أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

صورة لتسينشاب سيركونغ رينبوتشي

ألكسندر بيرزين، ١٩٨٨ م

الجزءُ الثاني: حياة رينبوتشي وشخصيتُهُ

صورة السيركونغ رينبوتشي السابقتسينشاب سيركونغ رينبوتشي كان رجلاً راهبًا، ضخمَ الجثةِ، حليق الرأس، ملابسه حمراء، ووجهه كثير التجاعيد فيبدو أكبر من عمره، أسلوبُه الحكيم المتواضع وفكاهته اللطيفة جعلاه يبدو مثل الحكيم النموذجي في الأساطير، ولم تغب هذه الصفة عن أعينِ الغربيين الذين التقوا به. فبمجرد رؤيته في دارامسالا، على سبيل المثال، قرَّر صانعو الفيلم الشهير "حروب النجوم" استخدامه نموذجًا ليودا، المرشد الروحي للملحمة. رينبوتشي لم يرَ الفيلمَ قط، ومما لا شك فيه أنه لو رآه لاعتبر الكاريكاتير مسليًا. ومع هذا فالملمح الأبرز لرينبوتشي هو علاقته بقداسة الدالاي لاما.

الدالاي لاما هو القائد الروحي والدنيوي للتبت، فخط الخلافة يستمر عبر التناسخ، فعند وفاة دالاي لاما يتبع أقربُ المقربين له إجراءً مُعقَّدًا للتعرف على تناسخه في طفلٍ صغيرٍ وتحديده. وبالتالي فكل دالاي لاما جديد يتلقَّى أفضل تعليم موجود من أفضل المعلمين، وهؤلاء المعلمون فيهم معلم أساسي، وآخر ثانوي، وسبع تسينشابات، وهي غالبًا ما تُترجَم "معلمين مساعدين".

للبوذية التبتية أربعة تقاليد رئيسة، انتقلت من الهند عبر أنسابٍ مختلفة، لكن بدون تناقضاتٍ كبيرة في تعاليمها الأساسية. ومعلمو الدالاي لاما التسعة الأساسيون ينحدرون من تقليد الغيلوغ، وهو أكبر التقاليد الأربعة، ويدرس على أيدي أساتذة الأنساب الثلاثة الأخرى – النيينغما والكاغيو والساكيا – حتى يكمل تعليمه الأساسي. أما السبع تسينشابات فكل واحد منهم يأتي من دير من أديرة الغيلوغ السبعة الرئيسة قرب لاسا، حاضرة التبت، ويُختارُون اعتمادًا على تعليمهم وتحقيقهم للتأمل، وقبل كل شيءٍ نموِّ شخصيتهم.

فسيركونغ رينبوتشي عُيِّنَ تسينشاب (معلمًا مساعدًا) من غاندين جانغتسي، وهو الدير الذي أسَّسه تسونغكابا مُؤسِّس تقليد الغيلوغ بنفسه، وكان عمره أربعة وثلاثين عامًا حينما تقلَّد المنصبَ عام ١٩٤٨ م، وكان الدالاي لاما في الثالثة عشرة من عمره، وكان الوحيد من بين التسينشابات السبعة الذي استطاع اللحاق بقداسته في المنفى بالهند عام ١٩٥٩ م.

وقد خدم رينبوتشي قداسته بإخلاصٍ إلى أن مات في أغسطس ١٩٨٣ م، أولاً في لاسا، وبعد ذلك في دارامسالا. وكان واجبه الأساسي حضورَ كل الدروس التي يتلقاها قداسته، وعندئذٍ يتناقش معه فيما بعد ليتأكد من فَهم قداسته الصحيح. وقد أصر قداسته في الحقيقة على أن يشارك رينبوتشي معه في كل تعليم يتلقاه، على الأقل حتى يتسنَّى للاما آخر أن يشارك في الإطار الكامل لتعليمه وتدريبه.

وهكذا، مثل قداسته، كان رينبوتشي أستاذًا في التقاليد التبتية الأربعة، وامتدت خبرتُه فشملت المدى الكامل للتقسيمَين الرئيسَين: السوترا والتانترا. فالسوترات تنقل التعاليمَ الأساسيةَ، بينما التانترات تشمل الطرائق العميقة في الوصول لتحوُّل الذات.

