أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الصفحة الرئيسة > مكانة البوذية في العالم > مقدِّمة عن البوذية > الحصول على السلام الداخلي والإحساس بالتحقق

الحصول على السلام الداخلي والإحساس بالتحقق

صاحب القداسة الدالاي لاما الرابع عشر
نوتنجهام، إنجلترا، ٢٤ مايو سنة ٢۰۰٤ م

حرَّره كتابةً وترجمه: ألكسندر بيرزين
بتصرف يسير وإضافة توضيحات
باللون البنفسجي في أقواس داخل المتن

أهمية التحقق من حقيقة موقف ما

تتعلق سَكِينة الإنسان براحته الذهنية، أما ما يعاني منه جسديًا فإنه لا يؤثر في راحته الذهنية بالضرورة، وإذا كنا نستمتع بالراحة الذهنية فراحة الجسد لا تهم كثيرًا.

إذن، فهل ننمي سكينتنا بالعبادة؟ لا! فهل ننميها بالتربية الجسدية؟ لا! فهل ننميها بتحصيل العلم؟ لا! وهل نجده بقتل مشاعرنا؟ لا! إنما بمواجهة الشخص للمواقف الصعبة بإدراك كامل لعواقبه خيرًا كانت أو شرًّا، فساعتها سيرتاح عقله ولا ينشغل ذهنيًّا، وبالتالي ستحقق سكينته وسلامه الداخلي.

فالرحمة والواقعية شيئان في غاية الأهمية، وإذا كانت النتائج غير متوقعة وتجلب معها خوفًا شديدًا فهذا يدل على أننا لم نكن واقعيين. وفي الحقيقة عدم تفحص جميع الأحتمالات أدى إلى عدم الوعي بالمشكلة وعدم فهمها، وخوفنا ناتج من عدم التحقق المناسب منها. لذا فنحن في حاجة إلى النظر للمشكلة من الأتجاهات الأربعة ومن الأعلى ومن الأسفل حتى نكون صورة كاملة. فهناك دائمًا فجوة بين حقيقة الأمر وصورته الظاهره ، فلا بد إذن من النظر إلى الجوانب كلها.

وليس من المستطاع الحكمُ على الأمر بكونه إيجابيًّا أو سلبيًّا بمجرد النظر إليه، فنحن لن نتمكن من ذلك إلا إذا أخضعناه للاختبار [اختبرناه بشكل تام و] تحققنا من صحته. إذن فنحن في حاجة إلى تقييم عقلاني لظروفنا، وإذا بدأنا عملية التقييم بالرغبة في تحقيق هذه النتيجة أو تلك فسوف يصبح تقييمنا منحازًا. يقول تقليد نالاندا الهندي: إننا بحاجة دائمًا إلى أن نشك في كل شيء، وأن نفحص كل شيء بموضوعية حتى الدين نفسه.

أهمية انفتاح الذهن تجاه الآخرين

إذن ينشأ عدم السلام الداخلي وعدم الرضى من دوافعنا شديدة الأنانية والتمركز حول الذات، ومن حق الفرد أن يتغلب على المعاناة وأن ينال السعادة، ولكن لو كنا نفكر في أنفسنا فقط يصبح تفكيرنا سلبيًّا، ونتيجة لذلك ستبدو المشكلة البسيطة كأنها كارثة، وسنصبح غير متوازنين، ولكننا إذا فكرنا في الآخرين مثل تفكيرنا في أنفسنا وأحببناهم فسينفتح تفكيرنا ويتسع، ونتيجة لذلك ستبدو المشكلة الكبيرة ليست بذات الأهمية. إذا سيكون هناك فرقاً كبيراً في المشاعر بناء على المنطلق الذي ننظر منه للأمور، هل من منظور ذاتياً أم من منظور الآخرين؟.

إذن هناك عاملان أساسيان لهما أهميتهما فيما يتعلق بالسلام الداخلي:

  • أولهما: هو الوعي بالواقع. وإذا تناولنا المشاكل بأسلوب واقعي فلن تكون هناك نتائج غير متوقعة.
  • ثانيهما: هو الشفقة التي تفتح ما يُسمَّى بالباب الداخلي، فالشك والخوف يبعدوننا عن الآخرين.

عدم الاهتمام بمظاهرنا الخارجية

[هناك أمر آخر يؤدي إلى فقدان السلام الداخلي وهو أننا نهتم بمظاهرنا]، فعندما زرت بكين لأول مرة، على سبيل المثال، لم تكن لديَّ أية خبرة، فكنت خائفًا بعض الشيء وقلقًا، ثم شاهدت أناسًا يهتمون كثيرًا بظاهرهم إلى درجة أن وجوههم تحمر خجلاً إذا رأوا أي خطأً ولو كان صغيرًا، ولكن إن كانوا متفتحين وغير مهتمين بحدوث شيء مزعج فلن تكون هناك أية مشكلة.

