الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس
صورة لتسينشاب سيركونغ رينبوتشي
الجزءُ الثالث: التدريبُ مع رينبوتشي
أول مرة التقيتُ فيها برينبوتشي كانت في بود غايا في يناير عام ١٩٧٠ م، وكان شاربا رينبوتشي وكاملونغ رينبوتشي - وهما اثنان من اللامات الشباب المتجسِّدين ثانيةً، وقد درَسَا اللغةَ الإنجليزية في أمريكا تحت إشراف غيشي وانغيال - قد زَكَّيَاه لي، وقد استطاع رينبوتشي توجيهي إلى أفضل المعلِّمين؛ لأدرس على يديه الغوهياساماجا (مجمع العوامل الخفية). وقد اخترتُ نظام التانترا المعقَّد موضوعًا لرسالة الدكتوراه، وذلك بعد مقابلة النسختين: السنسكريتية والتبتية لجزءٍ صغيرٍ من النص الرئيس المبهَم في حلقة بحث للتخرج.
وعلى الرغم من أن دراساتي اللغوية تركتني غير مستعدٍّ تمامًا لمثل هذه الدراسة المتقدِّمة، فقد أخذني سيركونغ رينبوتشي على محمل الجد، فاقترح لي كينزور ييشي دوندروب، وهو رئيس دير غيوتو (العلوي كلية التانترا) المتقاعد، والذي أصبح رئيس تقليد الغيلوغ فيما بعد. ولقد شعرتُ بالتشريف أن رينبوتشي اختار لي مثل هذا الأستاذ ذائع الصيت.
وبعد ذلك بعدة أشهر التقيت رئيسَ الدير في كوخه الطيني، المختلط بروث البقر، المتناهي الصغر، المرتفع عاليًا على القرية الجبلية دالهوسي، القريبة من دارامسالا؛ حيث يقع دير غيوتو، وحيث استقرَّ بي المُقام.
فهذا الراهب المسنُّ المتواضع كان قد أكمل حالاً خَلوتَيْنِ متتاليتين بلغتْ كل منهما ثلاث سنوات، وحينما طلبتُ منه أن يعلمني وافق رئيس الدير على الفور، وأخبرني أنني جئت في اللحظة المناسبة تمامًا؛ فقد كان ينتوي بدءَ خَلوة مُكثَّفة مدة ثلاث سنوات على نظام الغوهياساماجا في اليوم التالي، وسألني: هل يناسبني أن أنضمَّ إليه؟ وبالطبع كان عليَّ أن أرفض، لكني تعلمتُ الدرسَ الذي قدمه لي رينبوتشي بالطريقة البوذية الكلاسيكية. لقد هيأ رينبوتشي الظروفَ لي لأدرك الحقيقة بنفسي، وسيكون من الواجب عليَّ إذا أردتُ أن أدرسَ هذه التانترا المتقدمة جدًّا وأمارسها أن أبدأ من البداية.
وسَرعان ما غيرتُ موضوعَ أطروحتي للدكتوراه إلى موضوعٍ أكثر تواضعًا - التقليد الشفاهي للام-ريم، المراحل المتدرجة للطريق - وأعددت نفسي لأن أدرسَ الأساسيَّاتِ على يد معلم من طائفة شاربا وكاملونغ رينبوتشي، وهو غيشي نغاوانغ دارغيي. ولقب غيشي هو درجة في سلك الرهبنة تعادل تقريبًا درجةَ الدكتوراه.
ومهارة غيشي دارغيي بوصفه معلمًا مثقَّفًا أكسبَتْهُ منصب معلم خمسة لامات متجسِّدين ثانيةً في سن المراهقة، في ذلك الوقت كان غيشي دارغيي يَقطُن في حظيرةِ أبقارٍ مُتحوِّلة، مكتظة بالذباب. لقد كان المكان متناهيًا في الصغر، لدرجة أنه كان يسعُ فقط سريرَه، مع حيِّزٍ باقٍ يكفي لثلاثة أشخاص فقط يجلسون مزدحمين على الأرض.
