أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

ما التأمل؟

ألكسندر بيرزين
موسكو، روسيا، يونيو ٢٠١٠ م
حرر النص كلٌّ من كيمبيرلي فيتزمورغان وألكسندر بيرزين

مقدمة

حينما نسمع كلمة "تأمل " فإن العديد من الأشخاص تساورهم أفكار مختلفة تجاهها، فيعتقد صنف من الناس بأنها تلك الممارسة الغامضة؛ حيث تجول بصاحبها إلى عالم مختلف يصوره عقله له . والصنف الآخر يرى أنها أقرب ما تكون إلى الفكرة التي تشير إلى أنه يمثل نوعًا معينًا من النظام، يطبق في قارة آسيا فقط، عن طريق نوع معين من الأشخاص . لكننا إذا أردنا أن نقترب من معنى كلمة "التأمل " فإننا نحتاج أن نسأل ثلاثة أسئلة، ونحتاج إجابات لها :

(١) ما المقصود بكلمة "تأمل "؟

(٢) لماذا نرغب في التأمل "؟

(٣) كيف نتأمل؟

ما المقصود بكلمة " تأمل " ؟

إذا سألنا : ما المقصود بكلمة "التأمل "؟ نجد أن الإجابة هي : التأمل هو الوسيلة التي تساعدنا في تدريب أنفسنا؛ كي نكون على حالة أكثر نفعًا لعقلنا أو اتجاهنا . وهذا يحدث تكرارًا عن طريق توليد حالة عقلية معينة نعود أنفسنا عليها، ونتخذها عادةً . وبالطبع تبدو هنالك حالات عديدة مختلفة للعقل واتجاهات أكثر نفعًا . وإحدى هذه الحالات للعقل أن نبدو أكثر ارتياحًا وأقل قلقًا وتوتُّرًا . وفي حالات أخرى أن نبدو أكثر انتباهًا، أو تلك التي نبدو فيها أكثر هدوءًا، دون أن نشعر بأي ثرثرة أو توتر ذهني دائم . وهنالك أيضًا حالة ذهنية نبدو فيها أكثر تفهمًا وإدراكًا لأنفسنا وللحياة من حولنا، وأخرى نشعر من خلالها بمزيدٍ من الألفة والمودة تجاه الآخرين . وهنا يتبين لنا أن هناك أنواعًا عديدة ومختلفة من الحالات العقلية ذات النفع، يمكننا اكتسابها من خلال التأمل .

ما الغرض من وراء التأمل؟

ثم يأتي السؤال الثاني : ما الذي يدفعني إلى إحداث مثل هذه الحالات الذهنية المختلفة؟ وللإجابة على هذا السؤال يتوجب علينا أن ننظر إلى عاملين :

  • أولهما : ما الذي أسعى إلى تحقيقه؟
  • ثانيهما : يأتي من وجهة نظر عاطفية : "لماذا أحاول جاهدًا أن أحقق هذا الهدف "؟ وعلى سبيل المثال : "لماذا أبحث عن عقل أكثر هدوءًا وأكثر نقاءً بالنسبة لي "؟

وأحد هذه الأسباب هو أنه عندما يساور العقل بعض الاضطراب فذلك يؤثر بدوره علينا، ويزعجنا كثيرًا، ويضفي علينا قدرًا كبيرًا من التعاسة، بل يمنعنا من أداء وظائفنا على أكمل وجه .

وقد يؤثر هذا العقل المضطرب بشدة على صحتنا، وقد يكون هذا هو السبب في تفاقم الكثير من المشكلات العائلية، أو يمثل خطرًا لكثير من علاقتنا، وقد يكون هو مصدر افتعال الصعوبات في مكان العمل . وبالتالي، وفي هذا السياق، سيبقى هدفنا هو التغلب على بعض العجز، أو بعض المشكلات التي تحيا بداخلنا، سواء ذهنيًّا أم عقليًّا، وبالتالي يمكن أن نقرر تحمل المسئولية حيال التغلب على هذه المشكلة بطريقة منظمة، وذلك من خلال التأمل فقط .

ثم يأتي السؤال الآخر : "ما الحالة العاطفية التي تدفعنا لبدء ممارسة هذا التأمل؟ حسنًا، قد نشعر أحيانًا بمزيد من الضيق والاشمئزاز حينما تنتابنا مثل هذه الحالة الذهنية الصعبة ". وحينها نقول لأنفسنا : "أما يكفي هذا؟ فنجد أنفسنا تجيبنا بأننا يجب علينا الخروج من هذا الوضع، وأن نعمل من أجل ذلك . وعندما نجد في أنفسنا توجهًا لمساعدة من نحب نجد أن حالتنا العاطفية – مع حالة الضيق – تميل إلى الألفة والمودة . وهذا المزيج من كل المشاعر يؤدي بنا إلى العثور على بعض الطرق، التي تمكننا من مساعدتهم على نحو أفضل .

ومن المهم جدًّا أن يتواجد لدينا إدراك واقعي لمفهوم التأمل، لذا فإنه من غير الواقعي أن نعتقد أن التأمل بمفرده يمكنه إيجاد حلول لمشكلاتنا، فما التأمل إلا أداة أو بالأحرى وسيلة . وحينما نود تحقيق نتيجة ما، ونملك رغبة إيجابية في تحقيقها، فلا بد أن ندرك أنه لا يمكن تحقيق هذه النتيجة بعامل واحد فقط، وإنما بتضافر العديد من العوامل والظروف؛ حتى نحصل على النتيجة التي نريدها .

