِن مجتمعًا سعيدًا. لذا، أعتقد إننا بحاجة لبعض الدروس عن الصحة الشعورية.

الصحة الشعورية

ما هي الصحة الشعورية؟ تعني أن نعتني بالعوامل التي تدمر هدوء ذهننا، أو راحة بالنا. هذه العوامل مثل المرض الذهني، ليس لأن هذه المشاعر السلبية تدمر فقط سلامة، وصحة ذهنك، لكنها أيضًا تُدمر قدرتك الذهنية على الحكم على الواقع. إنها تسبب الكثير من الأضرار لأنه عندما تكون شديد الغضب، لن تستطيع أن ترى الواقع ويصبح ذهنك منحازًا. أيضًا مع التعلق، لا تستطيع أن ترى الواقع بشكل صحيح. هذا مرض للذهن. الطبيعة الحقيقية لذهننا هي الوعي لذا فأي من العوامل الذهنية التي تقلل من هذه القدرة على الوعي لهي شيء سلبي.

لذلك فإن الصحة الشعورية هي تقليل هذا النوع من المشاعر والمحافظة على القدرة الشخصية على الوضوح والهدوء، والتي هي قدرة الذهن الصحي. من أجل القيام بذلك، علينا أولًا أن ننمي ونطور الاهتمام بالقيام بذلك. فلن يمكننا إرغام الناس على القيام بهذا بدون تنمية هذا الاهتمام من جانبهم. فلا يوجد قانون أو دستور يمكنه أن يرغم الناس على القيام بهذا. يجب أن ينبع هذا من الحماس الشخصي، والذي سيأتي فقط من رؤية قيمة القيام بهذا. هذه القيم هي ما يمكن أن نعلمها.

الاكتشافات العلمية المتعلقة بالذهن والمشاعر

الآن دعونا نُلقي نظرة على العلم. سابقًا، ركز العلم الحديث على المادة، على ما يمكن قياسه. أعتقد أنه في وقت لاحق بالقرن العشرين وللآن، بداية القرن الحادي والعشرين، المزيد والمزيد من العلماء يُظهرون اهتمامًا بالذهن ومشاعره، لأنه عندما يتعلق الأمر بالصحة فإن هناك علاقة وثيقة جدًا بين الذهن والمشاعر. يقول بعض العلماء "ذهن سليم، جسد سليم.” ويقول علماء الصحة أن الخوف، الغضب، الكراهية المستمرون يتسببون في تأكل نظام المناعة لدينا، بينما الذهن الذي به شفقة يحافظ بل لربما يزيد من صحة الجسد. من الواضح أننا نعرف هذا من الأثر الإيجابي على جسد ونظام مناعة هؤلاء الأشخاص السعداء ذهنيًا.

إدراك ما هو إيجابي بالمواقف السلبية

في حياتي، بسن السادسة عشر تحملت الكثير من المسئوليات، وأصبح الموقف في غاية الصعوبة. ثم في عمر الرابعة والعشرين، فقدت بلدي وعشت الآن معظم حياتي كلاجئ. في الوقت الحالي، هناك الكثير من المعاناة والمشاكل في التبت، ويضع الناس الكثير من الأمل والثقة بي. لكني عاجز. على الرغم من هذا، سلامي الذهني سمح لي بأن أرى كل هذا بشكل أكثر واقعية. كما قال شانتيديفا، إذا كان يمكن التغلب على الصعوبات، عندها فلا داعي للقلق. وإذا كان الموقف الصعب لا يمكن التغلب عليه، عندها لا فائدة من القلق كثيرًا. هذا واقعي تمامًا، لذا فأنا أتدرب على هذا.

