أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

حياة شاكياموني بوذا

ألكسندر بيرزين
فبراير ٢٠٠٥ م، رُوجِع في أبريل ٢٠٠٧ م

مقدِّمة

كما ذكرت المصادر التاريخية عاش شاكياموني بوذا، المعروف أيضًا باسم غاوتاما بوذا، من ٥٦٦ حتى ٤٨٥ ق.م، في وسط شمال الهند. وتحتوي المصادر البوذيَّة على عددٍ كبير ومتنوِّع من الروايات عن حياته، مع تفاصيل إضافيَّة تظهر تدريجيًّا مع مرور الوقت. وبما أنَّ الأدبيَّات البوذيَّة الأولى كُتبَت بعد ثلاثة قرون فقط من وفاة بوذا، فإنَّه من الصعب تأكيد دقّة هذه التفاصيل الواردة في تلك الروايات. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ مجرَّد ظهور تفاصيل معيَّنة في التاريخ المكتوب في وقتٍ لاحقٍ لتفاصيل أخرى لا يُعدُّ سببًا كافيًا لنبذ صحتها، فكان من الممكن تناقل تفاصيل شفهية كثيرة بعد تدوين التفاصيل الأخرى.

فقد كانت السِّيَر الذاتية التقليدية للمعلمين البوذيين العِظام – بمن فيهم بوذا نفسه - تُجمَع عامَّةً لأهداف تعليمية، ولا تجمع لأغراض تاريخية. وعلى نحوٍ أكثر تحديدًا، فقد كانت سيَر المعلمين العِظام الذاتية مُعدة بطريقةٍ خاصة لغرض تعليم الأتباع البوذيين وإلهامهم السعيَ على الطريق الروحي للتحرر والتنوير. فعلينا من أجل الاستفادة من قصة حياة بوذا أن نفهمها في هذا السياق، وأن نُحلِّل الدروس التي نستخلصها منها.

المصادر

تضم أقدم المصادر عن حياة بوذا، في نصوص الثيرافادا المقدسة العديد من البالي أوتا من "مجموعة الخطابات متوسطة الطول"، ومن المدارس الهيناياناوية المختلفة، عدةَ نصوص فينايا تتعلق بالقوانين الرهبانية لنظام التأديب، غير أن كلاًّ من هذه النصوص يعطي تفاصيل جزئية عن حياة بوذا.

وقد ظهرت أول رواية موسَّعة في الأعمال الشعرية البوذية في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد، مثل "المسائل العظيمة" من مدرسة ماهاسانغيكا في هينايانا. وهذا النص الذي لم يكن جزءًا من "المجموعات الثلاث الشبيهة بالسِّلال"، قد أضافَ – على سبيل المثال – الجزئية التي تذكر أن بوذا وُلدَ أميرًا في عائلةٍ ملكية. وهناك عملٌ آخر مثل هذا العمل الشعري ظهر في أدبيات مدرسة السارفاستيفادا في هينايانا، وهو: "سوترا الرياضة الواسعة"، وقد استعارت نُسَخ ماهيانا لاحقة تفاصيل من هذا النص، فقد أضافت إلى هذه النسخة الأقدم – على سبيل المثال – أن شاكياموني أصبح متنوِّرًا قبل عصور، وأن إطلاق لقب الأمير سيدارتا لم يكن إلا تمثيلاً لطريقة اكتساب التنوير، وذلك لإرشاد الآخرين.

وفي نهاية المطاف جمعت بعض هذه السير الذاتية في "المجموعات الثلاث الشبيهة بالسلال"، وأكثرها شهرةً هي: "أعمال بوذا" التي كتبها الشاعر أشفاغوشا، والتي دُوِّنَت في القرن الأول الميلادي. وظهرت نُسَخ أخرى في أوقات لاحقةٍ حتى في التانترات، مثل "أدبيات التشاكراسامفارا"؛ حيث نجد هناك الرواية القائلة بأنه أثناء ظهور شاكياموني وهو يعلم السوترا على مستوى وعيٍ بعيد الإدراك، "كمال حكمة السوترات")، ظهر بوذا – وعلى نحوٍ متزامن – بصورة الفاجرادارا وعلَّم التانترات.

ومن كل رواية نستطيع أن نتعلم شيئًا ما ونحظى بالإلهام، ولكن دعونا نُلقِ نظرةً أولية على النسَخ التي تصور بوذا في التاريخ.

 

الولادة والحياة المبكرة والإنكار

حسَب أقدم الروايات فقد وُلدَ شاكياموني لعائلةٍ أرستقراطية غنية ومُحارِبة، في ولاية شاكيا، مع عاصمتها في كابيلافاستو، على الحدود الواقعة بين ما يُعرف اليوم بالهند ونيبال. وليس هناك أي ذِكرٍ لكونه أميرًا من عائلةٍ ملكية، ولا تظهر الروايات التي تتناول ولادته الأميرية واسمه، وهو سيدارثا، إلا في وقتٍ لاحق، وكان والده يُسمَّى شودودانا. وفي نُسَخٍ لاحقة يظهر اسم والدته، وهو مايا-ديفي، إلى جانب الرواية التي تتحدث عن الحمْل العجيب ببوذا، بعد حلمها الذي رأت فيه فيلاً أبيضَ بستة أنياب يلِجُ جنبَها، إضافةً إلى نبوءة أسيتا بأن الطفل سيكون ملكًا عظيمًا أو مُفكِّرًا عظيمًا، ثم تصف الروايات اللاحقة ولادة بوذا الطاهرة على مسافةٍ قصيرة من كابيلافاستو في بستان لومبيني من جنبِ أمه، ومشيه سبع خطواتٍ عند الولادة قائلاً: (لقد وصلت). ثم وفاة أمهِ عند الولادة.

