أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

صورة لتسينشاب سيركونغ رينبوتشي

ألكسندر بيرزين، ١٩٨٨ م

الجزءُ الثالث: التدريبُ مع رينبوتشي

أول مرة التقيتُ فيها برينبوتشي كانت في بود غايا في يناير عام ١٩٧٠م، وكان شاربا رينبوتشي وكاملونغ رينبوتشي – وهما اثنان من إعادة تجسد اللامات الشباب، واللذان درَسَا اللغةَ الإنجليزية في أمريكا تحت إشراف غيشي وانغيال – قد زَكَّيَاه لي، وقد استطاع رينبوتشي توجيهي إلى أفضل معلِّم لأدرس على يديه الغوهياساماجا (مجمع العوامل الخفية). وقد اخترتُ نظام التانترا المعقَّد هذا كموضوعًا لرسالة الدكتوراة، وذلك بعد المقارنة بين النسختين السنسكريتية والتبتية لجزءٍ صغيرٍ من هذا النص الملغز لعرضه في الحلقة الدراسية الخاصة ببحث التخرج.

وعلى الرغم من أن دراساتي اللغوية لم تجعلني مستعدٍاً لمثل هذه الدراسة المتقدِّمة، فقد أخذني سيركونغ رينبوتشي على محمل الجد، فاقترح لي كينزور ييشي دوندروب، وهو الرئيس المتقاعد لدير غيوتو (كلية التانترا العليا)، والذي أصبح رئيس تقليد الغيلوغ بعد سنوات عدة فيما بعد. ولقد شعرتُ بالفخر لأن رينبوتشي اختار لي مثل هذا الأستاذ ذائع الصيت.

وبعد ذلك بعدة أشهر التقيت رئيسَ الدير في كوخه الطيني المتناهي الصغر، والمختلط بروث البقر،، المتواجد بأعلى القرية الجبلية دالهوسي، القريبة من دارامصالا؛ حيث يقع دير غيوتو، وحيث استقرَّ بي المُقام هناك.

فهذا الراهب المسنُّ المتواضع كان قد أكمل معتزلين متتالييين للتو بلغ كل منهما ثلاث سنوات، وحينما طلبتُ منه أن يعلمني وافق رئيس الدير على الفور، وأخبرني أنني جئت في اللحظة المناسبة تمامًا؛ فقد كان ينتوي بدءَ معتزل مُكثَّف لمدة ثلاث سنوات على نظام الغوهياساماجا في اليوم التالي، وسألني: هل يناسبني أن أنضمَّ إليه؟ وبالطبع كان عليَّ أن أرفض، لكني تعلمتُ الدرسَ الذي قدمه لي رينبوتشي بالطريقة البوذية الكلاسيكية. لقد هيأ رينبوتشي الظروفَ لي لأدرك الحقيقة بنفسي، وسيكون من الواجب عليَّ إذا أردتُ أن أدرسَ هذه التانترا المتقدمة جدًّا أن أبدأ من البداية.

وسَرعان ما غيرتُ موضوعَ أطروحتي للدكتوراه إلى موضوعٍ أكثر تواضعًا – التقليد الشفاهي للام-ريم، المراحل المتدرجة للمسار – ورتبت لأن أدرسَ الأساسيَّاتِ على يد معلم شاربا وكاملونغ رينبوتشي، وهو غيشي نغاوانغ دارغيي. ولقب غيشي هو درجة في سلك الرهبنة تعادل تقريبًا درجةَ الدكتوراه. ومهارة غيشي دارغيي بوصفه معلمًا علَّامة أكسبَتهُ منصب المعلم الخاص لخمسة لامات في سن المراهقة تمت إعادة تجسدهم، في ذلك الوقت كان غيشي دارغيي يَقطُن في حظيرةِ أبقارٍ تم تحويلها لسكن، مكتظة بالذباب. كان المكان متناهيًا في الصغر، لدرجة أنه كان يسعُ فقط سريرَه، مع حيِّزٍ باقٍ يكفي لثلاثة أشخاص فقط يجلسون مزدحمين على الأرض. وعلى الرغم من أن الظروف التي عاش فيها أشعرتني بالتِقزُّز ولكن استقرَّ بي المُقام من أجل دراساتي، وقد احتجتُ أيضًا أن أتعلم التبتية الحديثة الدارجة في الحديث؛ إذ إنني في هارفارد درست اللغة الفصحى التحريرية فقط.