من الهام النظر للأشياء بطريقة أكثر واقعية وأيضًا أن نرى أن كل الأمور نسبية. مهمًا حدث، يمكن أن يكون هناك أثر إيجابي ما. في حالتي أصبحت لاجئًا، لكن بسبب هذا أصبح لدي الفرصة لمقابلة الكثير من الأشخاص وتعلم العديد من الرؤى المختلفة. قابلت متسولين، زعماء، باحثين في مختلف المجالات، ورافضي الأديان. وهذا شيء مفيد، لأني إذا بقيت في التبت، أعتقد أن معرفتي ستكون نصف ما هي عليه الآن. لذا بطريقة ما، هي مأساة عظيمة، لكن على الجانب الآخر جلبت العديد من الفرص. إذا تفحصنا الأمر من زوايا مختلفة، عندها سنشعر بخير. قد تحدث الأشياء السيئة، لكن قد يكون هناك بعض الأشياء الجيدة أيضًا.

كان التبتيين في الماضي معزولين بعض الشيء، لكن الآن أصبح أفقهم أكثر اتساعًا. عبر القرون، التبتيين كانوا يعيشون في حالة أشبه بالثبات، لكنهم استيقظوا الآن. وهذا شيء جيد! لذا كما ترون، إذا تفحصنا الأمر من زوايا مختلفة، يمكننا أن نجد بعض الأشياء الإيجابية. هذا يمثل مساعدة ضخمة في المحافظة على راحة بالنا. هذه الأيام، يخبرني العديد من أصدقائي القدامى عندما أقابلهم كيف لا يزال وجهي يبدوا شابًا، لذا سئلني بعضهم عن السر. عادة أخبرهم أن ثمانية أو تسع ساعات من النوم تساعد على تحقيق راحة البال. في الحقيقة هذا بالتأكيد أحد العوامل، لكن النافع حقًا هو أن يكون ذهننا وحالتنا الذهنية في حالة من الوداعة والهدوء النسبي.

راحة البال تساعدك حتى على التعافي من أشياء مثل عملية جراحية. عندما أجريت عملية جراحية لي في المرارة، كان الأمر خطير نوعًا ما. أخبرني الجراح لاحقًا أن هذه العملية عادة ما تأخذ بين خمسة عشر إلى عشرين دقيقة، لكن في حالتي كانت خطيرة لدرجة إنها تطلبت ثلاث ساعات، لأن كيس المرارة تضخم تقريبًا لضعفي حجمه، بالكثير من الصديد. لكني تعافيت من الجراحة في خمسة أيام فقط. لذا فإن الذهن الهادئ والموقف الداخلي المتفائل يساعدون حقًا في المحافظة على جسد صحي، وحتى إذا حدث أن سار شيء بشكل خاطئ، سنتعافى منه بشكل أسرع. راحة البال فعليًا عامل في غاية الأهمية لأجل صحة جيدة.

الجمال الداخلي في مقابل الجمال الخارجي

سأتحدث هنا، نصف مازحًا ونصف مداعبًا، أن بعض الشابات يصرفون الكثير من المال على مستحضرات التجميل. بعضهم يضعون ألوانًا مختلفة على وجهوهن – أزرق، أخضر، وأخرى. ولا تبدوا جميلة، لكنهم يعتقدون أنها جميلة جدا! ويبدوا أن الناس تضع المزيد من الاهتمام على الجمال الخارجي. بأحد المحاضرات العامة في يوم سابق، أحد السيدات كان لون شعرها أزرق، كان هذا غير معتادًا بالمرة. لذا بالطبع مازحتها قائلًا أن الشعر الأزرق ليس بالضرورة جميل! بالطبع الجمال الخارجي هام، لكن الأكثر أهمية هو الجمال الداخلي. هؤلاء السيدات التي يصرفون الكثير من الأموال على الجمال الخارجي، رجاء انتبهن لجمالكن الخارجي، فهو الأفضل بكثير.

الذهن والمشاعر كمادة أكاديمية

نحن نتحدث عن الاكتشافات العلمية. راحة البال الحقيقية شيء جوهري. وأساس راحة البال هو الثقة في النفس والعزيمة الداخلية، والتي تأتي من التدرُب على الحب والشفقة، مع الإحساس بالاحترام للآخرين والاهتمام برفاهيتهم. هذه هي الأخلاق العلمانية.

