أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

صورة لتسينشاب سيركونغ رينبوتشي

ألكسندر بيرزين، ١٩٨٨ م

الجزءُ الثاني: حياة رينبوتشي وشخصيتُهُ

صورة السيركونغ رينبوتشي السابقتسينشاب سيركونغ رينبوتشي كان راهبًا، ضخمَ الجثةِ، حليق الرأس، ملابسه حمراء، وبوجهه الكثير من التجاعيد فيبدو أكبر من سنه، أسلوبُه الحكيم المتواضع وفكاهته اللطيفة جعلاه يبدو مثل الحكيم النموذجي التقليدي في الأساطير، ولم تغب هذه الصفة عن أعينِ الغربيين الذين التقوا به. بمجرد رؤية رينبوتشي في دارامسالا، على سبيل المثال، قرَّر صانعو الفيلم الشهير "حروب النجوم" استخدامه نموذجًا ليودا، المرشد الروحي للملحمة. رينبوتشي لم يرَ الفيلمَ قط، ومما لا شك فيه أنه لو رآه لكان تسلى بالكاريكاتير . ومع هذا فالملمح الأبرز لرينبوتشي هو علاقته بقداسة الدالاي لاما.

الدالاي لاما هو القائد الروحي والدنيوي للتبت، فتعاقب السلسلة يستمر عبر إعادة الميلاد، فعند وفاة دالاي لاما يتْبِع أقربُ مُساعديه إجراءً مُعقَّدًا للتعرف ولتحديد مكان إعادة ميلاده كطفل صغير، وبالتالي فكل دالاي لاما جديد يتلقَّى أفضل تعليم موجود من أفضل المعلمين، وهؤلاء المرشدون فيهم معلم خاص أساسي، وآخر ثانوي، وسبعة تشينسابات، وهي غالبًا ما تُترجَم "معلمين مساعدين خاصين".

للبوذية التبتية أربعة تقاليد رئيسية، تم تلقينها من الهند لسلاسل مختلفة من المعلمين، لكن بدون تناقضاتٍ كبيرة في تعاليمها الأساسية. معلمو الدالاي لاما التسعة الأساسيون ينحدرون من تقليد الغيلوك، وهو أكبر التقاليد الأربعة، وقد درس على أيدي سلاسل مُعلمي الثلاثة تقاليد الأخرى – النيينغما والكاغيو والساكيا – عند اكتمال تعليمه الأساسي يأتي السبع تشينسابات من السبعة أديرة الأساسية التابعة للغيلوك قرب لاسا، عاصمة التبت، ويتم اختيارهم بناءً على تعليمهم وما أنجزوه من خلال التأمل، وقبل كل شيءٍ مدى تطور شخصيتهم.

فسيركونغ رينبوتشي عُيِّنَ تشينساب من غاندين جانغتسي، وهو الدير الذي أنشأه تسونغكابا مُؤسِّس تقليد الغيلوك بنفسه، وكان عمره أربعة وثلاثين عامًا حينما تقلَّد المنصبَ عام ١٩٤٨ م، وكان الدالاي لاما في الثالثة عشرة من عمره، وكان الوحيد من بين التشينسابات السبعة الذي استطاع اللحاق بقداسته في المنفى بالهند عام ١٩٥٩ م.

وقد خدم رينبوتشي قداسته بإخلاصٍ إلى أن مات في أغسطس ١٩٨٣ م، أولاً في لاسا، وبعد ذلك في دارامسالا. وكان واجبه الأساسي حضورَ كل الدروس التي يتلقاها قداسته، ومن ثَم يتناظر معه فيما بعد ليتأكد من فَهم قداسته الصحيح. و في الحقيقة أصر قداسته على أن يشارك رينبوتشي معه كل تعليم يتلقاه، فعلى الأقل يشارك لاما آخر شمول التعليم والتدريب الذي يتلقاه. وهكذا، بشكل مماثل لقداسته، كان رينبوتشي أستاذًا في التقاليد التبتية الأربعة، وامتدت خبرتُه لتشمل النطاق الكامل الفرعين الرئيسَيين: السوترا والتانترا. فالسوترات تنقل التعاليمَ الأساسيةَ، بينما التانترات تشمل الطرق عميقة الأثر للتحوُّل الذاتي.