وعلى الرغم من أن الظروف التي عاش فيها كانت مُقزِّزةً بالنسبة لي فقد استقرَّ بي المُقام من أجل دراساتي، وقد احتجتُ أيضًا أن أتعلم التبتية الحديثة الدارجة؛ إذ إنني في هارفارد درست اللغة الفصحى التحريرية فقط.
المرة التالية التي لقيتُ فيها سيركونغ رينبوتشي كانت في يونية من العام نفسه، فقد اندلعت كوليرا فظيعة مع تيفود وبائي في المنطقة، وطلب قداسته من رينبوتشي أن يأتيَ إلى دالهوسي ليُنعم بتفويض الهاياغريفا، وهي ممارسة شكل بوذا القوي، جنبًا إلى جنبٍ مع الصرفِ الصحي، وذلك يساعد الناس في تجنب العدوى.
ورغم أني كنت بين القلة من الغربيين الذين تلقوا الاستهلال فلم تَسنح لي الفرصةُ للقاء رينبوتشي بصورةٍ شخصيةٍ، فقد كان لديه أماكن أخرى يُنعِم عليها بهذا التفويض، مما جعله يغادر دالهوسي على وجه السرعةِ.
وعندما التقينا بعدئذٍ كانت أشياء كثيرة قد حدثت؛ ففي خريف عام ١٩٧١ م طلب قداسته من غيشي دارغيي أن يُدرِّس البوذيةَ للأجانب في مكتبة الأعمال التبتية والأرشيف، التي أنشئت حديثًا في دارامسالا. وانضم شاربا وكاملونغ ليعملا مُترجمَيْنِ له، وسألت هل أستطيع أن أقدم أي خدمة للمكتبة، كترجمة النصوص مثلاً، فوافق قداسته. ولكن كان عليَّ أولاً أن أُقدِّم رسالتي، وأحصل على الدكتوراه، ومِن ثمَّ أعود.
الحرب الحدودية المندلعة حديثًا مع باكستان، التي تبعد أقل من مئة ميل، أقنعتني بالمغادرة دون إبطاءٍ، فعدتُ إلى هارفارد، وعملتُ بنصيحة قداسته، رافضًا وظيفة التدريس بالجامعة - مما أدهش أساتذتي كثيرًا - فقد انتقلت إلى دارامسالا بعد أشهرٍ قليلةٍ، تحديدًا في سبتمبر عام ١٩٧٢ م.
كان سيركونغ رينبوتشي قد غادر حينئذٍ إلى نيبال؛ لقضاء عامين يمنح التفويضات والبث الشفاهي لبعض الأديرة التي شُيِّدت هناك حديثًا، وحينما عاد إلى دارامسالا في خريف عام ١٩٧٤ م تمكَّنْتُ أخيرًا من التحدُّث بالتبتية بطريقةٍ كافية للتواصل معه مباشرة بطريقةٍ جيدة.
وعلى الرغم من أني لم أدرك ذلك في البداية فإن رينبوتشي بَدَا أنه يعرف أن لدي العلاقة الكارمية التي تؤهلني أن أكون مترجمًا له، وقد أظهر ذلك عن طريق تشجيعي على زيارته كثيرًا، وأن أجلس إلى جواره أثناء لقائه بأناسٍ مختلفين. وبين مواعيد لقاءاته كان رينبوتشي يتحدث إلي، ويشرح كلماتٍ مختلفةً بالتبتية ليتأكد أنني فهمتُ المحادثة.