عاش بوذا في شبابه حياةً تمْلؤها السعادة؛ إذ تزوج ثم أنجب ابنًا أسماهُ راهولا. وهناك روايات أخرى تذكر اسم زوجته، وهو ياشودارا. ولكنه في التاسعة والعشرين من عمره أنكر بوذا حياة عائلته وميراثه الأميري، فأصبح باحثًا رُوحيًّا متسولاً متجولاً.

من المهم النظر إلى إنكار بوذا لعائلته في سياق مجتمعه والوقت الذي عاش فيه، فبعد تحوله إلى باحثٍ روحي متسولٍ متجول لم يترك بوذا زوجته وطفله يعيشان وحيديْنِ في الفقر، فلا بد أن عائلته الكبيرة الثرية قد اعتنت بهما. كذلك فإن بوذا كان ينتمي إلى عائلةٍ محاربة، مما يعني أنه في يوم ما سيذهب ليحارب، وعائلة أي محارب تقبل ذلك لأنه واجب عليه، فلم يكن المحاربون يصحبون عائلاتهم إلى معسكرات الجيش.

ورغم أننا نستطيع خوض معاركَ ضد أعداء في الخارج، إلا أن المعركة الحقيقية تكون ضد أعدائنا بداخلنا، وهذه هي المعركة التي ترك بوذا عائلته ليخوضها، ويُشير ذلك إلى أن من واجب الباحث الروحي المتسول المتجول أن يُكرِّس حياتَهُ كاملةً لذلك النوع من السعي، لكننا في عالمنا العصري، إذا تركنا عائلاتنا لندخل سلك الرهبنة كي ندخل هذه المعركة الداخلية، فعلينا أن نتأكد من أنهم يلقوْنَ العناية اللازمة، ولا يعني ذلك تلبية احتياجات أزواجنا وأطفالنا فقط، بل آبائنا كذلك. ولكن على الباحث الروحي البوذي – سواء ترك عائلاته أم لا – أن يقلل من المعاناة من خلال التغلب على إدمان السعادة، كما قال بوذا.

ولنتغلَّب على المعاناة أراد بوذا أن يفهم طبيعة الولادة والتقدم في السن والمرض والموت والولادة الثانية والحزن والارتباك. وتذكر الروايات أن بوذا أدرك ذلك من خلال شخص تشانا، سائق العربة الذي أخذ بوذا خارجًا إلى رحلةٍ عبر المدينة، وعندما رأى بوذا أشخاصًا مرضى وآخرين كِبارًا في السن وآخرين زُهادًا وآخرين أمواتًا، بيَّن له تشانا ما كانوا عليه. وهكذا أدركَ بوذا بوضوح المعاناة الحقيقية التي يعيشها كل شخص، وعرف الطرق المحتملة للخروج من تلك المعاناة.

وهذه القصة التي تتناول تلقيه المساعدة على الطريق الروحية من سائق العربة موازيةٌ لرواية البهاغافاد غيتا حول أرجونا، الذي أخبره سائق عربته كريشنا عن ضرورة اتباع واجبه بوصفه محارِبًا، وضرورة خوض معركةٍ ضد أقربائه. وفي هذين النموذجين: البوذي والهندوسي، نستطيع أن نعرف ضرورة تجاوز جدران حياتنا المريحة مع ما هو معروف، وألاَّ نتخلى عن واجبنا في اكتشاف الحقيقة. وفي كل نموذج قد يُمثل سائق العربة مركبةً عقلية تقود إلى التحرُّر، وعندها تُمثل كلمات سائق العربة القوة المحرِّكة التي تدفع بهذه العربة – أي الحقيقة – عن الواقع.

الدراسات والتنوير

وبعد أن أصبح بوذا باحثًا روحيًّا متحولاً عزبًا درَسَ مع معلِّميْنِ أساليب بلوغ المستويات المختلفة من الاستقرار الذهني والاستيعاب اللا-شكلي، ورغم أنه استطاع بلوغ هذه الوضعيات العميقة من التركيز الكامل، الذي لم يعد يعيشه من خلاله المعاناة الجسيمة أو حتى السعادة الدنيوية العادية، إلا أنه لم يكن راضيًا عن ذلك، فلم تعطِ هذه الوضعيات العُليا إلا اكتفاءً مؤقتًا وليس دائمًا من هذه المشاعر التالفة، كما أنها لم تُذهِب المعاناة العميقة الكونية التي كان يسعى للتغلب عليها. حينئذٍ عاش حياة من الزهد الشديد مع خمسة رِفاق، ولكن ذلك أيضًا لم يقضي على تلك المشاكل الكبيرة التي تنطوي عليها الولادة الثانية المُتكررة التي لا سيطرة لنا عليها. ثم تذكر الروايات اللاحقة أنَّ بوذا قطع صومه الذي دام ستَّ سنوات على ضفاف نهر النايرنجانا، مع البتول سوجاتا التي قدمت له وعاءً فيه أرز ممزوج باللبن.

