أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الصفحة الرئيسة > مكانة البوذية في العالم > مقدِّمة عن البوذية > نظرة عامة على الحقائق الأربع النبيلة

نظرة عامة على الحقائق الأربع النبيلة

ألكسندر بيرزين
بوخارست، رومانيا، يونيو ٢٠٠٩

هذا المساء طُلب مني أن أبدأ سلسلة من المحاضرات أتحدث فيها عن الحقائق الأربع النبيلة. هذا أمر ملائم للبدء حيث إنها الطريقة التي بدأ بها بوذا تقديم تعاليمه. هناك الكثير من أنظمة التعاليم، التعاليم الروحانية، سواء أطلقنا عليها دينية أو فلسفية. بوذا بالطبع كان واعيًا لهذه الأنظمة المتعددة الموجودة في زمانه ولدينا المزيد من الأنظمة المختلفة اليوم. ولذا عندما نتقرب من البوذية، أعتقد إنه من الهام جدًا أن نحاول تعريف ما هو المتميز والخاص فقط بالبوذي. البوذية بالطبع تتضمن العديد من التعاليم المشتركة مع نظم أخرى: كن شخصًا طيبًا، لطيفًا، ومُحبًا، لا تؤذي أي أحد. مثل هذه التعاليم نجدها تقريباً في جميع الديانات، والفلسفات، أليس كذلك؟ وبالطبع تُعلم البوذية ذلك أيضًا. ولكننا لسنا بحاجة لأن نتحول للبوذية لنتعلم مثل تلك التعاليم. وعلى الرغم من ذلك فإن البوذية غنية جدا بالعديد من الأدوات التي تُمكّننا من تنمية الطيبة والحب والشفقة ويستطيع أي شخص أن ينتفع من هذه الأدوات سواء قبل أي شيء آخر من تعاليم البوذية أو لم يقبل.

لكن، إذا تسائلنا، "ما هي التعاليم الخاصة والقاصرة على البوذية؟" فعندها نحن بحاجة لأن نتحدث عن الحقائق الأربع النبيلة. وحتى من خلال مناقشة الحقائق الأربع النبيلة سنجد العديد من الأشياء المشتركة مع النظم الأخرى.

الآن، لدينا هذا التعبير "الحقيقة النبيلة"، لابد لي أن أخبركم بأن هذه الترجمة غريبة إلى حد ما لأنه في الحقيقة ما يعنيه هذا التعبير هو أنه هناك أربع حقائق عن الواقع والتي تُرى كحقيقة بواسطة هؤلاء من رأوا حقيقة الواقع خارج إطار المنطق المألوف. إذا هذا يعني أنه على الرغم من إن هناك أربع حقائق فعلية، إلا أن معظم الناس لا يفهمونهم. هم حتى غير مدركين لهم. لهذا نستخدم كلمة "النبيلة" هنا، وكما أخبرتكم ليست أفضل طريقة لترجمتها لإنها تبدوا كما لو كانت كلمة من أرستقراطية العصور الوسطى، لكنها تُشير إلى أولئك ذوي الإدراك السامي.

الحقيقة الفعلية الأولى عادة ما تُدعى "المعاناة". قال بوذا أن حياتنا مليئة بالمعاناة وحتى ما قد نعتبره "السعادة العادية" والتي يصاحبها أيضًا الكثير من المشاكل. إذا تفحصنا للكلمة – أنتم تعرفون أنني مترجم لذا أحب أن أتفحص الكلمات – إذا تفحصنا الكلمة التي تُترجم بـ "المعاناة"، في اللغة السنسكريتية لدينا كلمة "دوكها". “كها" تعني الفضاء و"دوها" هي البادئة والتي تضاف لبداية الكلمات. لدينا "سوكها" والتي تعني السعادة و"دوكها" تعني التعاسة؛ لذا "دوه" كبادئة تعني غير مُرضية، ليست لطيفة، غير سارة. لا أريد أن أستخدم كلمة تحوي الحكم مثل "سيئ"، لكن المعنى يدور في هذا الإتجاه. لذا، فهي تعني أن هناك شيء خطأ بهذا الفضاء، والفضاء هنا يشير إلى كامل الفضاء الذهني، فضاء حياتنا. إنه موقف غير سار بالمرة.

إذا، ما هو الشيء غير السار بشأنه؟ حسناً، في باديء الأمر، نحن نختبر المعاناة الأكثر ظهوراً مثل: الألم، التعاسة، الحزن. وهذا شيء نستطيع جميعًا فهمه ويرغب الجميع في تجنبه، حتى الحيوانات. لذا لا شيء مُميز بشأن قول البوذية أن الألم والتعاسة هي مواقف غير مُرضية، وسيكون من الأفضل الهروب منها.

النوع الثاني من المعاناة يٌدعى معاناة التغيير والتي تتحدث عن السعادة اليومية المُعتادة. إذا، ما هي المشكلة في ذلك؟ المشكلة في أنها لا تدوم. إنها تتغير. إذا كان ما نعتبره سعادة عادية هي سعادة حقيقية لكان كلما حصلنا على كم أكثر منها كُنا لشعُرنا بسعادة أكثر. إذا كنا نشعر بالسعادة من تناول الشيكولاته إذًا فكلما تناولنا المزيد والمزيد لساعات وساعات دون توقف لكان من المفترض أن يجعلنا هذا أكثر سعادة؛ بالتأكيد الوضع ليس هكذا. إذا رَبَت من نحبهم على أيدينا لساعات وساعات، سريعًا ما سنشعر بالألم في أيدينا وبشدة. إذا فهي تتغير. وبالطبع نحن لا نكتفي أبدًا من هذه السعادة العادية، ولا نحصل أبدًا على الكفاية منها، ولا نشعر أبدًا بالرضا. دائمًا نريد المزيد من الشيكولاته، ربما ليس في الحال، لكن بعد قليل من الوقت.

