أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الصفحة الرئيسة > مكانة البوذية في العالم > مقدِّمة عن البوذية > إدخال الدارما إلى حياتنا اليومية

إدخال الدارما إلى حياتنا اليومية

ألكسندر بيرزين
بوك، بولندا، في ١٣ ديسمبر ٢٠٠٢ م
ترجمة ريتا حداد

الدارما يساعد على معالجة مشاكل الحياة

هذا المساء، أود أن أتحدث عن ممارسة الدارما في الحياة اليومية . إن كلمة " الدارما " تعني " إجراءً وقائياً ". إنه أمر نقوم به لتجنب المشاكل . أول خطوة علينا القيام بها على درب ممارسة الدارما هي الاعتراف بمختلف أنواع المشاكل أو الصعوبات التي تواجهنا في الحياة . تليها الخطوة الثانية التي تجعلنا ندرك بأن ممارسة الدارما تهدف إلى مساعدتنا للتخلص من هذه المشاكل .

إن ممارسة الدارما لا تنطوي فقط على الشعور بالراحة أو مجرد قضاء وقت ممتع أو الانصياع وراء موضة رائجة أو أي شيء آخر من هذا النوع . إن ممارسة الدارما وُجدت لتساعدنا على التخلص من مشاكلنا . هذا يعني أنه من أجل ممارسة الدارما بطريقة واقعية، علينا أن ندرك أن هذه العملية ليست بأمر ممتع . علينا أن نرى أو بالأحرى أن نواجه أموراً في حياتنا مزعجة وتسيء إلينا وأن نتجاوز الصعوبات التي تعترضنا لا عبر التهرب منها وإنما من خلال مواجهتها بموقف مَن يقول : " حسناً، علي الآن أن أحاول استيعاب كل ما يجري ."

يمكن لمشاكلنا أن تتخذ أشكالاً مختلفة . معظمها ليست غريبة عنا مثلاً، تنقصنا الثقة بالنفس، نواجه مشاكل في علاقاتنا مع الآخرين، يصعب علينا السيطرة على عواطفنا ومشاعرنا وغيرها من الأمور التي يمكن اختصارها بحالة التذمر الاعتيادية التي نعرفها كلنا . كذلك، نواجه بعض الصعوبات في التعاطي مع أفراد عائلتنا ومع أهلنا . فهم يمرضون أو يتقدمون في السن . كما قد يصعب علينا التعاطي مع الأمراض التي قد تصيبنا نحن بالذات أو حتى مع واقع تقدمنا في السن . وإذا كنا ما نزال في ربيع العمر، قد نواجه بعض الصعوبات في تصور ما نريد إنجازه في حياتنا والطريقة التي نريد كسب عيشنا فيها والتوجه الذي نرغب في اتباعه إلخ . علينا في الواقع أن نمعن النظر في كل هذه الأمور .

الارتباك

تكمن إحدى أهم النقاط الأساسية في البوذية في إدراك الشخص لكل المشاكل التي يعاني منها في حياته وللأسباب التي أدت إليها . فهذه المشاكل لم تحدث فجأة، من دون أي سبب . إن مصدر المشاكل ينبع من أعماقنا . لكن إدراك هذا الأمر شيء عظيم جداً ويصعب على معظم الناس تقبله والاعتراف به . ذلك لأننا بمعظمنا نميل إلى إلقاء اللوم على الآخرين أو نعزو مشاكلنا إلى الوضع الخارجي إذ ينتابنا على الدوام شعور يجعلنا نقول لأنفسنا : " أنا تعيس بسبب الشخص الآخر . فهو لم يتصل بي، تخلى عني ولم يعد يحبني . كل ما يحدث لي بسببه ." أو أننا نعود لنلقي اللوم على أهلنا بسبب ما فعلوه أو لم يفعلوه خلال طفولتنا . أو حتى يصل بنا الأمر إلى اتهام الوضع الاقتصادي أو السياسي أو الحالة الاجتماعية وما شابه ذلك . إن كل هذه العوامل تلعب بالطبع دوراً في حياتنا . البوذية لا تنكر هذا الواقع لكن السبب الرئيسي لمشاكلنا لا بل أن جذور هذه الأخيرة مرسخّة في داخلنا . إنها تتغذى من مواقفنا العقلية وخاصة من حالة الارتباك التي نعيش فيها .