وبالنسبة لنا فبوذا يعطينا مثالاً للمرء الذي لا يرضى أن يصبح ساكنًا تمامًا، أو أن "ينتشي" بالتأمل فقط، ناهيك عن الوسائل الاصطناعية مثل المخدرات، فالسعي إلى نشوةٍ مؤقتة، أو تعذيب النفس أو معاقبتها، ليس حلاًّ، فعلينا أن نسلك كل الطرق حتى نصل إلى الحرية والتنوير، وألاَّ تُرضينا الوسائل الروحية التي لا تساعدنا في بلوغ هذه الأهداف.

وبعد أن ترك بوذا الزهد عاش وحده في الأدغال متأمِّلاً، ليتغلَّب على خوفه. فالمخاوف الكامنة هي موقف الاعتزاز بالنفس والاستيعاب على مستوى "الأنا" المُستحيلة القائمة، وهي أقوى من تلك المخاوف الكامنة عند البحث القهري عن السعادة والمتعة. ولذلك استخدم المعلم الهندي دارماراكشيتا في "عجلة الأسلحة الحادة" في القرن العاشر الميلادي، صورة طواويسَ تتجول في أدغالٍ من نباتات سامة، لتمثل البوذيساتفا باستخدام تحويل المشاعر السامة إلى رغبة وغضب وسذاجة، لمساعدتها في التغلب على موقف اعتزازها بنفسها، واستيعاب "الأنا" المستحيلة.

وبعد تأمُّل كثير بلغَ بوذا التنوير الكامل في الخامسة والثلاثين من عمره، وتعطينا الروايات اللاحقة تفاصيلَ بلوغه تلك المرحلة تحت شجرة بوذي، فيما يُعرَف اليوم بـ بوذ غايا. وبعد النجاح في دحر هجوم مارا حاول الإله الغيور مارا أن يمنع بوذا من بلوغ التنوير، من خلال إصدار المزيد من الظهورات المخيفة والمُغرية؛ ليُقلق تأمل بوذا تحت شجرة بوذي.

وتذكر الروايات القديمة أن بوذا بلغ التنور من خلال حصوله على ثلاثة أنواع من المعرفة: المعرفة الكاملة عن كل حيواته السابقة، والمعرفة الكاملة عن الكارما والولادات الجديدة لجميع الآخرين، والمعرفة الكاملة عن الحقائق الأربع النبيلة. وتُشير الروايات اللاحقة إلى أن بوذا قد حقق المعرفة الكلية من خلال التنوير.

التعليم وتأسيس مُجتمعٍ رَهباني

بعد أن بلغ بوذا التحرر والتنوير تردَّد في تعليم الآخرين الطريقة التي تُحقِّق لهم الشيءَ نفسه، فقد شعر بأن أحدًا لن يكون قادرًا على الفهم. لكنَّ الإلهيْنِ الهندييْن: براهما وإيندرا طلبا منه أن يفعل. وحسَب التعاليم البراهمية التي أصبحت فيما بعد هندوسية فبراهما هو خالق الكون، وإيندرا هو ملك الآلهة، وبعد أن طلب منه براهما ذلك أخبره أن العالَم سيعاني بصورةٍ أبدية إذا فشل في التعليم، وعلى الأقل سيكون هناك بعض الأشخاص الذين سيفهمون كلماته.

قد تكون هذه القصة تمثل عُنصرًا ساخرًا، يُشير إلى تفوق تعاليم بوذا، التي تجاوزت الأساليب التي قدمتها التقاليد الروحية الهندية في ذلك الوقت. فإذا اعترفت الآلهة العُليا أن العالَم يحتاج إلى تعاليم بوذا؛ لأنها هي نفسها تفتقر إلى الأساليب اللازمة لإنهاء معاناة الجميع إلى الأبد، فنحن – الأتباع العاديين – نحتاج هذه التعاليم بصورة كبيرة. بالإضافة إلى ذلك، فبراهما رمز للفخر والكبر في التصور البوذي، فاعتقاده الزائف بأنه خالق قادرٌ على كل شيء يُمثل نموذجًا عن الاعتقاد الزائف للمرء بأنه موجود بصفة "الأنا" المستحيلة، أي بصفة "الأنا" التي يمكن أن تتحكم في كل شيءٍ في الحياة، وهذا الاعتقاد المُربِك يقود حتمًا إلى الإحباط والمعاناة. وتعاليم بوذا حول كيفية وجود كل واحدٍ منا هي الوحيدة التي تُقدِّم سبب هذه المعاناة والسبيل الحقيقي لإيقافها.

