أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الصفحة الرئيسة > مكانة البوذية في العالم > مقدِّمة عن البوذية > استخدام الطرق البوذية لمساعدتنا في الحياة اليومية

استخدام الطرق البوذية لمساعدتنا في الحياة اليومية

ألكسندر بيرزين
موسكو، روسيا، سبتمبر، ٢٠١٠ م
حرره وعدله كلٌّ من لوك روبرتس وألكسندر بيرزين

سنتحدث هذا المساء عن كيفية استخدام الطرق البوذية لتساعدنا في حياتنا اليومية، عندما نتحدث عن الطرق البوذية أو التعاليم البوذية فإن الكلمة التي تعني هذا في اللغة السنسكريتية هي "الدارما ". وإذا نظرنا إلى ما تعنيه هذه الكلمة في الواقع نجدها تعني : "شيئًا يكبح جماحنا ". فالدارما هي شيء يكبح جماحنا، أو يحمينا من المعاناة، أو الوقوع في المشكلات .

الحقائق الأربع النبيلة

أول شيء علَّمه بوذا هو ما يعرف بـ "الحقائق الأربع النبيلة ". ويعني هذا أن هناك أربع حقائق يمكن لأي أحد رفيع المكانة، ويستطيع أن يفهم الحقيقة،أن يفهم أن هذه الحقائق صحيحة، وهذه الحقائق الأربع هي :

  • المشكلات الحقيقية التي نواجهها جميعًا.
  • الأسباب الحقيقية وراء هذه المشكلات .
  • كيف سيبدو الأمر إذا كان هناك توقف حقيقي لهذه المشكلات، حتى لا نعاني من هذه المشكلات بعد الآن .
  • طريقة الفهم والتصرف - وما إلى ذلك - التي ستؤدي إلى توقف كل مشكلاتنا .

مشكلاتنا الحقيقية

لدى البوذية الكثير لتقوله عن المشكلات، وكيفية التعامل معها . في الحقيقة يكون القصد من وراء كل تعاليم بوذا أن تساعدنا على أن نتغلب على صعوبات الحياة، والمنهج الذي تسلكه منهج عقلاني جدًّا وعملي . إنه يقول : أيًّا كانت تلك المشكلات التي نعاني منها فلكل مشكلة سبب . لذلك يجب علينا أن ننظر بأمانة وعمق كبيرين داخل أنفسنا؛ لنرى ما الصعوبات التي نواجهها .

بالنسبة للكثيرين منا ليست هذه بالعملية السهلة اليسيرة، فمن المؤلم حقًّا أن ننظر لنرى ما الجوانب الصعبة في حياتنا، وينكر الكثير من الناس هذا، فهم لا يريدون الاعتراف بأن لديهم مشكلات، كالعلاقات غير الصحيحة مثلاً، ولكن على الرغم من هذا فهم يشعرون بالتعاسة . ولكننا لا يمكننا أن ندع الأمر على مستوى : "أنا لست سعيدًا " فقط، بل نحن بحاجة إلى أن ننظر بصورة أعمق لماهية المشكلة في الواقع .

الأسباب الحقيقية وراء مشكلاتنا

بعد ذلك نحتاج إلى أن ننظر لنكتشف الأسباب الحقيقية لمشكلاتنا، فلا توجد المشكلات من تلقاء نفسها، ولا تنشأ من العدم، فلا بد أن يكون هناك سبب . وبالطبع هناك العديد من المستويات العديدة للعوامل، التي تدخل في إيجاد موقف غير مُرْضٍ . على سبيل المثال : عندما يكون هناك صراعات شخصية في علاقة ما يمكن أن يكون هناك عوامل اقتصادية إضافية تزيد الأمر تعقيدًا؛ كنقص المال مثلاً، وما إلى ذلك . أو مشكلات مع الأطفال، أو مشكلات مع الأقارب والآخرين . ويمكن أن توجد شتى أنواع الظروف التي تساهم في هذه المشكلة، فقد قال بوذا : "علينا أن نتعمق ونتعمق، حتى نعرف ما أعمق الأسباب وراء مشكلاتنا، وأعمق الأسباب وراء مشكلاتنا هو حيرتنا بشأن الحقيقة .

لدينا التعاسة والألم، وتنشأ هذه الأشياء بالطبع من سبب ما . فعلى سبيل المثال : يمكن أن نتصرف بطريقة مزعجة جدًّا - بكثير من الغضب مثلاً - ولا يكون هناك أحد سعيد عندما يكون غضبان، أليس كذلك؟ لذا نحتاج إلى أن ندرك أن الغضب هنا يسبب لنا التعاسة، وأن علينا أن نتخلص من هذا الغضب بطريقة ما .

ويمكن أن تكون مشكلتنا التي تسبب حزننا هي ما تسبب لنا القلق طوال الوقت، والقلق هو حالة عقلية بغيضة جدًّا، لدرجة أنه لا يوجد إنسان يشعر بالسعادة عندما يكون قلقًا، أليس كذلك؟ قال شانتيديفا - وهو أحد معلمي البوذية الهنود العظماء -: "إذا كنت في موقف صعب، وتستطيع أن تغير هذا الموقف، فلِمَ القلق؟ فما عليك إلا أن تغيره، فالقلق لا يفيد . وإذا لم يكن هناك شيء تستطيع فعله لتغير من هذا الموقف فلِمَ القلق؟ فهذا لن يفيد أيضًا . إذن تكون لدينا حيرة بشأن عدم جدوى القلق، ولذلك نستمر في قلقنا . والمقصود هنا هو أنه ليس هناك أي نفع يأتي من وراء القلق .

ثم بعد هذا يكون لدينا مستوى آخر من المشكلات؛ وهو مشكلة عدم الرضا أبدًا . فنحن نمر بأوقات نكون سعداء فيها، ولكن هذه الأوقات - للأسف - لا تستمر إلى الأبد، ودائمًا ما نريد المزيد منها، وليس هذا مرضيًا أبدًا، فنحن لا نرضى بأكل طعامنا المفضل مرة واحدة فقط، أليس كذلك؟ بل نريد أن نأكله مرات عديدة، وإذا أكلنا الكثير منه مرة واحدة فسوف تتغير السعادة التي حظينا بها في البداية إلى ألم في المعدة . وهكذا تصيبنا الحيرة دائمًا لهذا النوع من السعادة، فبدلاً من أن نستمتع بها كما هي، وندرك أنها لن تستمر إلى الأبد، ولن ترضينا أبدًا، فإننا نتعلق بها، وعندما نفقد هذه السعادة نشعر بحزن كبير .

وهذا الأمر يشبه كونك مع صديق عزيز، أو إنسان حبيب لك، ثم يذهب ويتركك، وهذا أمر أكيد، فلا بد أن يتركنا في وقت ما، ولذلك يجب علينا أن نستمتع بالوقت كله الذي نقضيه معهم . وهناك تشبيه جميل جدًّا أستخدمه في بعض الأحيان لهذا الأمر : أولئك الناس الذين يظهرون في حياتنا، فنحبهم، يشبهون طائرًا بريًّا قد وقف على نافذة منزلنا، فعندما نراه نستطيع أن نستمتع بصحبة هذا الطائر الجميل، ولكنه سيطير حتمًا في وقت ما؛ لأنه حر طليق . فإذا كنا قد عاملنا هذا الطائر بلطف، ولم نزعجه، فسيعود إلينا بالتأكيد، ولكن إذا كنا قد أخذناه، فحبسناه، ووضعناه في قفص، لأصاب هذا الطائر حزن شديد، وربما مات في النهاية .