كان رينبوتشي بارعًا جدًّا في الفنون والعلوم البوذية، فعلى سبيل المثال،كان خبيرًا في قياسات وبناء أنظمة العالم الرمزي ذي البعدين وذي الثلاثة أبعاد (ماندالا) المستخدمَة في الطقوسِ التانترية، والأنواع المختلفة من الآثار (ستوبا) المستخدمة في الآثار المنزلية.

وعلاوة على ذلك كان أستاذًا في الشعر والتعبير والنحو التبتي. وهكذا فقد كان لأسلوبِ تدريسه رونقٌ وحساسيةٌ توازنتْ بجمالٍ، مع اهتمامه بالتفاصيل الفنية.

لقد كان سيركونغ رينبوتشي أيضًا خبيرًا في الشكل التبتي للعِرافة (مو). ففي هذه الطريقة يدخل المرءُ في حالة مركزةٍ من التأمل، ويُلقِي ثلاثة من زهر الطاولة عدة مراتٍ، ويُفسِّر النتائج لمساعدة الناس في اتخاذِ قراراتٍ صعبةٍ.

هذا بالإضافة إلى أنه قد تعلَّم أيضًا علم التنجيم التبتي، الذي يتضمن إجادة الرياضيات المعقَّدة لحساب مواقع النجوم. وكان منهجه في هذه المواد السرية مع هذا دومًا نفعيًّا وواقعيًّا، وكانت مراجعته لتلك المواد لتدعيم استخدام الحكم المنطقي، لا لتحل محله.

وبالرغم من أهمية منصبه الرسمي، وسعة معرفته، فقد ظل رينبوتشي متواضعًا، ورغم أنه كان - حقيقةً – أحد المعلمين الأساسيين لقداسته – خاصة للكلاتشاكرا (دورات الزمان)، وهي الأكثر تعقيدًا في أنظمة التانترا – وعلى الرغم من إنعامه على تلميذه المتفوِّق بالعديد من التفويضات التانترية، فإنه لم يحب أبدًا أن يُسمَّى "معلمًا مساعدًا" بالإنجليزية؛ فقد رغب في ترجمة لقبه تسينشاب حرفيًّا هكذا: "خادم المناظرة"، لكنه أخيرًا وافق على هذه الترجمة: "الشريك الأساسي في المناظرة".

لقد خدم سيركونغ رينبوتشي قداسته بطرقٍ رسمية، وغير رسمية. فعلى سبيلِ المثال عادةً ما يؤدِّي قداسته ممارساتِ تأمل خاصة، وحفلات طقوسية (بوجا) لرفاهية العالم بوجه عام، وشعبه على وجه الخصوص. فيؤدي بعضًا منها في جلسةٍ خاصة، وبعضها مع قلة من الرهبان المختارين، والبعض الآخر في حضور جمهورٍ كبيرٍ، وعادة ما كان قداستُه يطلب من رينبوتشي أن يشترك معه في هذه الإجراءات، أو يؤديها، أو يرأسُها نيابةً عنه إذا كان مشغولاً بأمورٍ أخرى.

بالإضافة إلى أن قداسته حينما يُدرِّس فإن رينبوتشي يجلس على يمينه، يُزوِّده بأي كلمات يحتاجها قداسته، أو يجيب على أي تساؤلات أو شكوك إذا سُئِل قداسته. وحينما كان الآخرون يخجلون من أن ينقلوا التعاليم أو الأنساب لقداسته مباشرة، كانوا يُمرِّرونها إلى رينبوتشي، وكأنه أنبوبٍ روحي كان رينبوتشي يُمرِّرُها إلى قداسته.

وغالبًا ما كان قداستُه يشير إلى سيركونغ رينبوتشي باعتباره مستشارَه وملازمه الرئيس لإبلاغ سياساته للأديرة وللعامة؛ وهذا لأن رينبوتشي كان دبلوماسيًّا مُتمرِّسًا في كل المجالات الدينية والدنيوية. وكثيرًا ما كان يتوسَّط في النزاعات المحلية، ويقدم النصح لمكاتب قداسته بشأن البروتوكول المحلي في المناطق التي يعرفها، وكل مهاراته الدبلوماسية كان يُعزِّزها شعور جميل بالفكاهة.

