أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الصفحة الرئيسة > مكانة البوذية في العالم > البوذية في العالم المعاصر > تحقيق سعادة الذهن من خلال الأخلاق العلمانية

تحقيق سعادة الذهن من خلال الأخلاق العلمانية

قداسة الدالاي لاما الرابع عشر
كلاغنفورت، النمسا، ١٨ مايو ٢٠١٢
تفريغ صوتي وتعديل طفيف تم بواسطة ألكسندر بيرزين
ترجمة أحمد بهجت
مراجعة إنجي بدران

سأتحدث اليوم عن كيفية تحقيق سعادة الذهن من خلال الأخلاق العلمانية. أنا سعيد بهذه الفرصة للتحدث لعدد كبير من الناس هنا. احد أصدقائي العظام، عالم أمريكي، ديفيد ليفينجستون، والذي رحل عنّا الآن، قال أنه عندما يلاقي صاحب القلب الدافيء الآخرين، تتفتح أعينهم بشكل أوسع وتتمدد حدقات أعينهم. قال هذا عندما قابلني، اتسعت عيناه وتمددت حدقتها بذات الطريقة، وقد حدث معه هذا فقط مع شخصين، عندما قابلني وعندما رأى زوجته. لكن الآن، أينما ذهبتُ السكان المحليين يبدون بالمثل، يُظهرون مشاعر دافئة حقيقية لي وأنا أقدر ذلك كثيراً جدًا، لذا، شكراً لكم.

ما معنى "العلمانية"؟ إنني استخدمها بذات طريقة استخدامها في التقليد الهندي. على الرغم من أن بعض أصدقائي المسلمين أو المسيحين يشعرون أن كلمة "العلمانية" تعني بشكل ما أن نكون ضد الأديان، لذا هم لا يحبونني أن استخدم هذا المصطلح. وأيضاً بعض الأشخاص يعتقدون أن "الأخلاق" بحاجة لأساس ديني للإرتكاز عليه، لكن الدستور الهندي قائم على أساس علماني؛ وهو ليس ضد الأديان. في الهند الناس شديدي الاحترام للأديان. غاندي ومن قاموا بصياغة الدستور الهندي كانوا أشخاصاً متدينين للغاية. “العلمانية" في هذا السياق تعني أن يكون لدينا احترام لجميع الديانات دون أن يكون لدينا الاعتقاد بأن احدهم يُعتبر أفضل من الآخرين؛ ولآلاف السنين كانت هذه العلمانية تحترم حقوق غير المؤمنين أيضاً في الهند. لذا أنا استخدم مصطلح "العلمانية" بهذا المعنى.

كإنسان, وحتى الحيوانات والحشرات، جميعنا لدينا الرغبة في المزيد من السلام والهدوء. لا احد يرغب في الاضطرابات؛ وكلنا لنا الحق في تحقيق السعادة والتغلب على أية اضطرابات، أو مشاكل أو معاناة. لا أحتياج لإثبات هذا منطقياً أو من خلال التجارب. ببساطة لإن الأمور على هذا الشكل بطبيعتها؛ وكل الكائنات الواعية، الطيور، الحيوانات، البشر، جميعنا نحاول أن نُحقق هذا الهدف. الأهم هو الأداة لتحقيق هذا الهدف. يجب أن تكون هذه الأداة واقعية، فبإستخدامنا لطرق غير واقعية لن نجني سوى الفشل في تحقيق هذا الهدف. على سبيل المثال، أحياناً نجد أن الحيوانات شديدة الخوف لدرجة إنهم يهربون في الإتجاه الخاطيء؛ يهربون في إتجاة الأذى بدلاً من الهرب بعيداً عنه. لكن نحن كبشر لدينا ذكاء رائع ولهذا فنحن لدينا القدرة الأفضل لإتباع مدخل واقعي من خلال المنطق والذكاء، لذا فنحن أكثر نجاحًا. لدينا وعيًا طويل الأمد لذا أحيانًا نضحي طواعية بمنفعة لحظية من أجل نجاح طويل الأمد. هذا يُشير إلى أننا لدينا ذكاء أعلى من هذه الحيوانات. وبسبب هذا الذكاء، فنحن كبشر نحاول تحقيق هذه المنفعة طويلة الأمد.