وكذلك أولئك الناس الذين نقابلهم في حياتنا، فمن الأفضل أن نستمتع بالوقت الذي يوجدون معنا فيه، وعندما يبتعدون عنا لأي سبب، ومهما كانت المدة، فلا نحزن، بل يجب أن نتحلى بالهدوء والسكينة، ولا يجب أن نصرخ قائلين : "لا تتركني أبدًا؛ فأنا لا أستطيع أن أعيش بدونك ". وأشياء من هذا القبيل، فلن يعودوا إلينا بعد ذلك، ولكن إذا لم نفعل فقد يعودون مرة أخرى .

عندما يلتبس علينا الأمر بشأن طبيعة سعادتنا العادية ومباهجنا في الحياة فسوف تكون لدينا مشكلات بالطبع، فنحن لا يمكننا حتى أن نستمتع بالأوقات السعيدة التي نحظى بها؛ لأننا نكون خائفين وقلقين من أن نفقد هذه الأوقات . ونكون مثل الكلب الذي أمامه وعاء من الطعام، فيأكل الطعام، ولكنه ينظر من حوله أيضًا وينبح؛ حتى يتأكد أنه لا يوجد من يأخذ منه طعامه . أحيانًا نكون مثل هذا، أليس كذلك؟ فبدلاً من أن نستمتع فقط بما لدينا، وقبوله حتى ينتهي، يكون قد انتهى . ولكن ليس هذا بالطبع بالسهولة التي يبدو بها الأمر، فقد لا يبدو هذا شيئًا سهلاً بسيطًا، ولكنه يتطلب تمرينًا واعتيادًا على طريقة مختلفة لرؤية الأشياء في الحياة .

التوقف الحقيقي لمشكلاتنا

يقول بوذا : "نستطيع أن نوقف كل مشكلاتنا إلى الأبد؛ وذلك بالتخلص من أسبابها، وهذا منهج عقلاني ومنطقي جدًّا . فإذا تخلصت من الوقود فلن يكون هناك مزيد من النار ". ويقول أيضًا : "من الممكن أن تتخلص من هذه المشكلات بطريقة لا يمكن بها أن تعود هذه المشكلات مرة أخرى ".

لا يجب أن نرتاح إذا رأينا انفراجًا مؤقتًا لمشكلاتنا، فهذا أمر غير صحيح . فهذا الأمر أشبه بالنوم؛ فعندما ينام الإنسان تنتهي مؤقتًا مشكلة علاقته مع شريك حياته، وهذا لا يعد حلاًّ للمشكلة، فعندما يستيقظ تعود المشكلة مرة أخرى . وكذلك إذا تركت منزلك، وذهبت لقضاء إجازتك في مكان ما، فعندما تعود إلى البيت ستواجه المشكلات نفسها التي كانت موجودة، فلم تكن الإجازة هي الحل الأمثل، أو الحل الدائم والعميق لتلك المشكلات .

لم يقل بوذا أيضًا أن تصمت فحسب، وأن تقبل بمشكلاتك وتعيش بها؛ لأن هذا أيضًا ليس بالحل الجيد، أليس كذلك؟ لأننا عندما نشعر بقلة حيلتنا، وأنه لا يوجد ما نفعله، فسوف نستسلم، ولا نحاول مجرد المحاولة، لذلك من الضروري جدًّا أن نحاول التغلب على مشكلاتنا، حتى إذا كنا لا نصنع قدرًا كبيرًا من التقدم، فعلى الأقل نشعر بأننا قد حاولنا .

طرق وقف مشكلاتنا

ولكن إذا كنا نريد حقًّا أن نوقف هذه المشكلات، وأن ننهيها فعلاً، فعندئذ تكون هناك الحقيقة الرابعة التي علمنا إياها بوذا؛ وهي أننا بحاجة إلى أن نتبع طريقة ما، وأن يكون لدينا نوع من الفهم الصحيح لكي نتخلص من أعمق الأسباب، وهو حيرتنا . ولكن تحصيل الفهم الجيد ليس كافيًا إذا لم نستطع أن نتذكره طوال الوقت، لذلك نحتاج إلى تنمية التركيز لنكون قادرين على أن نتذكر، ونظل في تركيز بهذا الفهم، إننا بحاجة إلى انضباط ذاتي . إذن فالطرق البوذية العامة التي نستخدمها لمنع المشكلات إنما هي اتباع مسار للانضباط والتركيز والفهم الصحيح (ويسمى هذا أحيانا "الحكمة ").

إضافة إلى ذلك فإن أحد أكبر الأسباب لمشكلاتنا هو أنانيتنا، ويقوم كثير من هذه الأنانية على الحيرة والالتباس بشأن الحقيقة (الواقع )؛ لأننا، وبطريقة ما، نعتقد أننا وحدنا في هذا العالم . وحتى إذا اعترفنا بوجود الآخرين نعتقد أننا الأهم في هذا الكون، أو أننا مركز هذا الكون . وبسبب هذا الفهم الخاطئ نعتقد دائمًا أننا يجب أن نحصل على ما نريد، وإلاَّ فسوف نكون تعساء جدًّا .

ولكن هذه نظرة حائرة جدًّا للحقيقة؛ لأنه ليس هناك ما هو مميز فينا بهذا المعنى، فنحن جميعًا سواء، بمعنى أننا جميعًا نريد السعادة، ولا نريد التعاسة، نريد أن نحصل على ما نريد، ولا نريد أن نحرم مما نحب . ويجب علينا بطريقة ما أن نعيش معًا؛ لأننا نعيش معًا بالفعل . لذلك نحتاج إلى أن نضيف الحب والرحمة، واعتبار الآخرين وتقديرهم، والإيثار للطرق التي نتغلب بها على المشكلات، أو التي نمنع بها المشكلات . فكما نحب أن يساعدنا الناس كذلك الناس يحبون أن نساعدهم .

التعامل مع العواطف المزعجة

بالطبع ليس كل واحد منا قديسًا أو بوديساتفا، وهذا صحيح . ولكن كل واحد منا متحير إلى مستوى ما . ولما كنا كذلك فإننا نتصرف تحت تأثير العواطف المزعجة . فعلى سبيل المثال : إذا كنت أعتقد أنني مركز الكون، وأنني أهم ما في هذا الكون، فعندئذ يكون الشعور الذي يصاحب هذا هو عدم الإحساس بالأمان، وعدم الاطمئنان، أليس هذا صحيحًا؟ عندما تكون متحيرًا تكون غير مطمئنًا، وتفكر كالآتي : "حسنًا، ينبغي أن أكون أهم إنسان، ولكن الناس لا يعاملونني دائمًا على أنني كذلك ". لذلك هناك عدم اطمئنان أو أمان في هذا .

ما الإستراتيجيات التي يمكننا أن نستخدمها عندما نكون غير مطمئنين، الإستراتيجيات التي نحاول بها أن نجعل أنفسنا تشعر باطمئنان أكثر؟ إحدى هذه الإستراتيجيات أن تفكر قائلاً : "لو أستطيع أن أحصل على أشياء كافية من حولي فقط، فهذا يجعلني - بطريقة ما - أشعر بالأمان . ولو أستطيع أن أحصل على قدر كافٍ من المال، أو قدر كافٍ من الانتباه، أو الحب، فبطريقة ما سيجعلني هذا أشعر بالسعادة ". ولكن بعد هذا - كما رأينا - فمثل هذا النوع من السعادة لا ننال منه ما يكفينا أبدًا، ولا نكون قانعين أبدًا، ودائمًا ما نريد المزيد .

