أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الصفحة الرئيسة > مكانة البوذية في العالم > مقدِّمة عن البوذية > أسئلة أساسية عن الكارما وإعادة الميلاد

أسئلة أساسية عن الكارما وإعادة الميلاد

مقتطفات منقحة من كتاب لمحات عن الحقيقة لألكسندر بيرزن، تشودرون، وتوبتن
مراجعة وتحرير: إنجي بدران، أرجُنَ برَنَذي

هذا النص مأخوذ بتصرف من:
Berzin, Alexander and Chodron, Thubten.
Glimpse of Reality.
Singapore: Amitabha Buddhist Centre, 1999.

 

سؤال: هل نظرية الكارما تجريبية وعلمية، أم هي مقبولة اعتمادًا على الإيمان؟

الجواب: فكرة الكارما منطقية من نواحٍ عديدةٍ، ولكن هناك بعض سوء الفهم لما تعنيه الكارما. فالبعض يعتقدون أن الكارما تعني القَدَر أو المصير؛ فلو أن شخصًا صدمته سيارة، أو فقد مالاً كثيرًا في أعماله، فإنهم يقولون: "حسنًا، حظٌّ سيِّئ، هذه هي الكارما الخاصة به." وهذه الفكرة هي في الحقيقة أقرب إلى إرادة الله – أي شيءٌ ما لا نفهمه، أو ليس لنا سيطرةَ عليه – وهذه ليست فكرة البوذية عن الكارما.

في البوذية تشير الكارما إلى البواعث؛ بُناء على الأفعال السابقة التي قمنا بها. تنشأ داخلنا البواعث لنتصرف بطرق معينة. الكارما تشير إلى البواعث التي تأتي بذهن شخص ما لاستثمار أسهمه قبل انهيارها أو ارتفاعها بيوم واحد، أو قد يكون لدى شخص ما البواعث لعبور الطريق في نفس اللحظة التي ستصدمه فيها سيارة ليس قبل ذلك بخمس دقائق وليس بعد ذلك بخمس دقائق، نشأة الباعث في تلك اللحظة بالتحديد هو نتيجة لبعض الأفعال السابقة التي قام بها هذا الشخص في حياةٍ سابقة، فعلى سبيل المثال:ربما يكون هذا الشخص قد عَذَّب أو قَتَل أحد ما، مثل هذا السلوك الهدام تكون نتيجته أيضًا اختبار مرتكبه لعمر قصير، عادة في حياة أخرى. بالتالي ينشأ الباعث لعبور الطريق في نفس لحظة مرور السيارة لتصدمه.

قد يكون لدى الشخص الباعث للصراخ بوجه أحد ما أو إيذائه، ويأتي هذا الباعث من عاداتٍ تراكمتْ من سلوكيات مشابهه في السابق؛ فالصراخ أو إيذاء الآخرين يبني إمكانية وميلاً وعادةً نحو هذا النوع من السلوك، لذا في المستقبل، نحن نكرر هذا الفعل بسهولة. بل إن الصراخ بغضبٍ يبني أكثر من مجرد إمكانية وميلاً وعادةً للقيام بمشهد غاضب مرة أخرى.

مثالٌ آخر: تدخين سيجارة؛ فتدخين سيجارة واحدة يعمل كإمكانية لتدخين سيجارة أخرى، وهو أيضًا يبني ميلاً وعادة للتدخين. وبالتالي فحينما تكون الظروف ملائمة – إما في هذه الحياة حينما يَعرِض شخصٌ ما علينا سيجارة، أو في حياة مستقبلية، ونحن أطفال ونرى الناس يدخنون من حولنا – يأتي الباعث للتدخين بأذهاننا وندخن بالفعل. الكارما تُفسِّر من أين أتى هذا الباعث للتدخين، فالتدخين لا يخلق فقط باعثًا ذهنيًا لتكرار الفعل، لكنه أيضًا يُؤثِّر على البواعث المادية داخل الجسد؛ على سبيل المثال: الإصابة بالسرطان نتيجة للتدخين. فمفهوم الكارما منطقي إلى حد بعيد، حيث أنه يُفسر من أين تأتي بواعثنا.

سؤال: هل يمكن للكارما أن تحدد سَلَفًا ّتلَقي الشخص وفَهْمَه للبوذية؟

الجواب: هناك فارق ضخم بين شيء تم تحديده سلفًا، وبين قابلية هذا الشيء للتفسير.تلقينا وفهمنا للبوذية يمكن تفسيره بواسطة الكارما؛ بمعنى، كنتيجة لدراستنا وتدرُبنا في حيوات سابقة، نحن الآن أكثر قدرة على تلقي التعاليم، إذا كان لدينا فهمًا جيدًا للتعاليم في السابق؛ عندها بشكل تلقائي سيكون لدينا فهم صحيح مرة أخرى في هذه الحياة، أما إذا كان لدينا الكثير من الارتباك بشأن التعاليم في الحيوات السابقة، فسنحمل الكثير من هذا الارتباك في هذه الحياة.