هل تعرفون إنه من المثير للاهتمام التفكير في "كم من طعامك المفضل يجب عليك أن تأكل لتستمع به؟" قطمة واحدة؟ هل قطعة صغيرة جدا يمكن أن تكون كافية؟ هل هي كافية؟ لكننا نريد المزيد والمزيد والمزيد. الآن نريد أن نتغلب على هذا النوع من المشاكل، سعادتنا العادية المعتادة والدنيوية، ولكن هذا الأمر أيضاً ليس قاصرًا على الهدف البوذي. ليست فقط البوذية التي تستهدف التغلب على السعادة العادية المعتادة التي لدينا وتحاول إيجاد شيئًا من السعادة الأبدية السامية. هناك الكثير والكثير من الأديان التي تُعلِم "تجاوز الملذات الدنيوية؛ والذهاب إلى جنة النعيم الأبدية". إذا هذا ليس قاصرًا فقط على البوذية، أليس كذلك؟

التعاليم الخاصة بالنوع الثالث من المعاناة قاصرة فقط على البوذية. هذا النوع من المعاناة يُدعى "المعاناة التي تتخلل كل شيء" أو "المشكلة التي تجتاح كل شيء". إنها المعاناة التي تتخلل كل شيء نختبره؛ وهذا يشير إلى إعادة الميلاد المتكرر غير المتحكم بها والتي هي أساس كل صعود وهبوط في حياتنا اليومية. بعبارة أخرى، الميلاد مرة بعد مرة بنوع الحياة التي لدينا، بنوع الأذهان والأجساد وخلافه التي لدينا، هم أساس للمشكلتين الأولتين. وهذا بالطبع يأتي بنا لموضوع إعادة الميلاد، والذي سنناقشة غدا، لن أتعرض للكثير من التفاصيل بشأنه الآن. حاليًا، هناك الكثير من الأنظمة الفلسفية الهندية التي تٌعلِم بشأن إعادة الميلاد، إذًا ليس هناك شيئًا جديدًا علمه بوذا. لكنه وصف إعادة الميلاد وفهِمها وفهم آلياتها بطريقة أكثر عمقاً وبشكل مختلف عن أي من الفلسفات أو الديانات التي قامت بشرحها في زمنه. وقد أعطى تفسيرًا كاملًا لآليات حدوث إعادة الميلاد، كيف تختبر أذهاننا وأجسادنا هذا الصعود والهبوط للألم والتعاسة وسعادتنا العادية.

هذا سيأخذنا للحقيقة النبيلة الثانية، وكما قلت، فلن أتعرّض للشرح الكامل لآليات إعادة الميلاد، لكن ما هو السبب؟ إذا نظرنا إلى السبب الحقيقي سنستطيع أن نبدأ في فهم ما كان يتحدث عنه بوذا. لذا دعونا لا ندخل في إعادة الميلاد هذه الليلة، ونحاول أن نفهم ما كان يشرحه بطريقة منطقية بسيطة. نحن نتحدث عن المعاناة والسعادة العادية – والتي تحدث لسبب، وبوذا كان يتحدث عن "الأسباب الحقيقية". قد نعتقد أن هذا يحدث لنا كمكافئة أو عقاب أو على أي شكل آخر مُماثِل، لكن بوذا تحدث عن ماهية السبب الحقيقي، وتحَدًّث عن السلوك الهدام والسلوك البناء. الآن ما الذي نقصده بالسلوك الهدام؟ هل هو فقط التسبُب بالأذى؟ حسنا، في الحقيقة، عندما نتحدث عن التسبُب بالأذى، يمكننا التحدث عن التسبُب بالأذى للآخرين التسبُب بالأذى لأنفسنا. من الصعب أن نحدد إذا كان سلوكنا سيُسبب أذى لشخص آخر أم لا. فقد نُعطي شخصًا ما كمًا كبيرًا من المال وكنتيجة لذلك فإنه يُقتَل من شخص آخر لسرقته. نحن لا نعرف في الحقيقة ماذا ستكون نتيجة ما نقوم به للآخرين. نحن نريد أن نساعدهم، هذا هو هدفنا، ولكن ليس هناك أي ضمانة. لكن الموثوق فيه هو أن نوعًا محددًا من السلوك سيكون مؤذيًا لنا. وهذا ما قصده بوذا بالسلوك الهدام، إنه مُدمِّر للذات.

وما يُشار له هنا هو الفعل أو الحديث أو التفكير تحت تأثير المشاعر المُربكة. المشاعر المُربكة – تُربك. لأنها تُسبب لنا فقدان راحة البال وفقدان التحكم في النفس. وهذا يشير إلى الغضب والجشع والتعلق والغيرة والغرور والسذاجة والتردد (عدم قدرتك على إتخاذ قرار فيما ستقوم به). هناك قائمة طويلة من هذه المشاعر وعندما يكون تفكيرنا مُحاصر تمامًا بهذه المشاعر ونتحدث تحت تأثيرها أو نتصرف تحت تأثيرها فسينتُج عن هذا تعاسة لأنفسنا. لربما ليس في الحال، لكن على المدى البعيد، لأن هذا يبني الميل للاستمرار بنفس تلك الطريقة. و على الجانب الآخر، ما هو السلوك البناء؟ هو السلوك الذي لا يكون تحت تأثير هذه المشاعر المُربكة, وفي الحقيقة، لربما يكون مدفوعًا بمشاعر أكثر إيجابية مثل الحب والشفقة والصبر.

مبدئيًا، عندما نتصرف بشكل بناء، هذا يُنتج السعادة. صحيح؟ ذهننا يُصبح في حالة سكون وهدوء أكبر. نُصبح أكثر قدرة قليلًا على التحكُم في أنفسنا، لذا لا نقوم بأشياء غبية أو نتصرف [بطريقة غبية].

ولربما ليس في الحال ولكن على المدى الطويل، هذا النوع من السعادة التي يجلبها لنا هذا النوع من السلوك البناء هو ما يحجبه عنا في الأساس الغفل بحقيقة وجودنا وكيفية وجود الآخرين، الغفل عن الحقيقة في العموم.

إن سعادتنا وتعاستنا العادية ليسوا عقاباً أو مكافأة من حاكم ما، أو بعض الكائنات الخارجية. هم فقط يتبعون في ذلك تقريباً ما أشبه بقوانين الفيزياء. وما هو الأساس لذلك؟ الأساس لذلك هو ارتباكنا. نحن لدينا ارتباك على سبيل المثال، بخصوص "أنا"؛ فأنا يجب أن أكون دائمًا في المقدمة وأن أحصل على ما أريده. صحيح؟ ونفكر، "أنا الشخص الأكثر أهمية؛ يجب دائما أن أحصل على ما أريده وأن أسبق الآخرين في طابور المتجر؛ يجب أن أكون الأول"، وغير ذلك. ولذا نغضب من هؤلاء الذين يقفون أمامنا؛ نتدافع. فنحن جشعون أيضًا. نحن غير صبورين إذا أخذ أحدًا وقتًا طويلًا، وأذهاننا مليئة حقًا بكل هذه الأفكار غير السعيدة وغير السارة عن هذا الشخص، أليس كذلك؟ وحتى إذا تصرفنا بطريقة بنائه، هناك أيضاً الكثير من الارتباك بشأن "أنا" يسري وينساب تحت كل هذا. فنحن في الأغلب سنُساعد الآخرين لأننا نريدهم أن يُعجبوا بنا. نريدهم أن يُحبوننا أو على الأقل يشكروننا؛ أو لربما نساعدهم لأن هذا يشعرنا بأن أحدًا ما في حاجة لنا. الكثير من الآباء يتصرفون بناء على هذا الأساس مع أبنائهم، وعلى الرغم من أن مساعدة شخص ما بهذه الطريقة -كما تعرفون- تجعلنا نشعر بالسعادة، هناك شيء غير مريح أسفل ذلك. ولذا فالسعادة التي لربما نختبرها – من الجائز ليس في الحال، ولكن على المدى البعيد – هذا النوع من السعادة لا يدوم أبدًا. هذا النوع يتغير إلى شيء غير مُرضٍ. وهذا يستمر ويستمر خلال حياتنا – من وجهة النظر البوذية – وخلال حيواتنا المستقبلية أيضاً.