فكِّر في هذا، فله مغزى . هل نريد حقًّا ممن نحب أن يقول فقط : أحبك . مرة واحدة؟ إذا قال هذا مرة واحدة فقط فسوف تكون كافية، وليس عليه أبدًا أن يقولها مرة أخرى لنا . إننا لا نشعر بالاطمئنان أبدًا مع كل هذا، بل نريد دائما أن نسمعها مرات ومراتٍ، أليس كذلك؟ ولا نصل أبدًا إلى النقطة التي نقول حينها : "حسنًا، ليس عليك أن تخبرني هذا بعد الآن، فأنا أعرف هذا ". إذن عندما نتحدث عن الطمع فليس الطمع في الأشياء المادية فحسب، بل إننا نطمع في الحب أيضًا، ومعظمنا يطمع بصفة خاصة في نيل الانتباه، ونحن نرى هذا في الأطفال الصغار . لذلك هذه هي إحدى الآليات : إذا كان بمقدورنا أن نحصل على بعض الأشياء من حولنا فقط فسوف يُشعِرنا هذا بالأمان، وهذا لا يفلح أبدًا .

والآلية التالية هي الغضب والنفور، كأن تقول : "لو أستطيع فقط أن أتخلص من أشياء معينة أشعر بأنها تهددني فهذا يُشعِرني بالأمان ". ولكننا لا نشعر بالأمان أبدًا، بل نشعر دائمًا بأننا مهددين، ودائمًا ما نكون على حذر من أن يفعل شخص ما شيئًا لا نحب أن يحدث، ثم نغضب ونطارده . وأحيانًا يمكن أن يكون هذا من عوامل الانهزامية الذاتية إلى حد كبير .

وأعطيكم الآن مثالاً لعلاقة بيني وبين شخص ما : فهذا الشخص لا يعطيني قدرًا كافيًا من الاهتمام، وكذلك من الوقت، فلذلك نغضب منه، ونصرخ في وجهه قائلين : "يجب عليك أن تهتم بي أكثر، وأن تقضي معي وقتًا أكبر ". وهكذا . فما نتيجة هذا؟ النتيجة أنهم عادة ما يبتعدون عنا أكثر، أو يُسْدون إلينا معروفًا كبيرًا، ويبقون بجانبنا فترةً من الوقت، ولكن يمكنك أن تشعر بأنهم ليسوا مرتاحين مع هذا . ولكن كيف نعتقد أن غضبنا تجاه هذا الشخص سيجعله يحبنا أكثر من ذي قبل؟ هذا شيء سخيف حقًّا، أليس كذلك؟ هذه الآليات التي نستخدمها، آملين أن تجعلنا أكثر أمانًا، إنما تزيد من سوء الأوضاع في الواقع .

وهناك آلية أخرى، ألا وهي أن نضع حواجز مِن حولنا، وهذا قائم على السذاجة، فنعتقد أننا إذا لم نتعامل مع المشكلة بطريقة ما فسوف تنتهي، أو تختفي من تلقاء نفسها، وذلك عندما تقول : "لا أريد أن أسمع شيئا عن هذا ". وهذا نوع من المواقف التي نحيط أنفسنا فيه بسور، لكن مع حالة السذاجة التي نعيشها لا تفلح أيضًا بالطبع؛ فلن تختفي المشكلة بمجرد تجاهلنا لها، وعدم الاعتراف بها .

إذن، وبناءً على هذه العواطف المزعجة، فإن ما يحدث هو أننا نتصرف بكل أشكال الطرق الهدَّامة، فنحن نصرخ، وقد نضرب أحدهم ذات مرة ! ولكنك إذا فكرت قائلاً : "كم أنا مسكين ! لا أمتلك أي شيء ". فقد تسرق معتقدًا أن هذا سيساعدك بطريقة ما . وأنا أفكر الآن في مثال حدث لي : فقد عشت في الهند سنوات عديدة، والهند تُعرَف بأنها أرض الحشرات، فهناك حشرات لا تُعَد، ومن كل الأنواع التي تتخيلها، ولا تستطيع التخلص منها، وليست هناك طريقة يمكنك بها أن تنتصر عليها . والحل الوحيد هو أن تُكيِّف نفسك على العيش مع هذه الحشرات . وإذا كنت لا تريد أن تفعل فعليك أن تغطي نفسك بشبكة تمنع عنك الناموس مثلاً، وهذا حل سلمي . ولكنك ستهلك نفسك إذا أردت أن تصطاد كل الناموس الموجود في حجرتك وتقتله، وتظل مستيقظًا طوال الليل، وبعد أن تقتل الكثير يأتيك المزيد؛ إما من تحت الباب، أو من فراغات في النوافذ، وهكذا . ولكن هذا الدافع للسلوك الهدام ينشأ بطريقة قهرية من تفكيرك : "يجب عليَّ أن أتخلص من هذه الحشرات !".

هناك أشكال مختلفة للسلوك الهدام، مثل الكذب، واستخدام كلمات حادة، مثل الزنى والاغتصاب، وتوجد كل هذه الأشياء عندما نتصرف بطريقة هدامة، وهذا يسبب التعاسة بصورة رئيسة، وليست التعاسة للآخرين فقط، ولكن لأنفسنا بصفة خاصة . فإذا فكرت في هذا فالبوذية تَنهَى بشدة عن القتل، أليس هذا صحيحًا؟ وما يهم هنا هو أنك إذا اعتدت على قتل أي شيء لا تحبه - كما في حالة الناموس مثلاً - فستكون استجابتك الأولى الآلية، أليس كذلك؟ وليس هذا فيما يخص القتل فقط . وإذا كان هناك شيء لا نحبه فإننا نتعامل معه بطريقة عنيفة جدًّا - وقد يكون هذا لفظيًّا أو عاطفيًّا - بدلاً من تعلم كيفية التعامل معه بحالة عقلية هادئة .

في بعض الأحيان قد تضطر إلى القتل، فعلى سبيل المثال : من الممكن أن تكون هناك بعض الحشرات التي تأكل المحاصيل، وربما تكون هناك حشرات تنقل الأمراض، ... إلخ، فلا ينصب اهتمام البوذية على التصعب، ولكنك لا ينبغي عليك أن تكون ساذجًا بشأن هذا الأمر، وحاول أن تفعل هذا بدون غضب أو كراهية، كأن تفكر قائلاً : "أكره ناموس الملاريا هذا ". وينبغي ألاَّ تكون ساذجًا بشأن العواقب السلبية لذلك . وخذ هذا المثال البسيط : إذا استخدمنا المبيدات لرش الخضراوات والفاكهة فهذا أمر حسن، ولكننا سنأكل هذه الخضراوات والفاكهة، وقد يسبب هذا المرض، إذن هناك آثار جانبية سلبية . والمقصود من هذا العودة إلى نقطة الانطلاق، وهو أن طرقنا التي علينا أن نتبعها هي الانضباط والتركيز والفهم الصحيح، على أن يكون الحب والرحمة مكملين لهذه الأشياء .

الانضباط الذاتي الأخلاقي

كيف يمكن لنا أن نطبق هذه الإجراءات الوقائية لتجنب المشكلات في الحياة؟ المستوى الأول للتطبيق، وأول شيء نفعله، هو أن نطبق الانضباط الذات الأخلاقي، الذي هو تجنب التصرف بطريقة هدامة . والتصرف بطريقة هدامة تحت تأثير هذه العواطف المزعجة - مثل الغضب والطمع والإدمان والغيرة والسذاجة والتكبر ... إلخ . يعني هذا أنه عندما نشعر بالرغبة في التصرف بطريقة هدامة فإننا نقرر بوضوح تام أننا لا نريد أن نتصرف بهذه الطريقة .

عندما أشعر بالرغبة في أن أصرخ في وجهك لخطأ ارتكبته فأنا أعلم أن الصراخ سيجعل الوضع أكثر سوءًا، وربما يجب عليَّ أن أصحح خطأك، أو أن أتعامل مع ما ارتكبت من خطأ، أيًّا كان هذا الخطأ، لكن الصياح سيجعل الأمور تسوء، أليس كذلك؟ خاصة عند مناداتك بأسماء قبيحة، أو شتمك - لن يساعد هذا في هذا الموقف بالتأكيد، فالانضباط الذاتي الأخلاقي يعني أن نلاحظ بقدر الإمكان - حتى قبل أن نتصرف بطريقة هدامة، ونحن على وشك أن نتصرف بطريقة هدامة بصورة قهرية، فهناك الدافع لكي نتصرف بهذه الطريقة، وندرك أن ذلك لن يساعدنا أبدًا، ونمنع أنفسنا من التصرف تبعًا لهذا الدافع .