إلا أنه، ووفقًا للبوذية، الأشياء ليست محددة سَلفًا، فليس هناك قَدَرًا أو مصيرًا. فحينما تُفسَّرُ الكارما على أنها البواعث، فهي تفترض أن تلك البواعث هي أشياء يمكننا اختيار التصرف على أساسها أو عدم التصرف، وذلك اعتمادًا على الأفعال التي قمنا بها في هذه الحياة أو في حيوات سابقة، فيكون بوسعنا تفسير المستقبل والتنبؤ بما قد يحدث. نحن نعرف أن الأفعال البنَّاءة تجلب نتائج سعيدة، والأفعال الهدَّامة تجلب عواقب غير مرغوب بها، ومع ذلك، فالكيفية التي تُثمِر بها أفعال كارما بعينها تعتمد على العديد من العوامل، وبالتالي، فالعديد من الأشياء يمكنها التأثير على ذلك الإثمار. قياسًا على ذلك: لو ألقَينا بكرة لأعلى في الهواء، يمكننا التنبؤ بأنها ستهبط لأسفل. وبالمثل بناء على الأفعال السابقة، يمكننا التنبؤ بما سيحدث في المستقبل. ومع ذلك، فلو أمسكنا بالكرة؛ لن تهبط للأسفل، وبالمثل بينما يمكننا التنبؤ من خلال أفعالٍ سابقة بما سيحدث في المستقبل، فهذا ليس حتميًا، مُقدرًا، أو إنه منقوشٌ على حجر بأن تلك هي النتيجة الوحيدة التي ستحدث؛ فهناك ميولٌ أخرى، وأفعال وظروف، إلخ، يمكنها التأثير على إثمار الكارما.

حينما يأتي باعث بأذهاننا لنقوم بفعل ما لدينا الاختيار؛ فنحن لسنا كالأطفال الصغار، الذين يتصرفون بناء على أي باعث يأتي برؤوسهم. وعلى أية حال فقد تعلَّمنا أن نكون مُدرَّبين على دخول المرحاض؛ فنحن لا نتصرف على الفور بناء على ما ينشأ لدينا من بواعث. الشيءِ ذاته ينطبق علي الباعث لقول شيء ما قد يؤذي شخص ما، أو أن نقوم بشيء قاسي. وحينما يأتي مثل هذا الباعث إلى أذهاننا يمكننا أن نختار: "هل سأتصرف بناء عليه، أم سأمتنع عن التصرف بناءً عليه؟" هذه القدرة على التفكير مليًا والتمييز بين الأفعال البنَّاءة والأفعال الهدامة هي ما يُميِّز الإنسان عن الحيوان؛ وهذه هي الفائدة العظمى لكونك إنسانًا.

وهكذا، يمكننا اختيار ما الذي سنفعله، اعتمادًا على امتلاك متسع كافي بأذهاننا كي نكون متيقظين لبداية نشأة تلك البواعث. الكثيرٌ من التدُرب البوذي يشتمل على تنمية اليقظة، فكلما كنَّا أكثر تمهلًا؛ نصبح أكثر وعيًا بما نفكر به، وما نحن على وشك قوله أو فعله. التأمل على النَّفَس، والذي به نلاحظ النَّفَس وهو يدخل ويخرج؛ يُعطينا متسعًا لنكون قادرين على ملاحظة البواعث حالَ نشأتها. فنبدأ بملاحظة: "لدينا هذا الباعث لقول شيء ما سوف يؤذي أحدهم؛ إذا قلناه سوف يُسبِّب المتاعب؛ لذا لن نقولَه"؛ فنحن نستطيع الاختيار؛ أما إذا لم نكن متيقظين، سيكون لدينا مثل هذا الاندفاع من الأفكار والبواعث، والذي لا يتيح لنا الفرصة للاختيار بحكمة، والقيام فقط بالتصرف انطلاقًا من تلك البواعث والتي غالبًا ما ستجلب العراقيل لحياتنا.وهكذا لا يمكننا القول أن كل شيء – مثل فهمنا وتلقينا للدارما – محدد سلفًا، ويمكننا التنبؤ به، لكن أيضًا لدينا المساحة الواسعة للتغيير.

سؤال: هل أصحاب المعتقدات الدينية الأخرى يختبرون الكارما أيضًا؟

الجواب: نعم، الإيمان بالكارما ليس شرطًا لاختبارها، إذا صدمنا أقدامنا بشدة فلا يجب أن نؤمن بالسبب والنتيجة حتى نختبر الألم، حتى لو اعتقدنا أن السُّمَّ مشروب لذيذٌ، فحينما نحتسيه سنمرض. وبالمثل، فلو تصرفنا بطريقةٍ معينةٍ؛ نتيجة هذا التصرف ستحدثُ، سواء آمنا بقانون الأسباب والنتائج أم لا.

سؤال: هل أنا استمرارٌ لشخصٍ آخر عاش قبلي؟ وهل النظرية البوذية لإعادة الميلاد نظرية ميتافيزيقية أم علمية؟ وقد ذَكَرت أن البوذية منطقية وعلمية، فهل هذا ينطبق على إعادة الميلاد أيضًا؟

الجواب: هناك نقاطٌ عديدة هنا، أحدها: كيف نبرهن على شيئ ما علميًا؟ وهذا يتولَّد عنه فكرة: كيف لنا أن نتأكد بأننا نعرف الأشياء بطريقة متوافقة مع الاستدلال المنطقي الصحيح؟ وفقًا للتعاليم البوذية يمكننا الاستدلال على الأشياء منطقيًا بطريقتين: الإدراك المباشر، والاستدلال، فعن طريق إجراء تجربة في المُختَبَر، يمكننا إثبات وجود شيء ما من خلال الإدراك المباشر؛ فنحن نعرفها ببساطة من خلال حواسنا، ومع ذلك فبعض الأشياء لا يمكننا معرفتُها الآن بالإدراك المباشر، ولا بد أن نعتمد على الأسباب والمنطق والاستدلال. فإعادة الميلاد أمرٌ يتعذَّر إثباتُه بأدوات الإدراك الحسي المباشر، رغم أن هناك قصةً عن عالم بوذي منذ وقتٍ طويل مضى في الهند، قد توفى ثم وُلد مرة أخرى، وقال: "ها أنا ذا مرة ثانية." ليُثبت للمَلِك أن هناك إعادة ميلاد. وهناك أمثلة عديدة لأناسٍ يتذكرون حيواتهم السابقة، ويمكنهم التعرف على متعلقاتهم الشخصية، أو أناس عرفوهم قبل ذلك.