وبعد فترةٍ قصيرةٍ قدَّم رينبوتشي إليَّ مجموعةً من ثلاث لوحاتٍ قماشيةٍ رائعة لمانجوشري الأبيض، وساراسفاتي الأبيض، وتارا الأبيض. الذين قدَّمهم أهل سبيتي حديثًا له. أشكال بوذا تلك كان لها أثرٌ جوهري في نموه الشخصي، وممارسة التأمل منذ نعومةِ أظفاره؛ فهي تُجسِّد على التوالي صفاء العقل لمساعدة الآخرين، والبصيرةَ المشرقة للتعبير الأدبي الإبداعي الجلي، والطاقة الحيوية لحياةٍ مثمرة طويلة. وقد أكَّدت هذه الهدية ذات التأثير الكبير علاقتنا، وحينما سألتُ رينبوتشي هل أستطيع أن أكون حواريًّا له، ابتسم بصبرٍ من عادتي الغربية النموذجية في الحاجة للتلفظ بما هو واضحٌ للعَيان.
عندئذٍ بدأ رينبوتشي يُدرِّبُني بطريقة منهجية حتى أكون مترجمًا، دون أن يذكر مرة واحدة أن هذا هو ما يفعله. ففي البداية عمل على تنشيط ذاكرتي؛ فحينما كنت أزوره كان رينبوتشي - في لحظاتٍ غير متوقعة - يطلب مني أن أُكرِّر ما قاله في التوِّ كلمةً كلمةً. وبالمثل كان يطلب مني ما قلتُهُ بنفسي في التوِّ.
وذات مرةٍ بدأتُ الترجمةَ له في خريف عام ١٩٧٥ م، وكان رينبوتشي غالبًا ما يطلب مني أن أُترجِم كلماته ثانيةً إلى التبتية؛ ليتأكَّد من خُلوِّها من الأخطاء، أو الإضافات، أو السهو. في الحقيقة، وأثناء الثماني سنواتٍ التي خدمتها مترجمًا له، وفي كل مرة يطلب مني أن أعكس الترجمة، كنتُ دومًا أشعر أنني لم أفهمْ ما قال جيدًا، واتضح أن رينبوتشي كان دائما يشعرُ بي حينما أُخطئ في الترجمة.
بعدئذٍ بدأ رينبوتشي يعطي ملخصاتٍ لتعليمه، يستغرق الواحدُ منها خمس دقائق قي نهاية جلساته، وعندئذٍ يخبرني أنه جاء دوري في التلخيص. وبهذه الطريقة بدأ تدريبي على ترجمة الأحاديث الطويلة، وكذلك على التدريس. وفي بعض الأحايين كان يتبادل الحديث مع الحضور بينما أُلخِّص أنا النصَّ، متحديًا قدراتي على التركيز. إن المدرس الجيد يجب ألَّا تُشتِّته أو تُوتِّره الضوضاءُ الخارجية.
حينما كان رينبوتشي يعلمني بصفة شخصيةٍ لم يكن يسمح لي أبدًا بتسجيل أي ملاحظاتٍ، فكان عليَّ أن أحفظ كل شيءٍ، ثم أسجله لاحقًا. وسَرعان ما كلفني رينبوتشي بمهماتٍ لا تُحصَى أفعلها بعد دروسي، حتى يكون بمقدوري كتابة تلك الملحوظات فقط بعد ذلك بكثيرٍ في الليل. وفي النهاية كان رينبوتشي يصمت أحيانًا أثناء ترجمتي للدرس، وفي حوارٍ جانبي كان يشرح لي شيئًا ما بصفة شخصية، فيما يتعلق بدروسي، في موضوعٍ مختلفٍ تمامًا. وعندئذٍ، وبدون إعطائي مجرد لحظة لأتفكر في كلماته، أو لأكتب أي شيءٍ، كان يستأنف درسَهُ الأصلي.
ولو سألتُ رينبوتشي مرة عن شيءٍ ما ذكره آنفًا كان يعنِّفُني بشدة على ضعف ذاكرتي، فأتذكِّر مرة حين سألتُه عن معنى مصطلحٍ، فأجابني رينبوتشي بحدة: "لقد شرحتُ هذه الكلمةَ لك منذ سبع سنواتٍ! أَتذكَّرُ ذلك بوضوح، فلماذا لا تتذكر أنت ذلك؟" في الحقيقة قد ذكر لي ذات مرةٍ أنه كلما كَبُر سنُّهُ صفا عقلُهُ.