ونحن الآن لا نقول لك أن تكتم غضبك بداخلك، ويغلي هذا الغضب، ولا تفعل شيئًا إلا أن تكتم هذا الغضب حتى تنفجر، وليست هذه هي الطريقة الصحيحة . فإذا كنا غير قادرين على أن نتعامل معه، وينمو هذا الغضب بداخلنا، فلا تخرج غضبك هذا على الشخص الآخر، وتضرب الحائط، فكل ما ستفعله سيؤلم يَدَك، لذلك فهذا غباء منك، ولكن عليك أن تخرج غضبك هذا بطريقة أخرى، أليس هذا صحيحًا؟

أحد المشاركين : كأن تضرب الوسادة مثلاً .

ضرب الوسادة، أو غسل كل حوائط المنزل، مثل هذا النوع من طريقة "حكمة الأم " للتعامل مع الغضب والإحباط، وأداء العمل المنزلي الشاق، أو الجري مسافات طويلة، أو أداء تمارين رياضية شاقة في صالة الألعاب الرياضية، كل هذا يساعدك على تبديد طاقة هذا الغضب الذي يسبب الإحباط .

اليقظة والتركيز

إذا اعتدنا أكثر وأكثر على هذه الطريقة من التصرف، ومنعنا أنفسنا من التصرف بصورة هدامة في حال رغبتنا في ذلك، فإن ما نستخدمه هنا هو ما يسمى بـ "وعينا المميز "، فنحن نميز بين ما هو نافع وما هو ضار . وعلى هذا الأساس يمكننا أن نبقى هادئين، وألاَّ نُبقي فقط على غضبنا بداخلنا . إذن فالشيء الذي نجيد ممارسته هنا هو ما يترجم عادة بـ " اليقظة أو التنبه ". أي : "أن تتذكر ". إنها مثل الغراء (اللاصق ) العقلي لكي يتشبث بالانضباط : ما الذي أريد أن أفعله؟ كيف أريد أن أكون في الحياة؟ وكيف أريد أن أتصرف فيها؟ وأن نتمسك بهذا ولا ننساه . فتلك هي اليقظة أو التنبه، وهي تعني تمامًا : "أن تتذكر بنشاط ".

إذن ما نحاول أن نفعله هو أن نكون أكثر تيقظًا، فكلمة "بوذا " تعني في الواقع : "شخص على يقظة تامة ". ونحن نحاول أن نكون على يقظة لماهية العواطف التي نشعر بها، وللدوافع التي تنشأ في عقولنا بطريقة قهرية، لكي نتصرف بهذه الطريقة أو بأخرى . ونحاول ألاَّ نكون عبيدًا لهذه الأشياء، ولكن علينا أن ندرك أننا - بالفهم - يمكننا أن نختار الطريقة التي نتصرف بها . وإذا كنت في حالة مزاجية سيئة فهذه الحال يمكن أن تتغير، فأنت تستطيع أن تتصرف لتفعل شيئًا كي تغير من هذه الحال .

وحالك المزاجية السيئة هذه لها حل بسيط جدًّا، فحل مشكلة الطفل الذي يبكي طوال - مثلاً - هو أن تضعه في السرير . فكم كنا نرغب في أن نرزق بطفل، وها هو الطفل قد أتى، ولكنه يبكي طوال الوقت . وعندما يكون الإنسان في حال مزاجية سيئة فغالبًا ما يكون مثل هذا الطفل . لذلك يجب عليك أن تستلقي، وتأخذ قسطًا من الراحة، وتذهب للنوم، وعندما تستيقظ ستجد أن الوضع أفضل كثيرًا من سابقه .

أو إذا كنت على خلاف مع شخص، ووصل هذا الخلاف إلى درجة كبيرة جدًّا، فحينئذٍ لا يسمع إليك هذا الشخص، وكذلك أنت لا تستمع إليه في هذا الموقف، ومن الأفضل أن تنهي المحادثة بينكما قائلاً : "دعنا نتحدث في وقت لاحق نكون فيه هادئين ". وتذهبون للمشي قليلاً، أو ما شابه ذلك، كي تهدئوا .

هذه طرق بسيطة جدًّا، وهناك في البوذية طرق أكثر عمقًا من هذه، ولكن هذه مجرد بداية . نحن بحاجة إلى الطرق التي نكون قادرين على تطبيقها في الواقع، ولكن المبدأ هو الشيء المهم، والمبدأ هو أن تبحث عن الأسباب وراء المشكلة . فإلى حدٍّ ما تحكَّم فيما يحدث في حياتك .

والآن إذا كنا نستطيع أن ننمي اليقظة أو الوعي، لكي نتمسك بفهمنا لما هو نافع وما هو ضار في سلوكنا، وإذا كنا قادرين على أن ننتبه لما يحدث، ونتذكر كيف نريد أن نتصرف، ونصحِّح هذا بعد ذلك، وإذا لم نكن نتصرف بهذه الطريقة، وإذا كنا نستطيع أن نفعل هذا مع الطريقة التي نتصرف بها بأجسامنا، وطريقتنا في الحديث مع الآخرين، فسوف نكون قد أوجدنا قوة لتعطينا القدرة على فعل هذه الأمور بعقولنا وبإيماننا .

إذن عندما نبدأ بامتلاك هذه السلسلة من أفكار القلق، أو سلسلة أفكار مثل : "كم أنا مسكين ! فلا أحد يحبني ". إلى غير ذلك، مثل قولنا : "هيا، لا أريد أن أتمادى في هذه الرحلة من الشفقة على النفس والقلق، وما إلى ذلك . فلن يجدي هذا شيئًا، بل يجعلني تعيسًا ". ثم نحول انتباهنا إلى شيء أكثر إيجابية . هناك الكثير من الأشياء الإيجابية، التي يمكننا أن نفعلها بأجسادنا وعقولنا، أكثر إيجابية من مجرد الجلوس ومعاناة القلق . فهناك الكثير من الأشياء الإيجابية التي يمكن أن نفكر فيها بدلاً من التفكير في مدى الفظاعة التي يمكن أن يصبح عليها كل شيء، مثلما نكون في حالة من القلق . فأنت ترى؛ ما نحاول أن ننميه هنا هو التركيز، حتى نستطيع أن نعود بانتباهنا عندما تشرد منا بعيدًا .

على سبيل المثال : عندما نتحدث مع شخص ما، وتبدأ عقولنا في الشرود بعيدًا، فلا داعي للقلق؛ فقد يكون هذا الشرود في تفكيرك هكذا : "متى سيتوقف هذا الشخص عن كلامه؟ " أو : "ماذا سأتناول على العشاء؟ ". يمكن أن يكون هذا الشرود بشأن أي شيء، ونتوقف عن الانتباه للشخص الآخر، أو نعلق في عقولنا على ما يحدث قائلين : "إن ما قاله هذا الشخص حالاً هو درب من الغباء ". فنحن نسترجع انتباهنا، ونركز على الاستماع لما يقوله فقط .

