أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الصفحة الرئيسة > مكانة البوذية في العالم > مقدِّمة عن البوذية > الدارما في الحياة اليومية

الدارما في الحياة اليومية

ألكسندر بيرزين 
موريليا، المكسيك، في ٦ يونيو ٢٠٠٠ 
ترجمة ريتا حداد

الدارما كإجراء وقائي

لقد طلبتم مني التحدث عن ممارسة الدارما في الحياة اليومية . من المهم أن ندرك أولاً ماذا تعني كلمة " دارما ". دارما هي كلمة سنسكريتية تعني حرفياً " إجراءً وقائياً ". إنه شيء نفعله لتجنب المشاكل . لا يمكن الاهتمام بممارسة الدارما قبل إدراك المشاكل التي تنطوي عليها الحياة . وهذا أمر يستدعي الكثير من الشجاعة . العديد من الأشخاص لا يحملون أنفسهم على محمل من الجد، ولا يحملون حياتهم على محمل من الجد . يعملون بكد طيلة النهار ثم ينصرفون في المساء إلى الترفيه عن أنفسهم بجميع الوسائل الممكنة لأنهم تعبون، . هؤلاء الأشخاص لا ينظرون فعلياً إلى داخلهم لمعرفة اسباب المشاكل التي يعانون منها في حياتهم . أو حتى ولو واجهوا مشاكلهم فأنهم لا يريدون فعلاً الاعتراف بأن حياتهم لا ترضيهم لأن ذلك سيكون محبطاً جداً . تلزمنا الشجاعة للتأكد بصدق من نوعية حياتنا وإذا ما اقتضى الأمر للاعتراف حقاً بأنها لا ترضينا .

مواقف غير مرضية وأسبابها

بالطبع، هناك عدة مستويات لعدم الرضى . قد نقول : " أحياناً، أكون سيء المزاج وأحياناً أخرى تجري الأمور على أفضل ما يرام . ولكن، حسناً، إنها الحياة ." إذا كان ذلك يكفينا، لا بأس . ولكن إذا كنا نتمنى تحسين الأمور ولو قليلاً، سيقودنا ذلك إلى البحث عن وسيلة تخولنا من تحقيق ما نتوق إليه . ولكي نجد الطرق الملائمة لتحسين نوعية حياتنا، علينا في بادئ الأمر أن نكتشف مصدر مشاكلنا . معظم الناس يبحثون عن مصدر مشاكلهم خارج أنفسهم . " أجد صعوبة في علاقتي معك وهذا بسببك أنت . أنت لا تتصرف بالطريقة التي أريدها ." كذلك، يمكننا إلقاء المسؤولية على عاتق الوضع السياسي أو الاقتصادي . بعض مدارس علم النفس تعتبر أن الصدمات التي لا بد أن نكون قد تعرضنا إليها في طفولتنا، هي السبب لمشاكلنا الحالية . من السهل جداً جعل الآخرين مسؤولين عن تعاستنا . لكن اتهام الآخرين أو المجتمع أو الوضع الاقتصادي لا يقودنا إلى الحل الفعلي . إذا كان هذا هو إطارنا المفهومي، قد نبدو متسامحين، مما يعود علينا بالفائدة ولكن معظم الأشخاص يدركون أن ذلك ليس كافياً لإراحتهم بشكل دائم من مشاكلهم النفسية أو من تعاستهم .

حسب البوذية، حتى ولو أن الآخرين والمجتمع وغيرهم من عوامل يساهمون نوعاً ما في المشاكل التي نواجهها غير أنهم لا يشكلون في الحقيقة المصدر الأعمق لها . من أجل اكتشاف المصدر الأكثر عمقاً لصعوباتنا، من الضروري أن ننظر إلى داخلنا . بعد كل شيء، إن شعرنا أننا تعساء في حياتنا، يكون ذلك نتيجة لوضعنا . وردات الفعل على الموقف نفسه، تختلف على اختلاف الأشخاص . يكفي أن نراقب أنفسنا لنستنتج أن ردة فعلنا على الصعوبات تختلف من يوم إلى آخر . لو كان الوضع الخارجي وحده مصدر عنائنا، لكانت ردة فعلنا هي نفسها في جميع الأوقات . ولكن الواقع مختلف . هناك عوامل تؤثر على ردة فعلنا تجاه المواقف على غرار قضائنا يوماً جيداً في العمل، ولكنها ليست إلا عوامل سطحية . وليست عميقة بما يكفي .