المرة التالية التي إلتقيتُ فيها سيركونغ رينبوتشي كانت في يونية من العام نفسه، فقد تفشى مرضي الكوليرا والتيفود بشكل وبائي فظيع بالمنطقة، وطلب قداسته من رينبوتشي أن يأتيَ إلى دالهوسي ليمنح تمكين الهاياغريفا، وهو تدرب على احد هيئات بوذا شديدة قوة، جنبًا إلى جنبٍ مع التطهير ، ليساعد الناس على تجنب العدوى. ورغم أنني كنت بين القلة من الغربيين الذين تلقوا التعزيز فلم تَسنح لي الفرصةُ للقاء رينبوتشي بصورةٍ شخصيةٍ، فقد كان لديه أماكن أخرى يمنح فيها هذا التمكين، مما جعله يغادر دالهوسي على وجه السرعةِ.

عندما التقينا بعدئذٍ كانت أشياء كثيرة قد حدثت؛ ففي خريف عام ١٩٧١م طلب قداسته من غيشي دارغيي أن يُدرِّس البوذيةَ للأجانب في مكتبة الأعمال والأرشيف التبتية، التي أُنشئت حديثًا في دارامصالا. وانضم شاربا وكاملونغ ليعملا كمُترجمَيْنِ له، وسألت هل أستطيع أن أخدم في المكتبة، لترجمة النصوص ، فوافق قداسته. ولكن كان عليَّ أولاً أن أُقدِّم رسالتي، وأحصل على الدكتوراه، ومِن ثمَّ أعود.

الحرب الحدودية التي كانت قد اندلعت حديثًا مع باكستان، والتي تبعُد أقل من مئة ميل، أقنعتني بالمغادرة دون إبطاءٍ، فعدتُ إلى هارفارد، وعملتُ بنصيحة قداسته، رافضًا مهنة التدريس بالجامعة – مما أدهش أساتذتي كثيرًا – وإنتقلت إلى دارامصالا بعد أشهرٍ قليلةٍ، في سبتمبر عام ١٩٧٢م.

كان سيركونغ رينبوتشي قد غادر توًا إلى نيبال؛ لقضاء عامين يمنح التمكينات والتلقين الشفاهي لبعض الأديرة التي شُيِّدت هناك حديثًا، وحينما عاد إلى دارامصالا في خريف عام ١٩٧٤م تمكَّنْتُ أخيرًا من التحدُّث بالتبتية بالشكل الكافي للتواصل معه مباشرة بطريقةٍ جيدة.وعلى الرغم من أنني لم أدرك ذلك في البداية فإن رينبوتشي بَدَا أنه يعرف أن هناك علاقة كارميه معه والتي تؤهلني أن أكون مترجمًا له، وقد أظهر ذلك عن طريق تشجيعي على زيارته كثيرًا، وأن أجلس إلى جواره أثناء لقائه بأناسٍ مختلفين. وبين مواعيد لقاءاته كان رينبوتشي يتحدث إلي، ويشرح كلماتٍ مختلفةً بالتبتية ليتأكد من أنني فهمتُ المحادثة.

