أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

صورة لتسينشاب سيركونغ رينبوتشي

ألكسندر بيرزين، ١٩٨٨ م

الجزء الخامس: مزيدٌ من صفاتِ رينبوتشي

لم يزعم سيركونغ رينبوتشي أبدًا أنه يوغي، أو أنه يملك أيَّ قوًى خاصة، ولو أردنا أن نرى مثالاً له في ذلك فلن نرجع إلى الماضي كثيرًا، فوالده سيركونغ دورجي-تشانغ كان نموذجًا واضحًا، وكان راهبًا بدير غاندين جانغتسي، فقد نال مرحلة الأنوتارايوغا تانترا، التي يمكنه فيها أن يمارسَ أساليب خاصة في اليوغا مع قرينٍ للوصول إلى أعمق مستوى للعقل.

هذه النقطة المتقدمة على المرحلة الكاملة تتطلب إجادةً تامَّةً لنظام الطاقة الخفية، مع تحكم كامل في كلٍّ من المادة والطاقة الداخلييْنِ والخارجيينِ. عهوده على التبتل كانت عادةً تمنعه من مثل هذه الممارسة، وحينما سأله قداسة الدالاي لاما الثالث عشر عن دليل نواله ربط سيركونغ دورجيي-تشانغ قَرْن ياك في عُقدةٍ وقَدَّمها، وعندما اقتنع الدالاي لاما الثالث عشر سمح له بالإبقاء على مقتنياته الخاصة بالرهبنة، أثناء ممارسته على هذا المستوى، وقد ذكر رينبوتشي بطريقةٍ عفويةٍ أنهم أبقَوْا على هذا القَرْن في منزله وهو طفل.

سيركونغ دورجيي-تشانغ كان مُعتَرفًا به على نطاقٍ واسعٍ بوصفه تجسُّدًا لماربا المترجِم، الذي عاش في القرن الحادي عشر، فسيركونغ رينبوتشي بدوره وُلِد ليواصل أنسابَ أبيه، وقد رُؤِيَ على أنه تجسيد لابن ماربا الشهير: دارما-دودي. ومع ذلك لم يذكر رينبوتشي ذلك لي ولو مرة واحدة، ولم يحدث ولو مرة أن قارن نفسَه بأبيه، ومع ذلك، ورغم صمت رينبوتشي، فقد كان من الواضح للمقرَّبين له أنه أيضا عنده سيطرة على رياح الطاقة الخفية التي لديه، وأن لديه قوى استثنائية، والطريقة التي كان ينام بها رينبوتشي بإرادته أعطَت إشاراتٍ لذلك.

وذات مرةٍ كان رينبوتشي يُجْرِي رَسْم قلب، وهو جزءٌ من فحصٍ طبي في ماديسون بولاية ويسكونسون، فكان رينبوتشي حيويًّا ويقظًا حينما استلقى على السرير للاختبار، وحينما طلب منه الطبيبُ أن يسترخي نام في بضع ثوانٍ نومًا عميقًا حتى سُمِع غَطيطُه.

وكانت قدرات رينبوتشي فوق الحسية على معرفة المستقبل يمكن رؤيتها من عدة أمثلة، ولم يكن رينبوتشي أحد معلمي قداسته فحسبُ، لكنه أيضًا درَّس بين الفينة والفينة أعضاءً عديدين من أسرة قداسته، بما فيهم والدته، وكان رينبوتشي عادةً لا يزور الأم المبجَّلة ما لم يأخذ موعدًا رسميًّا، كما يتطلب البروتوكول، ومع ذلك فقُبَيل وفاة الأم المبجَّلة شعر رينبوتشي بحالها، فكسر البروتوكول، وزارها على غير العادة زيارةً أخيرةً.

وذات مرةٍ كان رينبوتشي يُدرِّس في معهد فاجرايوغيني في لافاور بفرنسا، وكان عنده راحة أيامًا قلائل قبل المغادرة إلى باريس، فرغبت في الذهاب قبله لزيارة الأصدقاء، وعرض عليَّ شخصٌ أن أستقلَّ سيارته، وحينما طلبتُ الإذن بالذهاب لباريس يوم الأحد قال رينبوتشي: "حسنًا، ستذهب لباريس يوم الاثنين." وحينما رددتُ: "لا، لا، سأذهبُ غدًا الأحد." فكرَّر رينبوتشي قوله: "حسنًا، ستذهب يوم الاثنين." عندئذٍ سألتُهُ: هل هناك ثمة شيءٍ خطأ في الذهاب يوم الأحد؟ هل ينبغي أن أُؤجِّل سفري، وأذهب يوم الاثنين بدلاً من الأحد؟ فضحك رينبوتشي قائلاً : "لا، لا، لا يهم."