إذا أردنا أن نجد عاملاً يحدد بوضوح الموقف الذي يعتمده ممارسو البوذية أو المعني الذي تكتسيه ممارسة البوذية في الحياة اليومية، يمكننا القول إنه كالتالي : عندما نواجه الصعوبات، نحوّل أنظارنا إلى داخل أنفسنا لنحاول العثور على مصدر هذه المشاكل وعندما نتوصل إلى تحديد مصدرها، نحاول تغيير الوضع انطلاقاً من داخلنا . عندنا أتحدث عن تحويل أنظارنا إلى داخلنا للعثور على مصدر مشاكلنا، هذا لا يعني أنني أرتكز على حكم أخلاقي نصدره عن أنفسنا كعندما نقول : " أنا شخص سيئ، عليّ أن أتغير لأصبح شخصاً صالحاً ." إن البوذية لا تصدر أي حكم أخلاقي . فنحن نحاول تحديد مصدر مشاكلنا في أغوار أنفسنا لأننا ببساطة نتألم ونتوق إلى التخلص من المشاكل والمعاناة التي تكبّلنا . ولأن موقفنا الشخصي هو المصدر الرئيسي لهذه المشاكل والمعاناة . قال البوذا تحديداً بهذا الخصوص إن السبب الأعمق لمشاكلنا ومعاناتنا يعود إلى الارتباك الذي نعيش فيه . لذا، إن ما نحتاج إليه هو اكتشاف الأمور التي تربكنا بالنظر إلى ما يجري من حولنا ومعرفة كيف يمكننا تصليح هذا الارتباك من خلال إدراكنا للأمور إدراكاً صحيحاً .

على ما يرتكز ارتباكنا؟ على عدة أشياء . الأسباب والتأثيرات السلوكية تشكل إحدى دعائمه . فنحن نعتقد مثلاً أنه إذا تصرفنا بطريقة معينة، لن يكون لتصرفنا هذا أي تأثير . فنعتقد أنه يمكننا أن نصل متأخرين أو أن نتجاهلك أو أي تصرف آخر وأنه لن يكون لذلك أي تأثير . هذا ليس صحيحاً، إنه ناتج عن الارتباك .

كذلك، نعتقد أن ما نفعله أو الطريقة التي نتصرف بها سيكون لها تأثير معين . ولكنه تفكير مبهم إذ لا يمكن أن تجري الأمور تماماً كما نتوقعها أن تجري . على سبيل المثال : كنت لطيفاً معك إذاً، فأنت الآن ستحبني . لقد اشتريت هدية جميلة لك، إذاً لمَ أنت لا تحبني؟ عندما تراودنا أفكار من هذا النوع، نتصور أن أفعالنا وتصرفاتنا ستؤدي إلى ما هو مستحيل أو أننا نضخّم أهمية هذه التصرفات إلى حد يجعلنا نعتقد أنها ستؤدي إلى تأثير أهم مما يمكن أن ينتج عنها بطبيعة الحال . كما أننا نعتقد أن بعض الأمور سيكون لها نوع معين من التأثير في حين أن الواقع يختلف إذ إن هذه الأمور تؤدي تحديداً إلى عكس ما نتوقعه . فلنضرب مثلاً آخر على ذلك : نريد أن نكون سعداء فنعتقد أنه يكفي أن نعتاد على الثمالة لنشعر بسعادة دائمة . ولكن هذا التصرف يؤدي إلى مزيد من المشاكل أكثر منه إلى السعادة ...

هناك أمر آخر يضعنا في حالة من الارتباك . إنها الطريقة التي نتعاطى فيها مع وجودنا ووجود الآخرين ووجود العالم . فنحن نعاني مثلاً من واقع تقدمنا في السن أو إصابتنا بمرض ما وهذا أمر يحزننا . ولكن ماذا يمكننا أن ننتظر من الحياة باعتبارنا كائنات بشرية؟ كل كائن بشري يمرض ويتقدم بالسن أن لم يمت شاباً . إنها أمور طبيعية لا يجب أن تغيب عن رشدنا . فعندما يظهر الشيب علينا يحزننا الأمر ويفاجئنا . إنها ردة فعل غير واقعية ناتجة عن ارتباكنا تجاه الطريقة التي وُجد فيها العالم والطريقة التي وُجدنا فيها نحن بالذات .