وإذا نظرنا أعمق قليلاً، نحن لدينا إرتباك بشأن كل شيء. أليس كذلك؟ نحن في حب شديد مع شخص ما، نحن نُغالي بشدة في صفاته الجيدة. أو نكره شخص ما جدا، فنُغالي بشدة في صفاته السلبية. لا نرى أي شيء جيد فيه. وكلما تفحصنا أكثر سنجد المزيد من الارتباك الكامن في جميع خبراتنا طوال الوقت. والآن، لنذهب أبعد من هذا، أكثر عمقًا، الأساس لذلك أن لدينا الكثير من المحدودية الناتجة عن نوع الذهن والجسد الذي لدينا. إذا فكرنا بالأمر، عندما نغلق أعيننا، يبدوا كما لو أن بقية العالم غير موجود وأن هناك "أنا" فقط؛ وهناك هذا الصوت داخل رؤوسنا والذي يبدوا كما لو أنها "أنا"، هذه ال "أنا"بداخل ماذا؟! بداخل رأسي؟! بداخلي؟! "أنا" بداخل "أنا" – هذا بالفعل شيء غريب. ونحن نتعرف علي تلك "الأنا" لإنها هي التي تشتكي دائمًا: “يجب أن أكون في المقدمة؛ يجب أن أقوم بذلك.” وهي التي تَقلق دائماً. وبشكل ما يبدوا كما لو أن هذه الـ "أنا" – هذا الصوت برؤوسنا، هذه الـ "أنا" المُميّزة – بطريقة ما موجود بشكل منفصل عن كل شخص أخر، لأني عندما اغلق عيني إنه لا شيء هناك إطلاقًا. فقط "أنا".

هذا شيء محير جدًا لإنه على نحو جليّ نحن لا نوجد مستقلين عن كل شخص آخر؛ وفي الحقيقة لا يوجد شيء مُميز في أي شخص. نحن جميعًا بشر. أتعرفون، لدي هذه الرؤية لمئات الآلاف من طيور البطريق بالقطب الجنوبي جميعهم بشكل ما مُصطفون هناك في الجليد. ما الذي يجعل أحدهم متميزًا عن الآخر؟ جميعهم متشابهون. وكذلك نحن. لربما للبطاريق، جميع البشر يبدون متماثلين. لذا، استنادًا على طريقة التفكير هذه، "آه، أنا مُميّز جدًا ومستقل عن كل شخص آخر،" ومن ثَم "يجب أن أحصل على ما أريده" وأغضب إذا لم أحصل عليه.

‏‫لذا فالمُعدات المُكوِنة لأذهاننا، وأجسادنا … إلخ تؤدي لحدوث هذا الارتباك. أنا أرى – هذه تبدوا طريقة غريبة للتعبير، كما لو كان هناك "أنا" بالداخل – بهذه الثقوب في مُقدمة رأسي ‫فقط ما هو كائن أمامي الآن، ولكني لا أستطيع أن أرى ما الذي أدى إليه. لا أستطيع أن أرى ما سيأتي لاحقًا؛ محدود جدا، أليس كذلك؟ أنا أتقدم في السن. لا أسمع بشكل جيد، أنت تقول شيئًا ولا أسمعه بشكل صحيح. أفكر أنك قلت شيئًا آخر وحينها أشعر بالغضب من ذلك. هذا شيء سخيف، أليس كذلك؟

لذا وبسبب كل هذه المشاكل السائدة يُعاد ميلادنا باستمرار مرة بعد مرة بنفس نوع الجسد هذا، ونوع الذهن هذا الذي سيُكرس دائمًا للارتباك. وعلى أساس من هذا الارتباك سنقوم بالتصرف بشكل هدام أو بطرقنا المعتادة الهدامة، وهذا سيُنتج التعاسة والمعاناة وسعادة التغيير العادية.

وفي الحقيقة إذا تفحصنا بشكل أكثر عمقًا – وهو أمر معقد، ولذا لا أريد أن أخوض فيه – هذا الارتباك ذاته هو الذي يقود إلى إعادة الميلاد المتكرر غير المتحكم بها. إنه بسبب أننا نريد المزيد والمزيد والمزيد. إذًا هذا هو السبب الحقيقي، السبب للمشكلة الحقيقية والمعاناة الحقيقية. إنه هذا الارتباك؛ الارتباك هو... أنا فقط أستخدم هذا المصطلح بشكل عام. المصطلح الأكثر دقة هو "عدم الوعي". عدم الوعي، وعادة تترجم إلى"الجهل". أنا لا أحب مصطلح "الجهل" لأنه يعني أننا أغبياء. والمشكلة ليست أننا أغبياء. وهذا منعدم الصلة، لكن "عدم الوعي" تعني كلاً من أننا لا نعرف كيفية وجودنا ولا كيفية وجود الأشياء، لذا فنحن غير واعيين وفقًا لهذا المعنى. “أنا فقط لا أعرف" أو "أنا أعرفها بالطريقة الخطأ، الطريقة المعاكسة"؛ على سبيل المثال، أعتقد أنني الوحيد في هذا العالم، أنا الأكثر أهمية وهذا بالضبط عكس الواقع. الواقع أننا جميعاً هنا سويًا. نتفاعل مع بعضنا البعض؛ وأنا لست غبيًا ولكن بسبب هذا الجسد وهذا الذهن أشعر بهذه الطريقة. عندما أغلق عيني فهناك هذا الصوت برأسي، إذا – ما يجب أن نقوله – من الطبيعي أن نكون غير واعيين، لأننا مرتبكون.

وهذا هو السبب في أننا نقول أن هذا ما يُسمى بـ "الحقائق النبيلة". لأن هؤلاء الذين يرون الواقع حقًا يرونه بطريقة مختلفة تمامًا عن رؤية أي شخص آخر له. فنحن جميعًا نعتقد أن أرتباكنا وإسقاطاتنا يُشيرون للواقع. نحن نُؤمن بأن هذا حقيقي. نحن لم نفكر في هذا الأمر على الإطلاق، لكننا نشعر على سبيل المثال "أهلا، هل تعرف، أنا الأكثر أهمية. يجب أن أحصل على ما أريد. يجب على الجميع أن يحبوني"، أو العكس، "الجميع يجب أن يكرهوني، لأني لست جيدًا". أعني هنا إنهما متماثلان، فقط الوجه الآخر للعملة. هذا هو السبب الحقيقي.