فإذا نظرنا عن كثب، نرى أن توجهاتنا تجاه الحياة وتجاه أنفسنا وتجاه وضعنا يساهم بشكل كبير في الحالة التي نشعر بها . مثالاً على ذلك، نحن لا نرثي حالتنا باستمرار إذا أمضينا يوماً جيداً؛ ولكن إذا كان يومنا سيئاً، نعود لنشعر بحالة يرثى لها . إن توجهاتنا الأساسية تجاه الحياة تشكل الطريقة التي سنختبر بها بها . وإذا أمعنا النظر أكثر فأكثر، نرى أن تفكيرنا هذا، أساسه اللبس والارتباك .

الارتباك كمصدر للمشاكل

إذا قمنا باستكشاف الارتباك، نستنتج أن أحد أوجهه يرتكز على أسباب و نتائج سلوكية . نحن لا نرى بوضوح ما يجدر فعله أو قوله أو ما قد ينجم عن أفعالنا أو أقوالنا . كما يمكننا ألا نرى بوضوح نوع العمل الذي من شأنه أن يناسبنا أو أهليتنا للزواج وإنجاب الأولاد إلخ . فإذا أقمنا علاقة مع أحد الأشخاص، إلى ما ستؤدي هذه العلاقة؟ ليس لدينا أي فكرة . في الواقع، إن الأفكار التي قد تراودنا حول النتائج المحتملة لاختياراتنا ليست إلا محط أوهام . نحن نعتقد أننا إذا كنا في علاقة عميقة مع احد الأشخاص، سنعيش سعادة دائمة تماماً مثل حكايات الخيال . وإن غضبنا، نعتقد أن الصراخ سيقودنا إلى تسوية الأمور الوضع . فنحن لا نملك إلا فكرة مشوشة حول ردة فعل الشخص الآخر على ما نفعله ونعتقد أن الصراخ والتعبير عما يجول في خاطرنا، سيشعرنا بالارتياح ويساعدنا على تحسين الأمور . لكن الأمور لا تتحسن . فنتحرّق لمعرفة ماذا سيجري . نلجأ بعزيمة خائرة إلى التنجيم أونلقي مراراً ومراراً القطع النقدية في الهواء حسب تعاليم " كتاب التغييرات " (" أي جينغ "). لم نقوم بكل هذه الأمور؟ لأننا نريد التحكم بكل ما يجري .

وفقاً للبوذية، هناك مستوى أكثر عمقاً للارتباك . إنه الشعور بالارتباك تجاه وجودنا نحن ووجود الآخرين ووجود العالم . إن هذه المسألة حول رغبتنا في السيطرة على الأوضاع تضعنا في حالة من الارتباك . فنحن نعتقد أنه يمكننا السيطرة بشكل تام على كل ما قد يحدث لنا وهذا يقودنا بشكل مباشر إلى التأفف والإحباط . ليس من الممكن أن يظل كل شيئ تحت سيطرتنا بشكل دائم . فهذا ليس واقع الحياة . إن الواقع معقد جداً . الكثير من الأمور تؤثر على ما يجري وليس فقط ما نفعله نحن . ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكننا أبداً السيطرة على الأمور أو أننا نخضع بالكامل لقوى خارجية . نحن نساهم في الأحداث ولكننا لسنا العامل الوحيد الذي يؤثر على مجرى الأمور .

غالباً ما تدفعنا حالة الارتباك وعدم الأمان التي نشعر بها، إلى التصرف بطريقة مدمرة من دون أن ندرك إطلاقاً أن تصرفنا هو تصرف مدمر، ذلك لأننا نكون، ببساطة، تحت تأثير مشاعر أو أفكار مضطربة واندفاعات قهرية تنجم عن عاداتنا . فتجدنا نتصرف بطريقة مدمرة تجاه الآخرين بل أننا وفي الطليعة، نتصرف بطريقة مدمرة للذات . بمعنى آخر، نقوم بخلق مشاكل إضافية لأنفسنا . فإذا كنا نتوق إلى مواجهة عدد أقل من المشاكل أو التحرر من مشاكلنا أو حتى إذا كانت لدينا طموحات أكبر من ذلك ونسعى إلى مساعدة الآخرين للتخلص من مشاكلهم، علينا أن نتعرف على أسباب قصورنا .

التخلص من الارتباك

فلنحاول تقبل الارتباك كمصدر لمشاكلنا . إن الأمر ليس بغاية الصعوبة . الكثير من الأشخاص يقومون بهذه المحاولة ويتوصلون إلى القول :" أنا في حالة ارتباك تام . أنا تائه فعلاً ." وماذا بعد ذلك؟ قبل أن نقرر تبذير أموالنا على هذه دورة تدريبية أو على هذا المعتذل، لا بد من أن نتفحص بجدية إذا ما كنا مقتنعين أم لا بقدرتنا على التخلص من حالة الارتباك التي نعيش فيها . إذا كنا لا نؤمن فعلاً بقدرتنا على التخلص منها، فماذا نفعل؟ حتى ولو شاركنا في دورة تدريبية أو معتذل بحثاً فقط عن إمكانية خروجنا من هذا الارتباك، فهذا لا يشكل قاعدة متينة بما يكفي لتحقيق هدفنا . إنه مجرد وهم لا أكثر .