كان الناس غالبًا ما يأتون إليه ليقصُّوا عليه نكاتٍ وقصصًا مضحكةً، ليس لأنه كان يضحك ويتذوقها بدرجةٍ كبيرةٍ فقط، لكن لأنه كان بدوره يُقصُّها على الآخرين بطريقة بارعة. وكان جسدُه كله يهتز من الضحك، وسرعان ما يمتد الضحك – كأنه عدوى – إلى كل من حوله. هذا المزيج من الحكمة العملية والفكاهة العذبة جعلته محبوبًا جدًّا لكل مَن يَلْقَاه.

لقد ساهم رينبوتشي في إعادة تأسيس العديد من أديرة الرهبان والراهبات بالهند، التي دمرها الغزو الصيني في التبت. وكان هذا بإعطائه التفويضات والتعاليم حتى يتمكنوا من استئناف الطقوس التقليدية، ويصدق هذا على وجه الخصوص على الأديرة في العِرافة الرسمية: نيتشونغ وغادونغ، اللذَين حافظ على علاقةٍ حميمةٍ معهما طيلة حياته.

ومثلما خدم رينبوتشي باعتباره المستشار البشري الرئيس، فقد كانت العرافة الرسمية بمثابة المستشارين الخارقين التقليديين للدالاي لاما؛ فهم يتحدثون إليه عبر وسيطٍ في غيبوبةٍ. وقد أشرف رينبوتشي على التدريب الروحي للوسطاء؛ حتى يتسنَّى لهم أن يصبحوا قنواتٍ نقيةً للحكمة الأعلى.

لم يتجنب رينبوتشي المصاعب أبدًا في سبيل إرسال تعاليم بوذا أو تلقيها، فعلى سبيل المثال، ذات صيفٍ تحمَّل الحرارة الشديدة لبود غايا؛ لكي يتلقى تعليمًا هناك من المعلم الرائع كونو لاما رينبوتشي عن الكلاتشاكرا، وذلك في بلدة كينَّاور، وهي منطقة ثقافية تبتية على الجانب الهندي من الهيمالايا، فقد كان المعلم الوحيد على قيد الحياة في العصور الحديثة، الذي تعرَّف عليه الشعبُ التبتي كله باعتباره بوديساتفا.والبوديساتفا هو شخص ما مُنكِرٍ للذات تمامًا، ومُكرِّس حياته كلها لنيل التنوير لإفادةِ الآخرين.

أما بود غايا فهو الموقع المقدس حيث أصبح بوذا متنورًا أسفل شجرة البودي، وهي تقع في أكثر مناطق الهند فَقرًا، وأشدِّها حرارة. ففي فصل الصيف عادة ما تصل الحرارة إلى ١٢٠ درجة فهرنهايت، وهي ما تعادل تقريبًا ٥٠ درجة مئوية، مع انقطاع مُتكرِّر في الكهرباء، ونقصٍ في الماء، وعدم وجود مُكيِّفات للهواء، فكون المرء هناك يعد ذلك من البلاء له، وقد عاش كونو لاما هناك بانتظامٍ في غرفة متناهية الصغر، وبدون نافذة، وحتى دون مِروحة.

لقد سافر رينبوتشي كثيرًا ليعلِّم في الهند ونيبال، ومرتين في أوربا الغربية وأمريكا. وعلى الرغم من أنه زار مراكز رئيسةً فقد كان دومًا يفضل الأماكن النائية الصغيرة؛ حيث يندر وجود المعلمين، وحيث لا يريد الآخرون الذهاب إلى هناك.

فعلى سبيل المثال كان أحيانًا يسافر راكبًا ثورًا بريًّا ليُعلِّمَ الجنود في القسم التبتي من الجيش الهندي على الحدود الهندوتبتية، فكان يعسكر في العراء في خيامٍ على ارتفاعاتٍ عالية، ولم يكن يبالي أبدًا بالمشقَّة.

من بين هذه المناطق النائية على الحدود كان لرينبوتشي علاقة حميمة على وجه الخصوص مع منطقة سبيتي، وهي وادي الهيمالايا الهندي المرتفع المجاور لكينَّاور؛ حيثُ تُوفِّيَ وولد مرة أخرى.