هذا تطبيق عملي جدًّا للتركيز، ولكنه يتطلب انضباطًا، وننمي هذا الانضباط أولاً طبقا لسلوكنا الجسمي واللفظي . وعندما تنمي هذه المهارة لاسترجاع انتباهنا، ولتصحيح أي انحرافات، فعندئذ يمكن لك أن تطبق هذا في المواقف كلها، وهذا خير معين . فعلى سبيل المثال : تبدأ في أن تصبح واعيًا للطريقة التي تحمل بها جسمك، فإذا كان كتفاك مشدودين ومرتفعين إلى أعلى، وأنت منتبه ورقبتك مشدودة، وإذا كنت واعيًا وملاحِظًا لهذا فإنك تهبط بكتفيك إلى الأسفل، وتريحهما . إنها فقط مسألة انتباه وتذكر، وفعل شيء حيال ذلك . أو عندما تصبح مثارًا جدًّا، ويصبح الموقف غير مناسب كلية، وبدأ صوتك في الارتفاع أكثر فأكثر، فما عليك إلا أن تهدأ، مثل أن تنزل كتفيك إلى الأسفل، ولكنك تفعل هذا على مستوى معين من الطاقة، ألا وهو المستوى الانفعالي (العاطفي ).

هذا هو السر كله في كيفية تطبيق طرق الدارما في الحياة، تذكر فقط هذه الطرق، وكن ذا انضباط كافٍ لكي تفعلها، وأن تطبقها فحسب . وما تفعل ذلك إلا لأنك تريد أن تكون إنسان صالحًا، أو لأنك تريد أن تسعد معلمك، أو ما شابه ذلك . وكذلك أيضًا لأنك تريد أن تتجنب المشكلات - الصعوبات - لأنك تعلم أنك إن لم تفعل هذا فسوف تصبح إنسانًا تعيسًا، وهذا أمر لا مزاح فيه، أليس كذلك؟ لذلك تحتاج إلى أن تطبق انضباطك الذاتي على النطاق العقلي طبقًا للتركيز، وطبقًا للتعامل مع مشاعرنا . والتعامل مع المشاعر بالطبع يكون أكثر رقة وأكثر صعوبة كذلك . ولكن كما قلت إذا كنتَ تثار بدرجة كبيرة يمكنك أن تهدأ .

الفهم الصحيح

عندما تكون قد نميت أداة التركيز - على الأقل إلى مستوى ما - فكلُّ ما تريده حينئذٍ هو أن تركز على الفهم الصحيح لما يحدث، فنحن لدينا كل أنواع الحيرة بشأن الحقيقة؛ بشأن كيفية وجودنا، وكيفية وجود الآخرين، وكيفية وجود العالم . وبسبب الحيرة تكون لدينا كل أنواع التصورات لما هو غير حقيقي في الواقع، أليس هذا صحيحًا؟ يمكننا أن نتصور أنفسنا هكذا : "أنا لست بخير؛ فأنا فاشل ". أو يمكننا أن نتخيل : "أنا أهم شيء في العالم ". ويمكننا أن نتصور : "كم أنا مسكين؛ لا أحد يحبني ". ولكننا إذا حللنا كل شخص في حياتنا حقًّا فهذا يعني أن أمي لم تحبني أبدًا، ولم يحبني كلبي أبدًا، ولم يحبني أي أحد أبدًا . سيكون هذا هو الحال تقريبًا .

نعتقد أننا يمكن أن نصل متأخرين عن موعد لدينا، أو لا نحضر مقابلة ما، ولا يهم الأمر؛ فليس لديك أية مشاعر، أليس كذلك؟ عندئذ لا نكون محترمين ومُقدِّرين للآخرين . ولكن لكل واحد منا مشاعر، تمامًا كما لي مشاعر . ولا يريد أحد منا أن يكون مُهمَلاً مُتجاهَلاً، وفي حال لدى أيٍّ منا مقابلة، ثم لم يأت الشخص الآخر، وما اتصل ليعتذر، أو أنه وصل متأخرًا عن موعده، فهذا شيء لا نحبه أيضًا .

إذن ما نحتاج فعله هو أن نستخدم تركيزنا؛ لكي ننفذ عبر هذه الخيالات، ونتوقف عن تصور كل هذه الترهات . فعلى سبيل المثال : سلوكنا الذي لا يقدر مشاعر الآخرين لا يؤذيهم؛ لأن هذا السلوك هو أهم مشكلاتنا، وهو مبني على اعتقادي بأنني مركز هذا الكون، وأنني أفعل ما أريد دائمًا . ولكن لا يوجد ما يعرف بأنه أهم شخص في الكون، ولكننا نصدق خيالنا ونراه حقيقة، وهذا ما يجعلنا أنانيين . فإذا أردنا أن نتغلب على أنانيتنا فإننا بحاجة إلى أن نبتعد عن هذا الخيال، ونتوقف عن ذلك التصور . وحتى إن شعر أحدنا أنه مركز هذا الكون، وأنه الوحيد الموجود (وذلك لأنه عندما يغلق عينيه يسمع هذا الصوت في رأسه، ولا يرى أحدًا آخر بالفعل، لذا يظن تصوره حقيقيًّا ). ولكن علينا أن نتذكر أن هذا وهم، ونحاول ألاَّ نصدقه، ونقنع أنفسنا أن الأمر ليس كذلك، بل يبدو هكذا ظاهرًا فقط .

يقول بوذا : "إن بقاءنا بهذا الفهم طوال الوقت هو السبيل الصحيح لكي نحقق توقفًا حقيقيًّا لمشكلاتنا ". فإذا كان لدينا هذا الفهم الصحيح طوال الوقت فلن يكون لدينا أي حيرة أو التباس . وإذا لم يكن لدينا هذا الالتباس فلن يكون لدينا أي غضب، ولن يكون لدينا شيء من التعلق أو الطمع، وما إلى ذلك . وإذا لم يكن لدينا أي من هذه العواطف المزعجة فلن نتصرف بطريقة هدامة، وإذا فعلنا لم نسبب أي مشكلات للآخرين ولأنفسنا كذلك . هذه هي الطريقة البوذية الأساسية لكيفية التعامل مع الصعوبات في الحياة .

إذا أردنا أن نحظى بعلاقات سعيدة فعلينا أن ندرك ما يلي :

  • أنا بشر، وأنت بشر، ولدينا جميعًا المشاعر نفسها، وما إلى ذلك .
  • لكل منا نقاط قوة، ونقاط ضعف . وأنا كذلك لي هذه النقاط نفسها، وكذلك أنت .
  • ليس منا من هو أمير أو أميرة يسلب /تسلب الألباب على حصان أبيض .

هل لديك تلك الصورة في قصصك؟ نحن دائمًا ما نبحث عن شريك الحياة الكامل، ذلك الشخص على حصان أبيض، ولكن هذا درب من الحكايات الخيالية، فهذا شيء لا يوجد، ولكننا نتخيله . ولكننا عندما نصدق تلك الحكايات نعتقد أن هذا الشخص سيكون أميرًا أو أميرة . وعندما لا يكون مثلما تخيلنا فإننا نغضب منهم ونعارضهم في بعض الأحيان . ثم بعد ذلك ننتقل بتصورنا إلى الشريك المحتمل القادم، الذي يكون أميرًا أو أميرة، ولكننا لا نجد هذا الأمير أو هذه الأميرة؛ لأنه لا يوجد مثل هذا الشيء .

لذا إذا كنا نريد علاقات سليمة فعلينا القبول بالواقع . والواقع هو - كما قلت - أن لكلٍّ منا نقاطَ قوة، ولكل منا نقاطَ ضعف، ونحن بحاجة إلى أن نتعلم بطريقة ما أن نعيش معًا، وأنه ليس منا من هو مركز للكون . بعد ذلك تجد أن التعاليم العامة في أي دين، أو أي فلسفة بشرية، هي أن تكون طيبًا، ومراعيًا ومحترمًا لشعور الآخرين، ومحبًّا لهم، وأن تكون صبورًا كريمًا مسامحًا . الديانات كلها تحرص على كل ما سبق، وكذلك الفلسفات الإنسانية، وأيضًا البوذية .