كان رينبوتشي بارعًا جدًّا في الفنون والعلوم البوذية التقليدية، فعلى سبيل المثال،كان خبيرًا في قياسات وبناء الرموز الثنائية والثلاثية الأبعاد الخاصة بأنظمة العوالم (ماندالا) المُستخدمَة في طقوسِ التانترا والأنواع المختلفة من النُصب التذكارية (ستوبا) المستخدمة لاحتواء الرُفات. وعلاوة على ذلك كان أستاذًا في الشعر وتأليفه والنحو التبتي. وهكذا فقد كان أسلوبه في التعليم يتميز بالرقي والحساسيةٌ، الذي وازن بشكل جميل اهتمامه بالتفاصيل التقنية.

لقد كان سيركونغ رينبوتشي أيضًا خبيرًا في الأسلوب التبتي للتنبؤ (مو). ففي هذا النظام يدخل الشخص في حالة تأمل شديدة التركيز، ويُلقِي ثلاثة قطع من النرد عدة مراتٍ، ويُفسِّر النتائج لمساعدة الناس في اتخاذِ القراراتٍ الصعبةٍ، بالإضافة إلى أنه قد تعلَّم أيضًا علم التنجيم التبتي، الذي يتضمن إجادة علم الرياضيات المعقَّدة لحساب مواقع النجوم. غير أن مدخله في هذه المواد السرية كان دومًا واقعيًّا، وكانت مراجعته لتلك المواد لتدعيم استخدام الحكم المنطقي، لا لتحل محله.

وبالرغم من أهمية منصبه الرسمي، وسعة علمه ، فقد ظل رينبوتشي متواضعًا، ورغم أنه كان – بالفعل – احد المعلمين الأساسيين لقداسته – خاصة بالكالاتشاكرا ( دائرة الزمن)، وهي الأكثر تعقيدًا في أنظمة التانترا – وعلى الرغم من أنه منح تلميذه المتفوِّق العديد من تمكينات التانترا، فإنه لم يحُب أبدًا أن يُسمَّى "معلمًا خاصاً مساعدًا" بالإنجليزية؛ فقد رغب في ترجمة لقبه تسينشاب حرفيًّا لـ: "خادم المناظرة"، لكنه أخيرًا وافق على هذه الترجمة: "الشريك المسئول عن مناظرة قداسته".

لقد خدم سيركونغ رينبوتشي قداسته بطرقٍ رسمية، وغير رسمية. فعلى سبيلِ المثال عادةً ما يؤدِّي قداسته تدريبات تأمل خاصة، ومراسم طقسية (بوجا) لرفاهية العالم بوجه عام، وشعبه على وجه الخصوص. فيؤدي بعضًا منها في جلسةٍ خاصة، وبعضها مع قلة من الرهبان المختارين، والبعض الآخر في حضور جمهورٍ كبيرٍ، وعادة ما كان قداستُه يطلب من رينبوتشي أن يشترك معه في هذه الترتيبات، أو ليؤديها هو، أو يرأسها نيابةً عنه إذا كان مشغولاً بأمورٍ أخرى.

بالإضافة إلى أن قداسته حينما يقوم بالتعليم فإن رينبوتشي يجلس على يمينه، يُزوِّده بأي كلمات يحتاجها قداسته، أو يُجيب على أي تساؤلات أو شكوك إذا سُئِل قداسته. وحينما كان الآخرون يخجلون من أن يُلقِنوا التعاليم أو سلاسل المعلمين لقداسته مباشرة، كانوا يُمرِّرونها إلى رينبوتشي، وكأنه أنبوبٍ روحاني، وكان رينبوتشي يُمرِّرُها بعد ذلك إلى قداسته.

وغالبًا ما كان قداستُه يشير إلى سيركونغ رينبوتشي باعتباره مستشارَه وملازمه الرئيسي لإبلاغ سياساته للأديرة وللعامة؛ وهذا لأن رينبوتشي كان دبلوماسيًّا مُتمرِّسًا في كلٍ من المجالين الدينية والدنيوية. وكثيرًا ما كان يتوسَّط في النزاعات المحلية، ويقدم النُصح لمكاتب قداسته بشأن البروتوكول المحلي في المناطق التي يعرفها، وكل مهاراته الدبلوماسية كان يُعزِّزها شعور جميل بالفكاهة.