الآن، الحقيقة النبيلة الثالثة هي... "حقيقة الإيقاف". عادة تُترجم إلى "حقيقة الانقطاع"، لكن هذه كلمة كبيرة وغير ضرورية؛ هي فقط تعني وقْف. وهذا يعني إنه من الممكن التخلص من الارتباك، إيقافه، ولا يظهر مرة أخرى أبدًا. وإذا تخلصنا من هذا الارتباك -وهو السبب الحقيقي- سنتخلص من المشكلة الحقيقية: والتي هي أساس هذا الصعود والهبوط وسبب إعادة الميلاد المتكرر غير المتحكم فيه. إذًا سنحظى بما يطلق عليه "التحرر". لذا إذا كنتم معتادون على الكلمات السنسكريتية، إعادة الميلاد غير المتحكم فيها، وهي السامسارا بالسنسكريتية، والتحرر هو النرفانا.

هناك نظام هندي آخر بزمن بوذا تحدث عن التحرر من السامسارا كذلك. فقد كان هذا الموضوع شائعًا في الهند. لكن الذي رأه بوذا هو أن هذه الأنظمة لم تذهب للعمق الكافي في تعريف السبب الحقيقي. وعلى الرغم من أنك قد تُحقق بعض الراحة من التكرار غير المتحكم به للمشاكل – فلربما تؤدي بنا للميلاد في نوع من العوالم العميقة، لدهور، والتي تكون بها أذهاننا في الأساس جوفاء – ومع ذلك فإن هذا سينتهي. إذا أنت حقًا لن تحصل على التحرر بأي من هذه الأنظمة الأخرى.

إذًا، حقيقة الإيقاف. من الهام جدا أن نفهم وأن يكون لدينا الثقة أنه من الممكن حقًا أن نتخلص من الارتباك بحيث لا يعود مرة أخرى. وإلا لماذا نحاول التخلص منه؟ وإلا نصمُت ونتوقف عن المحاولة ونتقبل المواقف الصعبة ونحاول أن نصنع أفضل ما يُمكننا بها، كما يدعو الكثير من المعالجين النفسيين لأن يكون هذا هو الهدف النهائي. “تعلم أن تعيش بها؛ أو خذ حبة دواء.”

حتى نفهم هذا …فنحن في الحقيقة، نحتاج لأن نتفحص الحقيقة النبيلة الرابعة. لأن، الحقيقة النبيلة الرابعة تساعدنا على فهم الثالثة. الحقيقة النبيلة الرابعة عادة ما تُترجم إلى "حقيقة المسار"، لكن المسار.... نحن لا نتحدث هنا عن شيء نسير فيه. هذا ليس المعنى. ما يُشير إليه هو حالة ذهنية والتي إذا طورناها ستصبح مسارًا يقودنا للتحرر. لذا أسميها "المسار الذهني"، لكن هذا يصعُب ترجمته إلى معظم اللغات الأخرى، النقطة الهامة هي إننا لا نتحدث عن طريق؛ نحن نتحدث عن حالة ذهنية.

الآن، ما نقوم بإسقاطه ما هو إلا قمامة صِرفه. فهناك جميع المستويات المختلفة من الإسقاطات. نحن نقوم بإسقاط لكل أنواع القمامة؛ الإسقاط الأكثر تطرُفاً لمن يعاني من الشك المرضي أو الفُصام هو "إنهم جميعهم ضدي”. أو قد يكون أقل تطرفًا: كـ “هذه هي أفضل قطعة من كعكة الشيكولاته رأيتها أبدًا، إذا أكلتها ستجعلني حقًا سعيدًا. إنها حقًا ما أرغب به.” حسنًا؟ لقت اختبرت هذا في الطائرة وأنا قادم إلى هنا. فقد توقفت في فيينا؛ فطيرة التفاح في فيينا ينبغي أن تكون الأفضل في العالم. طلبت قطعة منها. ولم تكن الأفضل في العالم. لذا، فهو إسقاطً للقمامة: لأن هذا لا يُشير إلى الواقع. فطيرة التفاح موجودة بالفعل فالفطيرة لم تكن إسقاطًا من ذهني، ولكن الطريقة التي تتواجد عليها كأفضل فطيرة تفاح في العالم وأنني سأكون سعيدًا جدًا بتناولها هو إسقاطًا ذهنيًا مني.

بشكل مشابه، أنا موجود، أنت موجود، البوذية لا تقول أننا لسنا موجودين. لكن ما نسقطه هو طريقة وجود الأشياء وهو ما لا يشير للواقع على الإطلاق. بأن الأشياء موجودة بشكل مستقل عن أي شيء آخر – هذه هي الطريقة المستحيلة للوجود. الأشياء تنشأ عن أسباب وشروط. وهي تتغير طوال الوقت، لكننا لا نرى ذلك؛ نحن نرى فقط ما هو أمام أعيننا. لذا، "كان يفترض بصديقي أن يأتي، صديقي لم يأتي"، فكيف يبدوا الأمر لي؟ "أنت شخص سيئ، أنت تخذلني طوال الوقت؛ أنت لم تعد تحبني". نشعر بالغضب. تفكر كما لو أن حياة هذا الصديق مستقلة عن أزمة المرور التي من الممكن أن يكون قد عانى منها، لربما كان هناك المزيد من العمل بالمكتب، لربما كان هناك ….. من يعرف ماذا قد يكون هناك؟ لكنه حدث لأسباب وشروط ولذا من المستحيل أنه من جانب هذا الصديق، وبشكل مستقل عن كل شيء آخر، أن نعتبره شخصاً سيئًا. لكن ذهننا يقوم بإسقاط هذا، ونحن نتمسك به ولا نتركه. وهذا يُسبب الغضب، والمشاعر المُربكة، وفور رؤيتنا له في المرة المُقبلة، يحدث السلوك الهدام. نصيح عليه، لا نعطيه حتى فرصة ليشرح لنا ما حدث. نصيح طوال الوقت، نحن حقًا بائسين وتعساء، ألسنا كذلك؟

