أرشيف بيرزين

أرشيف د. بيرزين البوذية

الانتقال إلى الصيغة النصيَّة لهذه الصفحة. .الانتقال السريع إلى التصفُّح الرئيس

الصفحة الرئيسة > مكانة البوذية في العالم > مقدِّمة عن البوذية > جاذبية البوذية في العالم الحديث

جاذبية البوذية في العالم الحديث

سنغافورة، ۱۰ أغسطس سنة ١٩٨٨ م

هذا النص مأخوذ بتصرف من:
Berzin, Alexander and Chodron, Thubten.
Glimpse of Reality.
Singapore: Amitabha Buddhist Centre, 1999.

السؤال: لقد ذهبتَ هذا العام في جولة تدريسية إلى ست وعشرين دولة؛ من فضلك شاركنا ملاحظاتكم عن كيفية انتشار البوذية في مناطق جديدة.

الجواب: تنتشر البوذية بسرعة حول العالم الآن، فهناك مراكز بوذية في العديد من الدول الأوربية، وأمريكا الشمالية والجنوبية، وجنوب إفريقيا وأستراليا وغيرها. ونجد البوذيين في أوربا ليس في الدول الرأسمالية الغربية فقط، ولكن أيضًا في الدول الاشتراكية في الشرق. فعلى سبيل المثال، في بولندا قرابة خمسة آلاف بوذيٍّ نَشِط. وتجتذب البوذية كثيرًا العالمَ الحديث لمنطقيتها وعلميتها؛ وهو ما أكَّده بوذا فقال: "لا تؤمن بأي شيء أقولُه من باب احترامك لي، لكن اختبره بنفسك وحلِّلْه، وكأنك تبتاع ذهبًا." فعالم اليوم يحب الاتجاهات غير الدوجماتية التي لا تفرض رأيها بغطرسةٍ.

هناك حواراتٌ عديدة بين العلماء وزعماء البوذية، مثل صاحب القداسة الدالاي لاما. فهم يتناقشون معًا، ويبحثون عن الحقيقة. فقد قال بوذا: "إن كل المشكلات تنشأ من عدم فهم الحقيقة؛ من الالتباس في هذا الصدد، فلو أدركنا كُنْهنا، وكيف وُجِدْنا نحن والعالم فلن نخلق المشكلات النابعة من حيرتنا". والبوذية ذات اتجاهٍ منفتح للغاية في البحث عمَّا هو حقٌّ. فمثلاً ذكر قداسة الدالاي لاما أنه إذا ما برهن العلماء على خطأ شيءٍ ذكره بوذا أو أتباعُه، فإنه على استعدادٍ أن يُسقطَه من البوذية وبكل سرور. ومثل هذا الاتجاه جَذَّابٌ للغاية بالنسبة للغربيين.
ومنذ أنْ واءَم العلماءُ في الماضي بين البوذية وثقافة كل مجتمع انتشرت فيه، فمن الطبيعي أن يحتاج معلمو اليوم أن يقدِّموا البوذية في مختلف الدول الحديثة بطرائقَ مختلفة قليلاً. وبوجهٍ عامٍّ فإن البوذية تؤكد على التفسير العقلي داخل السياق، ومع هذا فإن نقاطًا واتجاهاتٍ مختلفة بحاجة إلى مزيدٍ من التأكيد اعتمادًا على السِّمات الثقافية السائدة.

درَّس بوذا مثلَ هذا التنوع في الأساليب ببساطة؛ لأن الناسَ تتباين كثيرًا؛ فليس الجميع يفكِّر بالطريقة نفسها. خذ مثلاً: الطعام؛ فلو كان هناك نوعٌ واحدٌ من الطعام موجود في مدينةٍ ما فلن يروقَ الجميعَ. ومن جهة أخرى، لو وُجِدت أطعمةٌ أخرى ذات نكهاتٍ مختلفةٍ فيمكن آنئذٍ للجميع أن يجد شيئًا ما يروقُه. وبالمثل فقد درَّس بوذا مستخدمًا مجموعةً متنوعة للغاية من الأساليب لتعليم الناس على اختلاف +مشاربهم لينموا أنفسَهم، ويطوِّروا فكرَهم. على أية حالٍ، فإن غايةَ البوذية هي التغلب على قيودِنا ومشكلاتنا وإدراك إمكاناتِنا؛ لنتمكن من تطويرِ أنفسنا إلى الدرجة التي يمكننا فيها مساعدة الجميع قدرَ الإمكان.