كان سيركونغ رينبوتشي مُهتمًّا ليس بتطوير ذاكرتي جيدًا فقط، لكن أيضًا بدقة ترجمتي. ومن خبرته في تدريس الغربيين فقد أدرك أن كثيرًا الترجمات المضللة لمصطلحات فنيه معينة كان نتيجة لعدم فهمهم، ولذلك عمل معي على تطوير مصطلحاتٍ جديدة باللغة الإنجليزية، وكان يشرح بصبرٍ المدلولات الضمنية لكل مصطلحٍ تبتي، وعندئذٍ يسأل عن الدلالات المحتملة للكلمات المقابلة في اللغة الإنجليزية؛ لكي أحاول توصيل المعنى.
وكان يشجعني دائمًا على تجريب مصطلحاتٍ جديدة، وألَّا أكون عبدًا لأكليشيهاتٍ غير مناسبة، فالمصطلحات التبتية المقنَّنة المستخدمة في ترجمة النصوص البوذية من السنسكريتية قد تطورت تدريجيًّا عبر القرون، ومن الطبيعي أن عملية مراجعة مشابهة سوف تحدث أثناء الترجمة إلى اللغات الغربية.
حينما طلبتُ من رينبوتشي أصلا أن يقبلني تلميذًا له طلبتُ منه - على وجه الخصوصِ - أن يعلمني وسائل ماهرة في كيفية مساعدة الآخرين برحمةٍ وحكمةٍ، وكانت نشأتي الأكاديمية العالية، ومكانتي المميزة فيها جعلتْ نموي الشخصي أحاديَّا، فلقد كنتُ بحاجة إلى أن أتعلَّم المهاراتِ الاجتماعيةَ والتواضعَ. ونتيجةً لما سبَق سمَّاني رينبوتشي اسمًا واحدًا، وهو "غبي"؛ فلم يملَّ من أن يُعلِّق على كل شيء قلتُه أو فعلتُه، غبيًّا كان أم خطأً.
فعلى سبيل المثال، حينما كنت أترجم له كان يُصِرُّ على أن أفهمَ تمامًا، وحينما كنتُ أتلعثم فلا يهمه كم من الوقت سوف يستغرق، أو مدى إحراجي من وصمه لي بالغباء. ولم يكن يسمح أبدًا لأية كلمة بأن تمرَّ علي دون فَهمها وترجمتها ترجمةً صحيحة، وعلى الرغم من أن هذه الطرائق ستكون غيرَ مناسبة لطلابٍ مصابين بانخفاض احترام الذات، فإن اتجاهه المتصلِّب ناسبني تمامًا.
وذات مرة في لافاور بفرنسا أعطى رينبوتشي خطابًا على تفسيرٍ لنصٍّ معقدٍ، وحينما جلستُ أترجمه طلب مني رينبوتشي أن أقارن طبعاتٍ متعددةً من التفسير، وأن أُعِدَّ النص للتحرير بينما نُكْمِل عملنا، فلم يكن لدي قلمٌ، لكن وجدتُ سيدة تجلس أمامي مباشرةً ذات شعرٍ أحمر مصبوغٍ لامع، واضعةً كَمًّا مبالغًا فيه من أحمر الشفاه، مع وردةٍ حمراء أمسكتْها بين أسنانها طيلةَ الدرس. فسألتُ الحُضور: هل مِن قلم إضافي مع أحدكم يمكن أن أستعيرَه؟ فأعطتني قلمَها، وفي نهاية المحاضرة كنت مُنهَكًا جدًّا، وبينما أتهيأ للقيام مَدَّت المرأةُ يدَها نحوي دون أن تنبسَ بكلمة، فقد كنت مشغول البال بنفسي، وظننتُ أنها تريدُ مُصافحتي لتهنئتي على عملٍ أديتُه بكفاءةٍ، وعندما مددتُ يدي لأصافحها صاح بي رينبوتشي: "رُدَّ لها القلمَ يا غبي!"