إذًا فالسؤال: ما هو مستوى الخبرة الذي سيجلب لنا المنفعة القصوى؟ فمستوى الخبرة الحسية شيء مؤقت. مثلًا أن تشاهد بعض الصور أو تحضر حدث رياضي، أو كالسُياح الذين يذهبون لأماكن مختلفة، الأزياء، البشر؛ حسنًا، من هذا كله نحصل على بعض الحس بالمتعة، من خلال العين. السائق الخاص بي في دلهي، هندي، يحب لعبة الكريكيت. عندما أسأله عن عدد الساعات التي حظى فيها بالنوم الليلة الماضية -عندما تكون هناك مباراة للكريكيت- قال لي أربع ساعات، عندها أنتقدته، وأخبرته أنه من الأفضل أن يحظى بنوم عميق بدلاً من مشاهدة المباراة. هذا أفضل للذهن. ثم هناك الموسيقى والروائح الجميلة والطعام والمتع الحسية المادية. هذه المتع بالمستوى الحسي مؤقتة. عندما ينتهون لا يتبقى منهم غير الذكريات .

على الجانب الآخر، بعض الخبرات بالمستوى الذهني لا تعتمد على الخبرات الحسية؛ والمتعة التي تأتي منهم تدوم وقتًا أطول. لذا من المهم إدراك أن هناك مستويان لإختبار السعادة والتعاسة. أحدهم بالمستوى الحسي، مؤقت، والثاني، بالمستوى الذهني، أكثر عمقاً.

في الوقت الراهن ينخرط الناس كثيراً بالمستوى الحسي ويعتبرونه الأكثر أهمية، لذا هم دائماً في بحث عن مصادر خارجية مادية للسعادة ويتجاهلون المستوى الداخلي الأعمق. ذات مرة منذ سنوات عديدة كنت في مدينة برلين بألمانيا، كان في مواجهة الفندق الذي أقيم به ملهى ليلي. في حدود الساعة السابعة ونص أو الثامنة مساًء ذهبت للنوم وكان يمكنني أن أرى بالخارج وميض ألوان الأضواء المختلفة، أحمر، أزرق، وصوت هدير قوي . ذهبت للنوم واستيقظت في منتصف الليل وكان لايزال مستمرًا، وحتى عندما استيقظت حوالي الرابعة صباحًا كان لايزال مستمرًا. كل طاقة من كانوا هناك تم استهلاكها على هذا المستوى الحسي، أعتقد أنه في اليوم التالي، الجميع سيكونون مُنهكين تمامًا.

قابلت مؤخراً عائلة هندية لديها بعض الأطفال، الأبوين كانوا هناك أيضاً وتحدثنا بشكل غير رسمي. ذكرت لهم أني في آخر عامين أو ثلاثة لم أشاهد التلفاز؛ أنا فقط استمع للأخبار على راديو البي بي سي. الفرد الأصغر بالعائلة الهندية قال لي "أنت لابد تشعر بالملل دون مشاهدة التلفاز!” هذا يُشير لأنهم يشاهدونه كثيرًا. خاصة في الولايات المتحدة وأوربا، الأطفال يشاهدون التلفاز كثيراً جدا. هذا شيئ غير مفيد بالمرة فأن هذا يُغير قدرة أذهانهم على التحليل بذكاء حاد. لذا من المنطقي أكثر أن نعمل على المستوى الذهني، وليس فقط على المستوى الحسي كطريق لبلوغ السعادة.

شيء آخر، ارتباك المشاعر يأتي بالأساس من المستوى الذهني؛ لذا، لحياة سعيدة نحن نحتاج لذهن هاديء. وحيث أن مصدر الإرتباك يأتي من المستوى الذهني، نحن نحتاج أن نتعامل مع المستوى الذهني لتحقيق هذا. لذا أولاً نحن نحتاج لأن نضع المزيد من الاهتمام بعالمنا الداخلي، إلى قيمنا الداخلية. بمساحة صغيرة بالمخ يمكن أن نستكشف الفضاء الداخلي الشاسع للذهن، لكننا في الحقيقة نعرف أقل بكثير عن هذا الفضاء. لذا نحن نحتاج أن نتفحص المشاعر. عندما تظهر مشاعر قوية بجزء من الذهن حينها نكون بحاجة لتفحص هذه المشاعر، سنجد إنها بالتدريج ستخمد.نحن لدينا القدرة على مراقبة الذهن الذي يسيطر عليه الغضب؛ وبمجرد أن نبدأ في تفحصه، تتقلص شدته. إنه شيء مُشوق أن ننظر عميقاً للذهن.