وإذا وضعنا تلك القصص جانبًا فهناك المنطق المُجرَّد لإعادة الميلاد، فقد ذكر قداسة الدالاي لاما أنه إذا لم تتوافق نقاط معينة مع الواقع فهو على استعدادٍ لاستبعادها من البوذية. وهذا ينطبق على إعادة الميلاد أيضًا، في الحقيقة، فقد صرَّح بهذا البيان بالأساس في هذا السياق، فلو استطاع العلماء أن يُثبتوا أن إعادة الميلاد غير موجودة، عندها يجب علينا أن نتوقَّف عن الاعتقاد بأنها حقيقة، ولكن، إذا لم يستطع العلماء إثبات خطأها، عندها؛ لأنهم يتبعون المنطق والأدوات العلمية – التي هي منفتحة لفهم الأشياء الجديدة – يجب عليهم استقصاء وجودها من عدمه، وحتى يثبتوا عدم وجود إعادة الميلاد؛ فسيكون عليهم البرهنة على عدم وجودها. فمجرد القول بأن "إعادة الميلاد غير موجودة؛ لأنني لا أراها بعيني" ليس إثباتًا لعدم وجودها، فهناك أشياء عديدة موجودة، ولا نستطيع رؤيتُها بأعيننا.

إن لم يستطع العلماء إثبات عدم وجود إعادة الميلاد، عندها يتوجب عليهم أن يتحققوا إن كان لإعادة الميلاد وجود، المنهج العلمية هو أن تضع فرضية لنظرية ما اعتمادًا على توفر معلومات بعينها، ثم تختبر إمكانية إثبات منطقيتها، ولهذا، نحن ننظر إلى المعلومات. على سبيل المثال، نلاحظ أن الأطفال الرُضَّع لا يُولَدون مثل شرائط الكاسيت الفارغة، فلديهم عادات معيَّنة وسمات شخصية يمكن ملاحظتُها، حتى وهم صغارًا جدًّا. فمِن أين تأتي هذه العادات وتلك السمات؟

ليس من المنطقي أن نقول: إنها تأتي فقط من الاستمرارية السابقة للعناصر المادية للأبوين، أي من الحيوان المنويِّ والبويضة؛ فليس كل حيوان منوي وبويضة يتم زراعتهما في الرحم سويًا ينموان ليُصبحا جنينًا. فما الذي يُفَّرِق بين الحالتين حينما يصبحان جنينًا، وحينما لا يصبحان كذلك؟ ما الذي يُسبب فعليًا العادات والغرائز المتنوعة لدى الطفل؟ يمكن القول أنه الحمض النووي والجينات، وهذا هو الجانب المادي، فلا أحد ينكر أن هذا هو الجانب المادي للكيفية التي يوجد بها الطفل، ومع ذلك، فماذا عن الجانب الخبراتي؟ كيف نفسر الذهن؟

الكلمة "الذهن" في الإنجليزية ليس لها نفس المعنى كما في المصطلحان السنسكريتي والتبتي، والتي يُفترض أنها الترجمة الخاصة بهما. ففي اللغات الأصلية يشير "الذهن" إلى النشاط الذهني، أو الأحداث الذهنية، أكثر من إشارته إلى الشيء الذي يقوم بهذا النشاط، فالنشاط أو الحدث هو الإدراك الذي ينشأ بسبب أشياء بعينها – أفكار، مشاهد، أصوات، مشاعر، أحاسيس، وما إلى ذلك – والإدراك مُتضَمن معهم -رؤيتهم، سماعهم، استيعابهم، وحتى عدم استيعابهم- هذان الخاصيتان المميزتان للذهن عادة ما يُترجمان: "وضوح"، و"وعي"، غير أن تلك الكلمتين الإنجليزيتين أيضًا مُضللتان.

من أين يأتي ذلك النشاط الذهني من النشوء والانخراط مع الأشياء محل الإدراك على المستوى الفردي للأشخاص؟ هنا، نحن لا نتحدث عن المصدر الذي أتى منه الجسد؛ إذ من الجلي أنه مِن الأبوين. ونحن لا نتحدث عن الذكاء وغيره؛ لأننا أيضًا يمكن أن نتعلَّل بأن هناك أساسًا جينيًا لذلك. ومع ذلك فمن المبالغة الشديدة أن نقول: إن تفضيلَ شخصٍ لمثلجات الشيكولاته يأتي من جيناته الوراثية.

يمكننا القول إن بعض اهتماماتنا قد تتأثر بعائلاتنا، أو بالوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي نحن فيه، كل تلك العوامل قطعًا لها تأثير، لكنه من الصعب أن نفسر بصورة مطلقة كلَّ شيءٍ نفعله بهذه الطريقة. فعلى سبيل المثال، لماذا اهتممت باليوغا عندما كنت صغيرًا، فلم يكن أحد من أسرتي أو من المجتمع حولي كذلك، ولكن كان هناك بعض الكتب موجودة في المنطقة التي عشتُ بها، لذا يمكنك القول إنه كان هناك بعض التأثير من المجتمع، لكن لماذا كنت مهتمًّا بهذا الكتاب خاصة عن الهاتا يوغا؟ لماذا التقطتُهُ؟ هذا سؤالٌ آخر.