عندئذٍ توجهتُ إلى باريس يوم الأحد، وفي منتصف الطريق إلى هناك تعطَّلت السيارة، وكانت مَرائب (كراجات) السيارات تُغلَق يوم الأحد في فرنسا، فوجب علينا أن نقضي الليلة في قريةٍ صغيرةٍ، وأُصْلِحت السيارة صباح الاثنين، وكما تنبَّأ رينبوتشي وصلتُ باريس متأخرًا يوم الاثنين.

وكان رينبوتشي أحيانًا يُظهِر قدرتَه على رؤية الأشياء عن بعدٍ. فذات يومٍ في دارامسالا دَعَتْ مديرة مركز توشيتا للخلوات رينبوتشي ليؤمَّهم في شعيرةٍ من الشعائر، وعندما اقتربتْ السيارة الجيب من المركز قال رينبوتشي: "أسرعوا! اذهبوا وافحصوا غرفة المحراب! لقد سقطت شمعةٌ!" وحينما اندفعت المديرةُ للداخل وجدت أن شمعةً انكفأت، وأنَّ حريقًا كان قد أوشك أن يشبَّ.

ولم يشعر رينبوتشي بأي نوعٍ من العلاقة الكارمية له مع الناس فقط، ولكنه أيضًا كان أحيانًا يُبيِّن أنه يعرف أشياءَ عديدةً عن غرباء دون أن يُخبَرَ عنهم أي شيءٍ. فذات مرةٍ في ماديسون بويسكونسون أتى أحد أصدقائي القدامى ليرى رينبوتشي أوَّلَ مرةٍ، ورغم أن صديقي تصرَّف بطريقةٍ طبيعية تمامًا، ولم يَحْدُث مني أو منه أبدًا أنْ ذَكَرْنا لرينبوتشي عادته في تدخين الماريغوانا، فقد أَخْبَر رينبوتشي صديقي أنه يتوجَّب عليه الإقلاع عن تدخين هذا المُخدِّر؛ إذ إنه يُدمِّر نموَّه. ومن بين كل الغرباء الذين التقى بهم رينبوتشي كان صديقي هو الشخص الوحيد الذي نصحه بشأن الماريغوانا.

وعلى الرغم من أن رينبوتشي رأى عاداتٍ وميولاً معوِّقةً في الآخرين إلا أنه كان ماهرًا دومًا في جذب انتباه الناس إلى أخطائهم ومثالبهم. فذات مرةٍ، وأثناء وجود رينبوتشي في الخارج في نيبال بضعة أشهر، مررتُ بصعوباتٍ شخصية في عملي، التقينا ثانيةً في بود غايا؛ حيث كنتُ أُترجِم خطابًا لقداسته عن "الانخراط في سلوك البوديساتفا"، وبدلاً من أن يُنبِّهَني بشدة إلى أن الطريقة التي أدير الأمر كانت غبية جدًّا أشار رينبوتشي إلى النص الذي كنتُ أترجمه، وقلَّب بإبهامه الصفحات، وأشار إلى كلماتٍ عديدةٍ، وسألني هل أدرك معناها، وحقًّا كانت هذه الكلمات هي سبب المشكلات التي كنت أعانيها، فشرح رينبوتشي مضامينَها الكاملة، وبهذه الطريقةِ كان يشير إلى مسار العمل على علاج الموقف.

وذات مرةٍ أخذتِ امرأة عجوز سويسرية ثرية رينبوتشي في التاكسي إلى أكبر متاجر زيورخ وأفخمها، وحينما غادر رينبوتشي المتجر علَّق بقوله إن هذا المكان في الواقع لا يحتوي على شيءٍ واحد يحتاجه الإنسان، ثم سأل المرأة هل يمكن أن يركبا ترامًا أثناء العودة لمنزلها؛ إذ إنه سيكون من الممتع رؤية كيفية سفر العامة، فشعرت المرأة بالحرج، وكان عليها أن تقر بأنها لم تركب ترامًا طيلة حياتها، وأنها لا تعرف كيف تستخدمه، أو أين تنزل منه. وبهذه الطريقة بيَّن لها بلطفٍ البونَ الشاسعَ بين حياتها وبين الحياة العادية.