وبعد قَبول طلب براهما وإيندارا توجَّه بوذا إلى سارنات، وهناك في مُتنزَّه الغزلان، عَلَّم الحقائق الأربع النبيلة لرفاقه الخمسة السابقين، وتُمثِّل الغزلان في التصور البوذي الرِّقَّة، وذلك اتبع بوذا أسلوبًا رقيقًا في التعليم ليخالف تطرفات مذهب المتعة والزهد.

وبعد فترةٍ وجيزة انضمَّ عددٌ من الشباب من فاراناسي القريبة إلى بوذا ليكونوا باحثين روحيين متسولين متجولين، يعيشون عزوبة شديدة، وتحول آباؤهم إلى تلاميذ علمانيين وبدءوا يدعمونهم بالصدقات، وفور بلوغ أحد الأعضاء التدريب الكافي والمؤهِّل يُرسله بوذا خارجًا لتعليم الآخرين، وهكذا نمت مجموعة أتباع بوذا المتسولين سريعًا، وسرعان ما أرسوا وشكلوا تفاسير "رهبانية" فردية في أماكن متنوعة.

نَظَّم بوذا هذه المجتمعات الرهبانية حَسَب إرشادات عملية، و كان الرهبان – لو أمكننا استخدام هذا المصطلح في هذا الوقت المبكر – يسمحون للمرشحين بالانضمام إلى المجتمعات، ولكن كان عليهم أن يلتزموا بقيودٍ معينة حتى لا يقعوا في صدام مع السلطة العلمانية. ولذلك لم يسمح بوذا لكلٍّ من المجرمين، وأولئك الذين يعملون في الخدمة الملكية مثل الجيش، والعبيد غير المُحررين من العبودية، وأولئك الذين يعانون من أمراض معدية مثل الجذام، بالانضمام إلى المجتمعات الرهبانية. ولم يُسمَح بانضمام أي شخصٍ دون سن العشرين. فقد أراد بوذا أن يتفادى أية مشاكل مع الآخرين، ويضمن الاحترام الشعبي لمُجتمعاته وتعاليم الدارما. وهذا يوضح لنا – نحن أتباع بوذا – أنه يجب علينا أن نحترم العادات المحلية، وأن نتصرف باحترامٍ؛ كي نترك انطباعًا جيدًا لدى الناس عن البوذية واحترامها بالمقابل.

وبعد فترةٍ وجيزة عاد بوذا إلى ماغادا، وهي المملكة التي رقدَ فيها بوذ غايا، ثم دعاه الملك بيمبيسارا إلى العاصمة راجارغا – راجغير الحالية – ثم أصبح راعيه وتلميذه، وهناك انضمَّ الصديقان شاريبوترا وماودغاليايانا إلى تنظيم بوذا المتزايد، ليصبحَا من ضمن تلاميذه المقربين.

وخلال سنةٍ واحدة من بلوغه التنوير عاد بوذا إلى مدينته الأصلية في كابيلافاستو؛ حيث انضم ابنه راهولا إلى تنظيمه، وكان أخ بوذا غير الشقيق، وهو الوسيم ناندا، قد ترك البيت وانضمَّ إليه في وقتٍ سابق، أما والد بوذا، وهو الملك سودودانا، فقد كان شديد الحُزن؛ لأن سلالة العائلة قد انقطعت، ولذلك طلب من بوذا أن يحصل الابن مستقبلاً على موافقة والديه للانضمام إلى التنظيم الرهباني، وقد رحب بوذا بذلك كثيرًا، وما تعلمنا إياه هذه القصة هو رغبته في عدم تكوين شعور سيئ تجاه البوذية، خاصة في نطاق العائلة، وليس قسوته على والده، كما يبدو من الظاهر.

وهناك رواية أخرى عن مواجهة بوذا لعائلته باستخدامه قواه الخارقة للطبيعة، فقد صعد إلى جنة الآلهة الثلاثة والثلاثين، أو جنة توشيتا كما في روايات أخرى؛ ليعلم والدته التي وُلدَت من جديدٍ هناك، وهذا يُشير إلى أهمية تقدير العطف الأمومي ومكافأته.

نمو التنظيم الرهباني

كانت مجتمعات الرهبان الأولى التي أنشأها بوذا صغيرة ولا تضم أكثر من عشرين رجلاً، كان كل مجتمع يتمتع بحُكمٍ ذاتي، ويتبع منظومة من الثوابت لجولات الرهبان الذين يطلبون الصدقات، وكانت أعمال وقرارات كل مُجتمع تُقرَّر بالتصويت بين أعضائه لتفادي النزاع، ولم يكن هناك شخص معين تكون له السلطة وحده، بل إن بوذا أرشدهم لأخذ تعاليم الدارما بأنفسهم بصفتها السلطة، حتى نظام التأديب الرهباني نفسه كان قابلاً للتغيير إذا اقتضت الضرورة، لكن أي تغييرٍ لا يحدث إلا إذا كان مُعتمِدًا على إجماع المُجتمَع كله.