لنقل مثلاً أنه لدينا مشكلة مع الشيخوخة . بسبب الارتباك الذي يضعنا فيه هذا الموضوع أي عدم تقبلنا لواقع التقدم في السن، نأخذ نتصرف بطريقة مدمّرة تحت تأثير عواطف ومواقف تحدث فينا اضطراباً . فنحاول مثلاً بهوس تغيير مظهرنا لنبدو أكثر شباباً وجاذبية وهذا يجعلنا خاضعين في تصرفاتنا إلى الرغبة والتوق إلى الحصول على أشياء نأمل أن تعيد إلينا رباطة الجأش والثقة بالنفس، كاهتمام وحب الآخرين خاصة الأصغر سناً منا والذين نجدهم مفعمين بالحيوية والجاذبية . إن هذه الأعراض تنذر عامة بحالة من الارتباك تجعلنا نقول : " أنا الشخص الأهم في العالم، أنا وسط الكون . لذا، ينبغي على الآخرين الاهتمام بي . بغض النظر عن مظهري، يجب على الجميع أن يجدني جذاباً وأن يحبني ." فنصبح كالمجانين في حال لم ننل إعجاب أو حب أحدهم . وتزداد حالتنا جنوناً إذا ما تجاهلنا الآخرون أو أنهم لم يكترثوا بنا في حين أننا كنا نرغب في أن يجدونا جذابين من الناحية الخارجية أو من أية ناحية أخرى . ولكن البوذا شاكياموني لم ينل حب الجميع هو أيضاً . إذا، هل لدينا أمل كبير في أن يحبنا جميع الأشخاص؟

إن رغبتنا في الحصول على حب الجميع لنا تتمحور حول شيء غير واقعي نترقب حصوله . هذا الأمر لا يرتبط بالواقع بل إنه مبنيّ على حالة من الارتباك وعلى توق وتعلق يجعلنا ننتظر من الجميع أن يجدونا جذابين وأن يلتفتوا إلينا . إنه موقف تطغو عليه سذاجة من شأنها أن تحدث فينا اضطراباً . فنشعر وكأننا عظيمو الشأن ونجد أنفسنا غاية في اللطف وجديرين بالحب بحيث يتوجب على كل من نلتقي به أن يحبنا وأنه هناك بالتأكيد شيء غير طبيعي لدى الشخص الذي لا يحبنا . والأسوأ من ذلك، نأخذ نشك بأنفسنا فنقول : " لا بد أنني أشكو من أمر غير طبيعي يجعل هذا الشخص لا يحبني " فينتابنا حينها شعور بعدم الارتياح أو بالذنب . كل هذه الأمور تشكل أموراً في غاية السذاجة .

إذاً، الأهم هو العمل على تحسين أنفسنا . وهذا ما تتمحور حوله ممارسة الدارما . أياً كان الوضع الذي نعاني منه ـ أكنا نواجه الصعوبات أو تنقصنا الثقة بالنفس أو أي أمر آخر ـ فلننظر أولاً إلى داخلنا ولنرَ ما يجري في أعماقنا . أين هو الارتباك الذي تختبئ وراءه المشاعر التي تنتابني والتي تحدث اضطراباً في داخلي؟ ولكن، إذا تطرقنا إلى علاقة ما نعيشها وتسبب لنا المشاكل، فنحن نحتاج أيضاً إلى إدراكنا بأننا لسنا الوحيدين الذين نعيش حالة اضطراب بهذا الخصوص . بطبيعة الحال، الطرف الآخر يعيش هو أيضاً في حالة ارتباك . فلا يجدر بنا القول ببساطة : " عليك أن تتغير . إن كل ما أفعله أنا جيد وممتاز . عليك أنت أن تتغير ." من جهة أخرى، لا يجدر بنا أن نقول : " أنا الوحيد الذي يجب علي أن أتغير " لأن هذا التفكير من شأنه أن يؤدي إلى عقدة الاستشهاد . علينا أن نحاول التطرق إلى الموضوع مع الشخص الآخر بطريقة منفتحة علماً بأنه لا بد أن يتجاوب الشخص الآخر مع هذه المحاولة . من الضروري أن نعترف أن الشخصين كليهما يعيشان حالة من الارتباك . هما يواجهان كلاهما مشكلة في الطريقة التي يدرك فيها كل منهما العلاقة وما يجري في إطارها . فلنحاول إذاً توضيح الارتباك الذي نعاني منه كلانا . إنها الطريقة الأكثر واقعية والأقرب إلى " الدارما " في معالجة الموضوع .

فهم الدارما قبل البدء بممارسته

هناك عدة أنواع مختلفة من الممارسات البوذية . لا يتوقف الأمر على تلقي بعض التوجيهات حول طريقة الممارسة وكأننا نتعلم كيفية القيام بعرض ترفيهي . من المهم، في كل تقنية نرغب في ممارستها، أن نفهم كيف أنها ستساعدنا على تخطي الصعوبات . علينا أن نتعلم ليس فقط متى وكيف نقوم بالممارسة وإنما أيضاً ماذا تفترض هذه الممارسة . هذا يعني أنه لا يجدر بنا أن نبدأ بالممارسات المتقدمة . يجب أن نبدأ الممارسة من البداية وأن نضع الأسس المناسبة لندرك، انطلاقاً من السلسلة التي تقوم عليها تعاليم الدارما، ماذا يجري في إطار كل مرحلة من الممارسة .