فعلى سبيل المثال : إذا أصيب الفرد بارتفاع في ضغط الدم فسوف يكون للتأمل دور في تخفيفه؛ فالتأمل اليومي يمكِّن الفرد من التغلب على مشكلة القلق، ويعينه عليها، لكنه وحده لا يساعد الإنسان في التغلب على مشكلة كارتفاع الضغط مثلاً، بل يساعد مع أمور أخرى في علاج ذلك المرض . فلا بد أن يصاحبه تغير في نظام الغذاء المتناول، وكذا بعض التمارين البدنية، بالإضافة إلى تناول بعض الأدوية إلى جانب ذلك . وبالتالي يتبين لنا أن تضافر العوامل بعضها مع بعض يساعد في التغلب على ارتفاع ضغط الدم .

ويمكن للوسائل المستخدمة في التأمل أن توجه نحو تكوين حالة سلبية للعقل، فعلى سبيل المثال : قد يساعدنا التأمل في رؤية مدى فظاعة أعدائنا، حتى يصل الأمر إلى درجة الكراهية، وهو ما سنضمره وقتها تجاههم، لكننا لا نستطيع الحكم بأن التأمل يستخدم لمثل هذه الأمور، لأنه يستخدم في العموم في تمكين العقل من تكوين حالة إيجابية نافعة لنا وللآخرين .

كيف يحدث التأمل؟

وهذا هو السؤال الثالث : كيف نتأمل؟ والجواب عنه بأن هنالك وسائل كثيرة يمكننا استخدامها، لكنها - في كل الأحوال – تعتمد على الحالة الذهنية التي نود أن نكون عليها، لكن الحاجة إلى التمرين هي القاسم المشترك في كل هذه الوسائل المستخدمة . وتعني كلمة "تمرين " في مجملها تكرار نوع من الممارسة مرارًا وتكرارًا . فإذا أردنا تمرين أجسامنا فنحن نحتاج إلى ممارسة بعض الأنشطة البدنية بصورة منتظمة، وبطريقة مماثلة نحتاج إلى ممارسة هذا بعقولنا .

تنمية حالات جديد للعقل عن طريق التأمل

يمكن وصف التأمل في كونه تعاملاً ما مع حالة العقل، ولذا فإنه يبدو منطقيًّا أن نستخدم وسيلة عقلية ما لإحداث تغير حقيقي . والآن بإمكاننا أن نستخدم الوسائل البدنية لنحاول أن نغير من الحالة العقلية التي نتواجد عليها . فعلى سبيل المثال : لا يُعد الجلوس في أوضاع مختلفة من رياضة اليوغا، أو أداء فنون القتال العسكرية مثل التاي تشي، من أدوات التأمل ، فهذه الرياضيات في حد ذاتها لا تكون من طرق التأمل؛ حيث إن هذه الطرق البدنية تمكن الفرد من إحداث حالة عقلية معينة، على غرار التأمل الذي هو شيء تفعله بعقلك .

والآن، وبطبيعة الحال، يمكنك إحداث عملية الـتأمل أثناء ممارسة اليوغا، أو بعض فنون القتال العسكرية، وبالتالي فإن النشاط البدني يختلف عن النشاط العقلي، فأحدهم تفعله أجسامنا، والآخر تؤديه عقولنا .

وقد نحتاج إلى استخدام أسباب كثيرة ومتعددة – جسدية وعقلية على حد سواء – لإحداث النتائج المرجوة . فنحن نتعامل مع العوامل البدنية، على سبيل المثال، عن طريق تغيير النظام الغذائي المتعارف عليه، وهذا يؤثر بدوره على الحالة العقلية المتواجدة لدينا، لكن تبقى عملية التأمل هي من عمل العقل نفسه . ولذلك إذا أردنا أن نحقق هدفًا معينًا يجب علينا أن نتحقق حينها ما الذي نحتاجه من أسباب، سواء أكانت عقلية أم بدنية، لنغير من حياتنا، وبالتالي نصل إلى تحقيق هذا الهدف . وقد نحتاج حينها إلى البدء في ممارسة التأمل، أو تغيير النظام الغذائي، أو زيادة التمارين البدنية، أو كل هذه مجتمعةً للوصول إلى الهدف المرجوِّ .

وعندما يحدث ذلك بدقة فستبدأ جلسات التأمل في التأثير على حياتنا اليومية في الفترات الفاصلة بين الجلسات . فعندما نمارس حالة عقلية معينة أثناء جلسات التأمل، سواء أكانت حالة هادئة أم أكثر انتباهًا، أم أكثر مودة، فلن يكون القصد هو إحداث القدرة على توليد هذه الحالة الذهنية ونحن جالسون نتأمل في هدوء، وإنما القصد هو توليد أو إحداث حالة إيجابية؛ بحيث تظل عادةً نطبقها وقتما نحتاج إليها، في أي وقت أثناء اليوم . وأخيرًا سيصبح الأمر شيئًا طبيعيًّا يتواجد طوال الوقت لدينا، وسوف نصير أكثر ألفةً، وأكثر تفهمًا، وأكثر انتباهًا، وكذا أكثر هدوءًا .

وإن لم نجد أنفسنا في هذا النوع من الحالة الذهنية فسوف ينبغي علينا أن نذكر أنفسنا بهذه العبارة : "لنكن أكثر حبًّا ". ونستطيع أن نتحول إلى حالة العقل هذه؛ لأننا قد صرنا أكثر تكيفًا معها عن طريق الممارسة . فعلى سبيل المثال : حينما لا نتمالك أعصابنا تجاه شخص ما فسوف نشعر بذلك على الفور، ونذكر أنفسنا، بإدراك أو بدون إدراك، قائلين : "ما كان ينبغي لنا أن نفعل ذلك ". ثم ما نلبث أن نعض على أصابعنا، أو نحاول إعادة تشغيل النظام العقلي كما يحدث حينما تظهر رسالة تنذر بخطأ في نظام الحاسوب الآلي، وعليه فإننا نحاول التخلص من هذه الحالة من المزاج السيئ، ونسعى جاهدين أن يتولد لدينا حالة بديلة من الحب تجاه هذا الشخص .