وليعدِّل من تركيزي على ذاتي علَّمني رينبوتشي أيضًا أن أفعلَ الأشياءَ فقط من أجل الآخرين، لقد فعل ذلك من خلال رفضه القاطع أن يعطيني أي تعليمٍ أو تفويضٍ طلبتُهُ لنفسي، فقد كان يوافق فقط لو أن شخصًا آخر هو الذي طلب، وكنتُ أنا المترجم. لقد علَّمني رينبوتشي وحدي فقط تلك الأشياء التي شعر هو نفسه بأهمية تعلُّمي إياها.
وعلاوةً على ذلك لم يمدحني رينبوتشي أبدًا في حضوري، لكن دومًا ما كان يُوبِّخني، فكان يُوبِّخني على وجه الخصوص أمام الآخرين؛ حتى لا أتأثر بالنقد أو بالضغط. وفي الحقيقة فإني أتذكرُ أن رينبوتشي شَكَرني على مساعدته مرةً واحدةً، وذلك في نهاية جولتنا الغربية الأولى معًا.
بهذه الطريقة القوية شعوريًّا درَّبني رينبوتشي على أن يكونَ دافعي هو الرغبة في مساعدة الآخرين فقط، لا الرغبة في المديح، أو في إسعادِ المعلم. وحينما رأيتُ أن انتظار شُكْرِه كان شبيهًا بكلبٍ ينتظرُ من يمسح على رأسِهِ، فسَرعان ما توقفتُ عن توقع أي إشارةٍ على استحسانه، حتى لو كان سيمدحني فماذا عسايَ أن أفعل إلا أن أَهُزَّ ذيلي!
كان رينبوتشي يشجع الناسَ دائمًا على تعلُّم قراءة النصوص المقدَّسة العظيمة بأنفسهم، فحينما كان يجد شخصًا لديه سؤال، أو يساوره شكٌّ، كان رينبوتشي يدعوه إلى أن يبحث بنفسه ويمحص، وكان يعلل ذلك بأنه لم يُؤلِّف هذه التعاليم، لكنها جاءت من مصادرَ صالحة.
وقد قال رينبوتشي أيضًا إنه لا يمكن لأحدٍ أن يتوقع أن اللاما سيُعلِّمَه - أو يُعلِّمَها - كلَّ شيءٍ. وعلاوة على ذلك، فبالنسبة للغربيين، فقد كان يُكَرر مقولةَ قداسته إنه طيلة القرنين القادمين أو أكثر فإن تعاليمَ بُوذا الكاملة ستكون متوافرةً باللغة التبتية فقط، ولهذا فقد حثَّ الغربيين بقوة على تعلم التبتية. وقال إن "كا" مقطع من اللغة التبتية مفعمٌ بالمعنى. وهكذا، فأثناء التدريس كان رينبوتشي غالبًا ما يُفصل في مضامين المصطلحات الفنية التبتية.
وتمشيًا مع هذا النهج فقد جعلني رينبوتشي أواصل دراساتي بقراءة النصوص، والسماح لي بتوجيه أي سؤالٍ حيالها. وأشار إلى أن التلاميذ إذا درسوا بهذه الطريقة يستطيعون دراسة أي جزء أرادوا في الأدب البوذي، مثل السباحة في المحيط، أو الطيران في الهواء، موضحًا أن دورَ اللامات هو تعليم التلاميذ الوقوف على أقدامهم، ومِن ثَم الطيران، وكان يعطي إرشاداتٍ بشأن ما يُدرَس، وما يُقرَأ، عندئذٍ كان يدفع بتلاميذه بعيدًا عن العُشِّ ليطيروا بأنفسهم.