صحيح أننا نقرأ تعاليم تقول : إذا وُصف لك دواء ما، لا تتسأل كيف يعمل هذا الدواء بل يكفي أن تتناوله !" مع أنها نصيحة جيدة، إلا أنه علينا أن نفهم أنها تشكل تحذيراً من الوقوع في أي تطرف . تطرف يقضي بالاكتفاء في دراسة الأمر وبذل جهد لفهم التعاليم ولكن دون أن نمارس أبداً ما نتعلمه . نريد أن نتجنب الوقوع في مثل هذا التطرف . أما النوع الآخر من التطرف فينبغي أن نحترس منه هو أيضاً . أي أنه عندما نتلقى تعليمات حول ممارسات الدارما، نقوم باتباعها حرفياً وبلا تبصّر من دون الشعور بالحاجة إلى فهم ما نقوم به فعلياً . المشكلة الرئيسية التي تنتج عن هذا التصرف المتطرف تكمن في كوننا لا نفهم فعلياً كيفية تطبيق هذه التعليمات في حياتنا اليومية . فإذا توصلنا إلى فهم ما يختبئ وراء كل ممارسة نقوم بها ـ أي نفهم كيف تعمل وإلى ما تؤدي ـ لا نحتاج إلى أي شخص آخر ليقول لنا كيف نطبق التعليمات في حياتنا اليومية . فعندما نفهم التعليمات، نعرف تلقائياً كيف نمارسها .

عندما نتحدث عن التغلب على مشاكلنا، لا نتحدث فقط عن التغلب على مشاكلنا الشخصية وإنما أيضاً عن تخطي الصعوبات التي نواجهها في مساعدة الآخرين . " أواجه مشكلة في مساعدة الآخرين بسبب كسلي أو أنانيتي أو لأنني مشغول ( مشغولة ) جداً ." أو أيضاً : " لا أفهم مشكلتك إطلاقاً ولا أعرف ماذا يمكنني أن أفعل لأساعدك ." أليست هذه المشكلة الكبرى التي نعاني منها؟ كل المشاكل التي نواجهها في مساعدة الآخرين تنبع هي أيضاً من ارتباكنا . هناك مثلاً نوع من الارتباك يجعلني أفكر بأنني كإله قادر على كل شيء، يكفي أن أصفق يدي لأجد الحل لجميع مشاكلك، وإذا لم أتمكن من حل مشاكلك، يعود السبب في ذلك إلى أمر ما غير طبيعي لديك . أنت لم تقم بما يجب، فالحق عليك . أو أنني أضع اللوم على نفسي لأنه كان لا بد لي أن أجد الحل لمشاكلك وبما أنني لم أتمكن من حلها فأنا شخص عاجز . إنه ارتباك آخر يتعلق بالسبب والتأثير .

الاقتناع بالدارما

هناك نقطة أخرى مهمة في الدارما تجعلنا قادرين على ممارسته بفعالية وبطريقة غير عصبية في الحياة اليومية . من الضروري أن نقتنع بقدرتنا الفعلية على التخلص من مشاكلنا . علينا أن نقنع أنفسنا بإمكانية تخلصنا من الارتباك باتباعنا المنهجية الرئيسية للبوذية : للتخلص من شيء ما، يجب إزالة الأسباب التي تؤدي إلى حدوث هذا الشيء . ولكنه بالطبع من الصعب الاقتناع بصرامة وعمق بإمكانية استئصال ارتباكنا الشخصي من جذوره على نحو يجعله لن يصيبنا من جديد وبإمكانية بلوغنا التحرر والتنوير . وهذا أمر يزداد صعوبة إذا كنا لا نعرف فعلاً ما هو التحرر وما هو التنوير، فكيف يمكننا، في هذه الحال، أن نتوقع بلوغهما؟ إذا كنا لا نعتقد بأنه أمر ممكن، أليس من النفاق أن نتوق إلى بلوغ شيء لا نثق بوجوده؟ فنصبح وكأننا نلعب لعبة سخيفة وتصبح ممارستنا للدارما وكأنها " مهزلة ".