وفي مرة أخرى دُعِيَ رينبوتشي للإقامة في منزل ضخم مزخرفٍ بالقرب من زيورخ، وكانت سيدة المنزل تشعر بعدم الراحة في مثل هذا الترف الخانق؛ فقد كانت تُفضِّل الحياة في بساطة وواقعية. وقد أعدَّتْ غرفة المكتبة المكسوة بالبَلُّوط لرينبوتشي لينامَ فيها؛ حيث إنها أفخم غرفة في المنزل. وعندما دخل رينبوتشي الغرفة نَظَر نظرةَ فاحصةً، ثم أصرَّ على أن ينام على الرواق المفصول بحاجز بدلاً من ذلك، وأخبر المرأة أنه يحب كثيرًا العيش في خيامٍ. ولكن رواقها المسقوف يجعله يبقى في إحداها بسبب المنظر الجميل للحديقة والبحيرة أسفلها. وبهذه الطريقة ساعدها في تقدير المتع البسيطة الموجودة في منزلها وتذوقها والاستمتاع بها.

وكان رينبوتشي يساعد الآخرين بأي طريقة ممكنة يحتاجونها، ففي أثناء إعطائه حفل سماح بممارسة التارا الصفراء - وهي شكل بوذا المرتبط باكتساب الثروة - في بومايا بإيطاليا طلب رينبوتشي من فنان إيطالي فقير أن يُلوِّنَ صورة هذا الشكل من أجل هذا الطقس الشعائري؛ إذ إنَّ فِعْل ذلك سُيؤسِّس رابطة كارمية قوية لهذا الفنان ليتلقى فوائد الرفاهية من ممارسة التأمل.

وفي مناسبة أخرى في نفس المركز أعطى رينبوتشي هِبة صغيرة من المال لشاب تعرَّض منزل والديْهِ للسرقة حديثًا، وهذه الهدية ستكون بدايةً مُبشِّرة لأسرته في استعادة ثروتها.

أما ألان تيرنر، وهو تلميذ بريطاني قريب، ليس لديه أي اهتمام بالتبتية، وليس لديه ثقة في نفسه بقدرته على تعلمها، فأعطاه رينبوتشي النقل الشفاهي للألفبائية التبتية ليغرس أثرًا لتاريخٍ مستقبلي. وحينما صادفتني عقبة في دراستي للتبتية، ولم أستطع تفاديها، بدأ رينبوتشي يراجع معي القاموس التبتي، وجعلني أكتب جُملاً مع كل كلمةٍ.

لقد كان رينبوتشي أيضًا دبلوماسيًّا بارعًا، فقد أوصى بالقبول دومًا بأي شيءٍ يقدمه شخص ما بإخلاص، خاصة إذا كان رفضُنا سيؤذي مشاعره، وقبولنا لن يضرنا في شيء، وهكذا، وعلى الرغم من أن رينبوتشي لم يكن يأكل أي شيءٍ حلو، فقد كان يلتهم بحماسٍ قطعة من الكعك لو خبزها شخصٌ ما له خاصةً، وهذا في الحقيقة إذا كان الأمرُ سيعطي للمرء ثقته بنفسه، وقد كان رينبوتشي يطلب من نغاوانغ أن يكتب طريقة عمل الكعك.

وقبل كل شيءٍ كان رينبوتشي واسع الأفق جدًّا ومتعدد الثقافات، فبغض النظر عن الطائفة التي ينتمي إليها المركز البوذي الذي دعاه - كاغيو، أو نيينغما، أو ساكيا، أو غيلوغ، أو زِن، أو ثيرافادا - فكان يُعلم بأسلوب هذا التقليد المعين، وقد امتدت هذه المرونة أيضًا فيما وراء حدود البوذية.

فذات مرة، في ميلانو بإيطاليا، سألته امرأة ذات خلفيةٍ كاثوليكية: "الآن، وقد أخذت اللجوء، وكلاًّ من البوديتشيتا والعهود التانترية، هل من الخطأ أن أذهبَ إلى الكنيسة؟" فأجاب رينبوتشي: "ليس هناك خطأ، فلو أنكِ ركزتِ على تعاليم الحب والرحمة من دينٍ آخر، ألست تسيرين في نفس الاتجاه بلجوئك وعهودك؟"