بعد فترةٍ قصيرةٍ أهداني رينبوتشي مجموعةً من ثلاث لوحاتٍ قماشيةٍ رائعة قابلة للطي لمانجوشري الأبيض، وساراسفاتي الأبيض، وتارا البيضاء. الذين وهبهم له أهل سبيتي حديثًا. هيئات بوذا تلك كان لها أثرٌ جوهري في نموه الشخصي، وممارسته للتأمل منذ طفولته؛ فهي تُجسِّد على التوالي صفاء الذهن لمساعدة الآخرين، والبصيرةَ الفائقة للتعبير الأدبي الإبداعي الجلي، والطاقة الحيوية لحياةٍ مثمرة طويلة الأمد. وقد أكَّدت هذه الهدية ذات التأثير الكبير على علاقتنا، وحينما سألتُ رينبوتشي هل أستطيع أن أكون احد تلامذته ، ابتسم بصبرٍ من عادتي الغربية النموذجية في الحاجة للتلفظ بما هو واضحٌ للعَيان.

عندئذٍ بدأ رينبوتشي يُدرِّبُني بطريقة منهجية حتى أكون مترجمًا، دون أن يذكر مرة واحدة أن هذا هو ما كان يفعله. ففي البداية عمل على تنشيط ذاكرتي؛ ففي أي وقت كنت أزوره فيه كان رينبوتشي – في لحظاتٍ غير متوقعة – يطلب مني أن ُأُكرِّر ما قاله في التوِّ كلمةً كلمةً. وبالمثل كان يطلب مني تكرار ما قلتُهُ بنفسي في التوِّ.

وذات مرةٍ بدأتُ الترجمةَ له في خريف عام ١٩٧٥م، وكان رينبوتشي غالبًا ما كان يطلب مني أن أُترجِم كلماته ثانيةً إلى التبتية؛ ليتأكَّد من خُلوِّها من الأخطاء، أو الإضافات، أو السهو. في الحقيقة، وأثناء الثماني سنواتٍ التي خدمت فيها كمترجم له، وفي كل مرة كان يطلب مني أن أعكس الترجمة، كنتُ دومًا أشعر أنني لم أفهمْ ما قاله جيدًا، واتضح أن رينبوتشي كان دائما يشعرُ بي حينما أُُخطئ في الترجمة.

بعدئذٍ بدأ رينبوتشي يعطيني ملخصاتٍ لتعاليمه، لمدة خمس دقائق قي نهاية محاضراته، و بعدها أخبرني أنه جاء دوري في التلخيص. وبهذه الطريقة بدأ تدريبي ليس فقط على ترجمة الأحاديث الطويلة، ولكن أيضًا على التدريس. وفي بعض الأحيان كان يتبادل الحديث مع الحضور بينما أقوم أنا بالتلخيص ، متحديًا قدرتي على التركيز. إن المدرس الجيد يجب ألَّا تُشتِّته أو تُثيره الضوضاءُ الخارجية.

حينما كان رينبوتشي يعلمني بصفة شخصيةٍ لم يكن يسمح لي أبدًا بتدوين أيَّة ملاحظاتٍ، فكان عليَّ أن أتذكر كل شيءٍ، ثم أكتبه لاحقًا. وسَرعان ما كلفني رينبوتشي بمهماتٍ لا تُحصَى أقوم بها بعد دروسي، وهكذا أكون قادرًا على كتابة تلك الملحوظات فقط بعد ذلك بكثيرٍ في الليل. وفي النهاية كان رينبوتشي يتوقف أحيانًا أثناء ترجمتي للدرس، وفي حوارٍ جانبي كان يشرح لي شيئًا ما بصفة شخصية، فيما يتعلق بدروسي، في موضوعٍ مختلفٍ تمامًا. وعندئذٍ، وبدون إعطائي مجرد لحظة لأتفكر في كلماته، أو لأُدون أية ملاحظة ، كان يستأنف درسَهُ الأصلي.