نحن الآن في القرن الواحد والعشرين. يبدوا القرن العشرون كأكثر قرن أهمية في تاريخ البشرية. هذا بسبب أنه كان به الكثير من التطور في مجالي العلم والتقنية. لذا تزايدت معارفنا، معايير المعيشة ارتفعت. لكن في ذات الوقت كان قرن سفك للدماء. فقد عانى آباءكم وأجدادكم الكثير من الاضطرابات والمعاناة. أكثر من مائتي مليون شخص قتلوا، بعضهم بالقنبلة النووية. إذا كان هذا العنف المهول سيُنتج نظامًا جديدًا، لربما استطعنا أن نبرره، لكن هذه لم تكن الحالة. حتى الآن في بدايات القرن الواحد والعشرين هناك العديد من المشاكل في العراق وإيران وأفغانستان، الكثير من الإرهاب؛ هذا عَرض من أعراض أخطاء الماضي وإهمال الماضي. لقد كان هناك الكثير من التأكيد فقط على الأشياء الخارجية. الآن، علينا أن نفكر في القيم الداخلية، وليس فقط في الظروف الخارجية.

أيضاً الفجوة بين الأغنياء والفقراء مشكلة كبيرة، رغم أن النمو المادي مقبول بشكل عام. هنا في النمسا، مستوى المساواة مقبول جدا، ولكن في العام الماضي قمت بزيارة المكسيك والأرجنتين والبرازيل، وسألت عن حجم الفجوة بين الأغنياء والفقراء، هل هي كبيرة أم صغيرة، أخبروني أنها كبيرة جدا. هنا في النمسا لربما هي صغيرة.

أيضاً سألت "هل مستوى الفساد كبير أم صغير؟" في الدول الديمقراطية حيث هناك حرية التعبير والصحافة، ما زال من المُمكن أن يكون هناك الكثير من الفساد. هذا لنقصٍ في الالتزام الذاتي، لعدم وجود قيم أخلاقية. الهند على سبيل المثال، هي أمه ذات عقلية شديدة التدين ، ورغم ذلك هناك الكثير من الفساد بها . بمنازلهم الكثير من الهنود لديهم تماثيل للآله والربات، يهبون لها البخور والورود وصلواتهم، لكن أحيانًا أمزح بأن صلاتهم هي " أتمنى لفسادي أن يُثمر.” هذا أمر محزن حقًا. هم ذو عقليات متدينة ولكن رغم ذلك بهم الكثير من الفاسدين. يُفترض بهم أنهم مؤمنون، لكن ليسوا مؤمنين للدرجة التي يحملون بها حقاً مباديء دياناتهم ويخشون الله.

منذ عدة أعوام مضت تناقشت مع باحث حول الشركات متعددة الجنسيات وكيف أن أرباحهم لا تتّسم بالشفافية. تناقشنا في هذه الأشياء ثم أضفت "هؤلاء الذين يديرون تلك الشركات يُفترض بهم أن لديهم خوف من الله، لذا فيجب أن يكون لديهم بعض الالتزام" فقال الباحث "هذه أفكار القرن الثامن عشر" فعلى الرغم من أن هؤلاء الأشخاص قد يصلون لله، إلا أنهم غير جادين ذلك. إذا كانوا جادين حقًا فيجب عليهم إتباع نصيحة الله بأن يكونوا أمناء، مراعين، وأخلاقيين. لذا يجب أن نكون مراعين للآخرين و مراعين للبيئة. ومن ثَم نحن نحتاج للمزيد من التأكيد على الأخلاقيات، وهذا يعني التأكيد أكثر على الالتزام الذاتي، ليس من مُنطلق الواجب أو الخوف ولكن طوعًا، استنادًا على معرفة أنه "إذا انخرطت في هذا الفعل فهذا سيكون ضد المبادئ الأخلاقية".

نحن بحاجة لبذل الجهد لأجل المزيد من الأخلاقيات، وإلا فإنه مع المزيد من الزيادة السكانية ونقص الموارد سيكون هناك المزيد والمزيد من المشاكل. لذا فنحن نحتاج أن نجعل القرن الحادي والعشرين هو القرن الذي نضع به الجهد لنجعله قرن الشفقة. هذا هو الأساس للمبادئ الأخلاقية، الأخلاق العلمانية.