وكانت هذه المقاطعة القاحلة المغطاة بالتراب تقع منذ ألف عامٍ مضت ضمن التبت، وكانت مركزًا لنهضة البوذية، ومع هذا، ففي العصور الحديثة سقطت المبادئ، مثلما حدث منذ ألفيةٍ خلت، وتجاهل الرهبانُ عهودَهم بالرهبنة والامتناع عن الكحوليات، ودرسوا ومارسوا قليلاً من تعاليم بوذا الحقيقية.

وخلال زياراته الخمس للوادي عمل رينبوتشي على إحداث نهضةٍ ثانيةٍ، وقد فعل ذلك عن طريق إعادة تكريس الدير الأقدم في سبيتي: دير تابو غونبا، والإنعام على رهبانه بالتفويضات والنقل الشفاهي لطقوسه التقليدية، وجلَب المعلمين الروحيين المثقفين، وأسَّس مدرسة للأطفال المحليين. وأخيرًا في يوليو عام ١٩٨٣ م نظَّم رينبوتشي دعوة لقداسة الدالاي لاما ليُنعم باستهلال الكلاتشاكرا في دير تابو.

تقديم تعاليم الكلاتشاكرا من الهند إلى التبت عام ١٠٢٧ م بات الحدث الأكبر، مُؤكِّدًا إعادة تأسيس البوذية هناك بعد فترة طويلة من الارتباك، وكان الأملُ يحدوه في أن التفويضَ الحالي سوف يخدم الغرض نفسه.

ولقد كان سيركونغ رينبوتشي أيضًا راعيًا بارزًا للتعاليم، وكان يهدي أية هباتٍ يتلقَّاها في سبيتي – على سبيل المثال – ثانية إلى الدير، وبهذه اللفتة الكريمة استطاع دير تابو غونبا أن يبدأ مهرجان صلواتٍ سنوية، يتجمع المواطنون أثناءه مدة ثلاثة أيامٍ ينشدون "أُوم ماني بادمي هوم". هذه المقاطع المقدسة (المانترا) ترتبط بأفالوكيتيشفارا، وهو شكل بوذا (ييدام) يُجسد الرحمة، وهو قريبٌ بشكلٍ خاص إلى كل أتباع البوذية التبتية، فإنشاد هذه الترنيمة (المانترا) يساعد في التركيز على الحب لجميع الكائنات.

استخدم رينبوتشي الهباتِ التي تلقَّاها من باكورة جولاته الغربية في التفويض بعمل لوحة قماشية هائلة تُصوِّر الكلاتشاكرا على شكل بوذا، وقد قدمها لقداسته ليستخدمها أثناء السفر لمناطقَ مختلفةٍ للإنعام بالتفويض لنظام التأمل هذا.

وصنع بهذه النقود أيضًا مجموعة كاملة من اللوحات القماشية بالألوان المائية، التي تُصوِّر حياة تسونغكابا، والتي قدَّمها لديره غاندين جانغتسي. وقبل ذلك بأعوامٍ ساعد في إعادة تأسيسه في ماندغود جنوبَ الهند.

وبالهبات التي تلقاها أثناء ثاني جولاته الغربية قدَّم أعطياتٍ كبيرةً لأكثر من أربعة آلاف راهبٍ وراهبةٍ، أولئك الذين تجمَّعوا في دير دريبونج بموندغود، في مارس عام ١٩٨٣ م، في أول احتفال مونلام كامل (الذي يُعرف بمهرجان الصلاة الكبير) في الهند. والمونلام هو مهرجان الصلاة الذي يُقامُ تقليديًّا في لاسا، والذي يتجمَّع فيه كل الرهبان مدةَ شهرٍ في عباداتٍ جماعيةٍ.