لا بد أن نكون مقتنعين فعلياً بما نقوم به وهذا يتطلب الكثير من الدراسة والاستيعاب إضافة إلى التفكير والتأمل المتمعّن . علينا أن نصبح واثقين ليس فقط بإمكانية التوصل إلى التحرر والتنوير وإنما أيضاً بقدرتنا نحن على بلوغها . لا يجب أن أفكر بأن ما كان ممكناً بالنسبة لشاكياموني لن يكون بمتناول يدي أنا وإنما من الممكن أن أتوصل إليه أنا شخصياً وأنه من الممكن لأي شخص آخر أن يتوصل إليه . علينا أن ندرك ما يجب فعله للتخلص من ارتباكنا . فما الذي سيساعدنا حقاً على التخلص منه ؟ ما سيساعدنا بالفعل على التخلص منه هو الإدراك الصحيح . علينا أن نفهم كيف يمكن للإدراك الصحيح أن يقتلع الارتباك من جذوره ويزيله على نحو لا يجعله ينبت فينا من جديد . ينتج عن كل ذلك، بحكم الواقع، أن المكان الأنسب والأصح لممارسة الدارما هو مجرى الحياة اليومية لما تقدمه لنا من فرص لإدارة مشاكلنا وارتباكنا والصعوبات التي نواجهها في كل لحظة .

ممارسة الدارما مبنية على تأمل النفس

لا تتم ممارسة الدارما ببساطة خلال فترة زمنية خارجة عن حياتنا اليومية، نختلي خلالها في حجرة جميلة وهادئة أو في غرفة نجلس فيها على وسادة لنبتعد عن مشاكل الحياة . إن العثور على مخرج ليس من الأساليب الفعالة في ممارسة البوذية . يمكننا اختيار مكان هادئ للتأمل وإنما نقوم بذلك لتنمية القدرات التي نحتاج إليها لمعالجة المشاكل التي نواجهها في حياتنا . الحياة هي التي تشكل هدفنا الأساسي . لا يتعلق الأمر بالفوز بميدالية أولمبية في مباراة " الجلوس أطول فترة ممكنة للتأمل "! إن ممارسة الدارما تقضي بتطبيق الدارما على الحياة اليومية .

علاوة على ذلك، إن ممارسة الدارما مبنية على تأمل النفس . فنحن نحاول البقاء متيقظين تجاه وضعنا العاطفي وحوافزنا ومواقفنا العقلية ونماذج تصرفاتنا الاندفاعية . ونحاول بشكل خاص الكشف عن المشاعر التي تحدث فينا اضطراباً . يمكننا التعرف إلى شعور أو موقف من شأنه أن يحدث اضطراباًَ من خلال حالة الانزعاج التي تصيبنا أو تصيب الآخرين عند مرورنا بموقف أو إحساسنا بشعور من هذا النوع . فنفقد الهدوء والسيطرة على أنفسنا . إنه تعريف مفيد جداً لأن اعترافنا به يخولنا التعرف إلى الحالات التي نتصرف فيها تحت تأثير هذا الشعور أو هذا الموقف . فإذا ما شعرنا بعدم الارتياح، ندرك أن هناك شيء ما يجري في داخلنا، يزعجنا ويشغل بالنا . في مثل هذه الأوقات، علينا أن نتحقق مما يجري في أعماقنا وتطبيق طرق مضادة لنتغلب عليه .

هذا يضطرنا إلى أن نصبح متنبهين وحساسين تجاه ما يجري في داخلنا . ولكي نتمكن من القيام بما يلزم لتغيير حالتنا العاطفية إذا ما شعرنا بأنها مضطربة، علينا أن نعي أهمية الحزن الذي سنتسبب به لأنفسنا وللآخرين إذا ما تصرفنا بطريقة مضطربة ومن شأنها أن تحدث اضطراباً لدينا ولدى الآخرين . وهذا ما لا نريد حدوثه فنحن لدينا ما يكفي من الحزن والاضطراب . فكيف لنا أن نساعد الآخرين ونحن غاضبين؟

مرونة العقل

إن ممارسة الدارما تستلزم تآلفنا مع عدد كبير من قوى التصدي المختلفة ليس فقط قوة تصدٍ واحدة ولا قوتين بل أكثر . إن الحياة معقدة جداً وطريقة مضادة معينة لن تُجدي نفعاً في جميع الظروف . ولن تكون ممارسة واحدة محددة الأكثر فعالية في جميع الأوضاع . لكي نتمكن حقاً من تطبيق الأمور في الحياة اليومية، لا بد من تنمية مرونة العقل والاستعانة بكثير من المناهج المختلفة . فإذا لم تنجح منهجية ما، لنحاول منهجية أخرى وإذا لم تنجح الأخرى فلنحاول منهجية ثالثة مغايرة .