وتوليد مثل هذه الحالات العقلية، كالحب أو العطف، لا يعتبر مجرد مسألة انضباط فقط . فعلى سيبل المثال، ولكي نصبح أكثر مودة يجب عليك إدراك لماذا نود أن تصبح هكذا . وعلينا أن نتذكر دائمًا أننا جميعًا تجمعنا روابط واحدة، "فأنت إنسان مثلي تمامًا، تشعر مثلما أشعر، ترغب في ألاَّ يتجاهلك الناس أو يبغضوك، مثلما أرغب تمامًا ". ولذا فنحن نتقاسم العيش معًا على ظهر البسيطة، ونود أن يتواصل كل منا مع الآخر .

سوف يساعدك المثال التالي على فهم ذلك : لنفترض أنك ركبت المصعد، وفجأة تعطل المصعد، واحتجزت هنالك بضعة أيام، فكيف يمكنك التواصل مع من هم عالقون معك في المصعد؟ فجميعكم عالقون في المصعد، وجميعكم يعاني الموقف نفسه . ويُلزمك الموقف حينها أن تبقى على اتصال بمن هم حولك، فلو تشاجرتم جميعًا لصارت فاجعة، وغرقتم كلكم، ألن يحدث ذلك؟ وبدلاً من ذلك يتوجب عليكم أن تتعاونوا معًا، وأن يتحلى كل منكم بالصبر على مصابكم . ويجب أن تعملوا معًا للخروج من هذه المحنة، ولذلك فإنه من المفيد جدًّا أن نعتقد أن الكرة الأرضية تشبه كثيرًا مصعدًا ضخمًا يضم أناسًا بين جنباته .

التأمل المنفرد هو وحده الذي يحدث حالة عقلية يغلفها الحب والتفاهم تجاه الآخرين، ومن الصعب أن تشعر بأي شعور حقيقي إن كان التأمل في جماعة، أو تخبر نفسك قائلاً : "سأكون أكثر حبًّا ". ولذا فإذا أردنا أن نسأل عن كيفية التأمل فأحد هذه الطرق لفعل ذلك هو أن نتهيَّأ لحالة عقلية معينة، مثل تلك الحالة التي نصير عندها أكثر حبًّا وتفهمًا، وعندها سنميل إلى استخدام سيناريو عقليًّا، مثل ذلك السيناريو الذي استخدمناه في المصعد، ثم نفكر فيه مليًّا إلى أن نتفهمه، ويصبح ذا دلالة بالنسبة إلينا . ولذلك فعندما نجلس لنتأمل بهدوء، ونتخيل الآخرين من حولنا، سواء كانوا أناسًا نعرفهم أم لا، فنحن نحاول حينها أن يتولد لدينا حالة عقلية من الحب والعاطفة تجاههم .

تهدئة العقل

هي إحدى الطرق الأخرى للـتأمل؛ حيث نصل عن طريقها إلى حالة تبدو أكثر ملائمة للعقل . وهنا نقطة يجب فهمها، ألا وهي حينما نرد بالعقل ذلك الهدوء فنحن لا نهدف إلى توقيف العقل، مثلما يحدث حينما يُوقَف تشغيل الراديو، فلم يكن هذا هو المقصد، وإنما المقصد هو التخلص من كل ما يؤرق العقل ويزعجه، فقد ينتاب الفرد بعض من الانفعالات المعينة، وقد تبدو هذه الانفعالات أكثر إزعاجًا، مثلما يحدث في حالات التوتر أو القلق أو الخوف . ونحن بحاجة إلى تهدئة كل هذه الانفعالات المزعجة .

وعندما نحاول تهدئة عقولنا فنحن نريد تحقيق حالة عقلية أكثر صفاءً ويقظة، حالة نتمكن من خلالها من توليد بعض من الحب والتفاهم، أو حالة نتمكن عن طريقها من التعبير عن بعض من الطبيعة والدفء الإنساني الذي نتحلى به جميعًا . وهذا يتطلب منا استرخاءً عميق جدًّا، وليس استرخاء العضلات البدنية فقط – وهذا أمر ضروري – بل استرخاء لكل الضغوط العقلية أو العاطفية، التي تحول دون الإحساس بأي شيء، وخاصة تحول دون الإحساس بدفء أو نقاء العقل . وهذا لا يُعد تمرينًا يمكننا إيقافه، أو أن نصبح مثل إنسان آلي بلا فكر على الإطلاق .

ويعتقد بعض الناس أن التأمل هو التوقف عن التفكير، وهذا سوء فهم للأمر؛ فبدلاً من أن يكون سببًا في توقف كل أنواع التفكير ينبغي للتأمل أن يكون سببًا في توقف أنواع التفكير الدخيلة، أو غير الضرورية، مثل الفكر الشاغل حول ما يتعلق بالمستقبل، مثل تفكيرك فيما سوف تتناوله في العشاء . أو التفكير السلبي أو غير الدقيق، كتفكيرك في كونك بدوت شخصًا وضيعًا بالأمس، أو شخصًا كريهًا . وكل هذه الأنواع من التفكير تندرج تحت فئة الأفكار المزعجة أو الضالة .

وإذا تحلينا بعقل هادئ فهذا مجرد وسيلة، وليست غاية في حد ذاتها، إلا أنه إذا تحلينا بعقل يتمتع بمزيد من الهدوء، أو الصفاء، أو التفتح، يمكننا استخدامه على نحو بناء؛ حيث إنه يستطيع مساعدتنا في حياتنا، وكذا يمكننا استخدام هذا العقل لفهم المزيد عن وضع الحياة من حولنا .