ربما نعتقد أن تحررنا من الارتباك يمكن أن يتحقق بطرق مختلفة مثلاً أن يأتي شخصاً ما لإنقاذنا . قد يكون كائن سماوي أسمى، الله مثلاً ! فيتجدد إيماننا فجأة . هناك أيضاً طريقة بديلة تقضي بالبحث عن معلم روحي أو صديق أو صديقة أو أي شخص آخر قد يساعدنا على الخروج من هذه الحالة . في مثل هذه الأوضاع، من السهل جداً أن نصبح أعتماديين على هذا الشخص وأن نتصرف بطريقة غير ناضجة . فنحن مستعدين للقيام بكل شيء لإيجاد الشخص الذي سينقذنا إلى درجة أن تصرفنا يصبح تعسفياً تجاه الشخص الذي نلجأ إليه . وقد نختار أحداً لم يتحرر هو نفسه من هذا الارتباك ، وبسبب مشاعره وتوجهاته المضطربة، يحاول الاستفادة من تعلقنا الساذج به . و هذه ليست الطريقة الملائمة للتقدم في حياتنا . لا يمكننا انتظار معلم روحي أو أي شخص ما لتبديد ارتباكنا بل يترتب علينا نحن أن نتخلص من هذه الحالة .

إن إقامة علاقة مع معلم روحي يمكن أن تخلق ظروفاً مؤاتية للتوصل إلى هذا الهدف شرط أن تكون علاقتنا به سليمة وإلا س تزداد الأمور سوءاً وينتهي بنا الأمر إلى مزيد من الارتباك . قد نقع في البداية، في حالة إنكار تام للواقع، اعتقاداً منا بأن المعلم أو الصديق أو الصديقة شخص مثالي ولكن عاجلاً أم آجلاً ستتبدد سذاجتنا . فنبدأ حينها باكتشاف نقاط ضعف الشخص الآخر وبالشعور بأنه لن ينقذنا تماماً من حالة الارتباك التي نعيش فيها، فننهار . نشعر بالخيانة، خيانة ثقتنا وإيماننا . يا له من شعور مؤلم ! من المهم جداً أن نحاول منذ البداية تجنب الوقوع في مثل هذا الموقف . علينا ممارسة الدارما، والإجراءات الوقائية . علينا أن نفرق بين الأمور الممكنة والأمور غير الممكنة، بين ما يستطيع المعلم الروحي القيام به وما لا يستطيع القيام به ! لا بد من القيام بإجراءات وقائية لنتجنب الانهيار .

نحن في حاجة إلى تنمية حالة عقلية مجردة من أي ارتباك . التفهم الذي هو عكس الارتباك، سوف يمنع هذا الأخير من الظهور . إن عملنا ضمن الدارما يجب أن يشمل تأمل النفس والانتباه إلى مواقفنا والمشاعر التي يمكن أن تحدث لدينا اضطراباً كما إلى تصرفاتنا القهرية ، الاندفاعية أو العصبية . مما يعني أنه علينا أن نستعد للنظر إلى داخلنا ونلمس كل الأشياء غير المستحبة، أشياء نفضل كتمها . عندما نلاحظ أن بعض الأشياء تشكل سبباً أو أعراضاً لمشاكلنا، علينا اللجوء إلى طرق مضادة لنتغلب عليها . وهذا يرتكز على الدراسة والتأمل . علينا أن نتعلم كيف يمكننا تحديد المشاعر والمواقف التي تحدث فينا اضطراباً ومحاولة الكشف عن منبعها .

التأمل

التأمل يعني أن نتمرن على تطبيق هذه الطرق المضادة في موقف يمكننا السيطرة عليه إلى أن نتوصل إلى الإلمام بهذه الطرق بحيث نصبح قادرين على تطبيقها في حياتنا اليومية . لنعتبر، على سبيل المثال، أننا اعتدنا أن نغضب حين لا يتصرف الآخرون وفقاً لما نرغب به . خلال التأمل، علينا أن نفكر في هذه المواقف ونحاول رؤيتها من وجهة نظر مغايرة . هناك مثلاً عدة أسباب تجعل الآخرين يتصرفون بطريقة غير لطيفة وليس بالضرورة لمعاكستنا أو لأن الشخص المعني لا يحبنا . خلال التأمل، نحاول حل عدة ردات فعل سلوكية مثال " صديقي ( أو صديقتي ) لم يعد يحبني لأنه لا يتصل بي ."