تنطبق المبادئ نفسها على علاقاتنا في العمل؛ فإذا كنت طيبًا مع زملائك في العمل (أو إذا كنت تُوظِّف الآخرين وأنت طيب مع موظفيك ) فسيجري العمل كله بسلاسة أكثر . وإذا كنت تعمل في متجر، وكنت ودودًا ولطيفًا مع الزبائن، فسيكون الجو كله أكثر لطفًا وسرورًا، أليس كذلك؟ وإذا كان الفرد أمينًا في تعاملاته - لا يغش الآخرين وما إلى ذلك - فمرة أخرى ستسير الأمور أفضل بكثير . ولا يعني هذا أننا لا نحاول أن نحصل على بعض الكسب ونكسب قوتنا، ولكن المهم هنا هو ألاَّ نكون طماعين في هذا .

وعندما يغشنا الآخرون - فإن الجميع لن يتصرف بهذه الطريقة - فما الذي تتوقعه؟ ولكن من وجهة النظر البوذية لن نقول : إن هؤلاء الناس سيئون . وإنما سنقول : إن هؤلاء متحيرون التبس عليهم الأمر، وهم لا يفهمون أن التصرف بهذه الطريقة لن يسبب إلا مزيدًا من المشكلات لهم، ولن يحبهم أحد . لذلك فهم أهل للشفقة والتعاطف، بدلاً من أن يكونوا أهلاً للكراهية . إذا رأينا أنهم أهل للشفقة والتعاطف، وتحلينا بالصبر معهم، فإننا لا نعاني عاطفيًّا عندما يخدعوننا، وبعد ذلك نحاول أن نكون أكثر حرصًا مع من سيأتي من بعدهم، حتى لا يخدعونا مرة أخرى .

ولكن ماذا تتوقع من الناس؟ الكثير من الناس يكونون على هذه الشاكلة، إذن ذلك هو الواقع . ولكن ما نتصوره ونتخيله هو أن الجميع أمناء، ولكن الجميع ليسوا كذلك ! سيكون من الجيد أن يكون كل واحد منَّا أمينًا، ولكن لسنا كلنا كذلك . لذا - على الأقل - يمكننا أن نحاول أن نكون أمناء .

هل يمكن لغير البوذيين أن يستخدموا هذه الطرق؟

والآن، هل علينا أن نتبع مسارًا روحيًّا بوذيًّا صارمًا للتأمل والطقوس، وما إلى ذلك؛ لكي نطبق هذه الطرق؟ لا، لسنا في حاجة إلى ذلك، فليس علينا أن نتبع مسارًا روحيًّا قياسيًّا صارمًا لكي نطبق كل هذه الأمور . دائمًا ما يتحدث قداسة الدالاي لاما عن الأخلاق العلمانية والقيم الإنسانية؛ كأن تكون طيبًا ودودًا، وأن تكون أكثر وعيًا ويقظة، وألاَّ تكون ساذجًا، وألاَّ تعيش في الأوهام، وما إلى ذلك . تلك هي الإرشادات العامة التي يمكن أن يتبعها أي أحد .

وعندما نتحدث عن التأمل فإننا نتحدث فقط عن طريقة ما؛ لكي نعود أنفسنا على هذه الطريقة من التفكير، عن طريق الجلوس ومحاولة التفكير بهذه الطريقة . وعندما يشرد انتباهنا نحاول أن نسترجعه . حسنًا، يمكنكم فعل هذا وأنتم جالسون في تأمل، وفي تركيز تام على بوذا، أو على تنفسك . ولكنك تستطيع أن تفعل هذا أيضًا أثناء قراءتك لكتابك، أو أثناء طهي طعامك، أو أثناء فعلك لأي شيء .

ضع تركيزك كله على الطهي فقط عندما تطبخ، وإذا شرد عقلك في بعض الأفكار المجنونة فما عليك إلى أن ترده فقط إلى الطهي . وليس من الضروري أن يكون هذا ممارسة رسمية للتأمل على الطريقة البوذية، فهناك العديد والعديد من الطرق التي يمكن من خلالها أن نُعوِّد أنفسنا على هذه الطرق النافعة للتفكير، وطرق التصرف، وما إلى ذلك، بدون أن يشتمل هذا على أي نوع من الطقوس البوذية، أو الإطارات البوذية الرسمية .

تلك إذن هي الطريقة التي نطبق بها الدارما - الإجراءات الوقائية - لكي تساعدنا على تجنب المشكلات .

وفي النهاية أرجوكم اطرحوا ما يجول بخاطركم من أسئلة .

أسئلة وإجابات

يجب أن نكون على وعي بما يحدث داخليًّا وخارجيًّا

سؤال : لنتجنب المشكلات هل يجب علينا أن نكون مركزين طوال الوقت فقط؟

الجواب : إلى حدٍّ ما نعم، ولكن ليست هذه هي الصورة الكاملة؛ فقد نكون مركزين جدًّا في الصياح في وجه أحد ما أو ضربه على سبيل المثال، لذلك ليست هذه هي الصورة الكاملة . وعلينا أيضًا أن نكون متيقظين؛ بمعنى أننا بحاجة إلى أن نكون واعين بما يحدث داخليًّا - أفكارنا ومشاعرنا، إلخ - ونكون واعين في الوقت نفسه ومتنبهين لما يحدث من حولنا مع الآخرين .

فعندما يأتي أحد ما إلى البيت - أحد أفراد الأسرة، أو أحد الأحبة، أو أيًّا كان - فيجب أن تنتبه لاحتمال أن يكون متعبًا جدًّا، فلا يصح أن تدخل معه في نقاش طويل حول أحد الموضوعات المهمة حالَ دخوله المنزل، فهو متعب فعلاً . لذلك يجب عليك دائمًا أن تكون منتبهًا لمثل هذه الأمور، وواعيًا لما يحدث حولك . وأنت تعي الأمور بالنسبة لهم، لا بالنسبة لك أنت فقط .

إذن لا نخرج عن المألوف بمجرد كوننا واعين لأنفسنا فقط، ولسنا على وعي بالآخرين، أو نتجاوز المألوف، وهو أن نهتم بالآخرين فقط، ولا نهتم بأنفسنا . وهذا أيضًا تجاوز علينا أن نتجنبه، فهناك كثيرون لديهم هذه المتلازمة لعدم القدرة على قول : "لا ". ولذلك فهم دائمًا ما يساعدون الآخرين، أو عائلاتهم، أو أي إنسان آخر، حتى تخور قواهم، وينهاروا، ثم يصيبهم الضجر .

من المهم أن ننتبه أيضًا للطريقة التي نشعر بها، ونعتني باحتياجاتنا الخاصة أيضًا . فعندما نكون في حاجة إلى أخذ قسط من الراحة فلنفعل ذلك . وعندما نكون في حاجة إلى أن نقول : "لا، أنا آسف، لا يمكنني أن أفعل هذا؛ فهذا كثير جدًّا، ولا أستطيع فعله ". فلتقل : "لا ". وبطريقة مثالية عندما نقول : "لا ". نحتاج إلى أن نقدم لهم بديلاً ما، إذا كنا نستطيع أن نفعل هذا . ويمكنك أن تقدم بعض الاقتراحات، مثل أن تقترح عليهم شخصًا آخر يستطيع أن يساعدهم .

باختصار : كن متيقظًا لكل ما يحدث، داخليًّا وخارجيًّا، وبعد ذلك طبِّق الفهم الصحيح والحب والرحمة .