وإذا تحلينا بعقل يخلو من مشاعر مزعجة، أو أفكار ضالة، فذلك أدعى أن نفكر بمزيد من الصفاء نحو موضوعات أكثر أهمية في الحياة، مثل تفكيرنا التالي : "ما الذي كنا نفعله في حياتنا؟ ما الذي يحدث في هذه العلاقة المهمة؟ وهل يبدو ذلك مفيدًا أم لا؟ وهنا نكون أكثر بصيرة بالأمور، وهذا بدوره يسمى الاستبطان؛ حيث إنه يعني التحلي بمزيد من الاستقراء نحو ما يجري بداخلنا، أو ما يدور من حولنا . ولو حاولنا فهم هذه القضايا، أو التحلي بالاستبطان بطريقة بناءة، يتوجب علينا أن نصبح أكثر صفاءً . فكل ما نحتاجه هو عقل هادئ ومطمئن، والتأمل هو إحدى هذه الوسائل التي بإمكانها أن تحدث مثل هذه الحالة العقلية .

حالات العقل التصورية أو غير التصورية

ترشدنا بعض نصوص التأمل إلى أن نتخلص من الأفكار التصورية، وأن نحذو حذو الأفكار غير التصورية، إلا أنه – وقبل كل شيء – فإن هذه الإرشادات لا يمكن تطبيقها على كل حالات التأمل، فهي تشير تحديدًا إلى تأمل تقدمي يركز على الواقع، ومع ذلك يوجد نوع من الخيال يجب أن تتخلص منه كل أنواع التأمل . ولكي نفهم الأنواع المختلفة من الأفكار التصورية التي تناقَش في كل أنواع الـتأمل ينبغي أولاً أن نفهم ما المقصود بكلمة "تصوري ".

بعض الناس يعتقد أنَّ كَون الشخص تصوريًّا فهذا يشير إلى تحلِّيه بالأفكار العادية، أو الأفكار اليومية اللفظية التي تدور بعقولنا، أو ما يسمى بـ "صوت ما برءوسنا ". ولكي نتحلى بالفكر غير التصوري فهذا يعني ببساطة أن نُسكِت هذا الصوت، لكن إسكات هذا الصوت يعني البداية فقط . ولقد ناقشنا في هذا السياق أنه إذا أردنا أن ننعم بعقل صافٍ وهادئ فلا بد لنا من أن نخلي العقل من أي أفكار ضالة مزعجة . والبعض يعتقد أنه إذا أردنا أن نفهم شيئًا ما حق فهمه فلا بد لنا أن نفهمه بطريقة غير تصورية، فالفكر التصوري والفهم الصحيح لا يجتمعان معا إلا أن هذه ليست القضية بعينها .

ولكي نصل إلى حل التعقيدات الخاصة بمفهوم "التصورية " فلا بد أن نفرق ما بين التعبير لفظيًّا عن شيء ما في أفكارنا، وبين فهم هذا الشيء، فنحن باستطاعتنا أن نعبر لفظيًّا عن شيء ما في أفكارنا بفهم هذا الشيء، أو بدون فهمه . فعلى سبيل المثال : يمكننا بطريقة عقلية أن نتلو صلاة بلغة أجنبية، إما بفهم معناها، أو بدون فهم، وكذا يمكننا أن نفهم شيئًا ما؛ إما عن طريق تأويله عقليًّا بكلمات أو بدون تأويل، فعلى سبيل المثال : كيف يشعر المرء أنه في حالة حب؟

فمسألة الإدراك التصوري مقابل الإدراك غير التصوري ليست مسألة فهم شيء من عدم فهمه، ففي الحياة اليومية وأثناء التأمل نحن بحاجة إلى الاحتفاظ بحالة الفهم هذه، سواء كان ذلك بطريقة تصورية أم لا، أو سواء عبرنا عنه عقليًّا بطريقة لفظية أم لم نعبر . وقد يكون التعبير اللفظي مفيدًا بعض الأوقات، وفي أخرى لا يبدو مفيدًا على الإطلاق، أو لا تبدو هناك حاجة إليه .

فعلى سبيل المثال : ربط الحذاء، فجميعنا يفهم طريقة ربط الحذاء، لكن هل يتطلب الأمر منا بالفعل أن نعبر لفظيًّا عما نفعله بهذه العقدة أو بتلك حينما نربطها؟ بالطبع لا، فأنا أعتقد أن معظمنا سيواجه صعوبة في التعبير لفظيًّا عن كيفية ربط الحذاء، ومع ذلك فنحن نفهم كيفية ربطه . فبدون الفهم لا يمكننا فعل شيء في الحياة، أليس كذلك؟ فبدونه نحن لا نستطيع حتى أن نفتح الباب .

وترى بعض وجهات النظر أن التعبير اللفظي أكثر نفعًا، ويرى البعض الآخر أننا نحتاج إليه لنستطيع التواصل مع الآخرين، ومع ذلك فإن التعبير اللفظي يبدو غير ضروري في تفكيرنا؛ فالتعبير اللفظي في حد ذاته حيادي . ونحن نتحلى ببعض التأملات المفيدة التي تنطوي على التعبير اللفظي . فعلى سبيل المثال : تكرار المانترا عقليًّا هو درب من دروب التعبير اللفظي، الذي يولد ويحتفظ بنوع معين أو ذبذبة في العقل، وهو ما تُعد ذات نفع كبير؛ فهي تساعدنا في الاستمرار في التركيز على حالة عقلية معينة .

فعلى سبيل المثال : إذا تولدت لدينا حالة من الحب والألفة من جراء تلاوة المانترا، مثل أوم ماني بيمي هونغ، فإنه من اليسير جدًّا الاستمرار في التركيز على هذه الحالة، إلا أنه قد نبقى على حالة الحب هذه دون التعبير عن ذلك عقليًّا . لذا فإن التعبير اللفظي في حد ذاته لا يعتبر مشكلة، وعلى الناحية الأخرى نحن بحاجة إلى تهدئة عقولنا حينما تنشغل بتفاهات لا قيمة لها .