اقترح الملك بيمبيسارا أن يتبنَّى بوذا عادةَ المجموعات الروحية المتسولة الأخرى، مثل الجاينيين، الذين يعقدون مجلسًا أسبوعيًّا. وحسَب هذه العادة يجتمع أعضاء المُجتمع الروحي مع بداية كل مرحلةٍ أسبوعية من مراحل القمر لمناقشة التعاليم. وموافقة بوذا على ذلك تُوضِّح أنه كان فاهما لتلك الدعوات التي تنادي باتباع العادات والتقاليد الموجودة حينذاك. وحقيقة فقد بنى بوذا نماذج الكثير من جوانب مجتمعاته الروحية وبنية تعاليمه متأثِّرًا بالجاينيين، وكان ماهافيرا مؤسس الجاينية قد عاش حوالي نصف قرن قبل بوذا.

وبعد فترة وجيزة طلب شاريبوترا من بوذا أن يقوم بصياغة قوانين خاصة بنظام التأديب الرهباني، لكن بوذا قرَّر أن ينتظر حتى تظهر مشاكل فعلاً، فيقوم بإيجاد الحلول لها، مما يمنع تكرار هذه المشاكل في المستقبل، وقد اتبع بوذا هذه السياسة بالنسبة للأعمال المُدمرة للطبيعية، التي كانت ضارَّة لكل مَن يرتكبها، والأعمال الحيادية الأخلاقية المحظورة على أشخاص معينين في حالات معينة ولأسباب معينة. وهكذا أصبحت قوانين التأديب نفعية، وصِيغَت بصورةٍ خاصة، مع الاعتبارات التي اتخذها بوذا لتفادي المشاكل وليس لتوجيه الإساءة.

وقد أسَّس بوذا نظام تلاوة النذور في المجلس الرهباني الأسبوعي، اعتمادًا على قوانين التأديب هذه، مع اعتراف الرهبان بأية مخالفات، وإذا كانت المخالفات كبيرة فهذا يعرضهم للطرد من المجتمع، وإلاَّ كان العقاب مجرد تحقير وإدانة مع عقوبة. وبعد ذلك أصبحت هذه اللقاءات تُعقد مرتيْنِ في الشهر فقط.

كانت العادة التالية التي أسسها بوذا هي التأمُّل الانفرادي في موسم أشهر الشتاء الثلاثة الممطرة، التي يبقى الرهبان خلالها في مكانٍ واحدٍ ويمتنعون عن السفر، وكان الهدف من وراء ذلك منع الرهبان من الإضرار بأية محاصيل زراعية، عند اضطرارهم إلى المشي عبر الحقول وقت حدوث فيضانات في الطرقات. وقد أدَّى الاحتفاظ بممارسة التأمل الانفرادي في الموسم الممطر إلى تأسيس أديرة ثابتة. ومرةً أخرى نبع هذا التطور لتفادي إلحاق الضرر بالمجتمع العلماني وكسب احترامه، وكان سبب الاعتماد على بناء الأديرة الثابتة كونها عملية.

وبدءًا من التأمل الانفرادي في الموسم الممطر وما بعده أمضى بوذا خمسة وعشرين تأمُّلاً فرديًّا في المواسم الممطرة، وذلك في حديقة جيتافانا خارج شرافاستي، المدينة العاصمة لمملكة كوشالا. وفي هذا المكان بنَى التاجر أناتابيندادا ديرًا لبوذا ورهبانه، كما أن الملك براسيناجيت يهتم بالمُجتمع بشكل أكبر. وقد شهدَ هذا الدير في جيتافانا كثيرًا من الأحداث العظيمة في حياة بوذا، وأشهر تلك الأحداث كان هزيمته لقادة المدارس غير البوذية الست آنذاك ضمن منافسات بالقوى العجيبة.

ونحن الآن لا نستطيع أن نعمل أعمالا بطولية عجيبة، ولكن استخدام بوذا لها بدل المنطق لهزيمة منافسيه يدل على أنه إذا كانت عقول الآخرين مُغلقة في وجه المنطق، تكون الطريقة المُثلَى هي إقناعهم بصحة فهمنا، من خلال إظهار مستوى معرفتنا عبر أعمالنا وتصرفاتنا، وتوضح ذلك هذه المقولة الإنجليزية: "للأعمال صوتٌ يفوقُ صوتَ الكلمات."

تأسيس التنظيم الرهباني للراهبات

أسَّس بوذا بعد ذلك في إطار التعليم مُجتمعَ راهباتٍ في فايشالي، استجابة لطلب عمته ماهابراجاباتي. ففي بداية الأمر رفض بوذا بدء مثل هذا التنظيم، إلا أنه أشار إلى إمكانية ذلك إذا وصفَ نذورًا للراهبات تفوق نذور الرهبان عددًا. ولا يعني هذا أن بوذا كان يرى النساء أقلَّ أدبًا من الرجال، أو أنهنَّ كُنَّ يحتجْنَ للترويض من خلال رفض المزيد من النذور، وإنما يعني أنه كان يخافُ من تأسيس التنظيم النسائي، كي لا يتصف بسمعة سيئة أو يقضي مُبكِّرًا على تعاليمه، فقد أرادَ بوذا دائمًا تفاديَ عدم احترام المجتمع بشكلٍ كبير، ولذلك كان يجب على مجتمع الراهبات أن يكون فوق أي شُبهةٍ بالتصرف اللاأخلاقي.