من رياض الأطفال وحتى الجامعة، يمكننا أن نُعلِم عن الذهن وعن كيفية الاعتناء بمشاعرنا. هذا الموضوع متسع جدًا، وهناك الكثير من التفسيرات عن الذهن والمشاعر والعلاقة بينهم. يمكننا أن نرى نوعًا من السبب والنتيجة، حيثما حدث شيء بجزء من الذهن، شيء يحدث بمكان آخر. لذا للتعامل مع هذا، نحتاج لأن نضع في اعتبارنا بشكل جدي الطريقة التي يتفاعل بها الذهن وكامل المخ بشكل تبادلي. هذا الموضوع الضخم حقًا ذو قيمة أكاديمية. خلال السنوات الأخيرة بالولايات المتحدة، نفذ العلماء اختبارات اعتمادًا على هذه المعلومات، وقد ظهرت نتائج راسخة. كنتيجة لهذا، هناك برامج تعليمية جديدة تُدرس الأخلاق العلمانية. الآن نحن ملتزمون بصياغة مسودة منهج تعليمي متعلق بالمبادئ الأخلاقية على أساس علماني، والتي يمكن أن يتلائم مع مجال الدراسة العلمانية.

الحضور، وتحديدًا أي مربين ومفكرين هنا، يجب أن يفكروا أكثر في هذا وإذا برزت الفرصة، يجب أن نعقد بعض المناقشات عن هذا الأمر. حاليًا، يبدوا أن النظام التعليمي ينقصه دروس في المبادئ الأخلاقية، لذا يعتمد الكثيرون على التعاليم الدينية لأجل هذا. بالطبع هذا أمر جيد، لكن هناك أيضًا هؤلاء من ليس لديهم اهتمام بالأديان ويجدون من الصعب قبول المفاهيم الدينية. هذا يجعل الأمر صعبًا. لذا نحتاج لأن نجد طريقة علمانية، والتي تصبح مقبولة عالميًا.

انتهيت، الآن بعض الأسئلة.

الأسئلة

سؤال: قداستك، في تعليقك الأخير لمست ما كنت أرغب في السؤال عليه، لكن من أجل أن أحصل على إجابة كاملة عنه، سأسأل مرة أخرى وأرجو ألا تمانع. فيما يتعلق بتعليم الأخلاق العلمانية في المدارس والجامعات، هل تعمل على تطوير برنامج تعليمي ملائم مع أي أحد؟ إذا كان هذا الوضع، هل هناك أي مؤسسات تعليمية أو مالية تدعمك؟

قداسة الدلاي لاما: في الهند، بمساعدة بعض الجامعات في دلهي، بدئنا بالفعل في العمل على إنشاء مسودة منهج دراسي، كما ذكرت سابقًا. ومعنا أيضًا مؤسسة الذهن والحياة. وفي أمريكا، أعضاء بشكل فردي كلًا في مجاله في أماكن مثل جامعة ويسكونسن، جامعة إيموري، جامعة ستانفورد، إلخ، يعملون بالفعل على التعليم والأخلاق العلمانية. وهذه المؤسسة قمنا بالفعل بتوسيع نشاطها لأوروبا. وقريبًا سنرغب في إقامة مؤسسة في دلهي أو قربها. فحتى الآن ما زلنا ببساطة نعمل على ذلك. وبمجرد أن يصبح هذا المنهج جاهزًا، عندها لربما يمكننا تدريب بعد المدرسين، وعندها سيحدث شيئًا. ربما قد يكون ذو قيمة، سنرى ذلك.

سؤال: قداستك، أحب الكوكب بكل مكوناته، الأرض والنباتات والحيوانات، ونحن الكائنات البشرية الرائعة. لكن البشر دائمًا ما يدمرون الكوكب، بأشياء صغيرة وبسيطة للغاية مثل شراء الزجاجات البلاستيكية، والأشياء الأكبر والأكثر أهمية مثل إزالة الغابات. أعرف أنني يجب أن أكون صبورًا، لكن عندما أرى شيء مثل هذا، عندما أرى الحياة تموت وتعاني، يتصاعد الكثير من الغضب بداخلي وأرغب في القتال. لذا فسؤالي، هل هناك طريقة صحية للغضب؟ هل يمكن أن أحارب بحب؟

قداسة الدلاي لاما: الغضب كما ذكرت، متعلق بالدافع. لذا فالغضب كنتيجة لاهتمامنا بشيء أو بأناس آخرين يختلف تمامًا عن الغضب المدفوع بالكراهية.