لقد استخدم رينبوتشي طرائق عديدة ليعلمني ألَّا أعتمد عليه في أي شيءٍ. فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من أنني كنتُ على علاقة حميمة جدًّا برينبوتشي، فلم يزعم أبدًا أنه على استعدادٍ أن يساعدني في شتى المواقف. وذات مرةِ كنتُ مريضًا جدًّا، ولم يفدني الدواءُ الذي تناولتُه، وحينما سألتُ رينبوتشي عن تكهنه حيال أي نظامٍ طبي - غربي، أو تبتي، أو هندي - وأي طبيب يكون من الأفضل الاعتماد عليه، أخبرني رينبوتشي أنه في الوقت الراهن فإن كهانتَه غير واضحة، وبدلاً من ذلك أرسلني إلى لاما آخر شهير، فساعدني في العثور على علاج ذي فعاليةٍ كبيرة، وسرعان ما شُفِيتُ.
وبعد عدة سنواتٍ أدركتُ أن رينبوتشي كان يُدرِّبني على الترجمة لقداسة الدالاي لاما، وحقيقةً شعرتُ أحيانًا أني كنتُ بمثابة هدية كان رينبوتشي يعدُّها لتقديمها إليه. ومع ذلك كان يجب علي ألَّا أكون متعلقًا بقداسته، أو معتمدًا عليه؛ وذلك لكي أخدم بطريقةٍ مناسبةٍ، فإني سأصبح فقط كأحد أنديةِ الغولف العديدة؛ يمكن لقداسته أن يتخير من بينها ما يناسب حاجاتِه للترجمة، وسأكون بحاجةٍ أيضًا لمواجهة الضغط الهائل، وقهر ذاتي.
وهكذا، فإن رينبوتشي علمني كيف أتصرف بلباقةٍ حينما أخدم الدالاي لاما. فعلى سبيل المثال يجب على مُترجمِي قداسته ألَّا يحركوا أيديهم أبدًا كأنهم يرقصون، ولا يحملقون فيه كأنهم في حديقة حيوانٍ، ولكن يجب عليهم أن يخفضوا رءوسَهم، وأن يُحافظوا على تركيزِهم تمامًا، ولا يضيفوا أي شيءٍ من لدن أنفسهم، ويجب أن يُرتِّبوا الناس والنقاطَ بالترتيب الذي ذكره قداستُه، ولا يغيروا أبدًا، أو يعتبروا أن أي شيءٍ يقوله بلا معنى أو هدف.
يجب ترجمة ألقاب اللامات بطريقةٍ صحيحةٍ، مثلما يستخدمهم قداستُهُ تمامًا، لا بالطريقة التي يستخدمها الأجانب في مخاطبة كل لاما بلقب "قداسته"؛ إذ إن هذه العادة الغربية الجاهلة تحط من قدر الدالي لام بدلاً من تكريم هؤلاء اللامات، بل هي في الحقيقة سترعب اللاماتِ أنفسهم إذا علموا أن الأجانبَ يشيرون إليهم بالتشريف نفسه الذي يستخدمونه مع الدالاي لاما. فكما في الكنيسة الكاثوليكية وفي السلك الدبلوماسي فإن البروتوكول التبتي واستخدامَهُ الهرمي للألقاب يتبع قواعدَ صارمةً.
وغالبًا عندما كنت أترجم لسيركونغ رينبوتشي كان يجلس أمامي، وقد ساعدني جلوسه أمامي في أن أظلَّ متذكرًا لتدريبه. فعلى سبيل المثال، كنت أترجم ذات مرة في دارامسالا أمام جمهور من بضع مئاتٍ من الغربيين وعدة آلاف من التبتيين، فأوقفني قداسته، وقهقه بصوتٍ عالٍ قائلاً: "لقد أخطأ فقط!" فقداستُهُ يفهم الإنجليزيةَ تمامًا، ورغم أني وددت أن تنشق الأرض وتبتلعني إلَّا أن وجودَ رينبوتشي جالسًا في مجال بصري ساعد الغبي - وهو أنا - على أن يتمالكَ نفسَهُ.