التعامل مع الغضب

سؤال : تحدثت عن كنس الأرضية بوصفه طريقة للتعامل مع الغضب، أو العواطف الهدامة الأخرى، ولكنك أشرت إلى أن البوذية فيها الكثير من الطرق الأكثر عمقًا، فرجاءً هل يمكن أن تشير إلينا أين يمكن أن نبحث عن هذه الطرق؟

الجواب : كنت قد تحدثت عن بعض الطرق المؤقتة السطحية جدًّا للتعامل مع الغضب، مثلاً عندما يكون لديك الكثير من الغضب المكبوت فإن العمل الجسماني الشاق قد يفيد في هذا، مثل غسل كل الأرضيات . وقد لمحت إلى أن هناك طرقًا أكثر عمقًا، فهل يمكنني أن أوضح بعضًا من هذه الطرق للتعامل مع الغضب؟

حسنًا، بالذهاب إلى مستوى أعمق قليلاً، فإن أحد المستويات للتعامل الغضب، عندما تكون غاضبًا من أحد فذلك تنمية للصبر . والآن، كيف لنا أن ننمي الصبر؟ هناك الكثير والكثير من الطرق، ولكن هناك طريقة واحدة - على سبيل المثال - تسمى "الصبر المشابه للهدف ". إذا لم أضع هدفًا فلن يصيبه أحد ".

فعلى سبيل المثال : سألتكم أن تفعلوا شيئًا من أجلي ، وفعلتم هذا الشيء بطريقة غير صحيحة، أو لم تفعلوه من الأصل، فحينئذٍ ستكون عواطفي ميالة للغضب منكم . إذن فخطأ من هذا؟ إنها غلطتي في الواقع؛ لأنني كنت كسولاً جدًّا، لدرجة إنني لم أفعله بنفسي، وطلبت منكم أن تفعلوه . إذن ماذا أتوقع؟ عندما تطلب من أحد أن يفعل شيئًا فماذا تتوقع ؟ دعنا نقول إنك تطلب من طفل عمره عامان أن يحضر لك كوبًا ساخنًا من الشاي، ثم تطلب منه أن يسكبه، وبالطبع سيسكبه . وكذلك إذا طلبت من أحد ما أن يفعل شيئًا لك فماذا تتوقع منه؟

لذا أنا أدرك أن كسلي هو الذي سبب المشكلة في الواقع، لذلك لا أغضب من الشخص الآخر . وأنا مدرك أنني عندما أطلب منك أن تفعل شيئًا من أجلي فهذا لكوني كسولاً جدًّا، لدرجة أنني لم أفعله بنفسي، سواء أكنت كسولاً، أم ليس لدي وقت لهذا، أم أيًّا كان السبب . ولكن المهم هنا هو أنه إذا كنت أطلب من أحد آخر أن يفعله فلا ينبغي أن أتوقع أن هذا الشخص سيعمل هذا الشيء بطريقة تامة، أو بالطريقة التي سأفعله أنا بها، والتي ربما تكون غير صحيحة أيضًا في النهاية .

أنا أرتكب الأخطاء أيضًا، وإذا فعلت هذا الشيء بنفسي، وارتكبت خطأ، فليس هناك سبب يجعلني أغضب من نفسي، فأنا لست كاملاً، وليس هناك أحد كامل، لذلك فأنا أرتكب أخطاء بالطبع، وما علي إلا أن أقبل الواقع فقط . أنا من البشر، ومن صفات البشر كثرة الأخطاء . أنا أخطئ، وإذا استطعت أن أصحح خطئي فسأفعل . وأنا لا أغضب من نفسي؛ فلا جدوى من ذلك . وكل ما علي هو أن أصحح هذا الخطأ إذا كنت أستطيع ذلك . وإن لم أستطع فقد انتهى الأمر، وما عليَّ ألاَّ أن أتركه، وألاَّ أحاول أن أكرر هذا الخطأ في المستقبل .

ومن المستويات الأكثر عمقًا للتعامل مع الغضب فَهمُ واقعنا . الآن، أنا أتحدث على مستوى بسيط جدًّا، ولكن حتى على المستوى البسيط يكون هذا نافعًا . فيجب أن أفكر هكذا : "أنا لست مركزًا للكون، فلماذا ينبغي دائمًا أن أفعل ما أريد؟ وما الذي يميزني حتى إنني أفعل كل ما أريد طوال الوقت، ولا يجب لأي إنسان آخر أن يفعل هذا أبدًا؟ ". بمثل هذه الأفكار تبدأ في تحليل تلك النظرة الجامدة الراسخة لـ "الأنا " بوصفها أهم شيء في الكون، وبعد ذلك يمكنك بالطبع أن تحلل إلى ما هو أبعد من هذا بكثير . وعندما تكون لديك مثل هذه النظرة لـ "الأنا " على أنها ذلك الشيء الراسخ الجامد هنا، وأنني يجب دائمًا أن أحصل على ما أريد، فحينئذ ستغضب بالطبع عندما لا تفعل ما تريد، أليس هذا صحيحًا؟

البوذية لديها الكثير لتقوله عن كيفية وجودنا، وكيفية وجود الجميع . نحن موجودون فعلاً، ولكننا لم نوجد بهذه الطرق غير الممكنة التي نتخيل أننا نوجد بها . فعلى سبيل المثال : هناك "أنا " صغير يجلس في رأسي، ويتحدث، وهذا هو صاحب ذلك الصوت في رأسي . فالأمر يبدو كأن هناك "أنا " صغيرًا بجانب ذلك الذي يتكلم ويشتكي : "ماذا ينبغي علي أن أفعل؟ أوه، سأفعل ذلك ". ثم تحرك جسدك تقريبًا كما لو كان هذا الجسد آلة . لكن هذا وهم؛ فلا يمكنك أن تجد أي "أنا " صغيرة، أليس كذلك؟ ولكن على الرغم من ذلك فأنا موجود، أنا أتكلم، وأفعل أشياء .

إذن يجب علينا أن نتخلص من إيماننا بمثل هذه التصورات؛ لأنها تبدو كأنها تتطابق مع الواقع . هناك هذا الصوت المستمر، لذا لا بد من أن هناك شخصًا ما يتحدث في الداخل هناك . لذلك لدى البوذية الكثير لتعرضه في مجال ما نطلق عليه : "علم النفس ".

استعمال أجسادنا

سؤال : لدي سؤالان : أولهما : ربما يمكنك أن تخبرنا بشيء من التفصيل عن استخدام الجسد؛ فقد ذكرتَ أننا بحاجة إلى أن نريح أجسادنا، ولكن قد نكون بحاجة إلى ما هو أكثر من هذا . والسؤال الثاني هو : ما مصدر كل هذه التصورات؟ فعلى سبيل المثال : الشخص الذي يتكلم بداخل رءوسنا لماذا يظهر؟

الجواب : هناك بالطبع العديد من الفروع التي يمكن لنا أن نطبقها على الصحة الجسمية . فهناك الطب البوذي - على سبيل المثال - الذي تجده في التقليد التبتي، والذي يختص بتوازن الطاقات في الجسم . تتأثر طاقاتنا وصحتنا عامةً تأثرًا كبيرًا بنظامنا الغذائي وسلوكنا - السلوك مثل خروجك في البرد وأنت لا ترتدي ملابس ثقيلة بما يكفي، ثم تمرض . نحن نتحدث عن مثل هذا النوع من السلوك، أو الإفراط في العمل - مثل هذا النوع من السلوك سيجعلك مريضًا .

نحاول أيضًا أن نحافظ على الوعي بحالتنا الجسمية، فكلما كنتَ أكثر هدوءًا كنت أكثر انتباهًا، وليس على الحالة العقلية فقط، وإنما على مستوى حالة الطاقة الموجودة في جسمك . وعندما تلاحظ أن طاقتك تكون متوترة جدًّا على سبيل المثال - يمكنك أن تشعر بهذا عن طريق ازدياد النبض، وما إلى ذلك - فهناك الكثير من الأشياء الأساسية التي يمكنك أن تفعلها، حتى في تعديل نظامك الغذائي فقط .