ولو سألتُ رينبوتشي مرة عن شيءٍ ما ذكره آنفًا كان يعنِّفُني بشدة على ضعف ذاكرتي، فأتذكِّر مرة حين سألتُه عن معنى مصطلحٍ، فأجابني رينبوتشي بحدة: "لقد شرحتُ هذه الكلمةَ لك منذ سبع سنواتٍ! أَتذكَّرُ ذلك بوضوح، فلماذا لا تتذكر أنت ذلك؟" في الحقيقة قد ذكر لي ذات مرةٍ أنه كلما كَبُر سنُّهُ صفا ذهنيه.

كان سيركونغ رينبوتشي مُهتمًّا ليس بتطوير ذاكرتي جيدًا فقط، لكن أيضًا بدقة ترجمتي. فمن خبرته في تدريس الغربيين فقد أدرك أن كثيرًا من أسباب عدم قدرتهم على الفهم في الكثير من الأحيان نتيجة للترجمات المُضلِّلة لمصطلحات فنيه بعينها ، ولذلك عمل معي على تطوير مصطلحاتٍ جديدة باللغة الإنجليزية، وكان يشرح بصبرٍ المدلولات الضمنية لكل مصطلحٍ تبتي، وعندئذٍ يسأل عن المقترحات المحتملة للكلمات المقابلة في اللغة الإنجليزية؛ حتى يمكن مطابقة المعنى .

وكان يشجعني دائمًا على اختبار مصطلحاتٍ جديدة، وألَّا أكون عبدًا لما هو سائد وغير ملائم، فمعايير المصطلحات التبتية المستخدمة في ترجمة النصوص البوذية من السنسكريتية قد تطورت تدريجيًّا عبر القرون، ومن الطبيعي أن عملية مراجعة مشابهة سوف تحدث أثناء الترجمة إلى اللغات الغربية.

حينما طلبتُ من رينبوتشي أصلا أن يقبلني تلميذًا له طلبتُ منه – على وجه الخصوصِ – أن يعلمني المهارة في إنتقاء الأدوات – كيفية مساعدة الآخرين بشفقة وحكمةٍ. وكانت نشأتي الأكاديمية العالية، ومكانتي المميزة فيها جعلتْ نموي الشخصي أحاديَّا، فلقد كنتُ بحاجة إلى أن أتعلَّم المهاراتِ الاجتماعيةَ والتواضعَ. ونتيجةً لما سبَق سمَّاني رينبوتشي اسمًا واحدًا، وهو "غبي"؛ فلم يملَّ من أن يُعلِّق على كل شيء قلتُه أو فعلتُه بإنه غبي وخطاء. فعلى سبيل المثال، حينما كنت أترجم له كان يُصِرُّ على أن أفهمَ تمامًا، وحينما كنتُ أتلعثم فلا يهمه كم من الوقت سوف يستغرق، أو مدى إحراجي من وصفه لي بالغباء. ولم يكن يسمح أبدًا لأية كلمة بأن تمرَّ عليّ دون فَهمها وترجمتها ترجمةً صحيحة، وعلى الرغم من أن هذه الطرق ستكون غيرَ مناسبة لطلابٍ لديهم تدني في تقدير بالذات، فإن منهجه المتصلِّب ناسبني تمامًا.

ذات مرة في لافاور بفرنسا أعطى رينبوتشي حديثًا عن تفسيرٍ نصٍّ معقدٍ، وبينما كنت جالسًا لأترجم طلب مني رينبوتشي أن أقارن عدة طبعاتٍ من التفسير، وأن أُعدِل النص بينما نُكْمِل عملنا، لم يكن لديَّ قلمٌ، لكن وجدتُ سيدة تجلس أمامي مباشرةً ذات شعرٍ أحمر مصبوغٍ لامع، واضعةً كَمًّا مبالغًا فيه من أحمر الشفاه، مع وردةٍ حمراء أمسكتْها بين أسنانها طيلةَ الدرس. فسألتُ الحُضور: هل مِن قلم إضافي مع أحدكم يمكن أن أستعيرَه؟ فأعطتني قلمَها، وفي نهاية المحاضرة كنت مُنهَكًا جدًّا، وبينما أتهيأ للقيام مَدَّت المرأةُ يدَها نحوي دون أن تنبسَ بكلمة، فقد كنت مشغول البال بنفسي، وظننتُ أنها تريدُ مُصافحتي لتهنئتي على عملٍ أديتُه بكفاءةٍ، وعندما مددتُ يدي لأصافحها صاح بي رينبوتشي: "رُدَّ لها قلمها يا غبي!"