إذن إن لم تكن قضية "التصورية " تتعلق بالتعبير اللفظي أو الفهم، فما القضية؟ وما المقصود بالعقل التصوري؟ وما حقيقة إرشادات التأمل حينما تدعونا إلى التخلص من الفكر التصوري؟ وهل هذه التعاليم تلائم كل مراحل ومستويات التأمل، بالإضافة إلى الحياة اليومية؟ من المهم جدًّا توضيح هذه النقاط .

يشير العقل التصوري إلى التفكير في الأشياء من حيث الفئات، وهو ما يعني ببساطة التفكير في الأشياء عن طريق الاستعانة بأدوات لوضعها في "أطر "، فمثلاً حينما نقول : إن هذا "حسن "، وهذا "سيئ ". وهذا "أسود "، وهذا "أبيض ". أو هذا "كلب "، وهذه "قطة ". وكذلك حينما نتسوق فنحن بحاجة إلى القدرة على التمييز بين "التفاح " وبين "البرتقال ". وبين "الناضج " وبين "النِّيء ". وفي مثل هذه الأمور اليومية لا يبدو هنالك مشكلة للتفكير في الأشياء بمفهوم الفئات، إلا أننا إذا وضعنا الأشياء في أنواع أخرى من الفئات فقد تظهر المشكلة، وأحد هذه الأنواع هي ما نسميه بـ " التصور السابق ".

وهناك بعض الأمثلة التي يمكنها إيضاح المقصود بـ "التصور السابق "؛ فحينما تقول لصاحبك : "أتوقع دائمًا أن تبقى وضيعًا عندي، فأنا أبغضك لكونك فعلتَ بي كذا وكذا في الماضي، ولذا فأنا أتوقع أن تبقى دائمًا شخصًا بغيضًا بالنسبة لي ". ولذا فنحن أصدرنا حكمًا سابقًا على هذا الشخص؛ بأنه شخص كريه بالنسبة لنا، وسيبقى هذا شعوره نحونا، وهذا ما أسميناه "التصور السابق ".

وفي تصورنا قد وضعنا هذا الشخص في فئة أو إطار "الشخص البغيض "، وبالطبع إذا تصورناه على هذا النحو، أو إذا قذفناه بالظن بأنه شخص وضيع يفزعنا دائمًا، فإنه سيبقى هنالك حاجز بيننا وبين هذا الشخص . ففكرة "التصور السابق " تؤثر بشكل كبير على علاقتنا به، ولذا فإن هذه الفكرة درب من دروب الحالات العقلية؛ حيث نتمكن من خلالها من وضع الأشياء في فئات أو أطر معينة .

وهنالك عدة مستويات للفكر اللاتصوري، وأحد هذه المستويات يتجلى في بقائنا منفحتين على موقف حينما يحدث، ولا يعني هذا أن نتخلى عن كل الفهم التصوري . فعلى سبيل المثال : لو قيل إنه يوجد كلب ما آذى الناس كثيرًا بعضاته، وعندما نضع هذا الكلب في فئة "الكلاب التي تعض " فسوف يتولد شعور لدينا بالحذر تجاه هذا الكلب كلما رأيناه، فنحن قد ينتابنا بعض الحذر كلما اقتربنا باتجاهه، لكن على الوجه الآخر لا نملك تصورا سابقًا أن "هذا الكلب سينال منا بالتأكيد، ولذا فلن نحاول الاقتراب منه "، بالطبع لن يحدث ذلك، فهناك توازن معقول بين قبول الموقف عندما يحدث، وبين عدم امتلاك تصورات سابقة تمنعنا من مواجهة الموقف كليًّا .

فمستوى الفكر اللاتصوري المطلوب في كل التأملات هو تواجد عقل يخلو من التصورات السابقة . وأحد أكثر هذه الإرشادات عمومية هو أن نتأمل بدون أي توقعات، وبدون أي مخاوف . فربما تكون التصورات السابقة حول جلسة التأمل مجرد توقع بنجاحها على النحو الذي نرتضيه، أو ربما تكون قلقًا بشأن إصابة أرجلنا، أو اعتقادنا بأننا لن ننجح على الإطلاق .

والتوقع والقلق أفكار ناتجة عن تصورات سابقة، سواء عبرنا عن هذا لفظيًّا بصورة عقلية أم لم نعبر . مثل هذه الأفكار تضع جلسة التأمل القادمة تحت التصنيف العقلي "خبرة رائعة " أو "خبرة مؤلمة "، وبالتالي سيفضي المنهج اللاتصوري للتأمل إلى ما سيحدث ببساطة، ويتعامل معه طبقًا لتعاليم هذا التأمل، بدون أن يصدر حكمًا على الموقف .

مواقف مؤدية إلى التأمل

نحن بالتأكيد بحاجة إلى موقف يؤدي إلى التأمل، ويعتقد بعض الناس أن هذا الموقف المفضِي هو ما نسميه بـ " خلفية هوليوود ". فهم بحاجة إلى حجرة خاصة تكتنفها الشموع، ونوع معين من الموسيقى، بالإضافة إلى بعض البخور لحدوث ذلك، ولا يحدث ذلك سوى باستخدام خلفية شبيهة بخلفية مدينة هوليوود بالكامل المستخدمة في الأفلام . وإذا توافر لدينا مثل هذه الخلفية فذلك قد يبدو جيدًا، وإذ لم تتوافر فلا يُعد ذلك ضروريًّا . ونحن بحاجة إلى إظهار الاحترام لأنفسنا، وبما نفعله من خلال تأملنا، ولذا ينصح دائمًا بأن تكون الخلفية الطبيعية المستخدمة في التأمل رائعة ونظيفة . وعادة يتطلب الأمر في بعض الأحيان تنظيف الحجرة التي سنتأمل فيها، وكذلك ترتيبها، من خلال الابتعاد عن رمي الثياب في جميع أنحاء الحجرة، وأشياء من هذا القبيل . فلو أضحت البيئة المحيطة مرتَّبة من حولنا فسوف يمكن ذلك العقل من أن يفكر دائمًا على نسق منتظم، وإن لم تكن كذلك فسوف يؤثر ذلك على العقل بصورة سلبية .