حس الدعابة الدافئ لديه كان يُعزز مهاراته الدبلوماسية بشكل كبير كان الناس غالبًا ما يأتون إليه ليقصُّوا عليه نكاتٍ وقصصًا مضحكةً، ليس لأنه كان يضحك ويقدرها بدرجةٍ كبيرةٍ فقط، لكن لأنه كان بدوره يُقصُّها على الآخرين بطريقة بارعة، وكان جسدُه كله يهتز من الضحك، وسرعان ما يمتد الضحك – كأنه عدوى – إلى كل من حوله. هذا المزيج من الحكمة العملية والفكاهة العذبة جعلته محبوبًا جدًّا لكل مَن يَلْقَاه.

لقد ساهم رينبوتشي في إعادة تأسيس العديد من أديرة الرهبان والراهبات بالهند، بدلًا من التي دمرها الغزو الصيني في التبت، وكان هذا بإعطائه للتمكينات والتعاليم حتى يتمكنوا من متابعة طقوسهم التقليدية، وقد تحقق هذا خاصة في أديرة العرافين الرسميين للدولة: نيتشونغ وغادونغ، الذي حافظ علي علاقة قريبة منهما طوال حياته. ومثلما خدم رينبوتشي باعتباره المستشار البشري الرئيسي لقداسته، فقد كان العرافين الرسميين للدولة بمثابة مستشاريه التقليديين للدالاي لاما من ما وراء الطبيعة؛ فهم يتحدثون إليه عبر وسيطٍ في غيبوبةٍ. وقد أشرف رينبوتشي على التدريب الروحاني للوسطاء؛ حتى يتسنَّى لهم أن يصبحوا قنواتٍ نقيةً للحكمة الأسمى.

لم يتجنب رينبوتشي المصاعب أبدًا في سبيل نقل تعاليم بوذا أو تلقيها، فعلى سبيل المثال، ذات صيفٍ تحمَّل الحرارة الشديدة لبود غايا؛ لكي يتلقى إرشادات هناك من المعلم كونو لاما رينبوتشي عن الكالاتشاكرا، هذا المعلم العظيم من بلدة كينَّاور، وهي منطقة ثقافية تبتية على الجانب الهندي من الهيمالايا، كان المعلم الوحيد على قيد الحياة في العصور الحديثة، الذي تعرَّف عليه الشعبُ التبتي كله باعتباره بوديساتفا. والبوديساتفا هو الشخص غير الأناني تمامًا، والمُكرِّس حياته كلها للوصول إلى الاستنارة لنفع الآخرين.

بودغايا هي الموقع المقدس حيث وصل بوذا للاستنارة أسفل شجرة البودي، وهي تقع في أكثر أقاليم الهند فَقرًا، وأشدِّها حرارة. ففي فصل الصيف عادة ما تصل الحرارة إلى ١٢٠ درجة فهرنهايت، وهي ما تعادل تقريبًا ٥٠ درجة مئوية، مع انقطاع مُتكرِّر في الكهرباء، ونقصٍ في الماء، وعدم وجود مُكيِّفات للهواء، أن تكون هناك فذلك يعد من الصعوبات الشديدة، وقد عاش كونو لاما هناك بانتظامٍ في غرفة متناهية الصغر، وبدون نافذة، وحتى دون مِروحة.

لقد سافر رينبوتشي بشكل مكثف ليُعلِّم في الهند ونيبال، ومرتين في أوروبا الغربية وشمال أمريكا. وعلى الرغم من أنه زار مراكز رئيسةً فقد كان دومًا يُفضل الأماكن النائية الصغيرة؛ حيث يندُر وجود المعلمين، وحيث لا يريد الآخرون الذهاب إلى هناك.

فعلى سبيل المثال كان أحيانًا يسافر راكبًا ثورًا بريًّا ليُعلِّمَ الجنود في القسم التبتي من الجيش الهندي على الحدود الهندوتبتية، فكان يُعسكر في العراء في خيامٍ على مرتفعات عالية، ولم يكن يبالي أبدًا بالمشقَّة.