وليُعدِّل من تمركزي حول ذاتي علَّمني رينبوتشي أيضًا أن أفعلَ الأشياءَ فقط من أجل الآخرين، لقد فعل ذلك من خلال رفضه القاطع أن يعطيني أي تعاليمٍ أو تمكين طلبتُهُ لنفسي، كان يوافق فقط لو أن شخصًا آخر هو الذي طلب، وكنتُ أنا المترجم. لقد علَّمني رينبوتشي على حدة فقط تلك الأشياء التي شعر هو نفسه بأهمية تعلُّمي إياها.

وعلاوةً على ذلك لم يمدحني رينبوتشي أبدًا في حضوري، لكن دومًا ما كان يُوبِّخني، وكان يُوبِّخني على وجه الخصوص أمام الآخرين؛ حتى لا أتأثر بالنقد أو بالضغط. وفي الحقيقة فإنني أتذكرُ أن رينبوتشي شَكَرني على مساعدته مرةً واحدةً، وذلك في نهاية جولتنا الغربية الأولى معًا. بهذه الطريقة القوية العاطفية، درَّبني رينبوتشي على أن يكونَ دافعي هو الرغبة في مساعدة الآخرين فقط، ليس للرغبة في المديح، أو في إسعادِ معلمي. وحينما رأيتُ أن انتظار شُكْرِه كان شبيهًا بكلبٍ ينتظرُ من يمسح على رأسِهِ، فسَرعان ما توقفتُ عن توقع أي إشارةٍ على استحسانه، حتى لو كان سيمدحني فماذا عسايَ أن أفعل إلا أن أَهُزَّ ذيلي!

كان رينبوتشي يشجع الناسَ دائمًا على تعلُّم قراءة النصوص الروحانية العظيمة بأنفسهم، فحينما كان يجد شخصًا لديه سؤال، أو يساوره شكٌّ ما، كان رينبوتشي يدعوه إلى أن يبحث بنفسه ويُمحص، وكان يعلل ذلك بأنه لم يُؤلِّف هذه التعاليم، لكنها جاءت من مصادرَ صالحة.

وقد قال رينبوتشي أيضًا إنه لا يمكن لأحدٍ أن يتوقع أن اللاما سيُعلِّمَه – أو يُعلِّمَها – كلَّ شيءٍ. وعلاوة على ذلك، فبالنسبة للغربيين، فقد كان يُكَرر مقولةَ قداسته إنه طيلة القرنين القادمين أو أكثر فإن تعاليمَ بُوذا الكاملة ستكون متوافرةً باللغة التبتية فقط، ولهذا فقد حثَّ تلاميذه الغربيين بقوة على تعلم اللغة التبتية. وقال إن كل مقطع من اللغة التبتية مفعمٌ بالمعنى. وهكذا، فأثناء التدريس كان رينبوتشي غالبًا ما يُفصل في مضامين المصطلحات التقنية التبتية.