ولكن كان بوذا عامَّةً رافضًا لصياغة القوانين، وكان يرغب في إزالة أية قوانين غير ضرورية. وتُظهر سياسته ديناميكية الحقيقتيْنِ: الحقيقة العميقة، ولكن مع احترام الحقيقة التقليدية، بما يتوافق مع العادات المحلية. ورغم أنه في الحقيقة العميقة ليس هناك مشكلة مع وجود تنظيم راهبات، وإنما لتفادي أن ينظر عوامُّ الناس إلى التعاليم البوذية نظرةً دُونية، فقد كان هناك حاجةٌ إلى مزيدٍ من قوانين التأديب المتعلقة بالراهبات. وفي الحقيقة العميقة لا يهم ما يقوله المجتمع، ومع ذلك فإن الحقيقة التقليدية مهمة بالنسبة للمجتمع البوذي لكسب احترام العامَّةِ وثقتها. وهكذا، في الأوقات والمجتمعات العصرية التي قد تجلب عدم الاحترام للبوذية، لو كان هناك أي إخلال يُمارَس تجاه الراهبات أو النساء بشكلٍ عام، أو تجاه مجموعة أقلية من قبَل العادات البوذية، فإن روح بوذا تُصلح من شأنهم، بما يتوافق مع عادات العصور المختلفة.

كان التسامح والتعاطف دائمًا سِمَتيْنِ رئيستيْنِ من سِمات تعاليم بوذا، فعلى سبيل المثال شَجَّع بوذا التلاميذ الجُدد الذين سبق أن دعموا مُجتمعًا دينيًّا آخر على متابعة دعمهم لذلك المجتمع. وداخل التنظيم البوذي أرشد الأعضاء أن يعتني كلٌّ منهم بالآخر، فإذا مرضَ أحد الرهبان – على سبيل المثال – وجب على الرهبان الآخرين أن يعتنوا به؛ لأنهم جميعًا ينتمون إلى العائلة البوذية، ويُعدُّ هذا مَبدأً مُهمًّا بالنسبة للبوذيين العلمانيين كذلك.

أسلوب بوذا التوجيهي

علَّمَ بوذا الآخرين من خلال أفعاله وأقواله؛ فبالنسبة لأقواله فقد اتبع أسلوبيْنِ، معتمدًا في ذلك على نوعية المخاطَبين، مجموعة كانوا أم أفرادًا، فأمام المجموعات كان بوذا يشرح تعاليمه على هيئة خطاب، وكثيرًا ما يُكرر فيه كل مسألةٍ بكلماتٍ مختلفة؛ كي يتذكرها السامعون بشكلٍ أفضل، ولكنه عندما كان يقدم تعليماته بصورة شخصية، وكثيرًا ما كان يحدث ذلك بعد تناول غداء قد دعته أسرةٌ لتناوله هو ورهبانه، وكان بوذا يعتمد توجُّهًا مختلفًا، فلم يكن أبدًا يعارض وجهة نظر السامع أو يتحدَّاها، بل كان يتبنَّى موقف الشخص، ويطرح أسئلةً يساعد السامع بها على توضيح فِكره. وبهذه الطريقة كان بوذا يقود الشخص إلى تحسين موقفه، ويجعله تدريجيًّا يكسب فَهمًا أعمق للواقع. وخير مثال على ذلك هو قيادة بوذا لكاهن مغرور من طبقة الكهنة البراهمة إلى إدراك أن التفوق لا ينبع من الطبقة التي يُولَدُ فيها المرء، بل من تطوير الشخص لصفاته الحسنة.

ومثال آخر هو إرشادات بوذا التي منحها لأم ثكلى جاءت بطفلها الميت إليه، ورجَت بوذا أن يُعيد طفلها إلى الحياة، فقال لها بوذا أن تُحضر له حبة خردل من بيتٍ لم يزره الموت يومًا، ثم ينظر ما سيفعله، فذهبت المرأة تبحث ولكن دون جدوى، من بيتٍ إلى بيت، وأهل كل بيت يخبرونها أن الموت أخذ منهم واحدًا أو أكثر مِن قِبَل. وشيئًا فشيئًا أدركت أن الجميع سوف يموت يومًا ما، وبهذه الطريقة استطاعت حرق جثة طفلها بسلام وهدوء.

وتُبين لنا أساليب تعليم بوذا أنه من أجل مساعدة الناس في المواجهات الفردية، فمن الأفضل ألا نحمل روح المواجهة. والأكثر تأثيرًا هو مساعدتهم على التفكير بأنفسهم. ولكن ضمن مجموعةٍ من الأشخاص الذين يرغبون في دراسة التعاليم، وعلينا أن نشرح لهم ذلك بشكلٍ مباشر وصريح.

مؤامرات ضد بوذا وظهور انشقاقات

قبل سبع سنوات من وفاة بوذا، دبَّر قريبه ديفاداتا مؤامرةً ليحل محلَّ بوذا رئيسًا للتنظيم، وكذلك دبَّر الأمير أجاتاشاترو مؤامرةً أخرى ليحل محلَّ والده الملك بيمبيسارا حاكمًا على ماغادا. ولذلك اتفق الاثنان معًا، فحاول أجاتاشاترو اغتيال بيمبيسارا، فتنازل الملك عن عرشه لصالح ابنه، فطلب ديفاداتا من أجاتاشاترو – بعد أن رأى نجاحه – أن يغتالَ بوذا، غير أن كل محاولات قتل بوذا باءَت بالفشل.