وإذا توافر كذلك بيئة هادئة جدًّا فسوف يكون ذلك مفيدًا جدًّا، وخاصة إذا تم الأمر في البداية . ففي العادة البوذية لا تستخدم الموسيقى إطلاقًا في عملية التأمل، وتعتبر الموسيقى مصدرًا خارجيًّا نعتمد عليه أحيانًا لكي ننعم بالهدوء . وبدلاً من الاعتماد على مصدر خارجي لإحداث الهدوء فنحن بحاجة إلى القدرة على توليد ذلك داخليًّا . والموسيقى كذلك قد تصبح أداة تساعدنا على الارتخاء، ونحن لا نريد أن نصل إلى حالة الخمول هذه، فلسنا بحاجة إلى التهدئة من روع أنفسنا، كما لو كنا في غرفة الانتظار عند طبيب الأسنان؛ حيث لا تتيح الموسيقى توفير بيئة صالحة للتأمل .

وبخصوص وضعية التأمل، إذا نظرنا إلى العادات الآسيوية المختلفة فسوف نرى هنالك العديد من الطرق المختلفة للجلوس في وضعية التأمل، فهناك الطريقة التبتية والهندية؛ حيث يجلسون القرفصاء . وهناك الطريقة اليابانية؛ حيث يركعون وأرجلهم مثنية من تحتهم، وأقدامهم متجهة إلى أسفل . وهنالك الطريقة التايلاندية؛ حيث يجلس أهلها وأقدامهم مثنية في جانب واحد . وأهم شيء هو الجلوس في وضعية مريحة، فلو أردت الجلوس على أحد الكراسي فهذا أفضل لك . وتكون الحالة المزاجية مهمة في كل تمارين التأمل المتقدمة، التي نعمل فيها بأنظمة طاقة الجسم .

وفي العموم نحن بحاجة إلى القدرة على الجلوس في أي وضع، فربما اعتاد الفرد جلوس القرفصاء على الأريكة، لكن قد يبدو الوضع مختلفًا على متن الطائرة؛ حيث لا نستطيع الجلوس في وضعية القرفصاء، وبالتالي فنحن نتأمل، بينما نجلس بشكل طبيعي على المقعد .

وتعد البيئة الهادئة مهمة جدًّا، خاصة للمتأملين قليلي الخبرة . وليس من السهل للكثيرين منا إيجاد مكان ننعم فيه بالهدوء، وخاصة في المدينة، ولذا يلجأ بعض الناس إلى التأمل باكرًا، أو متأخرًا في الليل حينما يهدأ الصخب . وأخيرًا، وحينما يتقدم العمر بنا، فلن تستطيع الضوضاء مضايقتنا، ولكن سيصبح الأمر يسيرًا في البداية لكي نبتعد عن مصدر الضوضاء الخارجي .

وبصفة عامة ينبغي أن نحدد لأنفسنا – وبشكل شخصي – أي الأوقات اليومية يحلو التأمل فيها . فعلى سبيل المثال، يرى كثير من الناس أن طاقتهم تنخفض بعد تناول الطعام، ويصابون بالتعب، ولذا فلن يكون ذلك أفضل الأوقات للتأمل . وقد يبدو بعض الناس في حالة من النشاط والحيوية في الصباح الباكر حينما يستيقظون، وهناك آخرون يظلون في حالة من الترنح طيلة الصباح . وقد يظهر بعض الناس في حالة من النشاط في أوقات متأخرة من الليل، وهناك آخرون يصارعون البقاء مستيقظين إذا أرادوا التأمل قبيل مبيتهم . ولذا فإنه من المهم جدًّا أن نحدد الأوقات المناسبة للتأمل .

وكذلك يجب أن نحدد أي الأوضاع يحلو التأمل فيها، فإذا جلسنا القرفصاء – على سبيل المثال – فينصح وبشدة وضع وسادة تحت مؤخرتنا، إلا أن هناك أناسًا آخرين لا يستخدمون الوسادة . وإذا استخدمنا الوسادة فلا بد أن نحدد لأنفسنا أي الوسادات نستخدم؛ أنستخدم الوسادة السميكة أم الرفيعة؟ أنستخدم الوسادة الخشنة أم الناعمة؟

فلا بد من اختيار نوع الوسادة وكذلك الوضع اللذين سيمنعان الفرد من أن يغفو، أو يشعر بالألم، أو يستريح . ويجب ألاَّ تتحول جلسة التأمل إلى جلسة تعذيب؛ حيث نشعر فيها بمزيد من آلام الأقدام، ولا نستطيع المكوث فيها، ونتركها على الفور . لذا فإن نوع الوسادة المستخدمة يحدث فارقًا عظيمًا في عملية التأمل . وحينما نكبر في السن فإننا لا نستطيع أن نجلس القرفصاء، فلا مشكلة في أن نستخدم كرسيًّا في الجلوس، ولكن بشرط أن يكون مسنده مستقيمًا .

وكذلك كلما تقدَّم بنا السن تغير الوقت المخصص للتأمل . ففي البداية ينصح عادة بالتأمل فترة قصيرة - من ثلاث إلى خمس دقائق – لأنه ستوجد صعوبة آنذاك في التركيز؛ حيث إننا لن نستطيع الانتباه أكثر من هذه المدة . ويفضل أن تكون الفترة قصيرة لننعم بمزيد من الانتباه، ولا تكون طويلة؛ حتى لا نصبح عرضة لتشتيت الانتباه، أو النعاس، أو انهيار قوتنا .