لنضع كل تلك الأشياء جانبًا، ولنعد إلى السؤال الرئيسي: من أين تأتي الأنشطة الخاصة بنشأة الأشياء المُدركة، ونشأة الإدراك المُتضمَن؟ من أين تأتي هذه القدرة على التلقي؟ من أين تأتي شرارة الحياة؟ ما الذي يجعل هذا التمازُج للحيوان المنوي والبويضة حياة بالفعل؟ ما الذي يجعله إنسانًا؟ ما الذي يسمح لنشوء الأشياء مثل الأفكار والرؤى وما الذي يجعل هناك إدراك مُتضمن معهم، ما هو الجانب الخبراتي للنشاط الكيميائي والكهربائي للمخ؟

من الصعب القول بأن النشاط الذهني للرضيعٍ يأتي من والديه؛ لأنه لو كان كذلك فكيف يأتي من الأبوين؟ يجب أن يكون هناك آلية ما. هل شرارة الحياة – التي تتميز بالوعي بالأشياء – تأتي من الأبوين بنفس طريقة الحيوان المنوي مع البويضة؟ هل تأتي مع النشوة؟ مع التبويض؟ هل هي الحيوان المنوي؟ البويضة؟ إذا لم نستطع أن نصل إلى دلالة علمية منطقية لموعد إتيانها من الوالدين فعلينا حينئذٍ أن نسعى لإيجاد إجابة أخرى.

إذا تفحصنا الأمر بالمنطق المجرد سنجد أن الظواهر الطبيعية الفاعلة كلها تأتي من استمراريتها هي، أي من لحظاتٍ سابقة لشيء ما من نفس تصنيف الظاهرة. فعلى سبيل المثال، الظاهرة الجسدية – مثل المادة أو الطاقة – تأتي من اللحظة السابقة لهذه المادة أو الطاقة، فهي ذات استمرارية.

لنأخذ الغضب كمثال: يمكننا التحدث عن الطاقة المادية عند الشعور بالغضب، هذا جانب واحد، إنما، بالنظر إلى النشاط الذهني لاختبار الغضب؛ أي اختبار نشأة المشاعر والوعي بها من عدمه، فإن اختبار شخصٍ ما للغضب يأتي من استمرارية تتابع لحظات سابقة في هذه الحياة، ولكن من أين أتت قبل تلك اللحظات المتتابعة في هذه الحياة؟ إما أنها تأتي من الوالدين – حيث لا توجد آلية لوصف كيفية حدوث ذلك- أو أنها تأتي من إله خالق. إلا أن، تفسير الكيفية التي يستطيع بها الإله الخالق الكائن كلي القدرة أن يخلق معضلة حالية بالحاضر، تُمثل للبعض متناقضات غير مترابطة منطقيًا؛ والبديل لتجنب تلك المشاكل؛ هو أن اللحظة الأولى من الغضب في حياة أي شخص، تأتي من تتابع لحظات سابقة لتلك اللحظة الأولى من الغضب. نظرية إعادة الميلاد تفسرها بنفس هذا الشكل.

ربما نحاول فهم إعادة الميلاد قياسًا بالسينما؛ فكما أن الفيلم السينمائي ما هو إلا استمرارية صور متعاقبة لشريط التصوير، فإن استمراريتنا الذهنية أو التدفقات الذهنية هما استمرارية للحظات متغيرة دومًا فيما يتعلق بالوعي بالظواهر في هذه الحياة، ومن حياة لأخرى. ليس هناك كيان صلب قابل للإيجاد؛ مثل "أنا"، أو "ذهني" و هو الذي يُعاد ميلاده. فإعادة الميلاد لا تشبه تمثالاً صغيرًا موضوع على سير متحرك، متنقلاً من حياة إلى أخرى. لكنها مثل الفيلم السينمائي، شيء ما يتغير باستمرار، كلُّ صورة مختلفةٌ، لكن هناك استمرارية بها، فالصورة متصلة بالصورة التي تليها. بالمثل، هناك تغيير دائم لاستمرارية اللحظات الخاصة بالوعي بظاهرة ما – حتى وإن كانت بعض تلك اللحظات بدون وعي. علاوة على ذلك، فكما أن كل الأفلام ليست الفيلم ذاته، برغم أنها جميعًا تندرج تحت مسمى أفلام، فبالمثل كل الاستمرارية الذهنية أو "الأذهان" ليست ذهنًا واحدًا، فهناك أعداد لا تحصى من التدفقات الفردية لاستمرارية الوعي بالظواهر.

تلك هي الحُجَجُ التي نبدأ بتفحصها من وجهة نظر علمية وعقلانية، إذا كانت النظرية لها معنى منطقيًّا، فعندئذٍ يمكننا النظر بجديةٍ أكثر في حقيقة أن هناك أناسًا يتذكرون حياتهم السابقة، وبهذه الطريقة، نحن نختبر وجود إعادة الميلاد باستخدام المدخل العلمي.

سؤال: تقول البوذية إنه ليس هناك روح ولا نَفْس. إذن ما الذي يُولَد مرة أخرى؟

الجواب: مرة ثانية، تشبيه إعادة الميلاد، كتمثال أو شخص صغير من الجبس، يسافر على السير المتحرك منتقلًا من حياة إلى أخرى، وكأن السير المتحرك يمثل الزمن، والتمثال يمثل شيئًا ما راسخٍ، شخصية ثابتة أو روح تسمى "أنا" تمر عبر الزمن: "الآن أنا صغير، الآن أنا كبير، الآن أنا في هذه الحياة، الآن أنا في تلك الحياة." هذا ليس مفهوم إعادة الميلاد في البوذية وليس له علاقة بالروح. إنما الأمر أشبه بالفيلم السينمائي، فهناك استمرارية في الفيلم السينمائي، حيث تُشكَّل الصور المتعاقبة الاستمرارية.