سؤال: قداستك، شكرًا لحضورك هنا. كم من الرائع رؤيتك والاستماع إليك. لدي سؤال بسيط للغاية. إذا كان لديك بعض الوقت غدًا لتقوم بشيء ما، ما الذي سترغب في القيام به؟ شكرًا لك.

قداسة الدالاي لاما: عادة أينما سنح لي الوقت أقرأ في النصوص البوذية المقدسة، لدينا في التبت بالأساس، في البوذية التبتية، لدينا حوالي ٣٠٠ مجلد. ١٠٠ منهم هي كلمات بوذا نفسه، أقرب ما يكون للإنجيل. ثم لدينا ٢٠٠ مجلد آخر للشروح. لذا فدائمًا ما أخبر التبتيين أنهم ليسوا مجرد شيء للعبادة، لكنها نصوص للدراسة. بينما أخبر الآخرين بذلك فأنا بشكل شخصي أحاول قراءة هذه الكتب. أعتقد من بين الثلاثمئة مجلد، لربما قرأت حتى الآن ما بين ٣٠ إلى ٤٠ مجلد. لذا فالعديد من الكتب لا يزال عليَّ دراستها. ولربما إذا كان لدي يومين من الراحة، عندها سأرغب في الذهاب لمكان به جبال جليدية. أرغب في رؤية المزيد من الثلوج.

سؤال: قداستك، تحدثت عن الستة مليارات مؤمن ولربما المليار ملحد في الكوكب. لدي انطباع أن هناك نوعًا ثالث من البشر، هؤلاء من لا يشعرون بالانتماء إلى أي مؤسسة دينية لكن في ذات الوقت ليسوا ملحدين، وينظرون للروحانيات بشكل متجاوز للمؤسسات الدينية. ما هي نصيحتك لهم؟

قداسة الدالاي لاما: من عدة سنوات بمدينة ستوكهولم قابلت مجموعة صغيرة لا تفضل أيًا من التقاليد أو الديانات الموجودة لكن يسعون لنوعٍ من الروحانيات. نعم، هناك مثل هؤلاء. على الرغم من ذلك فقد وجدت أن ما يطلق عليه "العصر الجديد"، أو أخذ أجزاء من هنا وهناك وصنع مزيج ضخم منها، لهو شيء غير مفيد بالمرة.

أعتقد إنه من الأفضل ألا نلبي فقط الاحتياجات المادية، لكن من الجيد جدا أن نحاول العثور على قيمة أعمق. من المفيد محاولة تحليل حياتنا، وأن نرى أن سعادتنا لا تنبع من الإشباع الحسي. مثلًا، عندما تلعب الموسيقى، تشعر بالرضا، لكن عندما تتوقف فليس هناك المزيد من الرضا. على المستوى الذهني، عندما يكون لدينا مقدارًا هائلًا من مشاعر الإيمان والشفقة – فالإشباع الذي سينبع من هذا سيدوم أكثر بكثير.

سؤال: بالنسبة لك، ما هو أهم شيء في حياة الإنسان؟

قداسة الدالاي لاما: دائمًا ما أخبر الآخرين أن غاية الحياة هو أن نحظى بحياة سعيدة. من أجل تحقيق السعادة والفرح، لا يجب أن نعتمد على الإشباع الحسي والخبرات المادية، لكن يجب بدلًا من هذا أن تعتمد على حالتنا الذهنية. لذا كما أقول دائمًا، نحتاج لأن ننتبه أكثر لقيمنا الداخلية. شكرًا جزيلًا لكم.