ومن المهم جدًّا أن نحافظ على وضعيتنا، ولا نكثر التحرك إذا أدينا نوعًا معينًا من التأمل الزن (أحد المذاهب البوذية ). وفي أنواع أخرى من التأمل، إذا أردت أن تحرك ساقيك فليس هذا صعبًا . ومن المهم جدًّا في كل أنواع هذه الممارسات الروحية أن تبقى مسترخيًا، وألاَّ تدفع بنفسك نحو مزيد من العناء . بالطبع يجب علينا إظهار الاهتمام فيما نفعله، إلاَّ أن الأمر لا يجب أن يتحول إلى مجرد موقف درامي .

ومن أحد المبادئ المهمة التي يجب أن نتذكرها أن كل شيء يزيد وينقص، ففي أحد الأيام قد تسير عملية الـتأمل على خير ما يرام، وقد لا تكون كذلك في أيام أخرى . ففي بعض الأيام قد يحلو لنا أن نتأمل، وقد لا يحلو ذلك لنا في أيام أخرى . فلن تكون المسألة هنا أن تسير عملية التأمل نحو التحسن بخطى ثابتة، فالعلاقة هنا ليست علاقة خطية، بل هي دائمًا مسألة ارتفاع وهبوط . ومن المحتمل بعد مرور سنوات قليلة أن تتوفر لدينا القدرة على أن نبصر مؤشرًا عامًّا بوجود تحسن في عملية ممارسة التأمل . لكن ستظل المسألة دائمًا هي مسألة وجود تحسن في بعض الأيام مقارنة بأيام أخرى .

يقول أحد المعلمين : "لا يوجد هناك شيء جديد ". فالأمور تسير على ما يرام، لا يوجد هناك شيء جديد . فكل ما عليك فعله هو التحلي بروح المثابرة، وعليك بمداومة التأمل كل يوم . فإذا أردنا أن نتعلم موسيقى البيانو فيجب علينا ممارسة ذلك يوميًّا . فإذا مارسنا التأمل بضع دقائق وجب علينا أن نتبعها بفترة استراحة، فهذا أمر جيد . وإذا تأملنا بضع دقائق أخرى فعلينا أن نتبعها بفترة استراحة أخرى . ويعد هذا الوضع لممارسة التأمل أفضل من الجلوس ساعةً في جلسة أشبه ما تكون بجلسة التعذيب .

التأمل عن طريق التنفس

يتساءل كثير من الناس عن كيفية البدء في التأمل، فيعتقد معظم الناس في تقاليد عديدة أن الطريقة التي سنبدأ بها هي تلك الطريقة التي سيعتمد فيها التأمل على التنفس . وتتم عملية التأمل باستخدام التنفس بصورة طبيعية؛ فلا نتنفس سريعًا جدًّا، أو بطيئا جدًّا، ولا نتنفس بصورة تبدو عميقة جدًّا، أو سطحية . فكل ما يجب علينا فعله هو أن نمارس التنفس بصورة طبيعية عن طريق الأنف، ولا يجب علينا أن نتنفس بعمق، أو أن نبالغ فيه، فإن ذلك يصيبنا بعدم اتزان كبير، وهو الأمر الذي لا يبدو مفيدًا على الإطلاق .

ويمكننا التركيز على التنفس من موضعين :

  • أحدهما التركيز على الإحساس بالأنفاس، وهو أن تدخل الهواء وتخرجه من الأنف .
  • والآخر يرتكز على الإحساس بالمعدة، وهو أن تروح جيئة وذهابًا .

فإذا هام عقلك، وطافت نفسك في عنان السماء، وانفصلتَ عمَّن حولك، فعندها قد يساعدك التركيز على منطقة المعدة حول الوسط، وهي تروح جيئة وذهابًا، في العودة من حيث كنت . وعلى الجانب الآخر، إذا أضحيت متبلدَ العقل، يصيبك بعض الفتور، فعندها قد يساعدك التركيز على الإحساس بالنفَس، وهو يدخل ويخرج من الأنف، في استعادة مزيد من الطاقة، ولذا فالمقصد جميعه من وراء ذلك هو التركيز بشيء من الوعي على عملية التنفس، فلا ينفصل العقل عمَّا يحدث، وإنما يستشعر بالتنفس دون أن يكون هناك أي تفسير لما يحدث .

فالعمل الحقيقي هو استرجاع الإدراك كلما تشتت الانتباه بعيدًا، أو بمعنى آخر إذا أضحى الفرد يصيبه الفتور أو الملل يجب عليه أن يستعيد نشاطه وحيويته، وهذا هو المطلوب منا أن نفعله هنا . ولا ينبغي أن نخدع أنفسنا قائلين : "ليس هذا بالعمل السهل ". فنحن نميل إلى أن نكون على تعلق شديد بأفكارنا، أو شرودنا العقلي، وننسى أننا بحاجة إلى استرجاع انتباهنا، وبخاصة إذا كان هناك عاطفة مزعجة يتضمنها تفكير ما، مثل التفكير بشخص ما قد نبدو شديدي التعلق به، أو شخص نفتقده، أو شخص نغضب منه، وهنا ستكمن الصعوبة في استرجاع انتباهنا، فأنفاسنا شيء ثابت يمكننا دائمًا أن نسترجع انتباهنا إليه .

والتركيز على التنفس له فوائد أخرى، فالتنفس ذو صلة وطيدة بالجسم . فإذا تمثل فينا ذلك الشخص الذي دائمًا ما ينشغل باله بالتفكير، أو ذلك الشخص الذي يهيم عقله، وينفصل عن الآخرين، فحينئذ قد يساعدنا التركيز على التنفس، بغض النظر عن مصدره، سواء من منطقة الأنف أم المعدة، في العودة إلى رشدنا، واسترجاع وعينا، والقرب أكثر من الواقع .