وتماشيًا مع هذا المنهج فقد جعلني رينبوتشي أواصل دراساتي بقراءة النصوص، والسماح لي بتوجيه أي سؤالٍ حيالها. وأشار إلى أن التلاميذ إذا استخدموا هذه الإجراءات في دراستهم سيستطيعون دراسة أي جزء أرادوه في الأدبيات البوذية، مثل السباحة في المحيط، أو الطيران في الهواء، موضحًا أن دورَ اللامات هو تعليم التلاميذ الوقوف على أقدامهم، ومِن ثَم الطيران، وكان يعطي إرشاداتٍ بشأن ما يُدرَس، وما يُقرَأ، عندئذٍ كان يدفع بتلاميذه بعيدًا عن العُشِّ وأن يُقلعوا بأنفسهم.

لقد استخدم رينبوتشي طرق عديدة ليعلمني ألَّا أعتمد عليه في أي شيءٍ. فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من أنني كنتُ على علاقة قوية جدًّا برينبوتشي، فلم يزعُم أبدًا أنه على استعدادٍ أن يساعدني في شتى المواقف. وذات مرةِ كنتُ مريضًا جدًّا، ولم يفدني الدواءُ الذي تناولتُه، وحينما سألتُ رينبوتشي عن تكهنه حيال أي نظامٍ طبي – غربي، أو تبتي، أو هندي – وأي طبيب يكون من الأفضل الاعتماد عليه، أخبرني رينبوتشي أنه في الوقت الراهن فإن قدرته على التكهن غير واضحة، وبدلاً من ذلك أرسلني إلى لاما آخر شهير، فساعدني في العثور على علاج ذي فعاليةٍ أكبر، وسرعان ما شُفِيتُ.

وبعد عدة سنواتٍ أدركتُ أن رينبوتشي كان يُدرِّبني على الترجمة لقداسة الدالاي لاما، وحقيقةً شعرتُ أحيانًا أني كنتُ بمثابة هدية كان رينبوتشي يعدُّها لتقديمها إليه، لأخدمه بشكل لائق. ومع ذلك كان يجب علي ألَّا أكون متعلقًا بقداسته، أو معتمدًا عليه؛ ، فإني سأصبح فقط كأحد عصيّ الغولف العديدة؛ يمكن لقداسته أن يتخير من بينها ما يناسب حاجاتِه للترجمة، وسأكون بحاجةٍ أيضًا لمواجهة الضغط الهائل، والتغلب علي إعتزازي بذاتي.

وهكذا، فإن رينبوتشي علمني كيف أتصرف بلباقةٍ حينما أخدم الدالاي لاما. فعلى سبيل المثال يجب على مُترجمِي قداسته ألَّا يحركوا أيديهم أبدًا كما في الرقص ، ولا يحدقون فيه كأنهم في حديقة حيوانٍ، ولكن يجب عليهم بالمقابل أن يخفضوا رؤوسهم، وأن يُحافظوا على تركيزِهم تمامًا، ولا يضيفوا أي شيءٍ من عند أنفسهم، ويجب أن يُرتِّبوا اسماء الشخصيات والنقاطَ بالترتيب الذي ذكره قداستُه، ولا يغيروه أبدًا، أو يعتبروا أن أي شيءٍ يقوله بلا معنى أو هدف.

يجب ترجمة ألقاب اللامات بطريقةٍ صحيحةٍ، مثلما يستخدمهم قداستُهُ تمامًا، لا بالطريقة التي يستخدمها الأجانب في مخاطبة كل لاما بلقب "قداسته"؛ إذ إن هذه العادة الغربية الجاهلة تحط من قدر الدالاي لاما بدلاً من تكريم هؤلاء اللامات، بل هي في الحقيقة سترعب اللاماتِ أنفسهم إذا علموا أن الأجانبَ يشيرون إليهم بنفس صيغة التخاطب التي يستخدمونها مع الدالاي لاما. فكما في الكنيسة الكاثوليكية وفي السلك الدبلوماسي فإن البروتوكول التبتي واستخدامَهُ الهرمي للألقاب يتبع قواعدَ صارمةً.