اعتاد أستاذي تسينشاب سيركونغ رينبوتشيه على القول إننا إذا حاولنا القيام بشيء ما في الحياة، علينا دائماً أن نتدارك الأمور من خلال تحضير خطتين أو ثلاث خطط بديلة . ففي حال لم تنجح الخطة الأولى، لا نتخلى عن تحقيق ما أردنا القيام به لأنه يمكننا محاولة تنفيذ الخطة الثانية أو حتى الثالثة وسينتهي الأمر بنجاح إحدى هذه الخطط . كانت هذه النصيحة مفيدة جداً بالنسبة لي . يمكن تطبيق الطريقة نفسها مع الدارما : في حال لم تنجح الخطة الأولى في أحد الأوضاع، يمكننا دائماً اللجوء إلى خطتنا الاحتياطية . ولكن كل هذه المناهج ترتكز بالطبع على الدراسة وتعلم طرق مختلفة والتأمل وهي أساليب لا بد أن نتدرب ونتهيأ لتنفيذها وكأننا نتدرب تدريباً بدنياً . علينا أن نعمل على أنفسنا لنتعلم كيفية التآلف مع هذه الطرق والأساليب من أجل التوصل إلى تطبيقها بشكل فعلي في حياتنا اليومية عندما نكون بحاجة إليها . لذا، لا يجب أن نعتبر ممارسة الدارما كوسيلة تسلية أو لهو ذلك لأنها تتطلب اهتماماً كبيراً من قبلنا بشكل دائم .

تجنب السلوك المتطرف

يمكننا ممارسة الدارما في عائلتنا ويمكننا ممارسته في علاقاتنا مع أهلنا أو مع أولادنا أو مع الأشخاص الذين نتواصل معهم خلال عملنا . ومع ذلك، يجب أن نحترس من عدة تصرفات متطرفة . كنا قد تطرقنا سابقاً إلى هذا الموضوع . يجب أن نتجنب التطرف الذي يكمن في جعل الغير مسؤولاً عن مشاكلنا أو في وضع كامل المسؤولية على عاتقنا نحن ـ علماً أن كلاً من الطرفين يساهم فيها . يمكننا أن نحاول جعل الآخرين يتغيرون ولكن من الأسهل بكثير أن نعمل على تغيير أنفسنا نحن .

إن تحسين شخصنا هو إذا أساس عملنا . في الوقت نفسه، علينا أن نحاول تجنب التطرف الذي يرتبط بالانشغال النرجسي . إن انشغالنا بذاتنا يجعلنا نركز تفكيرنا واهتمامنا على نفسنا فقط دون أي شخص آخر . وهذا من شأنه أن يعزز شعورنا بأننا وسط العالم وبأن مشاكلنا هي من أكثر المشاكل أهمية في العالم معتبرين مشاكل الآخرين غير مهمة على الإطلاق وغير موجعة .

هناك تطرف آخر يقضي بالتفكير بأننا سيئون للغاية أو طيبون كثيراً . صحيح أننا نحتاج إلى الاعتراف بجوانبنا الصعبة والجوانب التي يجب أن نعمل على تحسينها . ولكننا نحتاج أيضاً إلى الاعتراف بنواحي شخصيتنا الإيجابية وحسناتها لكي نتمكن من العمل على تطويرها وتحسينها . نحن الغربيون غالباً ما ينقصنا حب الذات . فإذا حاولنا تركيز اهتمامنا على مشاكلنا وارتباكنا، قد نتوصل بسهولة إلى تعزيز حبنا لذاتنا . ولكن هذا الأمر لا يتعلق مطلقاً بموضوعنا .

يمكننا أن نراقب العواطف التي من شأنها أن تحدث فينا حالة من الاضطراب وأن نحاول في نفس الوقت معادلتها من خلال تذكر صفاتنا الإيجابية . حتى الأشخاص الأكثر فظاظة يملكون بعض الحسنات ولا شك أنهم حاولوا في أحد الأيام مداعبة كلب أو هرة صغيرة والإحساس بالقليل من الدفء الذي شعر به هذا الحيوان من جراء هذه اللمسة . كل الأشخاص تقريباً عاشوا هذه التجربة ولو مرة في حياتهم . هذا النوع من التجارب هو الذي يخولنا الاعتراف بأننا قادرين على إعطاء ولو القليل من الدفء كما في الحالة المذكورة ورؤية نواحينا الإيجابية . إن ممارسة الدارما لا تقضي على العمل فقط على تحسين نواحينا السلبية بل يجب أن تكون ممارسة متوازنة إذ لا بد أن نعمل أيضاً على تعزيز نواحينا الإيجابية .