فإذا تمكنا من التدرب على تخطي هذا النوع من المواقف من خلال الحفاظ على حالة عاطفية وذهنية هادئة ومتفهمة وصبورة، حينها سنشعر بأننا أقل انزعاجاً إذا الشخص الآخر لم يتصل بنا طيلة أسبوع كامل . وعندما نبدأ بالشعور بالانزعاج، يمكننا أن نتذكر أن هذا الشخص ربما مشغول جداً وأنه من الأنانية أن نعتقد أننا أهم من أي شيء آخر في حياته . تساعدنا ردة فعل مماثلة على تهدئة انفعالنا .

الدارما عمل بدوام كامل

إن ممارسة الدارما ليس هواية ترفيهية لتمضية الوقت . وهو ليس أمراً نفعله مثل ممارسة الرياضة ولا تقنية للاسترخاء . نحن لا نتردد إلى مركز خاص بالدارما لنصبح عضواً في مجموعة ما أو لنلتقي بالأصدقاء في جو ودي . قد يكون من الممتع أن نذهب إلى هذا المركز ولكن ليس هذا هو الهدف من وجودنا هناك . بالمقابل، لا نتردد إلى مركز الدارما كمدمنين يتهافتون للحصول على جرعتهم، جرعة الإلهام من معلم محبوب ومسلٍ يتدبر أمره ليخفف عنا . إذا كانت هذه هي الحال سنشعر، فور عودتنا إلى المنزل، بالنقص والحاجة إلى جرعة جديدة . الدارما ليس مخدراً . والمعلمين ليسوا كالمخدرات . إن ممارسة الدارما وظيفة بدوام كامل . هذه الوظيفة التي نتحدث عنها، تقضي بالعمل على مواقفنا وأفكارنا تجاه كل ما يتعلق بوجودنا . فإذا عملنا على تنمية الشعور بالحب تجاه كل الكائنات الواعية مثلاً، لا بد لنا أن نبدأ بأفراد عائلتنا . الكثير من الأشخاص يلازمون غرفتهم ليتأملوا في الحب ولكنهم غير قادرين على الاتفاق مع أهلهم أو مع شريك حياتهم . وهذا أمر مؤسف .

تجنب التطرف

عندما نحاول تطبيق الدارما على المواقف الحقيقية في حياتنا اليومية في المنزل أو في العمل، علينا أن نتجنب التطرف . إن سلوكاً متطرفاً يقضي من ناحية بإلقاء كامل المسؤولية في موقف معين على الآخرين، أو من الناحية الأخرى بإلقاء هذه المسؤولية على أنفسنا . إن ما يجري في الحياة في غاية التعقيد . الطرفان يساهمان في هذا التعقيد : نحن نساهم فيه والآخرون كذلك . قد نحاول جعل الآخرين يغيرون تصرفاتهم وسلوكهم ولكن ندرك جميعاً، عن سابق خبرة، أن الأمر ليس سهلاًالآخرين خاصة إذا تعاملنا ونحن متمسكين بأحساسنا بقدسية وصحة رأينا في الأمور متهمين الآخرين بأنهم آثمين . فمن الأسهل أن نعمل على تغيير أنفسنا . ويمكننا بالطبع أن نقدم اقتراحاتنا للآخرين طالما شعرنا بأنهم يتقبلون ذلك وأن اقتراحاتنا لا تجعلهم أكثر عدائية، لكن الجزء الأكبر والأهم من العمل يكمن في العمل على أنفسنا .

عندما نعمل على أنفسنا، يترتب علينا أن نعير انتباهاً خاصاً إلى نوع آخر من التطرف يتمثل أحد جانبيه في انشغالنا التام بمشاعرنا والجانب الثاني في عدم الاكتراث بهذه المشاعر على الإطلاق . الجانب الأول هو انشغال نرجسي حيث أننا لا نهتم إلا بما نشعر به ولا نقبل على الاهتمام بما يشعر به الآخرون . فيطغي علينا انشغالنا بمشاعرنا باعتبارها أكثر أهمية مما يشعر به الآخرون . من جهة أخرى، قد نكون منقطعين تماماً عن مشاعرنا أو قد لا نشعر بأي شيء على الإطلاق وكأن عواطفنا أصبحت مخدرة . يجب التوصل إلى توازن دقيق لعدم الوقوع في مثل هذه التوجهات المتطرفة . لكن الأمر ليس سهلاً .