فعلى سبيل المثال، عندما كنت في بكين سنة ١٩٥٤ جاءني أحد سفراء الهند زائرًا في غرفتي، وكان الصينيون قد أعدوا تجهيزات هائلة من الأزهار والثمار وما إلى ذلك، وأصروا على أن نستخدم مترجمًا صينيًّا، فكان الكلام يتراوح بين التبتيَّة والصينية والإنجليزية، بالرغم من أن بعض المسئولين لديَّ كانوا يجيدون الإنجليزية، ثم حدث أن سقطت بعض الثمار على الأرض، فإذا بالموظفين الصينيين – الذين كانوا قبل ذلك حريصين على المظهر الرزين المبالغ فيه – يزحفون على أيديهم ورُكَبهم على الأرضية لجمع الثمار، من البداية إذا لما يكونوا على هذا القدر من الأهتمام بمظهرم، لما كانت هناك مشكلة، ولهذا السبب كان الأمر محرجاً جدا لهم.

وحدث مرة في مدينة المكسيك، في اجتماع بين الديانات، أن حضر قسيس ياباني، وكانت في يده مسبحة، فانقطع خيطها، ولكن الرجل ظل يحرك المسبحة بالرغم من أن الخرزات كانت قد سقطت على الأرض، فمن شدة الإحراج لم يستطع أن يجمع الخرزات من على الأرض، إن سبب عدم راحته هو أهتمامه المبالغ فيه بمظهره.

و على أية حال، فللشفقة والإيثار والصدق و الأمانة أهميتهم في إيجاد الهدوء الداخلي أو السكينة، ولا أهمية للاهتمام بالظاهر. إنني لن أقول إني رجل فذٌّ، ولكن بناءً على خبرتي فأنا لا أحس بخجل من تصرفاتي في حضور الآلاف من الرجال، وأنا أحادث الآلاف في محاضرات كهذه، وأحس كأنني أمام أناس قليلي العدد، وإذا حدث خطأ فسوف أنساه بدون أية مشكلة، وإذا أخطأ الآخرون فربما أبتسم فقط.

التحول الداخلي

فيما يخص التحول الداخلي، وما نتحدث عنه هنا هو على المستوى العاطفي، فأحد أنواع التحولات الداخلية تحدث بشكل تلقائي خلال التقدم في العمر، ونوع آخر قد يحدث نتيجة الظروف الخارجية، هذه الأنواع من التحولات تحدث بشكل تلقائي، نوع آخر يتأتى لنا من خلال بذل الجهد، وهذا هو النوع الذي نسعى لتحقيقه: تحول داخلي بناء على أرادتنا الخاصة. وهذا هو معناه الجوهري.
الآخرينالآخرينالآخرين

نحن هنا لا نتحدث عن الحياة الأخرى، الخلاص، أو الجنة، ولكن كيف نحافظ في هذه الحياة على المزيد من السعادة والهدوء بغض النظر عن أية صعوبات أو مشاكل. ولهذا فهناك مجموعة من العوامل الداخلية التي يجب علينا التعامل معها أثناء عملية التحول الداخلي، منها الغضب والكراهية والخوف والغيرة والشك والوحدة والضغط إلخ، وجميع هذه المشاعر متصلة بالتوجه الأساسي بداخلنا، جميعهم قائمين على كوننا شديدي التمركز حول أنفسنا. بالنسبة لنا، عندما نختبر أياً من هذه العوامل الداخلية فأن ذاتنا والتي هي أهم شيئ بالنسبة لنا تبدء في تكوين الغيرة. وبسبب المبالغة في الاهتمام بذاتنا فإننا عند أقل أزعاج يأتي الغضب، والغضب يأتي بالخوف. نحن لا نهتم بالآخرين؛ نحن فقط نهتم بأنفسنا. ونعتقد أن الآخرين كذالك لا يهتمون إلا بأنفهسم وهم بالتأكيد لا يهتمون بنا؛ ولذالك نبدأ بأختبار الوحدة. نحن نظن "أنا لا أستطيع الاعتماد على الآخرين"، وبالتالي نصبح ميالين للشكل فيمن هم أمامنا, وهؤلاء الذين على هذا الجانب، بل أيضاً، هؤلاء الذين خلفنا.