من بين هذه الأقاليم النائية على الحدود كان لرينبوتشي صلة وثيقة خاصة مع منطقة سبيتي، وهي في وادي الهيمالايا الهندي المرتفع المجاور لكينَّاور؛ حيثُ تُوفِّيَ وولد مرة أخرى. منذ ألف عامٍ مضت كانت هذه المقاطعة القاحلة المغطاة بالتراب تقع ضمن التبت، وكانت مركزًا لنهضة البوذية. على الرغم من ذلك، ففي العصر الحديث تحللت المعايير، مثلما حدث منذ ألفيةٍ خلت، الرهبانُ تجاهلوا عهودَهم بالعزوبية والامتناع عن الكحوليات، ودرسوا ومارسوا القليل من تعاليم بوذا الحقيقية.

وخلال زياراته الخمس للوادي سعى رينبوتشي لإحداث نهضةٍ ثانيةٍ، وقد قام بهذا عن طريق إعادة تكريس الدير الأقدم في سبيتي: دير تابو غونبا، ومنح رهبانه التمكينات والتلقين الشفهي لطقوسه التقليدية، وجلَب المعلمين الروحيين المثقفين من الخارج، وأسَّس مدرسة للأطفال المحليين. وأخيرًا في يوليو عام ١٩٨٣ م نظَّم رينبوتشي دعوة لقداسة الدالاي لاما ليمنح تعزيز الكالاتشاكرا في دير تابو. كان قدوم تعاليم الكالاتشاكرا لأول مرة من الهند إلى التبت عام ١٠٢٧ م لحظة فارقة، التي تؤكد على تأسيس البوذية بالتبت بعد فترة طويلة من الارتباك، وكان رينبوتشي يأمل في أن يؤدي التمكين الحالي نفس الغرض.

ولقد كان سيركونغ رينبوتشي أيضًا راعيًا عظيماً للتعاليم، ومهما كانت الهبات التي تلقاها في سبيتي، فقد أعاد وهبها للدير ثانية وبهذا الوهب الكريم استطاع دير تابو غونبا أن يبدأ مهرجان صلواتٍ سنوية، يتجمع المواطنون أثناءه مدة ثلاثة أيامٍ يرددون "أُوم ماني بادما هوم". هذه الرموز المقدسة (مانترا) ترتبط بأفالوكيتيشفارا، وهو احد هيئات بوذا (ييدام) يُجسد الشفقة، وهو قريبٌ بشكلٍ خاص إلى كل أتباع البوذية التبتية، فترديد هذه المانترا يساعد في الحفاظ على التركيز على الحب لجميع الكائنات. استخدم رينبوتشي الهباتِ التي تلقَّاها من أولى جولاته الغربية في إعطاء الإذن بعمل لوحة قماشية هائلة مزخرفة بشكل حلزوني تُصوِّر هيئة بوذا الكالاتشاكرا، وقد أهداها لقداسته ليستخدمها أثناء سفره لمناطقَ مختلفةٍ لمنح التمكينات لهذا النظام من التأمل. وقد أعطى الإذن باستخدام هذه النقود في صنع مجموعة كاملة من اللوحات القماشية القابلة للطي، و تُصوِّر حياة تسونغكابا، والتي أهداها لديره غاندين جانغتسي، والذي كان قد ساعد في إعادة تأسيسه قبل ذلك بأعوامٍ في ماندغود جنوبَ الهند. أما عن الهبات التي تلقاها أثناء ثاني جولاته الغربية قدَّم هبات هائلة لأكثر من أربعة آلاف راهبٍ وراهبةٍ، الذين تجمَّعوا في دير دريبونج بموندغود، في مارس عام ١٩٨٣ م، في أول احتفال مونلام كامل في الهند، والمونلام هو مهرجان الصلاة الذي يُقامُ تقليديًّا في لاسا، والذي يتجمَّع فيه كل المنتمين للرهبنة مدةَ شهرٍ في عباداتٍ جماعيةٍ.