إن مراقبة أنفسنا باستمرار من شأنها أن تخلق نوعاً من الازدواجية الوهمية بين شخصنا وما نشعر أو نقوم به، لذا لا نتمكن من إقامة علاقة فعلية أو التواجد مع شخص آخر . إن فن هذا العمل يقضي بالتواصل مع الآخرين والتصرف بطريقة طبيعية وصادقة مع إبقاء جزء من انتباهنا متوجهاً نحو دوافعنا . علينا تجربة ذلك ولكن ليس بالضرورة من خلال تجزيء تصرفاتنا إلى درجة تجعلنا ننسى علاقتنا بالآخر . كذلكالآخرين لابد أن أشير إلى أننا إذا قمنا بالتحقق من دوافعنا ومشاعرنا أثناء تواصلنا مع الآخرين، ففي بعض الأحيان قد يكون من المفيد مشاركة هذا، على الرغم من أنه سيكون أحساساً مبالغاً فيه بأهمية الذات إذا شعرنا بأنه " يجب " أن نخبر الآخرين، فغالبا لا يهتم الآخرين بما نشعر به، ومن الغرور أن نعتقد أنهم يريدون معرفة ذلك، فعندما نشعر بأننا سنبدء بالتصرف بطريقة أنانية، كل ما علينا فعله هو التوقف عن ذلك، دون الأحتياج للإعلان عنه .

هناك تطرف آخر ذو جانبين يقضي بالاعتقاد بأننا شخص طيب للغاية أو على العكس، شخص سيء للغاية . فمن خلال التركيز بشكل كبير على صعوباتنا ومشاكلنا ومشاعرنا المضطربة، يمكن أن ينتهي بنا الأمر إلى الاعتقاد بأننا سيئين مما يقودنا بسهولة لتوليد شعور بالذنب . " لا بد لي أن أمارس هذا النهج، فإذا لم أمارسه، سأكون شخصاً سيئاً ". هذا الأسلوب من شأنه أن يخلق لدينا توتراً وعصبية لا تجعل منه أساساً سليماً للممارسة !

كذلك، لا بد من الانتباه إلى عدم الوقوع في الجانب الآخر لهذا التطرف من خلال التشديد على جوانبنا الإيجابية . " نحن جميعاً أشخاص كاملون، يكفي أن ننظر إلى الجانب البوذي لطبيعتنا . كل شيء رائع فحسب ". هذا تصرف خطير جداً لأنه من الممكن أن يجعلنا نشعر بعدم الحاجة إلى التخلي عن أي شيء كان ولا إلى وضع حد لتصرفاتنا السلبية لأنه يكفي فقط أن ننظر إلى طبيعتنا البوذية . " أنا شخص رائع، أنا شخص كامل، لست بحاجة إلى وضع حد لتصرفاتي السلبية ". إن ما يلزمنا هو التوصل إلى التوازن . إذا شعرنا بالإحباط بالنسبة إلى ما نحن عليه، فلنتذكر عندها طبيعتنا البوذية . ولكن إذا شعرنا ولو قليلاً بالامبالاة، فلنتذكر في هذه الحال، جوانبنا السلبية .

تحمل المسؤولية

أساساً، علينا تحمل مسؤولية أنفسنا ومسؤولية تطورنا الشخصي ومسؤولية تخلصنا من المشاكل . نحن بالطبع بحاجة إلى المساعدة لأنه ليس من السهل القيام بذلك بمفردنا . يمكننا الحصول على المساعدة من قبل المعلمين الروحيين أو من مجتمعنا الروحي الذي ننتمي إليه أو من أشخاص يشاطروننا القيم ويحاولون العمل على أنفسهم بدلاً من إلقاء سبب مشاكلهم على الآخرين . لذا من المهمفي علاقاتنا أن نتشارك ذات التوجه الخاص بعدم لوم الطرف الأخر على أي مشكلة تظهر . فإذا ألقى كل من الطرفين المسؤولية على الآخر، لن تنجح علاقتهما ببعضهما البعض . كذلك، إذا كان أحد الطرفين يقوم بالعمل على ذاته في حين أن الطرف الآخر يشكو وينتقد، فهي كذلك لن تنجح . اذا كنا في علاقة يتهمنا فيها الطرف الآخر ولكننا ننظر إلى اسهاماتنا الإيجابية في العلاقة فإن ذلك لا يعني أن علينا إنهاءها لكن يعني فقط ان الأمر صعب . علينا أن نحاول عدم لعب دور الضحية في هذه العلاقة : " لقد تحملت الكثير الكثير ! هذا صعب جداً !" إن الوضع بكامله يمكن أن يكون متوتراً جداً .

استمداد الإلهام

إن الدعم الذي يمكننا الحصول عليه من قبل معلم روحي أو المجتمع الروحي والأصدقاء الذين نشاركهم نفس طريقة التفكير ، هو دعم يتخذ شكلاً معيناً يُعرف أحياناً بـِ " الإلهام ". إن التعاليم البوذية تشدد كثيراً على الإلهام الذي نستمده من " الجواهر الثلاثة " أو من المعلمين . وقد جرت العادة على ترجمة الكلمة التبتية " جينلاب " ( byin-rlabs ) بعبارة " البركات " وهي ترجمة غير ملائمة . نحن بحاجة إلى الإلهام، إلى ثمة قوة تساعدنا على المضي قدماً .