وعلى الرغم من أن رينبوتشي كان أستاذًا في الطقوس والبروتوكول، فلقد ظلَّ محافظا على بساطته، وكان يكره التكلُّف. فعلى سبيل المثال حينما سافر إلى الغرب لم يُحْضِر معه أبدًا زخارف منمقة أو لوحات، وحينما كان يُنعم بتفويضٍ هناك كان يَرسُم بنفسه أيَّ شكلٍ يريده، ويستبدل الكعك والحلوى لقرابين العجينة المنحوتة (تورما)، واستخدم أصص الزهر، أو حتى زجاجات الحليب، للمزهرياتِ الطقوسية. وحينما لا تكون هناك إعدادات خاصة أثناء أسفاره لطقس التسوغ الذي يُعقد مرتين شهريًّا – طقس يُقَدَّم أثناءه كحولٌ مقدس، ولحم وتورما وفاكهة وشموع – كان يقدم بصمتٍ أيَّ وجبةٍ تُقدَّمُ له.

وعلاوة على ذلك كان رينبوتشي يقدم دائمًا تعاليمَ بوذا وَفقًا لجمهوره. وذات مرةٍ دُعِيَ رينبوتشي إلى مركز زِنْ بمنطقة جبل تريمبر بالقرب من وودستوك بنيويورك، وطلب الأعضاءُ منه أن ينعم عليهم بطقس السماح (جينانغ) لممارسة المانجوشري، أي شكل بوذا المجسد للحكمة. فجلس رينبوتشي على الأرض وَفقًا لتقليد زِن للبساطة، ولم يجلس على عرشٍ، ومنح الغينانغ بدون أي وسائط طقوسية، أو أي احتفاء مُنمَّق.

وغالبًا ما كان قداسته يصف تسينشاب سيركونغ رينبوتشي على أنه كادامبا غيشي حقيقي، فطائفة الكادامبا غيشي كانوا أساتذة بوذيين تبتيين بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلادي، وكانوا معروفين بتواضعهم، وممارستهم المباشرة المخلصة.

فعلى سبيل المثال، في إحدى خطبه كان قداستُهُ يشير إلى رينبوتشي، فقال: إن الشخص الوحيد الذي يجلس بتواضعٍ هنا هو شخص لا يحتاج إلى ذلك على الإطلاق، بينما الكل يجلس متغطرسًا. وذات مرة سُئل رينبوتشي عن نصيحته الرئيسة، فقال: لكي تكونَ دومًا متواضعًا وبسيطًا كن ذا قلبٍ دافئٍ، وخُذِ الجميع على محملِ الجد.

عاش رينبوتشي حياته كلَّها عاملاً بهذه النصيحةِ. وذات مرةٍ مكث رينبوتشي في منزل واسع لدى أسرةٍ طيبة في ميلانو بإيطاليا، وكان معظم اللامات الذين أتوا إلى هذه المدينة ينزلون في هذا البيت، فقالت الجدة في هذا المنزل: إنها أحبت سيركونغ رينبوتشي أكثر من أي لاما آخر نزل عندها؛ إذ كان الآخرون يجلسون في غرفهم بطريقةٍ رسميةٍ جدًّا، ويتناولون وجباتِهم بمفردهم.

وعلى النقيض من ذلك كان سيركونغ رينبوتشي يأتي إلى المطبخ مرتديًا التنورة التحتية وقميصه التحتي في الصباح الباكر، وكان يحتسي الشاي ببساطةٍ على مائدة المطبخ، ويتلو المانترا (الأذكار) بمسبحته، مسترخيًا تمامًا ومبتسمًا، بينما تُعِدُّ هي الإفطار.

ولقد علَّم رينبوتشي أيضًا الآخرين أن يسقطوا كلَّ المظاهر الخادعة. وذات مرة دعا الرهبان الغربيون بدير نالاندا في لافور بفرنسا رينبوتشي للتدريس مدة ثلاثة أيام، وطلبوا شرحًا للفصل البالغ الصعوبة عن الحكمة من كتاب "الانخراط في سلوك البوديساتفا" للمعلم الهندي في القرن الثامن الميلادي شانتيديفا.

فبدأ رينبوتشي الحديث بشرح الخواء على مثل هذا المستوى المعقَّد والراقي، ولم يستطع أحدٌ أن يُجاريه، عندئذٍ وبَّخ رينبوتشي الرهبان لكونهم مُولَعين بالتفاخر، وأخبرهم أنه إذا كان تسونغكابا لديه مثل هذه الصعوبة في اكتسابِ فهمٍ صائبٍ للخواء، وبَذَل جهدًا كبيرًا للغاية في ممارساتٍ تمهيديةٍ، فكيف يمكن أن يظنوا أن الأمر سيكون سهلاً، وأنهم يستطيعون أن يفهموا الموضوعَ بِرُمَّتِهِ في ثلاثة أيام؟ آنئذٍ واصل رينبوتشي تعليمه على مستوى أبسط؛ حيث استطاع الرهبان حينئذٍ أن يتابعوه.