البوذية لا تقول أيضًا أنني سأصبح أنت، أو إننا كلنا شخص واحد؛ فلو أننا جميعًا واحد، وأنا أنت؛ عندئذٍ إن كنَّا نحن الإثنين جوعى، فيمكنك أنت الانتظار في السيارة وسأذهب أنا لتناول الطعام. بينما الأمر ليس كذلك، فكل منَّا لديه تدفق الاستمرارية الخاص به، وتتابع الفيلم الخاص بي لن يتحول إلى الفيلم الخاص بك. إنما حياتنا تمضي قِدمًا مثل الأفلام؛ أي أنها ليست صلبة وثابتة، فالحياة تستمر من صورة إلى أخرى؛ إنها تتبع نَسَقًا وفقًا للكارما، وبالتالي فهي تُشكَّلُ الاستمرارية الذهنية.

سؤال: كيف خُزِنَتْ البواعث المتباينة في الذهن، وكيف تنشأ؟

الجواب: إنه أمرٌ معقَّدٌ قليلاً، فنحن نتصرف بطريقةٍ معينة. على سبيل المثال، نحن نُدخِّن سيجارة؛ لأن هناك طاقة متضمنة في تدخين سيجارة. هذا الفعل يعمل كإمكانية أو كقوة دافعة لتدخين سيجارة أخرى. هناك طاقة بالمستوى الأكثر وضوحًا، والتي تنتهي بانتهاء الفعل، لكن هناك أيضًا طاقة متناهية الدقة بشكل يصعُب ملاحظته، وهي الطاقة الخاصة بإمكانية تكرار الفعل. هذه الطاقة المتناهية الدقة بشكل يصعُب ملاحظته لإمكانية التدخين تم حملها جانبًا إلى جانب مع الطاقة المتناهية الصغر للغاية، والتي تصاحب الذهن الأكثر عمقًا، الذي يستمر من حياة إلى أخرى. بمصطلح أكثر بساطة: يشير الذهن الأعمق إلى المستوى الأعمق لأنشطة الوضوح والوعي. بينما الطاقة متناهية الصغر تشير إلى الطاقة متناهية الصغر للغاية الداعمة للحياة والتي تدعم هذا النشاط، وهما معًا يُشكلان ما يمكن أن نطلق عليه "شرارة الحياة"، وهما اللذان ينتقلان من حياة إلى أخرى؛ فإمكانيات الكارما يتم حملها مع شرارة الحياة.

الميول والعادات يتم انتقالهما كذلك، ولكن ليس ماديًا. ما هي العادة؟ على سبيل المثال: لدينا عادة احتساء الشاي. احتسينا الشاي هذا الصباح، وصباح الأمس، وفي الأيام الماضية. العادة ليست الكوب الذي نحتسي فيه الشاي، وهي ليست أذهاننا قائلة:”احتسي الشاي"؛ إنها فقط تتابع لأحداث متشابهه – احتساء الشاي لمرات عديدة. استنادًا على تلك العادة – كتعبير مجازي – نقول أو "نُشير" بذلك إلى أن هناك عادة لاحتساء الشاي. نحن نُعنون ذلك النَسَق "عادة احتساء الشاي". العادة ليست شيئًا ماديًا، بل فكرة مجردة تم بناءها من التعبير المجازي لتتابع أحداث مشابهه؛ اعتمادًا على ذلك، يمكننا التنبؤ بأن أشياء مشابهه ستحدث في المستقبل.

إنها مشابهه لحديثنا عن العادات، الفطرة أو الميول. التي يتم حملها للمستقبل. إلا أنه، ليس هناك شيء مادي يتم حمله. استنادًا على اللحظات الخاصة بالاستمرارية الذهنية، يمكننا القول أن هناك حالات متشابهه في هذا الوقت وذاك الوقت؛ وبالتالي سيكون هناك حالات متشابهه في المستقبل

سؤال: إن كانت الحياة تتضمن انتقالًا للوعي، فهل هناك أي بداية؟

الجواب: تُعلِّم البوذية بأنه ليس هناك بداية، ففكرة البداية غير منطقية. استمرارية المادة، الطاقة، والأذهان الفردية ليست لهم بداية؛ إذ لو كانت لهم بداية فمن أين تأتي تلك البداية؟ وماذا كان قبل البداية؟

البعض يقول: "نحن بحاجة إلى بداية؛ لهذا فالله خَلَق كل شيء". فهم يوافقون على فكرة وجود إله خالقٍ، الذي له أسماء عدة في مختلف الأديان. إنما السؤال الذي سيطرحه البوذي: "من أين أتى الإله؟ هل الإله له بداية؟" فإما أن يجيبوا: بأن الإله ليس له بدايةَ، وعندها قد يقول المُناظر البوذي: "آها، إذن هناك لا-بداية”. أو أنهم سيشيرون إلى شيء ما أو شخصٍ ما خَلَق الإله؛ وهو ما يناقض فلسفتهم.

يقول الملحد: "لا يوجد إله. كل شيء جاء من العدم، فالكون نشأ من العدم، واستمراريتنا الذهنية أتت من العدم. عندئذٍ نسأل: "من أين أتى هذا العدم؟" سيقولون: "هذا العدم حولنا دائمًا. لقد كان هناك دائما، وهذا العدم ليس له بداية”. لذا نعود ثانية إلى اللا-بداية؛ وبغض النظر عن أي إجابة ستُعطى فسنعود ثانيةً لنقطة اللا-بداية.