ويبدو التركيز على التنفس مفيدًا جدًّا في تخفيف بعض الآلام؛ حيث اتخذت بعض المستشفيات من التأملات المستخدم فيها التنفس وسيلة للتغلب على العديد من الآلام . فحينما يبكي الطفل، وتحمله الأم إلى صدرها، فإن الطفل يستشعر حينها بأنفاس أمه وهي تخرج وتدخل، وهو ما يؤدي دورًا كبيرًا في تهدئة روعه وبكائه . وبالمثل، إذا أولينا الاهتمام بالتنفس فذلك يساعد بقدر كبير في تهدئة روعنا، لا سيما إذا أصابنا آلام عديدة . والتنفس لا يساعد فقط في تخفيف أو تقليل الألم البدني، ولكنه يساعد أيضًا في تخفيف الألم النفسي .

وبعد، فنحن بحاجة إلى معرفة ما الذي نفعله بأعيننا وقت التأمل . ففي بعض العادات يتم التأمل عن طريق إغماض العين؛ حيث يساعد ذلك بقدر كبير في التغلب على تشتيت الانتباه، لكن قد يؤدي إغماض العين بسهولة إلى أن نغفو سريعًا . وثمة عيب آخر للتأمل عن طريق إغماض العين؛ وهو أننا كلما أردنا أن نتأمل أو نهدأ اعتدنا على إغماض العين، وهو أمر يصعب عادةً فعله باستمرار في الحياة العادية . وعلى الوجه الآخر، يتأمل التبيتيون وأعينهم مفتوحة، ولا يكون ذلك بفتح العين كلية، أو النظر حولهم، وإنما بنظرة رقيقة غير متسلطة نحو الأرض، ومرة أخرى نحن بحاجة إلى نقرر ما الأفضل لنا .

توليد الحب تجاه الآخرين

وكلما ساعد التأمل عن طريق التنفس في تهدئة عقولنا استطعنا بالتالي الاستفادة من هذه الحالة العقلية الهادئة . فعلى سبيل المثال : يمكننا استخدام هذه الحالة العقلية في توليد مزيد من مشاعر الحب تجاه الآخرين، وإذا أردنا توليد هذه المشاعر وجب علينا المضي قدمًا نحو خلق حالة من الحب .

في البداية، لا يمكن نا مجرد التفكير هكذا : "الآن نحن نحب الجميع "، ومن ثَم نشعر بذلك فليس هناك أي قوة وراء ذلك التفكير ، ولكن يجب علينا فقط أن نحاول إحداث عملية فكرية تدفع بنا قدمًا نحو خلق حالة من الشعور بالحب شبيهة بـكَوْن : "الكائنات الحية ترتبط بعلاقة وطيدة، فجميعنا يتواجد معًا، وكلنا متساوون . ونريد أن نكون سعداء، فلا نبتغي الشقاء . ونريد الحب من كافة الناس فلا نبتغي الكره أو التجاهل من أحد، فنحن جميعًا سواء ".

وحيث إننا هنا معًا، ويرتبط بعضنا بعلاقات مع بعض، إذن يكون الحب هو الشعور بالتالي : "عسى أن يكون الجميع سعداء، ولديهم أسباب السعادة . فيا لها من روعة لو نَعِم الجميع بالسعادة، ولم يكن هناك أحد يعاني من أي مشكلات ". وإذا تولدت لدينا هذه الحالة العقلية، وهذا القلب الذي يحيا بالحب، فسيشع منا ضوء أصفر دافئ، أشبه ما يكون بضوء الشمس يشمل الجميع بالألفة والمحبة، وإذا تشتت انتباهنا بين هذا وذاك فإننا نعيده إلى هذا الإحساس "أتمنى أن ينعم الجميع بالسعادة ".

بناء عادات مفيدة للحياة اليومية

وإذا عوَّدنا أنفسنا على أنواع التأمل المختلفة فسوف يتطور لدينا أدوات يمكن استخدامها في حياتنا اليومية . فببساطة لن يظل التركيز على أنفسنا هو النشاط الوحيد الذي نفعله في حياتنا اليومية، فليست هذه هي الغاية النهائية، أليس كذلك؟ وإنما الغاية هي أنه قد تطورت لدينا مهارة القدرة دائمًا على استرجاع الانتباه إلى حالة التركيز؛ حيث يمكننا بالتأكيد الاستفادة من ذلك في حياتنا اليومية .

فعلى سبيل المثال : إذا تحدثنا إلى شخص ما، وبدأت أذهاننا تشرد بعيدًا، ونفكر قائلين : "متى ستصمت هذه؟ " وتدور في عقولنا أحكام وتعليقات عمَّا يقال، وبمجرد أن ندرك ما يحدث نكون بحاجة إلى تهدئة كل هذه الأشياء، ونرجع بانتباهنا إلى تلك المرأة، وما الذي تقوله . فنحن نحاول الاستفادة من المهارات التي تستخدم لتوليد حالة الفهم التي تسير على : "أن هذه ما هي إلا بشر تريد المحبة، وترغب في أن ننصت إليها وهي تتحدث، وكذلك تريد أن يؤخذ كلامها على محمل الجد، مثلما يحدث ونحن نتحدث ".

وبالتالي فالهدف من كل هذا هو أن نتمكن من تطبيق كل المهارات التي نَمَت عندنا، من خلال التأمل في كل خبرات الحياة اليومية . فنحن لا نسعى للحصول على الميدالية الأوليمبية، من خلال القدرة على الجلوس بطريقة مثالية في التأمل، وإنما نتأمل لنستفيد من ممارسة التأمل في حياتنا اليومية، سواء كان ذلك على المستوى الشخصي، أو من خلال الاحتكاك بالآخرين . ولكي نفعل ذلك فنحن بحاجة إلى تنمية عادات أكثر نفعًا، وهذا هو كل ما يعنيه التأمل .