لقد ذكر رينبوتشي ذات مرة أنه لا شيءَ يُبهِرُه في الغربِ سِوى الاهتمام الخالص لدى العديد من الناس بتعاليم بوذا، وهكذا، كان يحترمُ اهتمامَهم بِغَضِّ النظر عمَّن يطلب التعليم. وعلى الرغم من أنه علَّمَهم بالمستوى الذي يمكنهم فهمُه فقد كان دائمًا يسحبُهم أبعد مما كانوا يتخيلون أنه آخر طاقتهم.

كان رينبوتشي محبًّا للسيرك، وكان دائمًا يقول: إذا كُنَّا نستطيع أن نُعلِّم دُبًّا أن يركبَ دراجةً، نستطيع إذن باستخدام الوسائل الماهرة والصبر أن نُعلِّم الإنسان أيَّ شيءٍ.

ذات مرة كان هناك رجل غربيٌّ، يبدو عليه عدم الاتزان، والولَع بالمخدرات، ويَدْرُس البوذية حديثًا، فطلب من رينبوتشي أن يعلمه الممارساتِ الستة للناروبا، وكان من المعتاد أن يَدْرُس المرءُ هذا الموضوع المتقدِّم جدًّا بعد أعوامٍ عديدة من التأمل المكثف، وبدلاً من صرف الشاب باعتباره أخرق ومتغطرسًا وافق رينبوتشي، مخبرًا إياه أن اهتمامه كان ممتازًا، وفي البداية سيحتاج إلى إعداد نفسه، ولذا فقد علَّمه رينبوتشي الممارساتِ التمهيدية.

وكان رينبوتشي يأخذ اهتمام الناس بتطوير أنفسهم على محمل الجد، ولذا فقد ألهم العديدَ من الغربيين بذلك، وساعدهم هذا كثيرًا أن يتقدموا على الطريق الروحي.

وبغض النظر عمن لقيَهم، سواء أكان قداسته، أم البابا، أم رجلاً مخمورًا في الشارع، أم مجموعةً من الأطفال، فقد عاملهم رينبوتشي برباطة جأشٍ واحترامٍ متساوٍ، فلم يحتقر أحدًا أبدًا، ولم يطلب معروفًا من أحد، بل لم يحاول أن يثيرَ إعجابَ أي إنسانٍ.

وذات مرةٍ طلب أعضاء مركز الصولجان الذهبي للحكمة بمدينة إثاكا بولاية نيويورك من رينبوتشي أن يتحدث إلى أطفالهم، فأخبر الصغار أنهم يحترمهم كثيرًا؛ لأنهم شبابٌ وذوو أفق واسع، وأن لديهم الإمكانات في التفوق على والدِيهم، وبهذه الطريقة ألهم الشباب احترامَ أنفسهم.

وبالرغم من أن سيركونغ رينبوتشي كان يستطيع عادةً رؤيةَ علاقته الكارمية مع الناس الذين التقى بهم، فلم يدَّعِ أبدًا أنه قادرٌ على المساعدة بأكثر مما يستطيع. وذات مرةٍ اقترب منه شخصٌ سويسري في دارامسالا، وأخبره أنه مُبتلًى بمشكلة الأشباح، فأجاب رينبوتشي أنه ليس لديه العلاقة الكارمية ليساعده في هذه المشكلة، وعندئذٍ وجَّهَ الرجلَ إلى لاما آخر فساعده. ومع هذا، فبالنسبة لآخرين بدأ أن رينبوتشي يتعرف عليهم فورًا، وفي أول لقاء، وكان يطلب من مساعديه أن يسجلوا عناوين هؤلاء الأشخاص، ونتيجةً لذلك نَمَت علاقاتٌ عميقةٌ معهم، وكنتُ بين هؤلاء الناس المحظوظين، على الرغم من أن رينبوتشي رأى أنه لا داعي لتسجيل عنواني لديه؛ فإني سوف أعود إليه.