إن طريق الدارما ليس طريقاً سهلاً . فالدارما تتعامل مع بشاعة الحياة . لذا، نحن بحاجة إلى مصادر للإلهام يعتمد عليها . فإذا لجأنا كمصدر للإلهام، إلى معلمين يروون قصصاً خرافية وأساطير وأي نوع آخر من العجائب – عن أنفهسم أو عن الآخرين أو عن التاريخ البوذى - ، لن يكون هذا المصدر مصدراً موثوقاً . قد يكون الاستماع إلى هذه القصص مثيراً للاهتمام ولكن علينا أن نعرف كيف أنها تؤثر فينا . في عدد من الحالات، تأتي هذه القصص لتدعم عالماً وهمياً نتخبط فيه للعثور على طريق عجائبي نحو الخلاص . فنتصور ساحراً عظيماً يتمتع بقدرات عجائبية لإنقاذنا أو يخيل إلينا أننا سنكتسب فجأة هذه القدرات العجائبية . يجب أن نكون متيقظين تجاه هذه الحكايات الخيالية . قد نستمد منها نوعاً من الإلهام لتقوية إيماننا مما لا شك أنه سيفيدنا ولكنها لا تشكل أساساً متيناً للإلهام الذي نحن بحاجة إليه .

في هذا السياق، فإن أفضل مثال على هذا هو ما قام به بوذا . لم يكن البوذا يحاول أن " يلهم " الناس ولا أن يثير إعجابهم أو مشاعرهم من خلال إخبارهم قصصاً خيالية . فهو لم يكن يتباهى في التنزه بين الناس ومباركتهم أو القيام بأشياء مماثلة . فالتشبيه الذي أستخدمه بوذا بشكل متكرر في تعاليمه، إن البوذا كالشمس . الشمس لا " تحاول " تدفئة الناس . فالشمس، بطبيعة الحال، ووفقاً لطبيعتها الذاتية، تعطي الدفء بطريقة عفوية إلى جميع الناس . فإذا كان الاستماع إلى حكاية خيالية أو وضع علامة ما على جبيننا أو ربط خيط أحمر صغير حول عنقنا، يستطيع إدخالنا في سعادة كبيرة، فهذا ليس أساساً متيناً . إن المصدر الموثوق الذي يمكننا أن نستمد منه الإلهام اللازم لابد أن يكمن في النهج الطبيعي والعفوي الذي يتبعه المعلم الروحي وفي طبعه والحضور الشخصي الذي توصل إليه كنتيجة لممارسته للدارما . هذه هي الأمور التي تلهمنا وليس ما يقوم به أحدهم لتسليتنا . مع أن ذلك لن يكون مثيراً بقدر حكاية وهمية ولكنه سيولد فينا شعوراً وثيقاً بالإلهام .

تدريجياً، خلال تقدمنا، يمكننا أن نستمد الإلهام من أنفسنا ومن التطور الذي نحرزه ليس في مجال اكتساب قدرات عجائبية وإنما في الطريقة التي يتغير بها طبعنا ببطء . إن التعاليم تشدد دائماً على أهمية ترحيبنا وفرحنا بأفعالنا الإيجابية . من المهم جداً أن نتذكر أن التطور لا يتبع أبداً خطاً مستقيماً . إن الأمور لا تتحسن بإضطراد من يوم إلى آخر . من أبرز خصائص السامسار، المراحل المختلفة التي يمر بها مزاجنا بين معنويات مرتفعة ومعنويات منخفضة إلى أن نتحرر بشكل نهائي من السامسارا . وبذلك، نكون قد بلغنا حالة متقدمة جداً بشكل لا يمكن تصوره . علينا أن نتوقع أن نكون تارة سعيدين وطوراً تعساء . تارة نشعر بالقدرة على التصرف بشكل إيجابي وطوراً تعود عاداتنا العصبية لتتفوق على ردات فعلنا من جديد . هناك فترات تكون فيها معنوياتنا مرتفعة وفترات أخرى تكون منخفضة . هذا طبيعي لأن المعجزات لا تحدث عادة .