وفي بعض الدول الغربية التي تهتمُّ بعلم النفس، مثل سويسرا والولايات المتحدة، فعادةً ما يُقدِّم المعلمون البوذيةَ من وجهة نظر علم النفس. وفي دولٍ أخرى؛ حيث يفضل الناسُ اتجاهًا تعبُّديًّا، مثل العديد من المناطق الأوربية الجنوبية وأمريكا اللاتينية، يميل المعلمون إلى تقديم البوذية بطرقةٍ تعبُّديةٍ، فالناس هناك يميلون كثيرًا إلى الإنشاد، ويمكن للمرء أن يفعلَ ذلك في ممارسةٍ بوذية. ومع ذلك فالناس في شمال أوربا لا يستمتعون كثيرًا بالإنشاد؛ لذا يميل المعلمون إلى الاهتمام بالنهج العقلاني للبوذية هناك.
العديد من الناس في أوربا الشرقية تروقهم التعاليم البوذية بدرجةٍ كبيرةٍ؛ فهم يعيشون حياة كئيبة؛ لأن العديد منهم يعيش حالة من الفراغ، وسواء أكانوا يعملون بجد في وظائفهم أم لا فلا يبدو الأمرُ مختلفًا. فهم لا يرون أيَّة نتيجةٍ، وعلى النقيض من ذلك فالبوذية تعلمهم طرائقَ +ليجاهدوا أنفسَهم، وهذا يؤتي أكُلَهُ بوجود الفَرْق في نوعية حياتهم. هذا يجعل الناسَ مُقدِّرين ومتحمِّسين لوضع أنفسهم تمامًا في ممارسات معينة، مثل السجود آلاف السجدات.

وبهذه الطريقة تُكيِّف البوذيةُ نفسَها مع ثقافة الناس وعقلياتهم في كل مجتمع، بينما تحافظ على التعاليم الرئيسة للبوذية، تلك التعاليم التي لا تتغير، فالهدف هو التغلب على مشكلاتنا وقيودنا وإدراك قدراتنا. وسواء أكان الممارسون يفعلون ذلك باهتمام أكبر على النهج التعبدي أم العلمي أم العقلاني أم النفسي، فإن ذلك يعتمد على الثقافة.

السؤال: كيف تتكيَّف البوذيةُ مع القرن العشرين بوجهٍ عامٍّ؟

الجواب: تتكيف البوذيةُ بالتأكيد على نهجٍ علمي عقلاني لتعاليمها، فالبوذية تعطي تفسيرًا واضحًا لكيفية اكتساب خبرات الحياة، وكيفية التعامل معها بأفضل طريقة ممكنة. ثم هي تدعوك لعدم تقبُّل أيَّ شيءٍ بإيمان أعمى؛ فقط فكِّر بنفسك، اختبر بنفسك، وانظر إذا كان حقًّا ويؤدي معنى أم لا. وهذا الأمر يشابه الأسلوب العلمي، وهو يطالبنا بالتثبت من نتائج تجربة عن طريق إجرائها بأنفسنا، وعندها فقط نقبل بالنتائج حقيقةً. فالناس في العصر الحديث لا يحبون شراء شيءٍ قبل فحصه، فلن يشتروا سيارة دون تجربتها. وبالمثل فلن يتحولوا إلى دينٍ آخر دون التثبت منه أولاً، وهل يعطي معنًى لحياتهم أم لا. وهذا ما يجعل البوذيةَ تجتذب العديد من الناس في القرن العشرين؛ فالبوذية منفتحة على البحث العلمي، وتدعو الناسَ لفحصها بهذه الطريقة.