إن كانت اللا-بداية هي الاستنتاج المنطقي الوحيد التي يمكننا التوصل إليه. عندها نتفحصه: "هل من الممكن لشيء فعَّال أن يأتي من العدم؟ وكيف للاشيء أن يُنتج شيئًا؟" هذا غير منطقي تمامًا؛ فإن الأشياء تحتاج لأن يكون لها أسباب. هل التفسير الآخر الخاص بوجود خالق منطقي؟ بالتأكيد نحتاج لتفحص هذا بدقة أكثر. على سبيل المثال: إذا كان هناك كائن قدير، أو لو اعتبرنا أن نظرية الانفجار الكبير المادية المحضة خلقتْ كلَّ شيءٍ. هل حدث الخَلْق عند نقطة معينة بسبب تأثير الدافع، أو الهدف، أو الظرف؟ إذا كان الأمر كذلك، إذن فما أثَّر على خلق كل شيء كان موجودًا قبل خلق كل شيء؟ أهذا منطقي!. إذا كان الخالق ذو شفقة وليس له بداية، فكيف أمكن لهذا الخالق خلق الشفقة؟ فالشفقة موجودة بالفعل.

البديل الثالث الذي يؤخذ في الاعتبار هو: هل الأشياء تستمر دون بداية؟ هذا مدخل علمي يتوافق أكثر مع فكرة أن المادة لا تُستحدث ولا تُخلق من عدم،. إنها فقط تتحوَّل، وهو الشيء نفسه مع الاستمرارية الذهنية الفردية؛ فهي ليست لها بداية أيضًا. كل شيء يتحول اعتماديًا؛ نظرًا للأسباب والظروف.

سؤال: أخبر بوذا أتباعه أنه ليس إله، فإذا كان هذا هو الحال فما دور الصلاة في البوذية؟

الجواب: القضية الأساسية فيما يتعلق بالصلاة هو التساؤل عن: "هل من المُمكن لشخصٍ آخر أن يقضي على معاناتنا ومشكلاتنا؟ لقد قال بوذا: "إنه ليس هناك أحد يمكنه أن يزيل معاناتنا بالطريقة نفسها التي يمسك بها شخص ما أرنبًا من أذنيه، ويجذبه بعيدًا عن موقفٍ صعب”. هذا مستحيل. لابد أن نتحمل المسئولية بأنفسنا لما يحدث لنا، ولهذا، إن رغبنا في خلق أسباب السعادة، وتجنُّب أسباب المعاناة؛ نحتاج إلى اتِّباع الأخلاق النقيَّة. وإذا أردنا لحياتنا أن تتحسن، فهذا يعود لنا؛ بتغيير سلوكياتنا ومواقفنا الداخلية كي نؤثر على ما سيحدث في المستقبل.

عندما نصلي في البوذية فنحن لا نطلب: "بوذا، أرجوك، من الممكن أن أحصل على سيارة مرسيدس!". لا أحد في السماء يمكنه أن يمنحنا إياها، بل، بالصلاة، نحن نؤسِّس لأمنية قويةً لحدوث شيء ما, مواقفنا الداخلية وأفعالنا تجعله يحدث. على الرغم من ذلك، فالبوذات والبوديساتفات بإمكانهم إلهامنا.

أحيانًا مصطلح "إلهام" يُترجم إلى: "بركة". هذه ترجمة ركيكة جدًّا. يمكن للبوذات والبوديساتفات أن يلهمونا بمثالهم، ويمكن أن يعلمونا أو يوضحوا لنا المسار؛ لكن يجب علينا أن نفعل ذلك بأنفسنا. كما يُقال: "يمكنك أن تقودَ حصانًا إلى المياه، لكنك لا تستطيع أن تشربَ نيابةً عنه". على الحصان أن يشرب بنفسه. بالمثل نحن بحاجة إلى أن نتبع المسار بأنفسنا، ونكتسب الإدراك الذي سيوقف مشاكلنا بأنفسنا، فنحن لا نستطيع تمرير تلك المسئولية على كائن خارجي كليّ القدرة. بالتفكير: "أنت كليّ القدرة؛ افعل أنت هذا بدلًا مني، فأنا أُسَلِّمُ ذاتي بين يديك". إنما في البوذية نحن ننظر إلى البوذات من أجل الإلهام لنرتقي بمثالهم؛ ومن خلال إلهامهم وتعاليمهم يساعدوننا ويرشدوننا. مع ذلك، فنحن بحاجة إلى تطوير الإمكانيات من جانبنا لنتلقى إلهامهم؛ وهذا هو العمل الأساسي الذي ينبغي علينا فِعْله بأنفسنا.

كثيرٌ من سوء الفهم حيال البوذية، ينشأ بسبب سوء ترجمة المصطلحات والمفاهيم البوذية، إلى الإنجليزية واللغات الأجنبية الأخرى. على سبيل المثال، معظم مصطلحات الترجمة المُستخدمة في ترجمة البوذية إلى الإنجليزية، قد صاغها القائمون على تجميع المعجم البوذي في القرن الماضي، أو حتى قبل ذلك. هؤلاء الباحثون الأوائل غالبًا ما أتوا من خلفيات تبشيرية أو فيكتورية، واختاروا مفرداتٍ لُغَويةً ومصطلحاتٍ نتجت من نشأتهم. العديد من الكلمات التي اختاروها – مع ذلك – لا تَنقُل المعاني المقصودة بدقة في البوذية. حينما نقرأ تلك الكلمات؛ نظن أنها تعني الشيء نفسه كما في الأنظمة المسيحية أو الفيكتورية، بينما هي في الحقيقة لا تعني ذلك.