للتوصل إلى هذا الهدف والحفاظ على التوازن بين مراقبة سيئاتنا وحسناتنا، علينا أن نتجنب الوقوع في مجموعة أخرى من التصرفات المتطرفة . هناك نوع من التطرف مرتبط بالشعور بالذنب : " أنا شخص سيء . علي أن أمارس الدارما وبما أنني لا أمارسه، ها إني أزداد سوءاً ." من الضروري عدم الإحساس بالواجب الذي تعبر عنه كلمة " علي " في الفكرة التي نكونها في ذهننا عن ممارسة الدارما . الأمر لا يتعلق أبداً بالواجب . إذا أردنا التخلص من المشاكل التي نواجهها وتجنب الوقوع في مشاكل أخرى في المستقبل، هناك موقف واحد سليم يجعلنا نفكر ببساطة كالتالي : " إذا كنت أريد التخلص من مشكلتي، هذه الممارسة سوف تخولني تحقيق ذلك ." ولكن إذا قمنا فعلاً بالممارسة أم لم نقم بها، فهذا أمر من اختيارنا نحن . لن يكون هناك أحد ليقول لنا : " عليك أن تفعل هذا الأمر أم ذاك وإذا لم تفعله فأنت شخص سيء ".

ولكن لا بد أيضاً من تجنب الوقوع في تطرف آخر نعتبر بموجبه " أننا أشخاص كاملون . تذكر فقط طبيعة البوذا وكل شيء يسير على أفضل ما يرام ". إنه تطرف خطير جداً لأنه من الممكن أن يقودنا إلى تبني موقف يجعلنا نفكر بأننا لا نحتاج إلى أن نتغير ولا أن نكف أو نتخلى عن أي من تصرفاتنا السلبية لأننا كاملون كما نحن عليه . من الضروري جداً تجنب الوقوع في مثل هذا التطرف المزدوج ـ الشعور بأننا سيؤون أو بأننا كاملون . إن ما نحتاج إليه في الواقع هو العمل على أنفسنا . هذا العمل الذاتي هو المفتاح الذي سيسمح لنا في إدخال الدارما إلى حياتنا اليومية من خلال اتخاذ القرار بالقيام بما يلزم لتحسين نوعية حياتنا .

الوحي

يمكننا، خلال العمل على أنفسنا، أن نستمد الوحي من بعض الأساتذة الروحيين أو جمعية الأشخاص الذين يمارسون الدارما معنا . ولكن بالنسبة لمعظم الأشخاص، لا تشكل الروايات الخرافية التي يسردها بعض الأساتذة عن أسياد كانوا، منذ عدة عصور مضت، يتمتعون بقدرة فائقة على التنقل في الأجواء، مصدر وحيٍ متين . يعود السبب في ذلك إلى أنه من الصعب فعلاً التماثل في هذه الشخصيات التي قد تقودنا مباشرة إلى متاهات السحر والخرافة . إن أفضل ما يمكن أن نتمثل به هو الأشخاص الحقيقيون الذين نتواصل معهم ولو كان هذا التواصل محدوداً .

إن البوذا والمعلمين المتخصصين لا يسعون إلى استمالتنا ونيل إعجابنا بقدر ما يحاولون أن يشكلوا مصدر وحي بالنسبة لنا . فلنأخذ مثلاً الشمس إذ نقول إنهم يشبهونها . إن الشمس لا تحاول منح دفئها إلى الناس بل هي، بطبيعتها، تعطي الدفء إلى الجميع . وهذه هي حال المعلمين الروحيين الكبار . فهم يلهموننا بشكل عفوي وطبيعي من خلال شخصيتهم وطريقة عيشهم وطباعهم والطريقة التي يعالجون فيها الأمور وليس من خلال تقنيات سحرية . إن أكثر ما يلهم هو ما يكون أكثر واقعية وأقرب إلى الحقيقة .

أتذكر جيداً دودجوم رينبوتشيه . توفي منذ بضعة سنوات . كان على رأس سلالة نيينغمابا وكان أحد أساتذتي . كان يعاني من ربو فظيع . أنا أيضاً أشكو من مرض الربو وأعرف تماماً ماذا يعني الشعور بصعوبة على التنفس . أعرف كم هو الصعب إعطاء الدروس عندما لا نستطيع التنفس بطريقة طبيعية لأنه يجب توجيه كل طاقتنا نحو الداخل للحصول على كمية كافية من الهواء . فيكون من الصعب جداً في هذه الحال توجيه الطاقة نحو الخارج . نعم، كنت أرى دودجوم رينبوتشيه كيف يقع ضحية لأزمة ربو مروعة وكيف يتأقلم بها بطريقة مذهلة ليتابع إلقاء تعاليمه بشكل استثنائي . هذا ما كان ملهماً، قريباً جداً إلى الواقع وبعيداً عن أية شعوذة . كيفية التصرف في مواقف الحياة الواقعية، هذا ما هو ملهم .