إن كل الأمثلة على ذات الشكل. أنا موجود، ولكن بشكل ما يبدوا لي أن الطريقة التي أوجد بها مستقلة عن كل شخص آخر ومُتميز عنهم – وهذا بالكامل إسقاط. إنها قمامة. إنها لا تُشير إلى أي شيء حقيقي. إنه هذا الغياب لشيء حقيقي يُشار إليه, هذا الغياب هو ما نُطلق عليه الخلو في البوذية. المصطلح السنسكريتي له هي كلمة مماثلة للصفر؛ إنها لا تعني أن هناك صندوق وأن هذا الصندوق خالي، هذه كلمة سخيفة. إنها تعني "لاشيء": إنها لا تُشير إلى أي شيء. لا شيء حقيقي، صفر، لا شيء حقيقي يُشار إليه. أنتم تعرفون إننا يمكن أن نسقط على شريكتنا أو شريكنا إنه أمير أو إنها أميرة على حصان أبيض وهو خيالي مائة بالمائة، شخص مثالي مثلما في القصص الخيالية. هذا مستحيل. لا أحد موجود بهذه الطريقة، لكننا نبحث دائمًا عنه. صحيح؟ نحن دائمًا نبحث على الأمير أو الأميرة ونُسقط ذلك على شخص ما وبعدها لا يكونون على ذات المستوى وعندها نشعر بخيبة أمل ثم نبدأ في البحث عن شخص آخر. أليس كذلك؟ هذه هي الطريقة المستحيلة للوجود. إلى ماذا يشير ذلك؟ صفر. لا شيء؛ هذا الخلو؛ الغياب.

إذا، فالمسار الحقيقي للذهن، هو الفهم الحقيقي، الذي هو فهم أن كل هذا عبارة عن قمامة. لا شيء حقيقي يُشار إليه. الآن إذا تفحصنا السبب الحقيقي، فإن السبب الحقيقي للمعاناة هو أننا نصدق بأن هذا يُشير إلى شيء حقيقي. أما المسار الحقيقي هو أن نُصدق أن هذا لا يُشير إلى أي شيء حقيقي. كل منهم ينفي الآخر. سأكرر هذا. الارتباك هو أن نفكر بأن هذا يُشير لشيء حقيقي. الفهم الصحيح أنه ليس هناك شيء كهذا. إنه لا يُشير لأي شيء على الإطلاق. لذا لنقم بصياغتها بطريقة بسيطة، بهذه الطريقة أو ليس بهذه الطريقة، أو حتى بشكل أقوى، بهذه الطريقة وليس هناك شيء بهذه الطريقة – أو ليس هناك شيء من هذا القبيل. كل منهم ينفي الآخر. إنها إما نعم أو لا؛ لا يمكن أن تحصل على الاثنين في نفس الوقت.

حسنًا، دعونا نبحث الأمر، دعونا نحلله. أيهما الأقوى، "نعم" أم "لا"؟ إذا تفحصت الأمر منطقيًا، من الواضح إنها الـ "لا". فهذه الـ"نعم" لا تتسق مع المنطق. هل يتوقف كل شخص عن الوجود إذا أغلقت عيني؟بالطبع لا. هل صحيح أني يجب دائمًا أن أحصل على ما أرغب فيه، وأنني أهم شخص في العالم؟ لا، هذا سخيف. إذا، كلما تفحصنا أكثر مُتضمنين الجانب العلمي، هل هناك "أنا" صغيرة تتحدث داخل رأسي؟ أين؟ إذا بدأت في تحليل المُخ، أين هي عملية إتخاذ القرار؟ ما الذي يحدث بالضبط؟ ليس هناك شيء صلب قابل للإيجاد بالعقل ويُدعى "أنا". بالطبع، أنا أفعل، أنا أقوم بأشياء، أنا أتحدث، نحن لا ننكر ذلك، لكن ما ننكره هو وجود ذلك الشيء الخيالي بالكامل مثل الرسوم المتحركة، ما ننكره هو أن هناك شيء صغير يجلس برأسي، هذا هو "أنا" “أنا" “أنا" "يجب أن أحصل على ما أريده". لذا، الجانب الخاص بأنه "لا شيء هكذا" مدعُم بالمنطق، مدعُم بالأسباب، مدعُم بالتحري؛ في حين أن الجانب الآخر، هذا الارتباك لا يدعمه أي شيء على الرغم من إنه يُشير إلى شيء حقيقي.

من ناحية أخرى، ما نتيجة التفكير بأنني موجود بهذه الطريقة المستحيلة؟ أجعل نفسي بائسًا، تعيسًا. ما نتيجة التفكير بالطريقة أخرى، إنه لا شيء هكذا ؟ أحرر نفسي من كل هذه المشاكل. وعلاوة على ذلك عندما يكون تركيزي على "لا شيء مثل هذا، وأن هذه فقط قمامة"، لا أستطيع أن أفكر في أن هذا يُشير إلى شيء حقيقي. لذا، هذا الفهم الصحيح يمكن أن يستبدل الفهم الخاطئ. لذا إذا أستطعنا أن نحتفظ بتركيزنا على هذا الفهم الصحيح طوال الوقت، عندها هذا الارتباك، هذا الفهم الخاطئ، لن يظهر مرة أخرى.

إذًا فقد قام بوذا بالاستفادة من التعاليم غير المقصورة فقط بالبوذية. والتي ستجدونها بالأنظمة الهندية الأخرى في كيفية الحصول على التركيز الكامل، وهذا النوع من الأشياء، ومن خلال هذه الأدوات، من خلال ما يطلق عليه "التأمل"، حتى نستطيع أن نُعّود أنفسنا على هذا الفهم الصحيح. وعندها نستطيع أن نحقق الإيقاف الفعلي للأسباب الحقيقية للمعاناة، وبالتالي إيقاف فعلي للمعاناة.

وما سوف يُعطي أذهاننا القوة ليكون قادرًا على التركيز على كل هذا والتخلص من هذه العادات الهدامة هو، الدافع. الدافع يعطي القوة لأذهاننا للقيام بكل هذا الجهد الشاق المطلوب. وهنا حيث يأتي الحب والشفقة وكل تلك الأشياء. لأننا جميعًا متصلين بشكل متبادل فيما بيننا، فكما أريد أن أصبح سعيدًا فإن الجميع يرغبون أيضًا في أن يصبحوا سعداء، والجميع متشابهين في ذلك، وجميعنا متصلين ومتأثرين فيما بيننا. وإذا أردت فعلًا أن أكون قادرًا على مساعدة الآخرين فعلي أن أتخلص من هذا الارتباك.

هذه إذًا هي المقدمة الأساسية عن الحقائق الأربع النبيلة. وإذا رغبنا حقًا في فهم أعمق قليلًا عما قد تحدثنا عنه فعلينا أن نتحدث أكثر عن الكارما وإعادة الميلاد وهذا ما سنقوم به غدًا.

إذًا ما هي الأسئلة التي قد تكون لديكم؟ نعم.