أمثلة تلك الكلمات: البركة، الخطيئة، الفضائل، اللا فضائل، الاعتراف، إلخ. في المسيحية هذه الكلمات لها دلالة على نوعٍ ما من الحكم الأخلاقي، والثواب والعقاب. مع ذلك فالمفهوم البوذي ليس كذلك على الإطلاق. الشيء نفسه بالنسبة لكلمة "مباركة". هذه الكلمات أتت من خلفية ثقافية مختلفة، ولهذا، في دراسة البوذية؛ يُعَدُّ أمرًا مُهمًّا جِدًّا أن نُزِيل بقدر الإمكان هذا الإحلال الثقافي للكلمات الذي استخدمه المترجمون الأوائل -فقد كانوا الرواد العظام للدراسات البوذية- نحن بحاجة لأن نكون مُمتنين لمجهوداتهم الهائلة. مع ذلك، فنحن الآن بحاجة للرجوع مرة ثانية إلى اللغات الأصلية للنصوص؛ لاستيعاب المفاهيم البوذية بتعريفاتها في تلك اللغات، ونضعها في كلماتٍ أو عباراتٍ إنجليزية تتوافق مع معانيها.

سؤال: ماذا تقول البوذية عن نظرية التطور لدارون؟

الجواب: نظرية دارون تعالج تطور الهيئات الممكنة في استمراريات ذهنية، والتي يمكن أن يُعاد ميلادها في فترات زمنية مختلفة من تاريخ الأرض. هي لا تصف تطور الهيئات على أنها استمرارية ذهنية فردية، ستحتوي على حيوات لاحقة. هناك فارق كبير بين أشكال الحياة المادية الفعلية على هذا الكوكب، واستمرارية التدفق الذهني الذي يُعاد ميلاده بهم.

بعض التفسيرات عن التطور في النصوص البوذية، قد تبدو غريبةً علينا إلى حدٍّ ما؛ فهي تتحدث عن أشياء كانت في موقف أفضل منَّا في الماضي، ثم تدهورت. سواء أكان هذا حقيقيًّا أم لا فهذا يحتاج إلى استقصاء. ليس كل شيء عَلَّمه بوذا وأتباعه يمكن تأكيده بالعلم، وتلك الأشياء التي لا نستطيع إثباتها علميًّا. فإن قداسة الدالاي لاما على استعداد لاستبعادها جانبًا. قد يكون المعلمون قد أعطوا تفسيراتٍ تبدو غريبة ظاهريًّا لأسباب معينة ولم يقصدوا بها أن تُفهَم حَرفيًّا، فهي قد تشير إلى حقائقَ نفسية أو اجتماعية مختلفة.

رغم ذلك -داخل سياق التطور نفسه- فقد كان هناك يومًا ما ديناصورات، والآن انقرضت. لم يعد هناك كارما، أو بواعث باقية للكائنات؛ كي يُعاد ميلادها كديناصورات على هذا الكوكب الآن. هناك أسس مادية مختلفة متاحة الآن للتدفقات الذهنية لتأخذها كهيئة، وهذا لا يتناقض مع التفسيراتِ البوذية، للأسس المادية المتاحة لإعادة الميلاد من أن تتغير بمرور الزمن.

أثناء مناقشة لقداسة الدالاي لاما مع بعض العلماء، سُئِل: هل يمكن أن تُصبح أجهزة الحاسب الآلي كائنات واعية، وهل يمكنها في يوم ما أن تمتلك أذهان؟ فأجاب بطريقةٍ شيقة قائلاً: "لو وصلت أجهزة الحاسب الآلي، والإنسان الآلي، للنقطة التي يكونون فيها متطورين بالقدر الكافي، ليكونوا بمثابة الأساس للاستمرارية الذهنية؛ فليس هناك سبب يمنع التدفق الذهني من الاتصال بآلة نقية غير عضوية، كأساس مادي لواحدة من حيوات ذلك التدفق. هذا يتجاوز بكثير نظرية دارون!

ولا يعني هذا القول بأن الحاسب الآلي ذهن، ولا يعني أننا باستطاعتنا خلق ذهن صناعي داخل الحاسب الآلي. مع ذلك، إذا تطور الحاسب الآلي بالقدر الكافي؛ التدفق الذهني من المُمكن أن يتصل به ويأخذه كأساس مادي له.

مثل تلك الأفكار بعيدة المنال تجعل أناس العصر الحديث مهتمين بالبوذية. البوذيين شجعان ولديهم الاستعداد لخوض مثل تلك النقاشات مع العلماء، ومواجهة مختلف القضايا السائدة في العصر الحديث. البوذية حية، ونابضة بالحيوية بهذه الطريقة، فليس لأن البوذية لديها فقط الحكمة الأكثر قدمًا من سلسلة المعلمين المتصلة رجوعًا لبوذا؛ ولكن لأنها أيضًا حية وتتعامل مع القضايا المعاصرة والمستقبلية.

سؤال: ما الذي يحدث للتدفق الذهني عندما يصبح الإنسان بوذا؟

الجواب: قبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن أقول: إن بوذا علَّم الكثيرين، وليس كل الأشخاص متشابهين، فالقدرات والميول تختلف من شخص لآخر. كان بوذا ماهرًا للغاية وأعطى تنوُّعًا في التعاليم؛ حتى يجد كل شخص المدخل المناسب لخصائصه/ها وميوله/ها. ومن ثَمَّ، فالتقاليد الأساسية لتعاليم البوذية هي الهينايانا؛ للمتدربين ذوي الأذهان البسيطة، والماهايانا؛ للمتدربين ذوي الأذهان الشاسعة. من بين الثماني عشرة مدرسة للهينايانا، التي كانت موجودة في الأزمنة القديمة، مدرسة الثيرافادا هي فقط الوحيدة المتبقية حاليًّا.