في سبيلنا نحو التقدم الروحي، يمكننا أن نستمد الوحي من أنفسنا نحن أيضاً . وهذا يشكل كذلك مصدراً مهماً للوحي . فنحن نستمد الوحي من تقدمنا الشخصي . ولكن للاستفادة من هذا المصدر لا بد أن نتمتع بحساسية فائقة . معظم الأشخاص لا يتحملون هذا العامل على الصعيد العاطفي لأن تحقيق التقدم يجعلنا نبدي شيئاً من الفخر والكبرياء . لذا، يجب أن نحدد بتأنٍ ماذا نعني بكلمة " تقدم ".

التقدم على الطريق

قبل كل شيء، يجب أن ندرك أن التقدم لا يكون أبداً مستقيماً . سنمر بمراحل يتناوب فيها اليسر والعسر والعسر واليسر . إنها إحدى ميزات السامسارا الرئيسية ولا تتعلق فقط بحالات إعادة الميلاد الأكثر يسراً والأكثر عسراً . إن اليسر والعسر يرتبطان هما أيضاً بالحياة اليومية . تارة نكون سعداء وطوراً تعساء . ومعنوياتنا تكون تارة مرتفعة وطوراً منخفضة . تارة أرغب بممارسة الدارما وطوراً لا أرغب بذلك ـ نحن نمر من حالة إلى أخرى على الدوام . لذا، لا يجب أن يذهلنا هذا الأمر . في الواقع، سيستمر الأمر على هذه الحال إلى أن نصبح أرهات، أي كائناً محرراً من السامسارا . قبل وصولنا إلى هذه المرحلة المتقدمة جداً، سيستمر السامسار بالصعود والهبوط . إذاً، فلنحافظ على قوة عزيمتنا إذا واجهتنا فجأة بعض الصعوبات في علاقة عاطفية ما، بعد أن كنا قد مارسنا لفترة طويلة . قد نشعر باضطراب مباغت على الصعيد العاطفي وهذه أمور قد تحدث ! هذا لا يعني أننا ممارسون رديئون بل إنه أمر طبيعي نظراً لواقع حالة السامسارا فينا .

في ممارسة الدارما، لن تحدث بطبيعة الحال أية عجيبة . إذا أردنا ممارسة الدارما في حياتنا اليومية، لا يجب أن ننتظر حصول العجائب خاصة فيما يتعلق بتقدمنا على هذا الطريق . فكيف لنا أن نقيس هذا التقدم بطريقة واقعية وملموسة؟ إن قداسة الدالاي لاما يقول إنه لا يجب أن ننظر إلى حصيلة سنة أو سنتين فقط من ممارسة الدارما بل إلى حصيلة خمس أو عشر سنوات من الممارسة للتأكد مما يلي : " هل أنا أكثر هدوءاً مما كنت عليه قبل خمس أو عشر سنوات؟ هل أصبح بإمكاني معالجة أوضاع أكثر صعوبة من دون الشعور بالانزعاج أو تركها تتفوق عليّ؟ " إذا كانت هذه هي الحال، نكون قد أحرزنا بعض التقدم وهذا أمر ملهم . فنحن لا ننزعج بقدر ما كنا ننزعج سابقاً عندما لا تجري الأمور كما يرام في الظروف الصعبة . أصبحنا قادرين على استعادة حالتنا الطبيعية بشكل أسرع .

عندما نتحدث عن أنفسنا باعتبارها مصدر وحيٍ، من المهم أن يمنحنا هذا الوحي القوة على متابعة تقدمنا على الطريق . ذلك لأننا مقتنعين بأننا قد اتخذنا الاتجاه الصحيح . ولا يمكننا الاقتناع باتباع الاتجاه الصحيح إلا لأننا قمنا بتكوين فكرة واقعية عن المعنى الذي يكتسيه هذا الاتجاه ـ أي أننا، مع اتباع الاتجاه نفسه بشكل عام، سوف نصعد ونهبط باستمرار .

هذه كانت بعض الأفكار العامة التي تساعد على إدخال الدارما إلى الحياة اليومية . أرجو أن تكون قد عادت عليكم بالنفع والفائدة . أشكركم .