وعلى الرغم من أن رينبوتشي كان أستاذًا في الطقوس والبروتوكول، فلقد ظلَّ متواضعاً ولم يكن يحب الشكليات. فعلى سبيل المثال حينما سافر إلى الغرب لم يُحْضِر معه أبدًا أدوات أو لوحات منمقة لممارسة الطقوس. وحينما كان يمنح تمكين هناك كان يَرسُم بنفسه أيَّة هيئات يريدها، مستبدلًا هبات العجينة المنحوتة (تورما) بالكعك والحلوى، ومستخدمًا مزهريات الورود، أو حتى زجاجات الحليب كبديل عن المزهرياتِ الطقوسية. وحينما لا تكون هناك إعدادات خاصة أثناء أسفاره لطقس التسوغ الذي يُعقد مرتين شهريًّا – مراسم تقَدَّم أثناءها كحولٌ مقدس، ولحم وتورما وفاكهة وحلوى – كان في صمتٍ يعيد وهب أيَّ وجبةٍ تُقدَّمُ له.

وعلاوة على ذلك كان رينبوتشي يقدم دائمًا تعاليمَ بوذا بما يتوافق مع جمهوره، فذات مرةٍ دُعِيَ رينبوتشي إلى مركز زِنْ بمنطقة جبل تريمبر بالقرب من وودستوك بنيويورك، وطلب الأعضاءُ منه أن يمنحهم طقس السماح (جينانغ) لممارسة المانجوشري، هيئة بوذا لجسد الحكمة. جلس رينبوتشي على الأرض وَفقًا لتقليد زِن للبساطة، ولم يجلس على عرشٍ، ونقل تعاليم الغينانغ بدون أي وسائط طقوسية، أو أية مراسم مُنمَّقة.

وغالبًا ما كان قداسته يصف تسينشاب سيركونغ رينبوتشي على أنه كادامبا غيشي حقيقي، فقد كان الكادامبا غيشي معلمين بوذيين تبتيين من القرن الحادي عشر إلى القرن الثالث عشر الميلادي، واللذين اشتهروا بتدريبهم وتواضعهم المخلص. فعلى سبيل المثال، في إحدى أحاديث قداستُهُ كان يشير إلى رينبوتشي، وقال: إن الشخص الوحيد الذي يجلس بتواضعٍ هنا هو شخص لا يحتاج إلى ذلك على الإطلاق، بينما الكل يجلس متغطرسًا. وذات مرة سُئل رينبوتشي عن نصيحته الأساسية، فقال: أن تكونَ دومًا متواضعًا وبسيطًا ذي قلبٍ دافئٍ، وأن تأخذ الجميع على محملِ الجد.

عاش رينبوتشي حياته كلَّها عاملاً بهذه النصيحةِ. وذات مرةٍ مكث رينبوتشي في شقة واسعة لدى أسرةٍ طيبة في ميلانو بإيطاليا، وكان معظم اللامات الكبار الذين أتوا إلى هذه المدينة أقاموا في هذه الشقة، فقالت الجدة في هذا المنزل: إنها أحبت سيركونغ رينبوتشي أكثر من أي لاما آخر أقام عندها؛ إذ كان الآخرون يجلسون في غرفهم بطريقةٍ رسميةٍ جدًّا، ويتناولون وجباتِهم بمفردهم. وعلى النقيض من ذلك كان سيركونغ رينبوتشي يأتي إلى المطبخ مرتديًا التنورة التحتية وقميصه التحتي في الصباح الباكر، وكان يحتسي الشاي ببساطةٍ على مائدة المطبخ، ويردد المانترا بمسبحته، مسترخيًا تمامًا ومبتسمًا، بينما تُعِدُّ هي الإفطار.
ولقد علَّم رينبوتشي أيضًا الآخرين أن يُسقطوا كلَّ المظاهر الخادعة. وذات مرة دعا الرهبان الغربيون بدير نالاندا في لافور بفرنسا رينبوتشي للتدريس مدة ثلاثة أيام، وطلبوا شرحًا للفصل البالغ الصعوبة عن الحكمة من كتاب "الانخراط في سلوك البوديساتفا" للمعلم الهندي في القرن الثامن الميلادي شانتيديفا. فبدأ رينبوتشي الحديث بشرح الخلو بطريقة متقدمة ومعقَّدة، ولم يستطع أحدٌ أن يُجاريه، عندئذٍ توقف رينبوتشي عن الحديث ووبَّخ الرهبان لكونهم مُولَعين بالتفاخر، وأخبرهم أنه إذا كان تسونغكابا لديه مثل هذه الصعوبة في اكتسابِ فهمٍ صائبٍ للخلو، وبَذَل جهدًا كبيرًا للغاية في تدريبات تمهيديةٍ، فكيف يمكن أن يظنوا أن الأمر سيكون سهلاً، وأنهم يستطيعون أن يفهموا الموضوعَ بِرُمَّتِهِ في ثلاثة أيام؟ حينئذ واصل رينبوتشي تعليمه على مستوى أبسط؛ حينها استطاع الرهبان أن يتابعوه.