ومع ذلك فأحيانًا كنتُ بحاجة إلى تذكيرٍ قوي بدروسي. فعلى سبيل المثال، وفي إحدى أوائل المرات التي ترجمت فيها لقداسته، وكانت لخطابٍ ألقاه على قرابة عشرة آلاف من البشر، تحت شجرة البودي في بود غايا، وقد تعطَّل مُكبِّرُ الصوت، فجعلني قداستُهُ أتسلق فعليًّا إلى حِجْر مايسترو الإنشاد لأشاركَه جهازَه الصوتي. وهذا أيضًا توقَّف عن العمل. عندئذٍ جعلني قداستُهُ أجلس على الأرض بين عرشه وبين سيركونغ رينبوتشي في الصف الأمامي، فكان يعطيني الميكروفون الخاص به بعد كل عبارة يقولها، وقد أصابني هذا بالتوتر، فلم أتمالك نفسي، فأخذت الميكروفون بيد واحدة وأعدته أيضا بيد واحدة، بدلاً من أن أستخدم كلتا يديَّ وهي الطريقة التقليدية التي تظهر الاحترام، فما كان من رينبوتشي إلَّا أن ضربني بسبب هذا الفعل الذي يشبه قردًا يختطف موزةً.
لقد اهتم رينبوتشي بأن يُقدمَ الغربيون أنفسهم بوجهٍ عام في أفضل صورةٍ لقداسته؛ إذ إن سُلوكَهم في دروسِ قداسته العامة غالبًا ما كان يُفزعه، وكان يقول: إن من الأهمية بمكانٍ أن يُدركوا مَن هو قداسته، فهو ليس لاما متجسِّدًا عاديًّا، فالوجود في حضرته يستلزم احترامًا وتواضعًا خاصًّا. فعلى سبيل المثال، فإن تناول الشاي أثناء الاستراحات في استهلالٍ أو خطابٍ، أو الوقوف وتبادل الحديث في مجال قداسته البصري كما لو كان موجودًا، كل ذلك يُعَدُّ وقاحة كبيرة، فالسلوك المناسب هو الخروج من القاعة عند إرادة المحادثة.
وذات مرةٍ دعته منظمةٌ بوذية غربيةٌ ليلقي خطابًا ترجمتُهُ لقداسته في دارامسالا، وقد عرض قداستُهُ أن يجيبَ على الأسئلةِ مكتوبةً، وعقب كل جلسةٍ كان رينبوتشي يطلب مني أن أقرأَ عليهِ الأسئلة التي ستُقدمُ في اليومِ التالي، وكان يرفض بشدة أي سؤالٍ غبي أو تافه، وكان غالبًا ما يطلب مني رينبوتشي إعادة صياغة الأسئلة حتى تكونَ أكثرَ عمقًا، فينبغي ألَّا يضيعوا وقتَ قداسته، أو الفرصة على كثيرٍ من الناس للاستفادة من الإجابة. وفي مراتٍ عديدة علَّق قداسته على تميز الأسئلة وعمقها. وقد تعلمتُ أن أتَّبِع بنفسي هذه الطريقة في التحرير، حينما كنتُ أسافر مع قداسته.
ساعدوا في محاولتنا إفادة الآخرين.
ادعموا عملنا!
يعتمد موقع الإنترنت بشكلٍ كامل على التبرعات. فصيانته وتحضير ٧٠٪ من موادنا المتبقية المُخطَّط وضعها على الموقع، والترجمات الإضافية - كل ذلك - مُكلف. بالرغم من أنَّه لدينا حاليًّا ٨٠ متطوِّعًا، ٢٣ أعضاء أساسيُّون في الفريق يحتاجون المقابل المادي لعملهم. ساعدونا في جمع مبلغ ۱٠٠٠٠٠ يورو (۱٥٠٠٠٠ دولار أمريكي) سنويًّا
للاستمرار في إمداد موقعنا بخدمات مجانيَّة.
الوصول إلى هدفنا
(35%)