تقتضي الفطرة الإنسانية أساسًا – لو فكَّرنا بها – بتقدير الصداقة. ولو وسعنا صداقتنا فسوف يتواصل معنا أغلب الناس بطريقة إيجابية، أما فيما يتعلق بهذه العواطف السلبية التي تسبب القلق وما إلى ذلك، فنحن في حاجة إلى بعض التدابير المضادة لمعارضتها. فعلى سبيل المثال لو كنا نحس بالحرِّ فسوف نقلل من درجة الحرارة، أو إذا أردنا القضاء على الظلمة فلا سبيل إلى ذلك إلا بالإتيان بالنور، وينطبق هذا على المستوى المادي. والتغير يحدث من خلال أستخدام قوة مضادة – وهذا وفقاً لطبيعة المادية. ولكن ذلك لا ينطبق على المستوى المادي فحسب، بل أيضًا على المستوى العقلي. وبالتالي فنحن في حاجة لمواجهة وجهة نظرنا الحالية أو طريقة أستقبالنا للأمور بأخرى معاكسة [مثل مواجهة التمركز حول الذات والشك في الآخرين بالأهتمام بالآخرين والصداقة.]

خذ على سبيل المثال زهرة صفراء، فإذا قلت إنها بيضاء لسبب من الأسباب، ثم اعتبرتها بعد ذلك صفراء، فهذان منظوران متناقضان، لا يمكن أن ينطبقا معًا، فأنت حين أدركت اللون الأصفر يختفي إدراك اللون الأبيض؛ لأن أحدهما يناقض الآخر. إذن هناك أسلوب واحد للحصول على السلام الداخلي؛ وهو خلق حالة ذهنية معاكسة.

هناك سبب محتمل آخر وراء الشقاء، وهو الجهل المجرد، والقوة المضادة له هي الدراسة والتحليل والاستكشاف؛ ذلك بأن الجهل مبني على عدم رؤية الحقيقة، ويعد التحليل القوة المبطلة للجهل، وكذلك فإن القوة المبطلة للاهتمام بالنفس هي الاهتمام بالآخرين والذي يشكل أساساً لتدريب العقل [أو تنقية لتوجهاتنا].

الأخلاقيات العلمانية

و فيما يتعلق بمسألة كيف ندرب عقولنا [أو تنقية توجهاتنا الداخلية]، السؤال هو هل يجب أن تكون لها علاقة بالدين أو الروحانيات ؟ أ وأعتقد أنه بالأساس أن الدين ليس له أدنى علاقة.

أما الروحانية فلها نوعان: نوع يوجد مع الدين والإيمان، ونوع آخر بدونهما. والنوع الذي لا علاقة له بهما أسميه بـ "الأخلاقيات العلمانية". ولا يعني كون الشيء علمانيًّا أنه يتنكر للدين، بل يعني أنه موقف متساوٍ تجاه جميع الديانات، واحترام كل منها. فالدستور الهندي، على سبيل المثال، يحترم كل الديانات؛ لأنه دستور علماني، وبالتالي وبالرغم من كون البارسيين أو الجالية الزَّرادشتيَّة أقلية في الهند – عدد الزرادشتيين في الهند لا يزيد عن مئة ألف نسمة من أصل بليون نسمة هو التعداد العام للهند - فإنها تتمتع بالوجود المتساوي في القوات المسلحة وفي مجال السياسة.

وعندما نتحدث عن الأخلاقيات العلمانية فإنها أيضاً تعني أخلاقيات غير المؤمنين. نستطيع أيضاً أن نمد أخلاقياتنا وأحترامنا حتى للحيوانات على أساس من الأخلاق العلمانية. وأيضاً جانب أخر من الروحانية أو الأخلاقيات العلمانية أن نهتم بالبيئة.، فمن الناحية العلمانية ينبغي لنا أن نهذب أذهاننا كما ينبغي أن نشجع الأخلاقيات العلمانية، ستة مليارات من البشر على هذه الأرض بحاجة للقيام بهذا، أما الأنظمة الدينية ففي وسعها أن تساعد في تقوية التهذيب الكلي للأخلاقيات العلمانية على مستوى عالمي، فهي تُعتبَر أسلوبًا إضافيًّا لذلك، ولا شك أن القصد من ورائها ليس إضعافه.

إذن فعندما نتكلم عن الأخلاقيات العلمانية يكون موقفنا غير طائفي. فلو كان أحد متبعي إحدى الديانات يعمل لتنمية الأخلاقيات العلمانية فسوف يعتبر متبعاً حقيقيًّا لتعاليم تلك الديانة، وإذا لم يقم بذلك وإن كان يواظب على الذهاب للكنيسة أو الجامع أو المعبد فإني أشك في إخلاصه لممارسة تعاليم ديانته.