مشاركة: [صوت غير واضح]

ألكس: دعيني أكرر. إذا فهمت بشكل صحيح ما تقولينه هو، "إذا لم نستطيع التعرُف بشكل مؤكد على أثر أفعالنا على الآخرين، أليس من عدم المسئول أن نقوم بأي تصرف تجاههم لأننا لا نعرف ما الذي سيحدث كنتيجة لتصرفنا هذا؟" هي تقول إنه في سياق المسئولية، والتي تعني بها قدرتنا على أن نعرف مسبقًا ما الذي سيحدث وبناء على هذه المعرفة نستطيع أن نتحمل المسئولية؛ أو بشكل عكسي، حيث إننا لا نعرف، لذا فهو شيئ غير مسئول أن نتصرف، مثلا على ذلك بيع سلاح ناري لأي شخص معه نقود، نحن لا نعرف ما الذي سيفعله هذا الشخص بهذا السلاح الناري لذا فإن ذلك شيئ غير مسئول أن نبيع السلاح الناري لأي شخص معه نقود ليشتريه. حسنًا، أعتقد أن علينا أن نستخدم العقل والمنطق هنا.

أستطيع أن أعطي أمثلة لا حصر لها عن بيع الأسلحة لأي شخص. ولكن ماذا عن دفع مال لتعليم شخص ما؟ مثلًا، أعني إنه في الكثير من البلاد- لا أعرف ما الحال هنا في رومانيا- التعليم الجامعي مكلف للغاية، لذا دعونا نفترض أني قمت برعاية بعضهم، أعطيتهم المال ليذهبوا للجامعة. لا أعرف ما الذي سيفعلونه بالتعليم في الجامعة. لربما يستخدمونه ليغشوا أحدهم وليقوموا بشيء مدمر أو لربما يقومون بشيء بناء للغاية. لا أعرف. لذا أعتقد علينا أن نستخدم العقل والمنطق والذي به يمكننا أن نعرف أن مساعدة البعض ليحظوا بالتعليم غالبًا هو شيئ نافع لهم.

لا أعرف، بيع سلاحًا ناريا لشخص ما …. ربما يستخدمونه في الدفاع عن أنفسهم إذا كان هناك هجوم من بعض الهمجيين أو ما شابه، ولكن الاحتمال الأكبر هو أن بيع السلاح الناري هو التصرف الأكثر خطورة. لذا، نستخدم بعض المنطق والنية الحسنه. لكن، فيما يتعلق بالمسئولية، أعتقد أن ما يجب حقًا أن نتجنبه هو متلازمة الذنب والكبرياء. أنا مسئول عن دوافعي وهل هناك مشاعر هدامة: هل كان الدافع جيد، هل هذا الدافع سلبي. هذا ما أنا مسئول عنه وسأختبر عواقبه، لكن أنا لست بموقع التحكُم. فهذا مستحيل؛ هذه طريقة مستحيلة للوجود أنني أستطيع التحكم فيما يحدث. أستطيع أن أحاول مساعدة بعضهم، ولكنهم إذا فشلوا فشلًا ذريعًا، فأنا لست المذنب في ذلك. دافعي كان جيدًا؛ وساعدتهم. هم فشلوا لكل الأسباب الأخرى المختلفة من جانبهم، لظروف أخرى ؛ وإذا نجحوا فهذا أيضًا نتيجة للعديد من العوامل، ليس فقط بسببي. لذا فنحن هنا مشاركون في هذه الآليات السببية. نوفر سببًا، ولكن المستحيل هو: أن شيء واحد، سبب واحد، يؤدي لهذه النتيجة. هذا مستحيل. الأثر ينشأ عن عدد هائل من الأسباب والشروط، وليس فقط سبب واحد. وليس فقط التفكير في الأمر من منظور النجاح والفشل. أليس كذلك؟ بالتأكيد هذا ذو صلة بالاقتصاد؛ بالمجتمع؛ ذو صلة بملايين الأشياء، وليس فقط مساعدتي لشخص على الذهاب للجامعة. لذا، أعتقد أن هذا مثال على كيف ستساعدنا الطريقة البوذية في التفكير والتحليل لأن نخرج من المشاكل ونتجنب مشاكل الإحساس بالذنب والتي هي حالة ذهنية غير سعيدة على الإطلاق.

نعم؟

مشارك: [صوت غير واضح]

ألكس: دعني أكرر من أجل التسجيل. المُشارك يقول أننا إذا فهمنا هذه الطريقة من التفكير - بأنني مُميز وأنني موجود بشكل مستقل عن كل شيء آخر إلخ – إذا فهمنا أن هذه الطريقة لا تُشير لأي شيء حقيقي، ألن يُقلص هذا من قدرتي على أداء دوري بشكل أساسي كفرد وعلى القيام بالأشياء التي احتاج أن أقوم بها؟ حسنًا، الجانب الآخر من التفكير بأن "أنا موجود مستقلًا" – نتخلص من هذا بأن نفهم أنه لا احد يوجد بشكل مستقل – إذًا الجانب الآخر لـ "أنا لا أُوجد مستقلًا" هو "أنا أوجد مُعتمدًا". لذا هذا الفهم الذي نتحدث عنه في البوذية لا ينفي وجود الـ"أنا". بالطبع هناك "أنا" وهناك "أنت" لكن لدينا فهم أكثر واقعية.

إذا، ما هي الواقعية؟ إن رفاهيتي تعتمد تمامًا على رفاهية كل شخص آخر. فكروا فيما يتعلق بالاحتباس الحراري، التلوث؛ إنها ليست فقط مشكلتي أو مشكلتك، إنها مشكلتنا جميعًا. لذا، بالطبع على مستوى الاحتياجات اليومية نحن بحاجة لأن نعتني بحصولنا على قدر كافي من الطعام، إطعام عائلتنا، إلخ.، لكن للقيام بذلك علينا أن نعتمد على كل شخص آخر. من يزرع الطعام؟ من يمد الطرق؟ من يصنع المحال؟ كل شيء يأتي من عمل أناس آخرين. لذا هذا الفهم يجعلنا أكثر واقعية وفي الحقيقة يجعلنا قادرين على التفاعل بشكل أفضل لأن نكون أكثر مراعاة لكل شخص آخر، ولا نكون فقط أنانيين.