إن التعاليم حول الطرق التي تسمح بتجنب المشاغل الدنيوية الثمانية تشدد على ضرورة الحفاظ على الهدوء عندما تجري الأمور بأفضل حال وعدم الشعور بالإحباط عندما نمر بحالة سيئة . إنها طبيعة الحياة . علينا أن ننظر إلى آثار تطورنا على المدى الطويل وليس على المدى القصير . مثلاً، إذا بدأنا الممارسة منذ خمسة أعوام، فعند مقارنة أنفسنا بما قبل هذه الأعوام الخمسة يمكننا أن نستنج أننا أحرزنا تقدماً مهماً طيلة هذا الوقت . حتى وإن كنا في بعض الأحيان غير راضين عن النتائج، إذا لاحظنا أنه يمكننا مواجهة بعض المواقف بعقل وقلب أكثر هدوءاً وأكثر وضوحاً، هذا خير دليل على أننا نتقدم . وهذا من شأنه أن يلهمنا . لربما ليس التغيير الدرامي الذي كنا نأمل فيه، فقد كنا نأمل في تحقيق تغييراً درامي يجعلنا نحلق عالياً في السماء، ولكنه بالتأكيد ألهام ذي أساس متين .

كيف نكون عمليين

إن ما نحن بحاجة إليه، هو أن نكون عمليين وواقعيين . عندما نقوم بممارسة بعض التقنيات لتنقية النفس مثل فاجراساتفا، لا يجدر بنا على الإطلاق أن نعتقد بأن القديس فاجراساتفا هو الذي يقوم بتنقيتنا . فهو ليس كائن خارجي ، ليس هناك أي قديس سيأتي لإنقاذنا أو سينعم علينا بالنقاء . إن عملية التنقية لا تجري إطلاقاً على هذا النحو . فاجراساتفا يمثل النقاء الطبيعي للعقل صافي الاستنارة، غير الملوث بأي لبس متوارث . من الممكن استبعاد اللبس والارتباك . فمن خلال التعرف على النقاء الطبيعي للعقل بذل جهودنا الخاصة نتوصل إلى التخلص من الشعور بالذنب والقدرات السلبية إلخ . وهذا ما يسمح لعملية التنقية أن تتم بنجاح .

إضافة إلى ذلك، وفي حين أننا نقوم بهذه الممارسات ونعمل على إدخال الدارما إلى حياتنا اليومية، لا بد لنا أن ندرك ونتقبل المستوى الذي توصلنا إليه . من المهم جداً عدم الادعاء وعدم الشعور بأننا توصلنا إلى مستوى أعلى من ذلك الذي وصلنا إليه فعلياً .

التعرف على الدارما انطلاقاً من وسط كاثوليكي الأصل

معظم الأشخاص الموجودين هنا ينتمون إلى وسط كاثوليكي . عندما نتعاطى مع الدارما ونبدأ بدراسته، لا يتطلب الأمر أبداً الشعور بأننا نتخلى عن الكاثوليكية لنعتنق البوذية . ولكن من المهم عدم الخلط بين الممارسات الخاصة بكل منهما . فنحن لا نقوم بالسجود ثلاث مرات أمام المذبح قبل الجلوس في الكنيسة . كذلك، عندما نقوم بأحد الممارسات البوذية، لا نتصور العذراء مريم أمامنا وإنما نتخيل بوذا . فنحن نقوم بكل ممارسة على حدة . عندما نذهب إلى الكنيسة، فنحن لا نذهب إلى مكان آخر . وعندما نمارس تأملاً بوذياً، لا نمارس شيئاً آخر . هناك الكثير من الخصائص المشتركة مثل أهمية المحبة ومساعدة الآخرين إلخ . ليس هناك أي خلاف على المستوى المبدئي بين الديانتين . فإذا كنا نعمل بالمحبة والإحسان ومساعدة الآخرين، فنحن على السواء كاثوليكيون صالحون وبوذيون صالحون . على الرغم من ذلك ففي النهاية لا بد أن نختار يوماً إحدى الديانتين ولكن لنقم بهذا الخيار فقط عندما نشعر بأننا مستعدون لتسخير جميع جهودنا في سبيل التوصل إلى حالة روحية في غاية التطور . فإذا أردنا الصعود إلى أعلى مستوى في أحد المباني، لا يمكننا صعود درجين مبنين مختلفين في آن واحد . أعتقد بأن هذا المثال مفيدة جداً . فإذا كانت ممارستنا على المستوى الأرضي من المبنى، بالردهة مثلاً، فليس علينا أن نقلق، يمكننا الاستفادة من الاثنين معاً .

تجنب الوفاء غير المبرَّر

عندما نطبق الدارما في حياتنا اليومية، علينا أن نتفادى الحكم على الديانة التي نشأنا فيها بأنها سيئة أو أدنى مستوى أو حتى نبذها . فهذا التصرف خطأ فادح يجعل منا بوذيين متعصبين أو مناهضين للكاثوليكية مثلاً . هناك أشخاص يتصرفون كذلك أيضاً مع الشيوعية والديمقراطية . إنها آلية نفسية معروفة بـِ " الوفاء غير المبرَّر " نابعة من الميل إلى الشعور بالوفاء تجاه العائلة والوسط الاجتماعي إلخ . مما يجعلنا نشعر بواجب الوفاء تجاه الكاثوليكية حتى ولو أننا نبذناها . فإذا لم نكن أوفياء تجاه انتمائنا الأصلي فإننا ننبذه بشكل تام باعتباره سيئاً، فسنشعر بأننا نحن أيضاً سيئون . وبما أن هذا الوضع يسبب لنا الانزعاج، فإننا نبدء بالشعور بالحاجة إلى أن نجد في خلفتينا الثقافية شيئاً يمكننا أن نشعر تجاهه بالوفاء .