وعلى سبيل المثال : يمكننا أن نتوقف عن شرب القهوة والشاي (الثقيل )، ويمكننا أن نتناول أطعمة أكثر دسمًا تقلل من الطاقة، مثل الأطعمة الدهنية، كالجبنة، أو ما شابه ذلك، ونبقى دافئين، ولا نتعرض للريح أو التيارات الهوائية، ونبتعد عن الآلات العالية الطاقة التي تحدث ضجيجًا كبيرًا . فكل هذا سوف يوتر من طاقتنا بشكل أكبر، فيجب علينا أن نكون في حالة هادئة، وعندئذ يوجد هذا المستوى من الممارسة .

لا يدعو التقليد التبتي نفسه إلى التمارين الجسدية، أو مثل هذا النوع من العمل بالجسد بالطريقة نفسها التي قد تكون لدينا . وذلك في التقاليد البوذية اليابانية أو الصينية في تركيزها على الفنون العسكرية . ولكن بالتأكيد هناك أنواع مختلفة من الفنون العسكرية - التايجي والتشيغونغ، ومثل هذه الأمور - والوعي والانتباه لحركتك . والتمارين الجسدية التي يؤديها أهل التبت إنما تكون أكثر دقة، وتتعلق باستخدام أنظمة الطاقة بطريقة مختلفة، فليست كطريقة الفنون العسكرية، بل تختلف قليلاً بطريقة ما، وتختلف أكثر على جانب اليوجا . إذن تلك هي الطريقة التي تستعمل بها جسمك .

مصدر الصوت في رءوسنا

بالنسبة لمصدر الصوت في رءوسنا، فإن هذا يتضمن طبيعة العقل، التي تصبح معقدة شيئًا قليلاً . وعندما نتحدث عن العقل في البوذية فلن نتحدث عن شيء من الأشياء . ولكنا نتحدث عن النشاط العقلي، ويكون هذا النشاط العقلي متضمنًا مع التفكير والرؤية والإحساس بالعواطف، وهذا مجال متسع جدًّا جدًّا . وما يحدث في هذا النشاط هو أنه يوجد نشوء من نوع ما للصور العقلية .

فعلى سبيل المثال : عندما نرى شيئًا فإن الضوء يقع على شبكية العين، ويحفز نبضات كهربية وتفاعلات كيمياوية في الخلايا العصبية، ونتيجة لهذا ينشأ هناك نوع ما من الصور العقلية لما يبدو عليه أي شخص . ولكن هذا في الواقع تصور عقلي، وهو ناشئ عن كل هذه النبضات الكيمياوية والكهربائية .

ولكن هذه الصور ليست مرئية فحسب، بل ربما تكون صوتية أيضًا، مثل الكلمات . فنحن لا نسمع الجملة كاملة في حين واحد، ولكننا نسمع أجزاء صغيرة منها لحظة واحدة في المرة، ومع هذا يكون هناك هذا التصور العقلي للجملة كاملة، وتفهم ما تعنيه هذه الجملة . وبالمثل توجد تصورات عقلية في شكل عواطف، وتصورات عقلية على هيئة أفكار، وأيضًا تصورات عقلية على هيئة ألفاظ، وهو هذا الصوت . وهكذا تنشأ هذه الأشياء، وهناك إدراك متضمَّن .

لذلك يكون ما نراه، أو ما نفكر فيه، أو ما نشعر به، هو نفسه ما يحدث . ويستمر هذا النشاط العقلي دون وجود لـ "أنا " تكون منفصلة عنه، وهي التي تشاهد هذا، أو تسيطر عليه، وتجعله يحدث . هو يحدث فعلاً؛ لذلك تكون أفكار "الأنا " جزءًا من هذه التصورات العقلية، هذا الصوت هو أنا . من الذي يفكر؟ أنا أفكر، ولست أنت من تفكر، بل أنا . ولكن هذا ما هو إلا مجرد جزء من كل عملية التصورات هذه .

ما مصدر هذا الصوت في رءوسنا؟ هذا الصوت ما هو إلا مجرد واحدة من خصائص النشاط العقلي . وليس من الضروري بمثل الطريقة التي تعمل بها كل الأنشطة العقلية، فهذا الصوت لا يستمر طوال الوقت، وأشك في أن دودة الأرض تفكر، ويكون لتفكيرها صوتٌ ! إن لدودة الأرض مخًّا بالتأكيد، ولها عقل، وترى أشياء، وتفعل أشياء .

في الواقع يبدأ الأمر في أن يكون مثيرًا للاهتمام عندما نفكر فيه، فالتصورات الصوتية للصوت هي شكل من أشكال التواصل، أليس كذلك؟ بل هي نوع من صياغة المفاهيم التي تعبر عن فكر ما أو توصله في صيغة صوت عقلي للكلمات . والسؤال المثير للاهتمام هو : هل أولئك الصم والبكم من ولادتهم، ولا يملكون أي مفهوم عن الصوت أبدًا، لديهم أصوات في رءوسهم، أم إنهم يفكرون طبقًا للغة الإشارة؟ هذا السؤال مثير للاهتمام جدًّا، ولم أجد له إجابة حتى الآن .

إذن سواء أكان هذا صوتًا أم كان لغة إشارة، أو أيًّا كان الأمر، أو مهما كانت الطريقة التي يفكر بها الدود، فمن الوهم أن هناك "أنا " منفصلة وراء هذا، وهي التي تتحدث، وتجلس على لوحة التحكم، وتظهر المعلومات على الشاشة من العينيين، ويكون لديها هذا الميكروفون، وتتحدث من خلاله، ثم يضغطون على زرٍّ لكي يجعلوا الأذرع والأرجل تتحرك، كل هذا وهم كبير .

ولكنه هذا النوع من "الأنا " التي تجلس على لوحة التحكم، والتي تجعلنا نفكر قائلين : "أوه، ماذا سيظن الناس بي؟ " و "ماذا ينبغي علي أن أفعل؟ " هو ما يجب علينا أن نقلق بشأنه، فهذا "أنا " على لوحة التحكم .

عندما ندرك أن هذه "الأنا " وهم فلن يكون هناك شيء نقلق بشأنه . فنحن نتكلم، ونتصرف بالتأكيد، وهذا أنا : أتحدث، أتكلم . وإذا لم يكن الناس يحبون هذا فهم لا يحبونه . إذن ماذا سيحدث؟ لم يسعد بوذا الجميع، ولم يحبه الجميع، إذن ما الذي أتوقعه بالنسبة لي؟ ما علينا إلا أن نستخدم الفهم والحب والرحمة، ونعمل، وهذا هو كل شيء . ولا نقلق بشأن كيفية رؤية الناس لنا، وليس من السهل فعل هذا كما يبدو الأمر .

السيطرة على أنفسنا عندما يغضب الآخرون

سؤال : عندما يكون هناك شخص آخر غاضب منا فكيف نسيطر على أنفسنا؟

الجواب : سأضرب لكم مثلاً : عندما يغضب منا طفل صغير عمره عامان، وذلك عندما نطلب منه أن يذهب للنوم، فيقول لك : أنا أكرهك، أنت شخص كريه . ثم يصنع ضجة كبيرة، فهل نغضب منه؟ نعم هناك من الناس من يغضب من هذا الطفل، ولكنه مجرد طفل لم يتجاوز العامين من عمره، فماذا تتوقع منه؟ كل ما عليك هو أن تحاول تهدئته، وأن تكون لطيفًا معه . وهذا هو المطلوب تمامًا؛ حاول أن تكون لطيفًا مع من يغضب .

فكِّر في هذا الأمر، وانظر كيف تتعامل مع طفل عمره عامان، وقد غضب منك فعلاً، فسوف تحمله بحنان، وتتلطف معه، والنتيجة أنه سيهدأ تمامًا، أما الصراخ في وجهه فلن يزيده إلا بكاءً، أليس كذلك؟ كل الناس مثل هذا الطفل، لكنهم في حجم أكبر فقط .

أعتقد أنه يمكننا أن نتوقف هنا . ولكم جزيل الشكر .