مشارك: هناك نظرية أننا جميعًا متصلون فيما بيننا بواسطة رباط أو شيء …. [صوت غير واضح]

ألكس: حسنًا، هناك نظرية تُقر بإننا جميعًا متصلون بكل شخص أخر، لكن متصلون بواسطة نوع من الرباط الذي لا نستطيع رؤيته. إذا السؤال هو: “كيف أفهم أنا الطريقة التي نحن مرتبطون بها؟

حسنًا، بالتأكيد نستطيع أن ننظر للكون من منظور إنه مجال مستمر من الطاقة. نحن نتحدث فقط من منظور العلم، الفيزياء، ليس هناك ثقوب..... حسنًا ثقوب سوداء ولكن دعونا لا نتطرق لهذا. بداية، البوذية لا تقول إننا جميعًا شيئًا واحدًا، أو أننا جميعًا جزء من حساء كوني كبير. لأن هذا سيسبب صعوبة شديدة في أن تكون هناك أي مسئولية فردية. فإذا كنّا جميعًا واحد لذا لن أستطيع أن أقوم بأي شيئ أرغب فيه، لأننا جمعًا شيء واحد.

إذا حقيقة إننا جميعًا نتشارك في ذات نوع حقل الطاقة، ونساهم فيه، هذا مستوى من النظر للأمر على مستوى الفيزياء. لكن في البوذية تنظر للأمر في سياق العلاقة السببية، الأسباب والشروط. سأستخدم مثال الاحتباس الحراري؛ أنتم تعرفون ما قام به البشر بكل مكان بالكوكب من إضافة ثاني أكسيد الكربون وكل هذه الأشياء في الهواء والتي تُؤثر علينا، وبالطبع؛ ما سأقوم به في هذا السياق سيُأثر على الآخرين. لكن، ليس علينا بالضرورة أن نُحد من فهمنا لهذه العلاقة السببية إلى مستوى الأساس الفيزيائي فقط. أعني هذا سيذهب إلى تحليل غاية في التعقيد للسبب والنتيجة وكيف أن السبب والنتيجة مرتبطين ومتصلين ببعضهم. هل هي مثل أن نجد أنفسنا عالقين بين كرتين ونحن نعرف أن احداهما هي السبب والأخرى هي النتيجة؟ في البوذية، نقول "لا" ليس الأمر كذلك. إن صلتنا بكل شخص آخر -كيف أعبر عنها- ليست فقط فيما نفهمه على المستوى الفيزيائي أو مستوى الطاقة، ولكن أيضاً على المستوى السببي، لأنه بعد كل شيئ ما نختبره الآن هو نتيجة ما قام به كل شخص من قبل في الماضي، عودة إلى أول نقطة لبداية الحياة على هذا الكوكب.

مشارك: [صوت غير واضح]

ألكس: دعني أكرر. يبدوا أن هناك شقين لما تقوله. الأول أنك قرأت كتاب، صحوة بوذا بداخلنا ؛ ويبدوا إنه يشير إلى أن التأمل البوذي يحمل قدرًا كبيرًا من التحليل والتفحُص الداخلي، دون التعويل كثيرًا على الخارج.

نعم، بالتأكيد التدرب البوذي يحمل قدرًا كبيرًا من التحليل للارتباك بداخلنا، لتحليل مشاعرنا المُربكة، من أين تأتي هذه المشاعر، أين موطن أو محل هذا الارتباك. بالتأكيد هنالك كل هذا؛ ولكن بمجرد فهمنا لأنفسنا وفهمنا كيف أخلق مشاكلي من ارتباكي، عندها سنستطيع أن نفهم كيف أن الآخرين أيضًا يخلقون مشاكلهم من الارتباك. لذا إن كانوا يتصرفون بطريقة مؤذية، إذا غضبوا منا أو قاموا بأيً تصرُف آخر، فهذا سيسمح لنا بالتغلب على الميل للتفكير " هذا شخص سيء". نفهم انهم أشخاصًا مرتبكون ولذا فهم موضع للشفقة.

أنا لم أقرأ هذا الكتاب، لكن "بوذا بداخلنا " عادة ما يُشير إلى ما يطلق عليه "طبيعة بوذا". وتُشير طبيعة بوذا إلى حقيقة أننا جميعا لدينا العناصر ذاتها بداخلنا، كجزء من طبيعة أذهاننا، التي ستتيح لنا أن نصبح بوذا. إنها ليست مجرد إمكانية؛ الإمكانية لأن نصبح بوذا هي جزء من طبيعة أذهاننا، فنحن جميعًا لدينا الإمكانية. أعني، القلب لديه القدرة على حب الجميع بذات القدر. نحن نمتلك تلك الإمكانية، لكن أيضاً الأمر أكثر عمقًا من ذلك، إنه يشير إلى حقيقة أن أذهاننا بشكل فطري غير ملوثة بالارتباك.

الآن بالنسبة لسؤالك الثاني عن الإله ….، هناك الكثير من الأشياء التي من المُمكن ذكرها. هناك جميع الأنواع من الآلهة، الآلهة الإغريقية، الآلهة الهندوسية، الإله الغربي، إلخ. هل تعتقد البوذية في وجود مثل هذا النوع من الكائنات؟ نعم. حسنًا، لكن البوذية تعتقد أن هناك العديد من أشكال الحياة المختلفة، ليس فقط ما نستطيع رؤيته. ولكني على ثقة من أن هذا ليس سؤالك. الآن، إذا فكرنا في الأمر في سياق ما تُصوٍره "الأديان الإبراهيمية"، مثلما في اليهودية والمسيحية والإسلام، عندها فإن البوذية تدحض فكرة الخالق. الآن كل الخصال الأخرى للإله، البوذية ستقبلها بشكل أو بأخر. هل هناك نظام في الكون؟ نعم. هل هناك حب في الكون؟ نعم. هل هناك كائنات أسمى والتي هي معنيه برفاهة الكون من فرط شفقتها؟ نعم؛ قد لا ندعوهم "إله"، لكن نعم. هل هذا يتجاوز الكلمات، يتجاوز المفاهيم، يتجاوز الأسماء؟ نعم. إننا نقبل كل هذا، كل هذه الخصال، ولكن أن نضيف إليها أيضًا أنه "خالق" و"يوجد بشكل مستقل" عن خلقه؟ فمن وجهة نظر البوذية هذا أمر غير منطقي بالمرة.

تذهب البوذية أكثر في اتجاه اللا-بداية، دون بداية؟ الإنفجار الكبير، هذا مجرد، كون واحد، إنه الكون الذي صادف أننا نعيش به الأن، لكن هناك العديد من الانفجارات الكبيرة ولا يوجد بداية مطلقة. حسنًا؟ بعبارة أخرى، إذا تفاعل كل شيئ بُناء على السبب والنتيجة، كيف يمكن أن تحصل على شيء قبل ذلك؟ الآن، كيف يمكن أن تبدأ من عدم؟ لا يمكن أن تبدأ من لا شيء. أعني إننا إذا كنا منخرطين في علاقة السبب والنتيجة هذه، فنحن غير مستقلين عنها. بالنسبة للتصميم الذكي، بعبارة أخرى، إن هناك نظام في الكون لذا فإن أحد ما يجب أن يكون قد قام بالتخطيط له، لماذا؟ ليس هناك ضرورة منطقية لذلك، ليس لأن هناك نظام في الكون فإنه يجب أن يكون هناك شخصًا ما قد وضعه. هناك نظام في الكون لأن كل شيء يقوم بدوره، وكل شيء يعمل. إذا لم يتفاعل ويعمل كل شيئ، فلن يكون هناك نظامًا في الكون. لذا، لماذا نحتاج شيئًا خارجيًا ليُخطط ويُقرر الكيفية التي سيكون عليها الكون؟ لذا البوذية في الأساس تقول أن هذه الخاصية تحديدًا، الخلق، غير موجودة. فبغض النظر أذا أرادت أن تستخدم كلمة الله، لكل الصفات الأخرى، هذا لن يشكل فارق.