إن الميل نحو الوفاء تجاه بعض أوجه خلفياتنا الثقافية الأقل فائدة هو ميل نابع من اللاوعي . على سبيل المثال، قد ننبذ الكاثوليكية ولكننا نحمل معنا إلى البوذية خوفاً كبيراً من جهنم . إحدى صديقاتي التي كانت مخلصة للكاثوليكية، عرفت أزمة وجودية فعلية بعدما أبدت تعلقاً شديداً بالبوذية وبنفس درجة الإخلاص . فاعترفت قائلة : " لقد تخليت عن الكاثوليكية لذا سوف أذهب إلى جهنم؛ وإذا تخليت عن البوذية لأعود إلى الكاثوليكية، فسأذهب إلى جهنم البوذية !". قد يبدو ذلك مضحكاً ولكنها كانت تعاني من مشكلة جدية .

نحن نحمل معنا بطريقة لاواعية بعض التوجهات الخاصة بالكاثوليكية إلى ممارستنا للبوذية . التوجهات الأكثر انتشاراً هي الشعور بالذنب والبحث عن المعجزات أو عن أشخاص آخرين لإنقاذنا . فإذا لم نمارس، شعرنا بضرورة الممارسة لأننا نعتقد أن عدم قيامنا بذلك يجعلنا مذنبين . هذه الأفكار لا تساعدنا على الإطلاق . علينا أن ندرك فعلاً المواقف التي نتصرف فيها على هذا النحو . كما لا بد لنا أن نعيد النظر في خلفتينا الثقافية ونعترف بالنواحي الإيجابية التي تتميز بها حتى نتمكن من البقاء أوفياء تجاه هذه النواحي الإيجابية بدلاً من النواحي السلبية . بدلاً من التفكير : " لقد ورثت الشعور بالذنب والبحث عن العجائب " ، لم لا نفكر : " لقد ورثت من التقليد الكاثوليكي المحبة والإحسان ومساعدة المحتاجين ".

يمكننا اتباع الطريقة نفسها مع عائلتنا . قد ننبذ عائلتنا ثم نشعر بدون إدراك بالوفاء تجاه تقاليدها السلبية بدلاً من الإيجابية منها . فإذا اكتشفنا، على سبيل المثال، أننا ممتنين جداً للتربية الكاثوليكية التي اكتسبناها، يمكننا متابعة طريقنا الخاص من دون الدخول في أي خلاف مع ماضينا ومن دون الخضوع لمشاعر سلبية قد تعيق تقدمنا .

من المهم محاولة فهم صلاحية هذه الآلية على الصعيد النفسي . فإذا كنا نفكر في ماضينا أي عائلتنا وديانتنا الأصلية وأي شيء آخر، وكأنها أمور سلبية، فسنميل إلى تبني مواقف سلبية تجاه أنفسنا . من ناحية أخرى، إذا توصلنا إلى الاعتراف بالأوجه الإيجابية لخلفيتنا الثقافية ولماضينا، فسنميل إلى تبني مواقف أكثر إيجابية تجاه أنفسنا . وهذا سيساعدنا على التمتع باستقرار أكبر على طريقنا الروحي .

بعض الملاحظات الاستنتاجية

علينا العمل ببطء، خطوة تلو الخطوة . عندما نستمع إلى تعاليم متقدمة جداً، أو عند حضورنا جلسة تمكين من أحد ممارسات التانترا ، ومع أن معلمين الماضي العظماء سبق وقالوا : " ما إن تستمعوا إلى أحد التعاليم، قوموا مباشرة بتنفيذه " ، إلا أنه لا بد لنا أن نحدد إذا كان هذا التعليم متقدماً جداً بالنسبة لنا أو إذا يمكننا المباشرة في ممارسته . إذا كان تعليماً متقدماً جداً، علينا أن نحدد أولاً الخطوات التي يجب القيام بها على الطريق الذي يهيئنا لنصبح قادرين على ممارسة هذا التعليم ومن ثم نتبع هذه الخطوات . باختصار، كما قال أحد أساتذتي، غيشيه نغاوانغ دارغيي : " إذا قمنا بممارسة مناهج خيالية، نحصل على نتائج وهمية؛ وإذا قمنا بممارسة مناهج عملية، نحصل على نتائج عملية ."