فحاول ديفاداتا عندها إغراء الرهبان بالابتعاد عن بوذا، مُدعيًا أنه "أقدَس" من بوذا، وبالتالي اقترح مجموعة قوانين تأديبية أكثر صرامةً، وحسَب "طريق التطهير" مع حلول القرن الرابع الميلادي، ضمَّت قوانين معلم الثيرافادا بوذاغوسا ديفاداتا للرهبان ما يلي:

  • ارتداء أثوابٍ ترقعها الخرَق.
  • ارتداء ثلاثة أثوابٍ فقط.
  • الذهاب لاستجداء الصدقات وعدم قبول الدعوات لتناول وجبات الطعام.
  • عدم تجاوز أي بيت في استجداء الصدقات.
  • تناول الطعام في جلسةٍ واحدة، مهما كان حجم الصدقات التي جمعها المرء.
  • التناول من وعاء صدقات المرء فقط.
  • رفض كل الأطعمة الأخرى.
  • العيش في الغابة فقط.
  • العيش تحت الأشجار.
  • العيش في الهواء الطلق، لا في البيوت.
  • عدم الانقطاع معظم الوقت عن الأساسات الجسدية.
  • أن يكون المرءُ راضيًا بأي مكانٍ يجده ويمكث فيه، في الوقت الذي يتنقل فيه باستمرار من مكانٍ إلى آخر.
  • النوم جلوسًا، وعدم النوم بالاستلقاء.

سمح بوذا لرهبانه أن يتبعوا هذه القوانين لو أرادوا ذلك، ولكنه لم يُلزمهم بذلك، لكنَّ عددًا من رهبانه اختاروا اتباع ديفاداتا، تاركين مُجتمعَ بوذا، ومُكوِّنين تنظيمهم الخاص.

في مدرسة الثيرافادا تُدعى قوانين التأديب الإضافية التي وضعها ديفاداتا بالفروع الثلاثة عشر للمُمارسَة الرقابية، وتقليد رهبان الغابة على سبيل المثال – وهو لا يزال موجودًا في تايلاند الحالية – يبدو أنه ناتج من هذه الممارسات. وكان تلميذ بوذا ماهاكاشيابا هو أشهر مُمارِسٍ يتبع هذا النظام الأشدَّ صرامة، ولُحِظَ أن الكثير من أنواع هذا النظام من خلال رجالٍ مُقدَّسين متجولين في التقليد الهندوسي، ويبدو أن ممارَستهم هي استمرارٌ لتقليد الباحثين الروحيين المتسولين المتجولين في زمن بوذا.

ولدى مدارس الماهايانا قائمةٌ مشابهةٌ تضمُّ اثنتيْ عشرة خاصية للمُمارَسات الرقابية، غير أنَّ هذه القائمة تحذف بند: " عدم تجاوز أي بيت في استجداء الصدقات"، وتضيف: "ارتداء أثوابٍ أُلقِيَ بها في القمامة"، وتَعُدُّ: "الذهاب لاستجداء الصدقات" و" التناول من وعاء صدقات المرء فقط" بندًا واحدًا. ولاحقًا اتبع التقليدُ الهندي، الذي يضم ممارِسين تانتريين ذوي إنجازاتٍ عظيمة، جزءًا كبيرًا من هذا النظامِ، وهو التقليد الموجود في البوذية الماهاياناوية والهندوسية.

إذًا، الانفصال عن التقليد البوذي المُؤسَّس وتشكيل تنظيمٍ آخر – وبتعبير عصري تشكيل مركز دارما منفصل – لم يكن هو المشكلة، فهذا الفعل ذاته لا يخلق "انشقاقًا في المجتمع الرهباني"، وهي أحدى الجرائم الشنيعة الخمس، غير أن ديفاداتا خلق مثل هذا الانشقاق، وارتكب هذه الجريمة؛ لأن المجموعة التي انفصلت وتابعته حملت في داخلها رغبة سيئة تجاه مجتمع بوذا الرهباني بعد انتقاده بشدة، وكما ذكرت بعض الروايات فالرغبة السيئة التي ميزت هذا الانشقاق دامت عدة قرون.

[لقائمة الجرائم الشنيعة الخمس انظر: جذر نذور البوذيساتفا.]