مشارك: [صوت غير واضح]

ألكس: دعني ألخص ما قلته للتسجيل. أنت تقول إنك تعاني من كارثة، الكثير من القلق؛ الأشخاص من حولك قلقين. أنت تأخذ على عاتقك هذا القلق، وطريقة تعاملك معه في الأساس هي مجرد تهدئة نفسك من خلال التأمل، وعندما يهدأ هذا القلق، فإنك تعود مرة أخرى وقد قمت بشحن طاقتك. “ما الذي أعتقده بهذا الشأن؟"

هناك العديد والعديد من الأدوات التي يتم استخدامها بالبوذية. ويبدوا أن ما تصفه هو طريقة وقتية للتعامل مع الأمر؛ مؤقته، تساعدك على أن تحصل على الهدوء والمزيد من الطاقة لتستمر، لكنها لا تقضي على المشكلة. لذا هناك تدريبات بوذية والتي تتخيل بها إنك تأخذ معاناة ومشاكل الآخرين على عاتقك وتعطيهم في المقابل الحب. عادة ما قد تسمع عن هذا التدريب باسمه التبتي تونغلين. هذا تدريب متقدم للغاية. يمكنك أن تتصور أنك تقوم به، لكن كي تقوم به حقًا فهذا شيء أخر؛ أن تقوم حقًا بأخذ معاناة شخص آخر على عاتقك وأن تختبرها.

الآن، إذا كانت مشاكل الآخرين أنهم أغبياء وأخذت على عاتقي غباء الآخرين، هل هذا يعني أن أجلس هكذا مثل الأبله؟ "أنا الآن غبي" بالتأكيد لا؛ ما سنقوم به …. كما تعرف، لإنك لا يمكنك أن تأخذ حقًا مشاكل الآخرين منهم. أعني إذا كنت تستطيع القيام بهذا لكان قام به بوذا ولما كان لدى أي شخص مشاكل ومعاناة. ما ننميه هو الشجاعة في التعامل مع مشاكل الآخرين كما لو كانت مشاكلنا الخاصة. لذا نأخذ مشاكلهم على عاتقنا؛ فكر في هذا "المشاكل الشخصية هي مشاكل عالمية". لا احد لديه مشكلة خاصة به فقط؛ أعني الظروف؛ …. ستكون هكذا على الجميع، إذا كانت لديهم مشاكل في علاقاتهم؛ الجميع لديهم مشاكل في علاقاتهم. لديهم مشاكل مع أطفالهم. لديهم مشاكل في عملهم؛ الجميع هكذا. الخصوصية لا تهم هنا؛ مشاكل أقتصادية – الجميع في ذات المركب. إذا نأخذ على عاتقنا المشاكل هنا بمعنى أنني الآن سأقوم بالتعامل مع هذه المشاكل.

حسنًا، المثال الذي تطرحه هو الأزمة الاقتصادية العالمية التي يعاني منها العالم الآن. حتى إذا كان معك كل المال الذي لدى كل الحكومات التي في العالم، لن يمكنك حل هذه الأزمة حقًا على المستوى المادي. لذا، حاول أن تحل هذه الأزمة في سياق متعدد المستويات. هناك المستوى الذهني، المستوى الخاص بالمشاعر ؛ إذا أحد المستويات هو كيفية التعامل مع مشاعر الألم لفقدان الوظيفة ومواجهة الصعوبات الاقتصادية. هذا مستوى؛ التعامل مع "لقد فقدت وظيفتي فكيف سأطعم أطفالي"؛ والمستوى الأخر هو "ما هي الذهنية التي خلقت هذه الإشكالية في المقام الأول، مثل الجشع وخلافه؟"

إذا، تأخذ المشكلة. وتدعها تتحلل، تتحلل هنا بمعنى أن تعرف إنها ليست حقًا هذا الوحش المروع ذو الوجود الحقيقي الراسخ. أليس كذلك؟ فككها، وسترى كيف نشأت ولماذا نشأت، فكر في الأمر في سياق انعدام الجشع وما شابه وتخيل أن هذا يعم على الآخرين. بطريقة أكثر بساطة، الجشع سبب هذه المشكلة؛ لذا قم بتفكيك هذه المشكلة الصلبة: “أه، إنها فظيعه" وإنها فقط تلتهمك من الداخل ولا تستطيع التعامل معها. عند تفكيكها ستستطيع أن ترى إنها تنشأ من الجشع، هذا هو منشأها، إذا الحل لمنع حدوث شيء كهذا في المستقبل هو أن يراعي الناس البيئة، لا يشترون أكثر من أحتياجاتهم، أن لا يصبحوا جشعين للحصول على المزيد، والمزيد، والمزيد، لأجل أن يمتلكوا المزيد من المال.

نحن في خيالنا، نحول هذه المشكلة إلى شيء صلب؛ مشكلة مريعه. ومن ثَم تصاب بالإحباط. لكن لا شيء يوجد بهذه الطريقة. إنها تنشأ من أسباب وشروط؛ وبالتالي إذا غيرنا الشروط، ستتغير المشكلة. ثم نتعامل مع ذلك، كما تعرف، مع توقعات الناس، انخفاض مستويات المعيشة إلخ، كيف يمكنك حقًا أن تتعامل مع ذلك؟ إن البشر تجمع مصادرها سويًا. لذا، أعني، فكر في سياق ما هي أفضل الطرق للتعامل مع الأمر والتي لها علاقة بمشاعر الآخرين، وهكذا.

على أي حال لقد تأخر الوقت، لذا دعونا نتوقف هنا والطريقة التي ننهي بها نطلق عليها "الإهداء". نفكر في إنه أيًا ما كان الفهم التي تحصّلنا عليه، أيًا ما كانت الطاقة الإيجابية التي تحصّلنا عليها، ليتها تكون أعمق وأعمق لتصبح سببًا للوصول …. ليتنا جميعًا نصل لحالة البوذا حتى نستطيع أن نساعد الجميع بأفضل الطرق.