لو إن بوذا قال لشخص ذو ذهن بسيط في طموحه، وهدفه؛ أن التدفق الذهني لكل شخص يستمر للأبد؛ فقد يصبح هذا الشخص مثبَط العزيمة -البعض تطغى عليهم مشكلاتُهم الخاصة- ولذا، قال لهم بوذا: "يمكنكم الخلاص من مشكلاتكم، وأن تصبحوا كائناتٍ متحررةآرهات – وتبلغوا النرفانا. عندما تموتون؛ فستنالون البارينرفانا. في هذا الوقت يتوقف التدفق الذهني الخاص بكم، تمامًا كما تنطفئ الشمعة حينما يُستنفذ الشمع". مثل هذا التفسير لذلك الشخص سيكون مُشجِّعًا جدًّا؛ فلأنه/ها يتمنى الهروب من دائرة المشكلات المتكرِّرة المستمرة، وإعادة الميلاد، ولا ت/يرغب في أن ينزعج بعد الآن. بالتالي، فإن ذلك ذو فاعلية لهذا النوع من الأشخاص. مع ذلك، يُرجى ملاحظة، أن بوذا لم يُعلَّم أنه في النهاية كل التدفقات الذهنية ستصبح واحدة، مثل التيارات المائية عندما تندمج في المحيط. فهذا هو تفسير الهندوسية.

قد يقول بوذا لشخص يتميز بذهن أكثر اتساعًا: "أعطيتُ التفسير السابق لنفع هؤلاء من هم ذوي أذهان بسيطة، ولكن، أنا لم أقصد ما شرحتُه حرفيًّا؛ لأنه في الواقع، التدفق الذهني يستمر إلى الأبد. بعد أن تخلَّصتَ من مشكلاتك، وبلغت النرفانا؛ تتغير خصائص ذهنك، فلا يستمر ذهنك بالطريقة المزعجة نفسها كما كان من قبل". لذا، فبالنسبة للأشخاص ذوي أهداف الأذهان الشاسعة؛ لتحقيق الاستنارة. قد شرح بوذا أن التدفق الذهني في الحقيقة يستمر للأبد- بلا بداية ولا نهاية. حينما تترك الكائنات المستنيرة أجسادها الحالية؛ فإن تدفقاتهم الذهنية تظل مستمرة.

هناك فرق بين الآرهات -الكائنات المتحررة- التي حققت النرفانا، والبوذات المستنيرين بشكل كامل. بينما الآرهات قد تحرَّر من مشكلاته ومعاناته وأسبابهما، فإن البوذات قد تغلَّبوا على كل محدودياتهم؛ وحقَّقوا كل إمكانياتهم لنفع الجميع بأكثر الطرق فعاليةً.

سؤال: هل حالة النرفانا دائمة؟ وعندما نبلغ الاستنارة؛ ننال حالة الاتزان. التي هي ليست سعادة ولا حزن. أليس هذا نوعًا ما من البلادة؟

الجواب: نحتاج أن نتوخَّى الحذر لكيفية استخدام كلمة دائم؛ فأحيانًا يكون لها معنى الثبات وعدم التغيير. المعنى الآخر لكلمة "دائم" هو: الاستمرار للأبد. عندما نبلغ النرفانا؛ نكون قد خلَّصْنا أنفسنا من كل مشكلاتنا؛ هذه الحالة تستمر للأبد. إذا ذهبت المشكلات فقد ولَّت إلى غير رجعة. الحالة التي بها تكون كل محدوديتنا ذهبت، هي أيضًا لا تتغير؛ ستكون دومًا على هذا الحال. مع ذلك يجب ألَّا تكون لدينا فكرة أنه بما أن النرفانا دائمة؛ فبالتالي هي ثابتة وراسخة ولا نقوم بفعل أي شيء ونحن بها. الأمر ليس كذلك؛ فعندما نبلغ النرفانا يمكننا الاستمرار في مساعدة الآخرين، والقيام بأشياءَ مختلفة. النرفانا ليست دائمةً بمعنى توقُّف جميع الأنشطة، وعدم حدوث أي شيءٍ. يجب أن نكون أكثر دقة قليلاً عند استخدامنا لكلمة دائم، وأن نكون واعين لدلالاتها. حالة النرفانا نفسها لا تتغير، والإنجاز الخاص بالتخلص من كل المحدوديات لا يتغيَّر؛ إنه يستمر للأبد. الشخص الذي حقق مثل تلك الحالة – رغم ذلك – يستمر في الفعل.

"الاتزان" أيضًا له دلالات عديدة؛ قد يعني شعورًا حياديًا بألا تكون سعيد ولا حزين -لكن ليس هذا ما اختبره بوذا. بعض الديفات الساميين ينغمسون بذواتهم في غيبوبة من التأمُّل العميق، متجاوزة للشعور بالسعادة أو الحزن؛ فهم يختبرون شعورًا محايدًا تمامًا في تلك الغيبوبات. إنما البوذات يخلصون أنفسهم من تلك المشاعر المحايدة أيضًا؛ بما أنها مرتبطة بالارتباك. عندما نُخلِّص أنفسنا من مشكلاتنا ومحدوديتنا؛ فنحن نُحرر كَمًّا هائلاً من الطاقة التي كانت تُقيدنا سابقًا بالعصبية، والقلق والمخاوف. نحن نختبر تحرر كلِّ تلك الطاقة غير المرتبط بأي ارتباك، على أنه شعورٌ بالغ من الهناء. هذا يختلف تمامًا عن السعادة المعتادة المرتبطة بالارتباك، وهي ليست على الإطلاق محايدة أو بليدة.

استخدام آخر لكلمة اتزان؛ يشير إلى أن البوذات لديهم تساوي تجاه الجميع. كلمة "تساوي" لا تعني لا مبالاة، ولكنها تعني امتلاك موقف داخلي متساوٍ، من العناية والاهتمام تجاه الجميع. البوذات لا يفضلون البعض، ويتجاهلون الآخرين أو لا يحبونهم.