لقد ذكر رينبوتشي ذات مرة أنه لا شيءَ يُبهِرُه في الغربِ سِوى الاهتمام الخالص لدى العديد من الناس بتعاليم بوذا، وهكذا، كان يحترمُ اهتمامَهم بِغَضِّ النظر عمَّن يطلب الإرشاد. وعلى الرغم من أنه علَّمَهم بالمستوى الذي يمكنهم فهمُه فقد كان دائمًا يسحبُهم برفق أبعد مما كانوا يتخيلون أنه آخر قدراتهم. كان رينبوتشي محبًّا للسيرك، وكان دائمًا يقول: إذا كان الدب يستطيع تعلُم ركوب الدراجة، فعن طريق المهارة في انتقاء الأدوات، والصبر؛ فلإنسان يستطيع تعلُم أي شيء.

ذات مرة كان هناك رجل غربيٌّ ذو مظهر هيبي، وعنده ولَع بالمخدرات، ويَدْرُس البوذية حديثًا، طلب من رينبوتشي أن يعلمه التدريبات الست للناروبا، وكان من المعتاد أن يَدْرُس المرءُ هذا الموضوع المتقدِّم جدًّا بعد أعوامٍ عديدة من التأمل المكثف، فبدلاً من صرف الشاب باعتباره أخرق ومتغطرس وافق رينبوتشي، مخبرًا إياه أن اهتمامه كان ممتازًا، وفي البداية سيحتاج إلى إعداد نفسه، ولذا فقد علَّمه رينبوتشي التدريبات التمهيدية. وكان رينبوتشي يأخذ اهتمام الناس بتطوير أنفسهم على محمل الجد، ولذا فقد ألهم العديدَ من الغربيين بأن يأخذوا أنفسهم على محمل الجد ، وقد ساعدهم هذا كثيرًا في أن يتقدموا على الطريق الروحاني.

وبغض النظر عمن لقيَهم، سواء أكان قداسته، أم البابا، أم رجلاً مخمورًا في الشارع، أم مجموعةً من الأطفال، فقد عاملهم رينبوتشي بتوازن واحترامٍ متساوٍ، فلم يحتقر أحدًا أبدًا، ولم يسعى لمصلحة، بل لم يحاول أن يُثيرَ إعجابَ أي شخص. وذات مرةٍ طلب أعضاء مركز صولجان الحكمة الذهبي بمدينة إثاكا بولاية نيويورك من رينبوتشي أن يتحدث إلى أطفالهم، فأخبر الشباب الصغار أنه يحترمهم كثيرًا؛ لأنهم صغار وذوو ذهن متفتح، وأن لديهم الإمكانات في التفوق على والدِيهم، وبهذه الطريقة ألهم الأطفال احترامَ أنفسهم.

وبالرغم من أن سيركونغ رينبوتشي كان عادة ما يستطيع أن يرى علاقات الكارما خاصته مع الناس الذي يلتقي بهم، فلم يدَّعِ أبدًا أنه قادرٌ على المساعدة بأكثر مما يستطيع. وذات مرةٍ اقترب منه شخصٌ سويسري في دارامسالا، وأخبره أن لديه مشكلة مع الأشباح، فأجاب رينبوتشي أنه ليس لديه علاقة الكارما التي تتيح له تقديم المساعدة في هذه المشكلة، وعندئذٍ وجَّهَ الرجلَ إلى لاما آخر يستطيع مساعدته. مع هذا، فبالنسبة لآخرين بدا أن رينبوتشي يتعرف عليهم فورًا، وفي أول لقاء، وكان يطلب من مساعديه أنه لابد وأن يسجلوا عناوين هؤلاء الأشخاص، ونتيجةً لذلك نَمَت علاقاتٌ عميقةٌ معهم، وكنتُ بين هؤلاء الناس المحظوظين، على الرغم من أن رينبوتشي رأى أنه لا داعي لتسجيل عنواني لديه؛ فإني سوف أعود إليه.