الأخلاقيات شديدة الصلة بدفء القلوب. هذا يعني أن يكون لدينا المزيد والمزيد من الاهتمام بالآخرين. هم أيضاً يريدون أن يصبحوا سعداء؛ لا يريدون أية تعاسة فنحن جميعًا مترابطين. سعادتهم مصدر لسعادتنا. عندما نفهم هذا، ونحترمهم، فعندها لن يكون هناك مجال للكذب، الغش، التنمر أو الاستغلال. بهذا المعنى دفء القلوب هو مصدر السعادة؛ ومصدره عوامل بيولوجية من وقت أمهاتنا: لقد نجونا بفضل عاطفة أمهاتنا، بفضل حليبهن. هذه الخبرة تم امتصاصها عبر جيناتنا ودمنا. السؤال هو: الأطفال يهتمون أكثر بالعاطفة من الآخرين، يهتمون بالعاطفة أكثر من المال والمكتسبات الثقافية، لكن عندما ينضجون – إلا إذا كانوا أكثر حكمة – فإن قِيَمهم تنحدر. لماذا، لأنهم يصبحون أكثر تمركزًا حول ذواتهم. إذا قاموا بتقديم أي مساعدة الآخرين فسيكون ذلك فقط بناء على اهتمامهم بـ "ما الذي سأجنيه في المقابل؟" لذا التمركز حول الذات يدعمه بقوة الاحساس بالـ"أنا" والتي هي مصدر لمشاكل كبرى. علينا أن نفكر في المجتمع البشري ككل كـ "نحن" بالتفكير في أنفسنا كجزء من الاتحاد الأوربي أو جزء من العالم أجمع. نحتاج أن نفكر فيه بمعنى كل السبع مليار شخص في هذا العالم كـ"نحن" وأننا جزء من هذا الـ "نحن"؛ ولا نفكر في أنفسنا من منظور هذه الـ "أنا" الصغيرة. لذا نحتاج لأن نحترم الجميع، كلًا من الغني والفقير. كل شخص يجب أن تكون له حقوق متساوية، سواء الاقتصادية أو في جميع المجالات الأخرى. هذا الاحترام سيأتي إذا طورنا الاهتمام برفاهية الآخرين.

كل هذا ليس بالضرورة أن يكون جزء من ديانة ما؛ الدين هو شأن شخصي؛ بينما ما نتحدث عنه هو شيء خاص بالبشرية ككل. إذا احترمنا الآخرين جميعًا لن يكون هناك استغلال. أيضاً، دفء القلب هو مصدر كبير للمساعدة في الصحة البدنية. بعض العلماء يقولون أن الإحساس بالخطر والخوف المتواصل يُضعِف نظام المناعة، لذا عندما نكون متمركزين حول أنفسنا نختبر الكثير من الخوف فيما يتعلق بأنفسنا، أما فيما يتعلق بالآخرين فلدينا الكثير من عدم الثقة. هذا يؤدي بنا إلى الشعور بالوحدة والخوف، والذي يقودنا إلى الإحباط وفي النهاية للغضب. لكن بمجرد أن نفتح قلوبنا ويكون لدينا حس بمراعاة الآخرين، فنحن نُنمي الثقة بالنفس. خلال هذا يمكننا أن نتصرف بإنفتاح وشفافية. بغض النظر عمن نقابله أو نراه، جميع من حولنا سنعتبرهم كأخوة وأخوات لنا؛ وإذا كنا دافئي القلوب ولدينا حس بمراعاة الآخرين، فمعظم الأشخاص سيتجاوبون معنا بشكل إيجابي. لكن هذا ليس الوضع دائمًا. أينما أكون بالسيارة أنظر للناس على طول الطريق وابتسم لهم. ذات مرة في ألمانيا عندما كنت ابتسم لسيدة على جانب الطريق أصبحت شديدة الشك، فبدلاً من أن تسبب أبتسامتي السعادة لها سببت لها الخوف، لذا أدرت وجهي بعيداً. ولكن هذا ليس الوضع دائمًا.

دفء القلب شيئ نتعلمه من أمهاتنا، لذا فهو شيئ نحتاج أن نحمله معنا طوال حياتنا. بأجتماع علمي كان لدينا هذا الشعار: “ذهن صحي، جسد صحي.” ولأجل ذلك نحتاج أن نعرف الواقع، نحتاج أن يكون لدينا ذهن هاديء؛ إذا كنا مرتبكين سنصبح متحيزين ولن يمكننا رؤية الواقع وهذا سيجلب العديد من المشاكل. لذا دفء القلب يساعدنا على تنمية ذهن هادئ.

إذا لم يكن لدينا أذهان هادئة فهذا سيسبب مشاكل في التعليم لدينا. إذا لم يكن الذهن هادئًا وسعيدًا، فمن الصعوبة أن نتعلم؛ إذًا الذهن الهاديء يساعد على إنجاز كل الأعمال والمهن، بما في ذلك السياسي منها. بإختصار، هدوء الذهن يؤدي بنا للثقة بالنفس وبالثقة بالنفس نستطيع أن نرى الواقع بشكل أكثر وضوحًا وبُناء علي ذلك نُنمي دفء القلب أكثر وأكثر.

هذه هي المبادئ الأساسية للأخلاق العلمانية والمفتاح لفن السعادة. بالنسبة لي، وجدت هذا مفيدًا جدا. إذا شعرتم أن هذا شيء منطقي، فجربوا التدرُب عليه. إذا لم يكن منطقيًا لكم، فتجاهلوه، وشكراً لكم.