وغالبًا عندما كنت أترجم لسيركونغ رينبوتشي كان يجلس أمامي، وقد ساعدتي رؤيته أمامي في أن أظلَّ متيقظًا لتدريبه. فعلى سبيل المثال، كنت أترجم ذات مرة في دارامصالا أمام جمهور من بضع مئاتٍ من الغربيين وعدة آلاف من التبتيين، فأوقفني قداسته، وقهقه ضاحكًا بصوتٍ عالٍ قائلاً عني: "لقد أخطأ فقط!" فقداستُهُ يفهم الإنجليزيةَ تمامًا، ورغم أنني وددت أن تنشق الأرض وتبتلعني إلَّا أن وجودَ رينبوتشي جالسًا في مجال بصري ساعد الغبي – وهو أنا – على أن يتمالكَ نفسَهُ.

ومع ذلك فأحيانًا كنتُ بحاجة إلى تذكيرٍ قوي بدروسي. فعلى سبيل المثال، وفي إحدى أوائل المرات التي ترجمت فيها لقداسته، وكانت لخطابٍ ألقاه على قرابة عشرة آلاف من البشر، تحت شجرة البودي في بود غايا، وقد تعطَّل الميكروفون الخاص بي وبه ، فجعلني قداستُهُ أتسلق فعليًّا إلى حِجْر مسئول الإنشاد لأشاركَه جهازَه الصوتي. وهذا أيضًا توقَّف عن العمل. عندئذٍ جعلني قداستُهُ أجلس على الأرض بين عرشه وبين سيركونغ رينبوتشي في الصف الأمامي، فكان يعطيني الميكروفون الخاص به بعد كل عبارة يقولها، وقد أصابني هذا بالتوتر، فلم أتمالك نفسي، فأخذت الميكروفون بيد واحدة وأعدته أيضا بيد واحدة، بدلاً من أن أستخدم كلتا يديَّ وهما ممدودتان وهي الطريقة التقليدية التي تُظهر الاحترام، فيما بعد رينبوتشي تقريبًا ضربني لأنني أخذت الميكروفون كما يختطف القرد الموزة.

لقد اهتم رينبوتشي بأن يُقدمَ الغربيون أنفسهم بوجهٍ عام في أفضل صورةٍ لقداسته؛ إذ إن سُلوكَهم في دروسِ قداسته العامة غالبًا ما كان يُفزعه، وكان يقول: إن من الأهمية بمكانٍ أن يُدركوا مَن هو قداسته، فهو ليس لاما متجسِّدًا عاديًّا، فالوجود في حضرته يستلزم احترامًا وتواضعًا خاصًّا. فعلى سبيل المثال، فإن تناول الشاي أثناء الاستراحات في تعزيز أو حديث، أو الوقوف وتبادل حوارًا في مجال قداسته البصري كما لو كان غير موجود، فهذا يُعَدُّ وقاحة كبيرة، فالسلوك المناسب هو الخروج من القاعة عند إجراء مثل هذه المحادثة.

ذات مرةٍ كفلت منظمةٌ بوذية غربيةٌ إلقاء خطابًا لقداسته في دارامصالا والذي قمت بترجمتُهُ، وقد عرض قداستُهُ أن يجيبَ على الأسئلةِ مكتوبةً، وعقب كل جلسةٍ كان رينبوتشي يطلب مني أن أقرأَ عليهِ الأسئلة التي ستُقدمُ في اليومِ التالي، وكان يرفض بشدة أي سؤالٍ غبي أو تافه، وكان غالبًا ما يطلب مني رينبوتشي إعادة صياغة الأسئلة حتى تكونَ أكثرَ عمقًا، فينبغي ألَّا يضيعوا وقتَ قداسته، أو الفرصة على كثيرٍ من الناس للاستفادة من الإجابة. وفي مراتٍ عديدة علَّق قداسته على تميز الأسئلة وعمقها. وقد تعلمتُ أن أتَّبِع بنفسي هذه الطريقة في التحرير، أينما سافرت مع قداسته.