تُبيِّن رواية هذا الانشقاق أن بوذا كان مُتسامحًا لأقصى حد ولم يكن مُتشدِّدًا، فإذا رغب أتباعه في تبنِّي منظومة تأديب أخرى هي أشد صرامة من منظومته فلا بأس، وإذا لم يرغبوا فلا بأس بذلك أيضًا، ولم يُلزَم أي شخصٍ بممارسة ما علَّمه بوذا، حتى لو رغبَ راهبٌ أو راهبةٌ في ترك التنظيم الرهباني – خاصَّةً المجتمع الرهباني – إلى مجموعتيْنِ أو أكثر تحمل أي منها رغبات سيئة تجاه الأخرى، محاولةً لتشويه سمعتها أو إلحاق الضرر بها. حتى الانضمام إلى إحدى هذه الطوائف المتناحرة بعد ذلك، والمشاركة في حملة كراهيتها تجاه الآخر، يُعدُّ أمرًا شديد الضرر. ولكن إذا انخرطت إحدى المجموعات في أعمال تدمير وإضرار، أو اتبعت نظام تأديبٍ مُضِرٍّ، فإن الواجب يدعو إلى تحذير الناس من مخاطر الانضمام إلى تلك المجموعة، غير أن دافع المرء لفعل هذا يجب ألاَّ يختلط أبدًا بالغضب والكراهية، أو الرغبة في الانتقام.

وفاة بوذا

رغم تحقيقه للتحرُّر المنشود إلا أن بوذا تجاوز اضطراره خوض تجربة عادية للموت بشكلٍ خارج عن إطار السيطرة، ورغم ذلك قرَّر بوذا في سن الواحدة والثمانين أنه من المفيد أن يُعلِّم تلاميذه عدم الدوام وأن يترك جسده. وقبل ذلك منح تلميذه المقرب أناندا فرصةً ليطلب منه أن يعيش ويعلم مدةَ أطول، لكن أناندا لم يفهم ما أعطاه بوذا، وهذا يَدُلُّ على أن بوذا لا يُعلِّم إلا إذا طُلِبَ منه ذلك، وإذا لم يطلب منه أحدٌ ذلك، أو لم تبدُ عليه علامات الإثارة الفِكرية يتركه بوذا ليذهب إلى مكانٍ آخر؛ حيث يمكنه أن يكونَ أكثرَ نفعًا، فحضورَ المعلِّم وتعاليمه يعتمد على الطلاب.

حينئذٍ أصبح بوذا في بيت تشوندا بكوشيناغارا مريضًا على فراش الموت، بعد أن تناول وجبةً قدمها له راعيه ومجموعةٌ من رهبانه، وعلى فراش موته أخبر بوذا رهبانه أنه لو راودتهم أية شكوك أو أسئلة لا تحمل إجابات فعليهم أن يرجعوا إلى تعاليم الدارما ونظامها التأديبي الأخلاقي، وستكون الدارما ونظام التأديب الأخلاقي الآن هما مُعلِّميهما. وبذلك كان بوذا يُشير إلى أنه يجب على الإنسان أن يكتشف الأمور بنفسه (بنفسها) من التعاليم، فلم تكن هناك سُلطة مُطلَقة لتعطي الإجابات. وبعد ذلك تُوفِّيَ بوذا.

أصيب تشوندا بالذهول التامِّ، معتقدًا أنه قد دَسَّ السُّمَّ في طعام بوذا، لكن أناندا طمأنه قائلاً له: إنك في الحقيقة قد بنيت طاقةً إيجابية عظيمة أو "فائدةً" عبر تقديم الوجبة الأخيرة لبوذا قبل وفاته.

ثم أُحرقت جثة بوذا، ووضع رماده في قِباب (ستوبات) – مَعالِم الذخائر المقدسة – خاصة في المواضع التي أصبحت من أماكن الحج البوذية الرئيسة الأربعة:

  • لومبيني: مكان ولادة بوذا.
  • بوذ غايا: مكان بلوغ بوذا التنوير.
  • سارناث: المكان الذي شهدَ تعليمه الأول للدارما.
  • كوشينانغارا: المكان الذي تُوفِّيَ فيه.

الخاتمة

تُعطِينا التقاليد البوذية المتنوعة رواياتٍ مختلفة عن حياة بوذا، وتُرجع الاختلافات بينها إلى نظرة كل تقليد إلى بوذا وتعاليمه.

  • نُسَخ الهينايانا تتحدث عن بوذا التاريخي، من خلال حديثها عن مجاهدة بوذا نفسَه ليبلغ التنوير، وهذا يعلمنا أن نبذل مجهودًا كبيرًا بأنفسنا.
  • وحسَب نُسَخ الماهايانا العامة كان بوذا قد بلغ التنوير قبل دهورٍ مضت، وذلك من خلال تجسيد حياةٍ تحمل اثنيْ عشر عملاً خَيِّرًا مُستنيرًا، ويُعلمنا بوذا أن التنوير ينطوي على العمل إلى الأبد لصالح الجميع.
  • وفي روايات الأنوتارايوغا تانترا يتجسَّد بوذا في وقتٍ واحد بهيئة شاكياموني الذي يُعلِّم السوترا على مستوى وعيٍ بعيد الإدراك (براجناباراميتا سوترات)، وبهيئة فاجرادارا يُعلِّم التانترات. ويُشير ذلك إلى أن ممارسة التانترا تعتمد بشكلٍ كاملٍ على تعاليم مادياماكا حول الفراغ.

وهكذا، يمكننا تعلم الكثير من الأشياء المفيدة من كل مصدر تاريخي يَتحدَّث عن حياة بوذا، وأن نكتسب الإلهام عن الكثير من المستويات المختلفة.